قراءات ودراسات

المصادر الأدبية في روايات “غابرييل غارسيا ماركيز”

بن علي لونيس *

لمّا كان “غابرييل غارسيا ماركيز” 1927- 2014 تلميذا في مدرسة “مونتسوري” بكلومبيا، كان قد اكتشف ولعه بالقراءة، وتحديدا بقراءة الأدب، وكان متفوقا بين زملائه خاصة في كتابة الشعر، حيث ذاعت شهرته في المدرسة بما كان ينشره من شعر ساخر، ردّا على تهكم أصدقائه في المدرسة بسبب شكله المنفّر. يتذكّر ماركيز النصوص الأولى التي قرأها مثل: “جزيرة الكنز” و«مغامرات الكونت دي مونت كرستو”، لكنّ النص الذي ظلّ محفورا في ذاكرته لمدّة طويلة، واعتبره أفضل حكاية قرأها فأعجبته، كان كتابا عثر عليه في صندوق في مستودع البيت، وكان الكتاب في حالة يُرثى لها، ومع ذلك قرأه بافتتان، وسحرته أجواء حكاياته العجيبة، آنذاك لم يعرف هوية هذه الحكايات إلاّ بعد مرور سنوات حين اكتشف أنّ تلك الحكايات ليست إلاّ حكايات “ألف ليلة وليلة”.
فنصوص ألف ليلة وليلة كانت ومازالت مصدرا ملهما لأدباء أمريكا اللاتينية، أمثال “لويس خورخيه بورخيس” و«باولو كويلو” وغيرهما.

ثمّ اكتشف “ماركيز” الأدب الحداثي، وكانت رواية “المسخ” لفرانز كافكا بترجمة “بورخيس “ الرواية التي دفعته لأن يكتب قصصا بأسلوب فانتازي، فقد أعاره أحد الأصدقاء هذه الرواية، واكتشف رواية لم يألف مثلها من قبل، بسبب أسلوبها الفانتازي، وأجوائها الميتافيزيقية التي تدور حول اغتراب الإنسان في الوجود، وحول السلطة الأبوية القمعية. وبعد يوم واحد من قراءة هذه الرواية جلس “ماركيز” لكتابة قصة اختار لها عنوان “الاستسلام الثالث” التي اعتبرها النقاد أوّل عمل أدبي لماركيز بصفته شخصا مهيّأ للنظر إلى نفسه على أنّه مؤلف لديه ما يطرحه من كتابة جادة. بعد أسبوعين أرسل ماركيز القصة إلى صحيفة “الاسبكتادور إن ثالاميا بوردا”. وذات صباح كان جالسا في مقهى “مولينو”، وكانت دهشته كبيرة حين شاهد عنوان قصته يغطّي صفحة كاملة من ملحق “عطلة نهاية الأسبوع”، فخرج مسرعا لشراء نسخة من الجريدة، لكنه اكتشف أنّه لا يملك ثمنها، فاضطر لطلب المساعدة من أحد أصدقائه الذي تكفل بشراء النسخة. كان ماركيز في غمرة السعادة حين فتح الجريدة على الصفحة الثالث عشر ليجد قصته “الاستسلام الثالث” مع رسم توضيحي للفنان هيرنان ميرينو”. تحفّز ماركيز أكثر، فأرسل قصة ثانية بعنوان “ايفا تتقمّص قصّتها”، هنا بدأت الصحافة تكتب عن هذا الأديب الجديد، وقرأ ماركيز عمودا أدبيا خصّه صاحبه بالحديث عنه: “إننا نشهد ولادة أديب مدهش في غارسيا ماكيز”. كان هذا كافيا لماركيز الشاب ليجد كل المبررات الكافية والمُقنعة لإهمال دراسة الحقوق، فأبواب الأدب مشرعة أمامه، والجميع يعرف أنّ أسرته كانت ضد هذا الخيار، وقد كتب هذا في مذكراته “نعيشها لنرويها”.

لم يخف ماركيز إعجابه ببعض تجارب الأدباء الأوربيين أو الأمريكيين أمثال “وليام فوكنر” أو “إرنست همنغواي” خاصة وأنّهما نسجا أساطير من حولهما ومن حول كتاباتهما، فقد تحوّلا إلى نماذج متميزة في كتابة الرواية ولكن شهرتهما حلقت بهما مثل نجوم السماء. كان معجبا جدّا بروايات “فوكنر”، ففي عام 1949 كتب مقالا بعنوان “جائزة نوبل مرة أخرى” توقّع فيه عدم فوز فوكنر بجائزة نوبل، وهي السنة التي لم تمنح فيها الجائزة لأيّ كاتب، والسبب أنّ أدبه جيّد أكثر ممّا ينبغي! وفي عام 1950 تحصّل فوكنر على نوبل، وقال عنه ماركيز إنه أعظم أدباء العالم المعاصر وواحد من أعظم الأدباء على مرّ العصور. لقد بلغ تأثير فوكنر عليه درجة أخذ فيه ماركيز يطرح على نفسه سؤالا مقلقا: أتراه سرق فولكنر؟

كما تأثّر بفيرجينيا وولف ولاسيما روايتها “السيدة دالاوي” حيث ألهمته إحدى شخصيات روايتها فاتخذها اسما مستعارا ينشر به مقالاته في الصحف.

أمّا تأثّره بالأديب الأرجنتيني “خورخيه لويس بورخيس” فكان عميقا، بل هناك من ذهب إلى وصف روايته “مئة عام من العزلة” بأنّها رواية “بورخيسية”. كان يعتبر ماركيز هذا الأديب الأعمى بكافكا أمريكا اللاتينية، فحرص على نشر الكثير من قصصه في بعض أعداد مجلة “كرونيكا” التي كان يشتغل فيها. ومصدر إعجابه بهذا الأديب هو فلسفته في الكتابة، خاصة نظرته إلى المصادر التي يستمد منها الأديب إلهامه وموضوعاته، فبورخيس من الأدباء الذين لم يحترموا مصادرهم لأنّها في نظره مضللة، فالأديب الحقيقي هو الذي يبتكر “أسلافه” كما كان بورخيس يبتكر أدباء وكتبا لا توجد في الواقع، بل هي جزء من مكتبته الخيالية.

*ناقد أدبي

المصــادر:

1 ) – جيرارلد مارتن، سيرة حياة (غابرييل غارسيا ماكيز) تر: محمد درويش، الدار العربية للعلوم ناشرون بيوت، ط01، 2010.

2 ) – غابرييل غارسيا ماركيز، نعيشها لنرويها، تر: رفعت عطفة، ورد للطباعة والنشر والتوزيع، سورية، ط01، 2003.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق