ثقافة المقال

الفضل بين التفضيل والابتلاء

معمر طاهر الشريف

” الفضل هو الإحسان بلا مقابل ، أو النعمة أو الهبة .”
أينما تول وجهك وأنت تتجول في مددنا ، وقرانا ، وأحيائنا ، في مختلف الجهات تجد هذه العبارة مكتوبة بخط عريض ، مزخرف ، وجميل ……. ” هذا من فضل ربي “
في المحلات ، في البيوت ، في الدور ، في القصور ، في المركبات الفاخرة ، الخفيفة منها والثقيلة …السياحية منها والنفعية ، العامة منها والخاصة …ويعتقد مستعملوها أن الذي يمتلكونه ويضعون هذه الآية عليه إنما يعبر عن نعمة أنعم الله بها عليهم ، وقد فضلهم بها عمن سواهم ، وأبسط شكر يمكن أن يشكروا الله به على هذه النعم ، هي المجاهرة بأنها من عند الله ..وقد تكون اقتناعا حينا ..أو اتباعا لغيرهم أحيانا أخرى خوفا من العين و الحسد ، وكيد المبغضين ، أو رياء فقط لأنهم يعلمون جيدا دون سواهم كيف جاءت هذه الأشياء ، والسبل التي أوجدتها ….
ولكن الذي قد يغيب عن أذهان هؤلاء هو أن الآية مبتورة من معناها الحقيقي الذي أراده الله لها في القرآن الكريم …والآية وردت في سورة النمل : ” قَالَ الَّذِي عِندَهُ عِلْمٌ مِّنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ۚ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)
والمتمعن في الآية يجد أن مدلولها يعبر عن الابتلاء ،والامتحان والاختبار وليس التفضيل …فهي وسيلة ، وليست غاية أو هدف ، وهي طريقة وسبيل وليست نتيجة ….الشيء الذي أعطاء الله للإنسان في الحياة الدنيا هو للاختبار والامتحان وليس للتفضل ، تماما كامتحان المنع الذي ابتلي به الفقير .. فهناك من يشكر و يعترف ، ويوظف هذه النعمة التي أنعم الله بها عليه كما أرادها الله سبحانه وتعالى أن تكون ، وهناك من يتعالى ويعتقد أن الذي أوتيه كان على علم أو نباهة أو ذكاء أو حيلة كما ورد عن لسان قارون : ” قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَىٰ عِلْمٍ عِندِي”القصص الآية 78 ..
ومنهم من يعتقد أن الذي منحه الله له كان ليفضله على بقية الخلق ، وجاء عن حب الله له دون سواه ، وتفضيله بهذه النعم دون سائر الخلق : ” وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِّنَّا مِن بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَٰذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّجِعْتُ إِلَىٰ رَبِّي إِنَّ لِي عِندَهُ لَلْحُسْنَىٰ ۚ فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ” فصلت الآية 50 لذلك قد يتباهى بها على الناس ويفتخر بها عليهم ، ويتعالى البطر في نفسه إلى الدرجات العلى .
تماما كما يشعر الفقير أن الله سبحانه وتعالى فضل غيره عليه في الرزق والهبات ، ويصرح قانطا أن ليس لي ما أشكر الله عليه ، ظنا منه أنه مظلوم بهذا الابتلاء الذي جاء مغايرا للذي كان من الله تجاه الغني .
وعندما نسترسل لمواصلة التدقيق في المعاني التي أتت بعد هذه العبارة التي يكتبها الناس على ممتلكاتهم المادية الثابتة والمتحركة ماذا نجد ؟
الفضل المذكور في الآية يفصح عن الهبات التي وهبها الله لنبيه سليمان بن داوود عليهما السلام ، في تطويع الإنس والجن والطير، والعلم والمعرفة ،وإماطة اللثام على كثير من خوارق الكون وما يميز مخلوقاته والكثير من قوى الطبيعة ، وأقصى درجات التفضيل التي أيد الله بها نبيه سليمان هو تسخير قوى كل هذه الكائنات لخدمته ، وخدمة مراد الله في الكون ، وتجلت عندما أتاه عرش بلقيس ملكة سبأ في طرفة عين مخترقا قوانين الطبيعة المألوفة عند البشر ، التي يعجزها طول المسافة ، والحاجة إلى القوة المادية لاختراق جنود جيش سبأ ، والأسوار التي أغلقت على عرش الملكة بلقيس ، عندما أحست بالخطر المهدد لعرشها وملكها من هذا الذي أنذرها بالرسالة التي ألقاها إليها عبر هذا الهدهد الصغير .
عندما رأى النبي سليمان عليه السلام عرش بلقيس ملكة سبأ ماثلا أمامه ، اعترف بفضل الله عليه ، وتمييزه له بما لم يميز به أحدا من الناس قبله ولا بعده ، ولم يفتخر ويأخذه الغرور ، وتتعالى نفسه بالانتفاخ على خلق الله ، و لكنه استكان لطبيعته البشرية ، وأفصح عن ما ميز به بأنه للابتلاء والامتحان ، وليس للتفضيل المطلق على العباد والخلق : ” فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِندَهُ قَالَ هَٰذَا مِن فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ ۖ وَمَن شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ ۖ وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)
هل المنح نعمة والمنع نقمة ؟؟ !!
مثلما ابتلى الله الفقير بفقره والغني بغناه ، ابتلى العالم بعلمه ، والقوي بقوته ، والصحيح بصحته ، والسقيم بمرضه ….
لا الغني مفضل على الفقير بغناه …ولا الفقير محتقر أمام الغني بفقره ….وقد تكون درجة التكليف للعالم الذي وفقه الله إلى ما طلبه من علم أكثر من الإنسان العادي الذي لم تتحقق له أسباب طلب العلم وتحصيله كما توفرت للعالم …
وقد يكون العالم أكثر إحساسا بالمسؤولية التي يحس بها الإنسان العادي تبعا للعلم الذي مكنه الله منه …وأكثر تفكيرا وانفعالا من غيره :
ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم
وقد تكون دركات العالم أكثر غورا عندما يوظف هذا العلم الذي رزق به لأهداف غير بريئة ، ويتطاول به على البشر ، ويبالغ في إذلالهم أو استغلالهم به ، فيخسر خسرانا مبينا في معركة الاختبار ،
هذه المعركة التي قد يفوز بها غيره ممن لم توفر لهم الحياة أسباب طلب العلم وامتلاكه …..فيعيشون حياة بسيطة ، يضمنون بها حسن الذكر والثناء في الدنيا عند الناس ، و التطلع إلى حياة أعظم وأكرم عند الله ….
ولكن يمكن أن تكون درجات هذا العالم في الحياة تتهادى في العلا والرفعة والسمو إذا عرف قيمة الذي ميزه الله به، ومكنه منه ، لخدمة نفسه ومجتمعه وأمته والإنسانية ….
فالعلم والمعرفة هما وسيلتان للتكليف بالزيادة ، تظهر نتائجهما المبهرة أو المخيبة ، عند استعمالها فيزداد بهما الإنسان إما توهجا ، و إما خفوتا ، فوزا أو خسارة …..تبعا للشكر ، أو الكفر ، كما ورد على لسان سيدنا داوود عليه السلام .
وما قيل عن ثنائية العلم والأمية ، تقال عن ثنائية الغنى والفقر ، ثنائية المعرفة والجهل ، ثنائية الامتلاك والحرمان ….كلها أرادها الله لحكمة بالغة ….ليس الهدف منها تفضيل المالك وتكريمه ، وحرمان الآخر من الفضل والخير لإهانته وإذلاله ….كلها للاختبار والابتلاء ….الفائز الوحيد هو من وظفها لمراد الله الإيجابي في الكون ….
هل السعادة تكمن في حيازة الأكثر ؟
حتى السعادة التي يتشدق بها البعض ، ويصفون أسباب امتلاكها أو أخطاء فقدانها …ويعتبر الكثيرون أن منشأها يكمن في امتلاك الكثير ، وخاصة المال كما يظهر جليا في اعتقاد الكثير من الناس و قناعاتهم والتي تركز في معظمها على أن قوة الامتلاك تكاد تساوي قوة الحياة والسعادة فيها ،
المال ضروري في الحياة ، وهو سبب من أسباب التمكين فيها ، لكنه ليس هو السبب الرئيس ، وإذا أردنا أن نستشهد بالمثال الحي فلننظر إلى المال الذي بأيدي العرب ، هل استطاع أن يغير في واقعهم شيئا ، هل استطاع أن يسعد الشعوب ، أو يرقي الأمم ، ويمكن لها ما ترجوه من الحياة ، بل في الكثير من الأحوال ينقلب هدا العامل إلى شر مستطير يساعد على الشذوذ عن الواقع الذي يجب أن يكون ،…ويوظف في تخدير الشعوب بما يلهي من غناء وطرب ، و انحراف ينزل بالإنسان إلى ما تحت درجة الحيوانية ، لأن الحيوان سيكون أشرف وأنقى في هكذا مواقف ، لأنه مقيد بالغريزة التي ضبطه الله عليها لا يتعداها ولا يتمرد عليها …
السعادة أيها السادة ليست هي حقيقة ثابتة ، نتوصل إليها عن طريق تتبع خطوات دقيقة وموزونة ….السعادة نقطة نصل إليها ، وليست فضاء ننطلق منه …على الإنسان أن يعمل ويشقى ويتعب من أجل أن يكون سعيدا بسعيه في الحياة ، مهما كان هذا السعي متعبا أو شاقا ، مهما كامن هذا السعي مربحا أو مخسرا ….المحاولة في الحياة هي التي تجلب السعادة للفرد ….وليست هي صورة مشتركة يراها الجميع بنفس الصيغ والأحوال … نحاول أن نمتلكها أولا لننطلق منها لنعيش الحياة …..
قد يرى المريض سعادته القصوى في الشفاء ، ولا سعادة غيرها يشتهيها ، ولو حاز مكامن كل كنوز الدنيا …
يحكي أحدهم يصف اللحظات الأخيرة التي ودع فيها أحد الناس الدنيا ، وصدره يعلو ، ويهبط جراء ضيق في التنفس ، وهو يقول : أريد هواءً ، أريد هذا الهواء الذي تتنفسونه بالمجان ، ولا تقدرون قيمته …ابحثوا عنه علني أجده يباع فأشتريه ، وأدفع من أجل امتلاكه الغالي والنفيس ،…ويترجانا فتح النوافذ عن آخرها ….
ولا أظن أن هذا الإنسان الذي يتشوق إلى جرعة هواء ، يشترط أن تكون معطرة ، لكي يقبلها ….ستعبها رأتيه بكل قوة حتى ولو كانت ملوثة ….
وقد يرى الجائع كل سعادته في كسرة خبز تعيد له الحياة ، وتبعد عنه شبح الموت ….ولا سعادة غيرها تتراءى أمام عينية في لحظات المسغبة التي يقاسيها ، عندما تتقطع به الأسباب عن أهله وقومه وماله ، ويتمنى أن يدفع كل ما يملك مقابل هذا الكنز العظيم ، الذي يرميه غيره يوميا في أكياس القمامة …
قد يكون الرجل غنيا في قومه ، خيره يحجب ضوء الشمس عن الآخرين عندما يتراءى لهم في الصباح ….وقد تضعه ظروف الحياة في موقف الذي يتسول كسرة يجبر بها روح الحياة فيه ، ويدفع من أجلها ماله ، وكل ما يملك ، حتى ولو كانت مرماة عند غيره في قارعة الطريق ….يلتهمها بشره ، ويجدها أشهى مما مر عليه من طعام الموائد الفاخرة التي كان يقيمها لظيوفه ، و” عند الجوع لا يوجد خبز سيء ” كما يقول بولو كويلو
وفي كل مجالات الحياة ، تكمن أقصى صور السعادة في امتلاك الذي يسعى الفرد لامتلاكه ، طالب العلم يريد النجاح ، والفقير يرد الكفاف ، والمشغول يريد راحة ، والمرتاح يريد ما يشغل باله …..وهكذا
وقد وصف العقاد هذا الموقف ببراعة حيث قال :
صغيرٌ يطلبُ الكِبرا ..
وشيخٌ ود لو صَغُرا
وخالٍ يشتهي عملاً
وذو عملٍ به ضَجِرا
ورب المال في تعب
وفي تعب من افتقرا
وذو الأولاد مهمومٌ
وطالبهم قد انفطرا
ومن فقد الجمال شكا
وقد يشكو الذي بُهِرا
ويشقى المرء منهزما
ولا يرتاح منتصرا
ويبغى المجد في لهفٍ
فإن يظفر به فترا
شُكاةٌ مالها حَكَمٌ
سوى الخصمين إن حضرا
فهل حاروا مع الأقدار
أم هم حيروا القدرا ؟”
وأعلى صور السعادة والراحة هي تلك التي يحاول الإنسان أن يمتلكها بالجهد والتعب ، والسعي الحثيث ، ثم يحققها …
يقول أبو تمام للمعتصم :
بصرت بالراحة الكبرى ولم ترها
تنال إلا على جسر من التعب
سعادة المنع :
قد يكون الإنسان سعيدا وسط محيط يحدق به المنع والحاجة من كل جانب ، ولكن متى تيسرت أحواله وتحصل على الأشياء التي كانت تنقصه ، لم يحس بطعم السعادة التي كان يعيشها ، في هذا الواقع الجديد ،
قصة الملازم الياباني هيرو أونودا :
أرسل الضابط في الجيش الإمبراطوري الياباني هيرو أنودا عام 1944 إلى جزيرة لوبانغ الفيليبينية …وكانت الأوامر التي تلقاها من قادته ، هي إبطاء حركة القوات الإمريكية إلى أقصى حد ممكن …والثبات والقتال مهما كانت التكلفة ، وعدم الاستسلام على الإطلاق ..
استولت القوات الامريكية عام 1945 على جزيرة لوبانغ ، وخلال أيام قتل من قتل من الجنود اليابانيين ، واستسلم البقية ، ولكن الملازم أنودا وثلاثة من رجاله نجحوا في الاختفاء في الأدغال ،وراحوا يشنون حرب عصابات ضد القوات الامريكية ، ويهاجمونها بأية طريقة يستطيعونها .
استسلمت اليابان بعد إلقاء القنبلتين النوويتين على أراضيها ، إلا أن الجنود اليابانيين المبعثرين في جزر كثيرة من المحيط الهادي ، لم يعلموا بأن الحرب قد انتهت .
ألقت القوات الامريكية بالتعاون مع حكومة اليابان آلاف المناشير في منطقة المحيط الهادي تؤكد نهاية الحرب ، ولكن أنودا ورجاله اعتبروا أن الأمر فخ عندما عثروا على هذه المناشير ، فأحرقوها وواصلوا الاختباء ، وتابعوا حرب العصابات .
بعد خمس سنوات حاول سكان الجزيرة الصغيرة لوبانغ العودة إلى حياتهم الطبيعية في الزراعة وصيد الأسماك ، إلا أن أنودا ورجاله واصلوا حرق محاصيل القرويين ، وسلب مواشيهم ، والتصدي لكل قروي يريد التوغل في الأدغال ، وأطلقت مناشير أخرى تؤكد أن الحرب قد انتهت ، وأن اليابان قد خسرت الحرب .
وبعد سبع سنوات ، سئم قرويو جزيرة لوبانغ وضعهم فقرروا حمل السلاح لحماية محاصيلهم ، ومواشيهم ، وفي عام 1959 استسلم أحد رفاق أنودا وقتل آخر ، وأخر رفاق أنودا كان يسمى كوزوكا قتل أثناء تبادل إطلاق النار بينما كان يحرق حقول الأرز ، وبقي أنودا وحيدا .
في سنة 1972 بُلغت اليابان بمقتل كوزوكا ، ولكن الشعب الياباني كان يظن أن آخر جنوده قد عاد إلى الوطن ، وبدأت وسائل الإعلام تثير الموضوع ، وتتساءل عن إمكانية وجود جنود يا بانيين لا زالوا في أدغال المحيط الهادي ومنهم الملازم أنودا . وفي تلك السنة أرسلت اليابان والفيليبين فرقا للبحث لكنها لم تجد أحدا .
سمع شاب مغامر يدعى سوزوكي بقصة أنودا ، وقرر خوض غمار هذه المغامرة الشيقة ، فسافر إلى جزيرة لوبانغ ، وبدأ التجوال في الأدغال ، و أخذ ينادي بصوت مرتفع باسم أنودا ، و كلل عمله بالنجاح في مدة أربعة أيام ، والتقى الشاب المغامر ، بالضابط اللغز ،
ويعلق المؤلف على حياة أنودا في الأدغال : ” إن من الصعب تخيل كيف كان ممكنا للملازم أنودا أن يكون سعيدا في تلك الجزيرة طيلة ثلاثين عاما ، يعيش على الحشرات والقوارض ، وينام على الأرض الترابية “
أونودا الذي حرم من كل شيء ، لكنه عاش ثلاثين عاما قانعا بالذي أوتيه ، سعيدا بالهدف الذي أرسل من أجله : الثبات ، وعدم الاستسلام ….ولكن قصة أنودا لم تنته بعد ، ستتعرفون على نهايتها في العنصر الموالي
تعاسة المنح :
عاد الملازم أنودا إلى اليابان ، وأصبح بطلا قوميا ، تحتل قصته العجيبة الكثير من واجهات الصحف ، وتسابقت المحطات التلفزيونية على استضافته ، و خصصت له الدولة مبلغا كبيرا من المال .
ألا أنه ومع مرور الأيام التي قضاها بين قومه ، اكتشف حجم المجتمع الاستهلاكي الذي ضيع القيم التي نشأ عليها جيله ، والشباب الذي تخلى على عاداته وتقاليده ، والنساء المتهتكات بملابس غربية ،
هنا توصل إلى الحقيقة المرة التي مفادها أن اليابان التي ضحى من أجلها لم تعد موجودة ، وأن معاناته التي عاناها طيلة ثلاثين سنة ، وصبره على الحفاظ على مبادئ أمته ، أصبح ليس له معنى …
وفي سنة 1980 حزم الملازم هيرو أنودا أمتعته ورحل إلى البرازيل ، فأقام بها حتى مات …..
القصة أوردها الكاتب مارك مانسون في كتابه ” فن اللامبالاة ” في فصل قيمة المعاناة من الصفحة 87 إلى الصفحة 95
السعادة ليست دوما بالمنح الكثير والامتلاك الواسع …..وكذلك التعاسة لا يكون دائما سببها هو المنع والحرمان …..
وأخيرا :
نتمنى لإخواننا الذين يرفلون في نعم الله الغالية مهما كان نوعها ، مادية معنوية ، كثيرة قليلة ، ظاهرة ، باطنة ، أن تكون هذه الأفضال نتيجة حتمية لشكر نعم الله عليهم ….و أن يكونوا هم المعنيون من الآية : ” وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ” ولا يكونوا من الذين شملتهم الآية : ” وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ ” إبراهيم) 7(
وأن يوظفوها من أجل مساعدة شعوبهم وأممهم ليبلغوا فضيلة التمكين في الأرض ، لينالوا سعادة الدنيا والآخرة …..
ونبتهل إلى الله مع فتية الكهف قائلين : ” ….. رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا ” الكهف (10)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق