قراءات ودراسات

الشاعر أمل دنقل أيقونة الرفض والمفارقة

بقلم : محمد على عزب

مدخل (1) السيرة الذاتية للشاعر أمل دنقل

ولد الشاعر المصرى العربى الكبير  محمد أمل دنقل فهيم محارب فى 23يونيه سنة 1940م بقرية القلعة ـ  مركز قفط ـ محافظة قنا، وقد حصل والده على شهادة العالمية من الأزهر الشريف فى السنة التى وُلِد فيها أمل فسمّاه بهذا الاسم تيَمُّنَّا به،  وكان الوالد هو الوحيد فى قرية القلعة الذى حصل على تلك الشهادة فى ذلك الوقت، وقد مات سنة 1950م وقد كان أمل أكبر الأبناء هو المسؤول عن الأسرة فى ذلك السن، وبعد أن أنهى أمل دنقل  دراسته الثانوية اضطر للعمل فى شركة أتوبيس الصعيد بقنا وفى ذلك الوقت  راسل بعض المجلات والصحف لنشر قصائده وبالفعل نشرت له مجلة صوت الشرق قصيدتى “راحلة ” و” سأحمى انتصارات الشعب ” فى شهرى يونية وستمبر سنة 1958م… انتقل أمل دنقل للقاهرة مع عبد الرحمن الأبنودى ويحيّ الطاهر عبد الله وعبد الرحيم منصور سنة 1959م، ولكن أمل لم يحتمل قسوة الحياة فيها فعاد اٍلى قنا واستقر بها عام ونصف، ثم سافر أمل اٍلى القاهرة سنة 1962م مرة أخرى ومنها انتقل اٍلى الأسكندرية وبدأ دراسة الأدب العربى فى جامعة الأسكندرية لكنه لم يواصل وانتقل اٍلى السويس ليعمل فى مكتب مقاولات هناك، ثم ترك السويس وانتقل اٍلى القاهرة ليعيش بها  وفى شهر ستمبر 1979م بعد تسعة أشهر من زواجه  هاجم مرض السرطان جسد أمل دنقل للمرة الأولى وأجرى الدكتور اٍسماعيل السباعى عملية جراحية فى مستشفى العجوز لاٍستئصال الورم وأخبر أمل أنه اٍذا مرت خمس سنوات قبل أن يظهر الورم مرة أخرى فاٍن فاٍن شفائه من المرض سيكون مضمونا، ولكن المرض لم ينتظر وظهر ورما آخر وكانت الجراحة الثانية فى مارس 1980م،  وحاول  أمل أن يتجاهل هذا المرض ويتناساه عن عمد حتى هاجمه السرطان بشراسة فى فبراير 1982م وكان لا بد من دخول أمل المعهد القومى للأورام  وأقام أمل دنقل  فى الغرفة ” 8 ” حتى وفاته  فى 21 مايو  سنة 1983م .

أعمال أمل دنقل :ـ

ـ البكاء بين يدى زرقاء اليمامة ـ 1969م

ـ تعليق على ما حدث  ـ 1971م

ـ مقتل القمر ـ  1974م

ـ العهد الآتى 1975

ـ أقوال جديدة عن حرب الباسوس  ـ  1979م

ـ أوراق الغرفة رقم  ” 8 ”  ـ 1983م  صدر بعد وفاة الشاعر  أمل دنقل

(2) منطلقات شعرية الرفض عند أمل دنقل

كانت كلمة ” لا ”  بشكلها الخطى فى الفضاء البصرى ( الحيز الذى تشغله الكتابة ذاتها باعتبارها حروفا مطبوعة على  مساحة الورق ) تمثل ذراعى الثائر الرافض المرفوعين لأعلى ، وجناحىّ الطائر المحلّق فى أيقونة الرفض والمفارقة أيقونة الشاعر أمل دنقل وشعره الذى تناول فيه قضايا الواقع بمنظوره الفنى الخاص، ولم ينطلق أمل دنقل فى رفضه من خطاب سياسى أيدلوجى لحزب أو حركة تتبنى  نظرية سياسية معينة يكون الشعر  مجرّد أداة اٍعلامية وبوق دعائى خادم لها،  بل كان الرفض عند أمل دنقل ينطلق من  رؤيا شعرية خاصة بشاعر عاش واقعه المعاصر وأبرز فى خطابه الشعرى الاٍنسانى نواقص وتناقضات هذا الواقع .

وكان أمل دنقل معارضا لنظام عبد الناصر ويرى أن عيوب هذا النظام كانت السبب فى نكسة يونية 1967م، وقد عبّر أمل دنقل عن ذلك شعريا فى ديوانه الأوّل ” البكاء بين يدى زرقاء اليمامة “، ومن أمثلة ذلك تعبير أمل دنقل شعريا  فى قصيدة ” كلمات سبارتكوس الأخيرة “عن رفضه لنتيجة الاٍستفتاء الذى أجراه عبد الناصر فى سنة 1962م وحصل فيه على نسبة 99%، حيث اتخذ من شخصية ” سبارتكوس ” محرّر العبيد الذى قناعا شعريا يبث من خلاله رؤياه الشعرية الرافضة، وقد استعار أمل دنقل هذه الشخصية من  التراث الرومانى  على غير عاداته الذى عُرف وتَميّز بها وهى توظيفه للتراث العربى الاٍسلامى فى شعره، ووفقا للسياق الشعرى الذى ورد فيه توظيف هذه الشخصية فاٍن أمل كان موفقا فى استحضارها وصبغها بصبغة مصرية عربية حيث أن شخصية ” سبارتكوس ” كانت تتبنّى وتجسّد حلما اٍنسانيا أمميا من الدرجة الأولى يرفض الرقّ والعبودية ويثور على القياصرة، كما أن أمل دنقل اختار لأحداث القصيدة أن تدور فى شارع الاٍسكندر الأكبر فى مدينة الأسكندرية التى تجسّدت فيها ذورة التفاعل بين التراث المصرى والعربى والتراث الاٍغريقى والرومانى، وبذلك عمل أمل دنقل على التقريب بين شخصية ” سبارتكوس ” وبين تراثنا الوطنى والقومى الذى يمثل الذاكرة الثقافية  للقارئ العربى  الذى كان أمل دنقل حريصا على التواصل معه :

يا اٍخوتى الذين يعبرون فى الميدان مطرقينْ

منحدرينَ فى نهاية المساءْ

فى شارع الاٍسكندر الأكبرْ

لا تخجلوا .. ولترفعوا عيونكم اٍلىّ

لأنكم معلّقون جانبى .. على مشانق القيصرْ

فلترفعوا عيونكم اٍلىّ

لربما .. اٍذا التقت عيونكم بالموت فى عينىّ :

يبتسم الفناء داخلى .. لأنكم رفعتم رأسكم .. مرّهْ  !

وبعد نكسة يونية 1967م مباشرة كتب أمل دنقل قصيدة ” البكاء بين يدى زرقاء اليمامة ”  القصيدة التى سُمَّىّ ديوانه الأوّل  باسْمها وقد استحضر أمل دنقل فى هذه القصيدة شخصية ” زرقاء اليمامة ” وهى امرأة من أهل اليمامة فى ” نَجْد ” يقال أنها كانت ترى القادم من على بعد مسيرة ثلاثة أيّام، وفى أحد الحروب اقتلع الأعداء الأشجار وتخفّوا ورائها وهم قادمين لغزو قبيلتها، وعندما رأت ” زرقاء ” ذلك من على بعد أخبرت أهل القبيلة بأن الأشجار تتحرك فلم يصدقوها حتى أتى الأعداء وغزوا القبيلة واقتلعوا عينىّ ” زرقاء اليمامة “، وقد اتخذ الشاعر أمل دنقل فى خطابه مع ” زرقاء اليمامة ” من شخصية ” عنترة بن شدّاد ”  قناعا شعريا يعبر به فى أحد مقاطع القصيدة عن رؤياه المعاصرة للنكسة وأسبابها، فعنترة الذى أمره حكام القبيلة بأن لا يتكلّم  ظلّ بين العبيد فى قبيلته دعوه كبار القبيلة لمواجهة الأعداء فى وقت الحرب عند تراجع الرماة والفرسان :

أيتها النبية المقدّسهْ

لا تسكتى .. فقد سكتُّ سنةََ .. فسنهْ

قيل لى ” اخرس  “

فخرست وعميتُ .. وائتممت بالخصيانْ

ظللت فى عبيد ” عبس ” أحرس القطعانْ

أجتر صوفها

أردُّ نوقها ..

أنام فى حظائر النسيانْ

طعامىَ : الكسرة .. والماء .. وبعض الثمرات اليابسةْ

وها أنا فى ساعة الطعانْ

ساعة أن تخاذل الكماة .. والرماة .. والفرسانْ..

دُعيت للميدانْ

وقد كان موقف أمل دنقل من نظام عبد الناصر موقف الشاعر الذى يقارن بين ما يحلم به وبين  ما هو متحقَّق بالفعل فى الواقع، وكان يرى أن نظام عبد الناصر على الأقل يحقّق شيئا مما يحلم به وهو شعار الحلم الوطنى، وبعد وفاة عبدالناصر كتب أمل دنقل قصيدة ” لا وقت للبكاء ” يرثى  فيها عبد الناصر، وعارض أمل دنقل نظام السادات  الذى أسقط شعار الحلم الوطنى باٍجراءته السياسية والاٍقتصادية  التى كان أبرزها اٍلى جانب الديموقراطية المزيّفة  الاٍنفتاح الاٍقتصادى غير المنضبط والسعى  للسلام المنقوص مع العدو الصهيونى  واٍبرام اتفاقية كامب ديفيد التى حذّر منها أمل دنقل فى قصيدة ” لا تصالح ” .

***

ويقول  أدونيس عن الذى تبقّى من الشعر العربى الحديث التى تناول الأحداث السياسية والوطنية الكبرى فى الوطن العربى ( بقى الشعر الذى اخترق الحدث محوّلا اٍياه اٍلى رمز، اٍذ أن الحدث أيّا كان   لا يمكن اٍبداعيا أن يكون غاية تخدمها آداة الشعر،  الحدث ـ على العكس ـ  هو وسيلة للشعر، أى الاٍبداع بوجه عام ) وقد عاشت قصائد أمل دنقل السياسية لأنه عاش الحدث بقلبه ووجدانه وعقله كان أمل دنقل لا يقوم بمحاكاة الواقع فى شعره بل كان يقوم بتفكيكه واٍعادة بنائه ويصبغ الأحداث بوجهة نظره ووعيه الروحى الجمالى المعرفى .

وكانت عمليه تحويل الحدث السياسى  اٍلى رمز عند أمل دنقل عملية شديدة الخصوصية على مستوى الرؤيا والتشكيل، حيث كان أمل دنقل يعيش الحدث المعاصر ويستدعى أحدثا وشخصيات تاريخية يوظّفها فى نصّه الشعرى، بحيث يصبح التاريخ رمزا للواقع فى حدث أو موقف معيّن كان هو المحرّض الجمالى لكتابة النصّ الشعرى، وينتقل الحدث من صورته الواقعية والتاريخية اٍلى صورته الشعرية، فيتحوّل الحدث اٍلى رمز شعرى  يشير  اٍلى الصورة الواقعية للحدث السياسى وما يشابهه من أحداث فى الماضى والحاضر والمستقبل، فمثلا فى قصيدة ” لا تصالح ” التى كتبها أمل دنقل سنة 1976م كان الدافع والمحرض الجمالى لكتابة القصيدة هو سعى السادات والكيان الصهيونى وأمريكا نحو السلام المنقوص الذى انتهى بابرام اتفاقية ” كامب ديفيد ” فيما بعد، وكان الحدث التاريخى الذى استدعاه أمل دنقل ليكون رمزا للحدث المعاصر هو مقتل ” كليب ” فى  حرب ” البسوس ” ووصيته التى كتبها بدمه لأخيه  ” الزير سالم ” بأن لا يصالح من قتلوه غدرا، وأصبحت قصيدة  ” لا تصالح ” رمزا شعريا يشير اٍلى رفض الصلح مع العدو الصهيونى واٍلى رفض كل صلح منقوص لا يقوم على الندية واٍعطاء كل ذى  حق حقّه :

لا تُصَالِحْ

فما الصلح اٍلاّ معاهدة بين ندّينِ

( فى شرف القلب )  لا تُنْتَقَصْ

والذى اغتالنى محضُ لِصّ

سرق الأرض من يدى ..

والصمت يطلق ضحكته الساخرهْ



(يتبع)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق