ثقافة السرد

غيوم وحجارة

قصص قصيرة للكاتب السوداني علي الجاك سعيد

لغة الطير

الاسم مكتوب بأرقام أحادية ساحرة. جلس ويده على الرمل تجمع وتطرح. خطط مربعات ومثلثات ودوائر رمادية. تعلم لغة الطير الغريب، لم يفهمه أحد حاول الطيران فكسر رجله اليمنى القصيرة الوحيدة المصنوعة من الزجاج.
الكيروسين

خطب في الناس المتجمعين خلف حذائه مباشرة: ُمت أمس مرتين لم أر مثلك منذ آلاف السنين.

اهتموا بأسنان غيركم. أكيد أني مجنون.اللحظة الأخيرة تسجن الزمن والمكان. أقف وحدي أحدق في الشراع على الطريق الإسفلتي. أسكب الكيروسين على جثتي ولكنها لاتحترق.أنا لست وحدي. كل شي أمامي. وعندما أرج القارورة يتلون الزبد فقط.

البخار

الآن يغلي جسده في الظلام. البخار يتسلل من فتحات جسده وطيور ملونة تحيطه بنصف دائرة فوق رأسه الأصلع منذ ولادته.

القطار

عند الساعة الرابعة في الظلام تحرك قطار العمال العتيق. دخل ونفث  دخان سجارته الكريه في وجه أقوى رجل في القطار كان لا يحبه. خاف الجميع من معركة خطرة تغير مسار القطار. دخل المسافرون تحت مقاعد القطار وتغطوا بالنباتات المستوردة. همهم الرجل بصوت عالٍ فسقطت المرايا المثلثة ومزقت جسده.

طائر غريب

التقطني طائر غريب الأطوار ، يبكي ويضحك في اللحظة نفسها، فدخلت في عينه العوراء عنوة. نظرت إلى الأرض فرأيت قدراً من الماء تغلي بسرعة هوجاء وتتكون حوله هالات من البخار ترسم خطوطاً بيضاء متقاطعة على هياكل بشرية نظيفة من اللحم ما عدا أعصاب تربطها في فوضى. كانوا جميعاً يشمون البخار في تلذذ طفولي ويمسحون بطونهم وينظرون إلى السماء بابتسامة .

الأخبار

شريط أبيض من الأخبار لا نهاية له .. زواج،طلاق ، حياة ، موت، شرطي ينقذ كلباً ميتاً، ارتفاع أسعار الذهب والبترول. وقف الرجل الجائع أمام التاجر فسأله بألم شديد أن يعطيه قطعة خبز جاف وجبنة نافدة غير صالحة للاستهلاك … لم يعره انتباهة وظل يتابع الأخبار الساخنة.

الآلة

أجناس من البشر يتجمعون في حلقات لولبية، يشكلون آلة ضخمة يخرجون بضائع غالية الثمن مغطاة بماركات عالمية. في النهاية وعلى طاولة عالية مباشرة يقف شخص ضعيف البنية وسوف يصير أعمى بعد أيام قليلة، يصيح في الناس بأعلى صوته «الآلة» فيزداد السكون في المصنع وصاحب المصنع يحدق فيه بإعجاب.

الحمار

توقفت فجأة سيارة فارهة مثلثة الشكل وهي الوحيدة بهذا الشكل والغرابة في المدينة الصغيرة. نزل منها حمار تتدلى على كتفه أفعى سامة مدهونة بالصندل  يعرفها  أهل البلدة جيداً .

الغربان

تحللت الجثث بسرعة ونبتت أزهار في غاية الجمال. أتت الغربان من خلف المحيط وحطت على أكتافها وغادرت.

الحشرات

عندما استيقظتُ من النوم بدأت أمشي على يدي اليسرى. تدلى لساني على الأرض. رأيت أشياء لم أرها في حياتي، رأيت الناس يشبهون الحشرات تماماً. فكانوا هم الظل دائماً يطفون على سطح السماء.

الذباب الهارب

طلبت في أحد المطاعم الشعبية صحن مشاوي بالبهارات الهندية، متبلاً بالخل ومنقوعاً في ماء اللبن الدافىء لمدة عشرة أيام. قدم في صحن مصقول يلمع في كل اتجاه. نظرت إلى الشارع أراقب المارة فلمحت رجلاً رث الثياب يمشي في هدوء وتكاسل ولكن عينيه لا تستقران على حال، كأنهما تلاحقان الذباب الهارب أمامه. ركز نظره على صحن المشاوي، وجرى في الزحام يصدر أصواتاً كالرعد. عندما نظرت إلى الصحن وجدته فارغاً.

خزانة الحديد

توقفت سيارة قديمة مكتوب عليها بحروف واضحة «مواد خطرة» أمام بوابة عتيقة .. أشار رجل ضخم الجثة من دون  أنف ولسان بقدمه، ركل برجله اليسرى فانفتحت خزانة حديدية مثبتة في القاع بجنازير فضية. خرج أرنب صغير بحجم حبة الخردل.

شهادة

ثلاث طلقات رمادية، أبواب تغلق بسرعة. الناس يهربون في كل اتجاه. رجل ممدد على الأرض وفي يده ورقة يشهد  فيها على شهادة وفاته بتوقيعه. الناس خلف الجبل يرقصون على أنغام… على يمينك أيها الرجل.

العقل

نسى عقله عند الشاطىء .عاد في المساء والقمر مغمور بالسحب الشاردة. بدأ يغني ويرقص لأول مرة  منذ طفولته.نام في بيت جاره. عند الصباح رأى الناس لأول مرة في حياته بهذا الجمال.

الحذاء

في نومي العميق أنظف حذائي الوحيد وأحلق لحيتي. أتمدد على خطوط العرض والطول عند منتصف الكرة الأرضية. أستلقي على مرايا مكسرة إلى قطع صغيرة جداً مطلية بماء الذهب وعليها  زجاج معشق الأطراف يعكس كائنات غرائبية. تمددت رجلي اليسرى وخرجت.

الصورة

كان سكان الحي يعيبون عليه قبح عينيه، ولدت أم إبراهيم طفلاً جميلاً. كانت كل مقياس جماله في عينيه الساحرتين  بديعتي الاتزان والزرقة. خلسة حملته إلى أرقى استديوهات التصوير في المدينة. عادت بصورة لطفلها بديعة المشهد. أدخلتها في حقيبتها بعد أن غلفتها بإتقان بورق السولفان اللامع ووضعت على جسدها حريراً شديد الحمرة وأغلقت الحقيبة إلى الأبد. بعد عام وبالمصادفة أخرجت الصورة فسطعت أشعة الشمس عليها فتحولت عينا ابنها. خافت خوفاً شديداً وأسرعت إلى البيت.كان إبراهيم نائماً نوماً عميقاً لكنه يشبه الصورة تماماً.

الجميلة

جلسَت في المقهى الحبشي وسط مجموعة من الأحباش، ربما تكون حبشية من سلالة الطليان من درجة بياض بشرتها، نظر إليها بتلهف وشوق، رقيقة في كل شيء، تقاطيعها كعصفور متناهي الصغر خرج لتوهه. قال إنها من أجمل النساء في الذاكرة، تذكره بمحبوبته التي تركته فجأة من دون أسباب. لم يحيد النظر عنها طوال الجلسة، يتحدث عنها بإعجاب كأنها  ملكة ملكات الجمال. في اليوم الثاني وبتلهف وغِيرة رصدها من أخمص قدميها حتى رأسها فاطمأن عليها. سمع صوتاً يسمع صاحبه فقط من شدة الرقة والحنو، فقال إنها عربية. فقال له زميله ربما أرى أن هنالك قضيباً من الحديد رأسي داخل جسدها لأنها كانت تتحرك ككتلة واحدة. في اليوم الثالث جلسنا بالقرب منهما .الرجل الذي على يسارها يقدم لها الأوراق لتزيل اللعاب الذي يسيل على جانب شفتيها باستمرار. وتتساقط الأوراق المعطنة باللعاب على الأرض وعاملة المطعم تلتقطها باشمئزاز. أحضر أوراق الرسم وسلّمها ورقة بيضاء وقلماً فرسمت دوائر غير منتظمة أفقية ثم أخرى رأسية حتى نهاية الورقة وحولها شخصية طفولية. قدم لها رسمة مكتملة بالألوان فصاحت «هذي ماما وهذا بابا». عندما تركت المكان ظهر على مؤخرتها ماء فعرف كذلك أنها في عالم آخر!!!.

طز فيك

بعد أن تناولت المعتوهة رقيقة الشكل الشاي عند المقهى الذي تتردد عليه كثيراً ذهبت مباشرة لعاملة المطعم واللعاب يسيل بغزارة على خدها وقبلت وجنتها بحب شديد ولكن صعقت العاملة وحاولت أن تخرج من انقضاضها. أدارت العاملة وجهها وجسدها بقوة. تحركت المعتوهة وقالت بعنف«طز فيك» وهي تبتسم وخرجت. ربما تعود غداً.

الشاورما

صاحب مطعم على الشارع العام يرغي ويزبد. عندما يريد أن يصف لك شيئاً قريباً يفتح صدره ويزمجر ويؤشر لك بعيداً كأنه يريد أن يرشدك إلى  كوكبٍ آخر. فعلمنا أنه في الليلة الماضية أخبره موظف البلدية أن يدخل ماكينة الشاورما في المحل.

الظل

يكذب على نفسه دائماً. حاول أن يكذب على ظله فنظر إلى أسفل فلم يجده.

أنف الخنزير

نظر كل الناس إلى بعضهم بعضاً فرأوا أفيالاً وقططاً وأنوف خنازير وكلاباً ضالة وسباعاً وضباعاً وعصافير، فعرفوا أن أصل الإنسان ليس قرداً.

الرسائل

خرج من المشرحة بعد أن مات أمس في حادثة سرقة بعد أن قبض متلبساً يحمل قطعاً جديدة متقنة الصنع من الفلافل. حمل رسائل من أناس عاديين يوعدون أحبتهم بالزواج قريباً. بعدأن سأل عنهم علم بأنهم ماتوا. فصدق كل شيء.

النهاية

أخرج من غير رجعة أيها الغبي. خرج ولكنه عاد مع المطر، كان سيلاً ورعداً وبرقاً. فكانت الأرض طاهرة من كل شيء.أين نحن الآن منك. استرح وامح خطوات الظل القادم .نظر في المرآة فشاهد شخصاً لا يشبهه،تقدم وكسرها. اشترى أخرى وعلقها فوق سريره مباشرة، رأى ذلك الغريب قد صار كهلاً. أرجعهاً إلى صاحبها واشترى أخرى سوداء، وضعها على طاولة الطعام، في المساء أزال عنها الغطاء وفي الظلام تلمس سطحها بكل رهبة، فسمع أصواتاً بعيدة تدق أجراساً وطبولاً فعلم أنها النهاية.

الرزق

يقف الناس في نهاية الأسبوع في صف طويل جداً لتسلم أرزاقهم.كان الجو حاراً ورطباً والناس يتكدسون فوق بعضهم بعضاً. أغلق المحل أبوابه قبل أن يتسلم حصته. نام حتى الغد.

العاشق

يشاهدها كل يوم. يقف وأدوات تنظيف المراحيض بين يديه الهزيلتين يغني ويحلم بالزواج منها. دخلت فجأة فلمحته بابتسامة، شعر بإغماء ونسائم ناعمة وعطرية تدخل رئته المهترئه من تدخين السجائر الرخيصة. عندما خرجت نظرت في وجهه باحتقار مثل كل الناس في المدينة وهم كثر. دخل يغسل الحمام حتى مات وهو يغسل. عادت غداً ولما علمت بموته انتحرت. انتظرها عند حافة المقابر فرحاً

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق