قراءات ودراسات

استعارة خصائص البحث.. في بناء شكل روائي مختلف

نضال.. في "حبس الدم" يفتح نافذة للتجريب

الغربي عمران

الشكل المراوغ:
كثيرا ما يدعي بعض الكتاب حين يكتبون نص غير جيد.. بأنه عمل تجريبي.. ولا يدركون بأن القارئ أصبح يفرق بين الرداءة وادعاء التجريب.. ولذلك نجد أن أكثر المتشاعرين خربوا الشعر بدعوة التجريب.. وهناك من لا يملكون ملكة أو لا لديهم فهم لخصائص السرد.. أو أبسط قواعده.. فيجنحون لادعاء التجريب.. هروبا من عسفهم.
سجن الدم تفاجئ المتلقي من صفحاتها الأولى باختلافها.. ليدرك بأنه يلج عملا أستخدم الكاتب في بنائه عدة فنون نثرية.. منها البحث.. استعارة الخطاب التاريخي.. المشهدية المسرحية.. الومضة.. اللقطة السينمائية…
وبذلك قدم لنا عملاً تجريبيا ع بقدرة لافتة .. إذ أن تجريب الكاتب ليس قفزا في الظلام.. بل عن دراية وتخطيط متقن لما يجترحه. وهذا ما يقودنا إلى التساؤل: هل التبويب.. وذلك الشكل الذي خرجت به الرواية هو الخيار الوحيد الذي توصل إليه الكاتب.. أم أن افكار أخرى كانت في متناول خياله.. لحظات الإعداد لهذا العمل.. ليرسو نهاية الأمر على الشكل الماثل بين أيدينا.
بداية بعنوان موحد لعشرين فصل “مقبرة الصالحين” مرورا بتلك العناوين الفرعية داخل تلك الفصول كعناوين فرعية.. والتي قاربت الـ “130” عنوان… توزعت على 200 صفحة. أم أن طبيعة الفكرة -وحدة الموضوع- فرضت عليه ما قدمه.. كون شخصيته المحورية تجلت في المكان “حلب”. يمكن لكل قارئ أن يستنبط أجوبته.. بقدر تنوع التساؤلات من قارئ إلى آخر. وفق القراءة التفاعلية لهذا النص.
لقد أتقن الكاتب تقدم حلب بأوجهها المختلفة عبر التاريخ.. غير مقيد بتراتب زمني.. أو أن يكون لتلك النقلات أي تأثير سلبي على رسم لوحة فسيفسائة وجعل المدينة قلبا ينبض ليسمع القارئ نبضها وأوجاع أنينها.. وتلك الأحداث التاريخية الجسيمة التي مرت عليها.. ابتداء بغارات تيمور لنك.. إلى زلازل متعاقبة دمرت كل شيء.. مرورا بفترات بالعثمانيين والفرنس.. ونهاية بحرب معاصرة تكالبت عليها أموال وضغائن العرب.. اضافة إلى أطماع دول الإقليم.. ليسعا الجميع إلى تشويه وجه هذه المدينة العريقة بإنسانيتها وتحضرها .
“خير الدين الأسدي”. الوجه الأخر للشخصية المحورية.. إذ يصعب على القارئ التفريق بين الشخصيتين حلب وخير الدين . ذلك الكائن الذي تماهى في مدينته.. مقدما عطاءً معرفي وفكري عظيم.. في الوقت الذي تساوى مع مدينته في درجة الإهمال والنكران من الجميع .
تفاعل:
حبس الدم عمل رواية تبرعم عشرات الأسئلة.. إذ تدفعنا لقراءتها قراءة تفاعلية.. أشبه بحوار بين المتلقي والكاتب.
وبداية عتبي كقارئ كونه فوت عليَّ التساؤل والبحث حول العنوان “حبس الدم” حين أخذ بشرح معنى العنوان على الصفحة الخامسة.. ثم على صفحتي30و 29 . ولم يترك مجالا للتساؤل والبحث والـتأويل. فمفردتي “حبس الدم” تذهب بتفكير القراء إلى إيحاءات ودلالات شتى كل حسب ثقافته. لنكتشف بأن طبيعة هذا العمل قد فرض ذلك؟. فهاهي صفحاته تعج بشروحات أخرى لمعالم وشخصيات وأحداث حلبية…
“مقبرة الصالحين” أتخذه الكاتب عنوانا مكررا لعشرين فصلاً. وهي نادرة الحدوث. كما ذيل كل فصل بعدة عناوين.. تكررت أيضا تلك العناوين حتى نهاية الرواية.. وهي “بريد الكتروني” و “بمثابة المتن” وتلك المثابات قد تتجاوز في بعض الفصول الست مثابات ثم “قبض الريح” و “ملف مرفق”.
ومن الصفحات الأولى لهذا العمل يدرك المتلقي أن عليه أن يدع مفاهيمه للرواية التقليدية جانباً.. بل وما مر عليه من روايات حديثة.. وأن يقبل على هذا العمل بشكل مختلف.
وإذا كان الجواب في بطن الكاتب.. حول تلك الاستحداثات التي اجترحها في روايته.. ليدفعنا ذلك لمحاورته.. متخيلا له لحظة الإعداد والتخطيط يضع عدة أشكل وعدة مسارات.. فلماذا هذا ما بين يدينا.. هل قدرة الأفضل لتقديم مدينة في مكانة حلب تاريخيا وانسانياً.
والمفاجأة أن الرواية لم تحمل حدثا توليدا في الثلاثة مسارات السردية التي أختطها.. بشكل منفصل عن بعضها زمانيا.. في القوت الذي كانت متصلة ببعضها موضوعيا. ما يبعث ذلك على التساؤل: هل أراد الكاتب التجريب على الشكل والموضوع.. أم أراد تحريك الراكد في وعي القارئ ليبحث بدوره عن أجوبة تطرحها الرواية؟. وأن علينا تخيل ما كان يعتمل في ذهن الكاتب لحظات انجازه لهذا العمل.. وتخيل خياراته الموءودة .. ثم لماذا فضل هذا الشكل على أشكال أخرى.. من تبويب وعنونة.. وهل كان في ذهنه ما سيحدثه خياره من تساؤلات في ذهن القارئ.. وما ستنتجه من قراءات مختلفة بعدد قراء هذا الإصدار. الذي يغري بقراءة تفاعلية.. إذ لا يمكن المضي في صفحاته دوت حوار النص والكاتب…
ومع بداية القراءة يقف المتلقي متسائلا: هل يتناول كل عنوان بمعزل عن العناوين الأخرى. أم يتناول الواحد تلو الآخر. أضع حيرتي كقارئ أمام أسلوبه المختلف. نعرف أن معظم الكتاب يقدرون أليه قراءة روايتهم.. فمن الطبيعي أن يبدأ الجميع من أول صفحة حتى آخرها.. لكن في حبس الدم لا يمكن أن يجزم الكاتب بذلك.
بلاشك أن قدرة الكاتب التجريبية عالية.. فبالإضافة إلى تميز الناحية الفنية.. فأن الجانب الموضوعي هو الآخر جاء مبتكرا.. أن تكن الشخصية المحورية المكان.. وأن يدخلنا في روح مدينة عريقة لها حضورها القوي عبر التاريخ. لنتعرف عليها من خلال أربعة مسارات سردية منفصلة زمانيا:
مسار مقبرة الصالحين
رسائل الكترونية
قبض الريح
ومسار بمثابة المتن.. إضافة إلى المرفقات المتتالية
تلك المسارات مثلت في مجملها روافد سِفر في حب مدينة حلب.. ضمن تقنية وحدة الموضوع “المكان”. وإن جاء محمد خيرالدين الأسدي كشخصية مستقلة.. إلا أنه مثل الوجه الثاني لشخصية حلب كما أسلفنا. لتدور بقية الشخصيات كأقمار حول نجم بهي أسمه حلب خير الدين.. ومن تلك الشخصيات: أبو محمود تربي مقبرة الصالحين.. الروائي غسان “أبوزياد”. د. وصال .. الشخصية المركبة.. وغريبة التحولات.. إذ أنها كانت يسارية.. ثم تحولت إلى سلفية.. د فهد رفيق الأسدي في الآخرة.. ثم الروائي فاضل “أبو لجين”.. ثم عدنان كاتب الرسائل الإلكترونية.. وصاحب وجهة النظر في الرواية.. اضافة إلى شخصيات ثانوية أخرى.


محور الرواية هي الحرب.. اضافة إل ثيمات أخرى.. مثل: عدم الوفاء.. الوصولية والانتهازية.. الهجرة.. العنف…
روايات عربية تقترب من حبس الدم من ناحية وحدة الموضوع.. منها رواية “الأسايطة” للمصري عادل سعيد .. الذي جسد في أكثر من “350” صفحة. مدينة أسيوط كشخصية محورية لروايته.. أو كوحدة موضوعية.. تدور حولها شخصيات وأحداث شتى. وكذلك “بريد الليل”. للبنانية هدى بركات.. حيث اعتمدت الكاتبة على تعدد شخصياتها.. في الوقت الذي لم يلتقوا قط… ألا أن الفرار من جحيم الحرب كان العامل المشترك بينهم.. الحرب والشتات هو الموضوع.. لتحمل رسائلهم همومهم وأمالهم.. فالجميع مهجرين.. والجميع يكتبون عن الضياع.. والجميع يعيشون جحيم التشرد.
أصوات:
لم يهيمن لحبس الدم راو واحد.. أو أشترك أكثر من راو في سياق واحد.. بل أن تعدد المسارات فرض عدة رواة. لينسج الكاتب أكثر من حكاية في أزمنة مختلفة.. لكنها تصب في مكان واحد “حلب”.
بداية بـ”مقبرة الصالحين”. بدأت الحكاية براو عليم.. ثم يتغير بالتدريج من عليم إلى مشارك “أبو محمود التربي “. الذي خيل له في إحدى الليال سماع أصوات من إحدى زوايا المقبرة.. ليتتبعها ليلة بعد أخرى.. حتى مشاهدته من يخرجون من حفرهم.. وسماعهم يتكلمون إلى بعض.. إلى اقترابه منهم ومتابعة نقاشاتهم “د فهد.. وخير الدين”.. ثم الجلوس إليهم ومشاركتهم حكايتهم.. ومن ثم يحكي يبادلهم حكاياته.. حتى صفحة 173 حين يستعيد الراوي العليم دوره حتى نهاية الرواية. أبدع الكاتب في تصوير تلك العلاقة بين المقبرة ومحيطها.. حيث زخات الرصاص وكأن المدينة مدينة رعب.. والمقبرة روضة أمان.. أجواء خيالية ممتعة.
“بريد الكتروني”. راو مشارك مستتر.. يخط رسائل عبر النت إلى أصدقاء له.. إذ يظل مصدر للحكي دون أن يعلن اسمه حت صفحة “112” لنعرف بأن أسمه عدنان.. فقيه في اللسانيات من جامعة فرنسية.. وأنه يعيش قصة غرام مع طبيبة “وصال”. حيث أحتلت تلك القصة مساحة من تلك المراسلات.. يشكو تغيرها لصديقه الروائي “غسان” وصديقه الروائي “فاضل”. وحبيبته د وصال.. تلك الشخصية المركبة.. وتقلباتها من يسارية إلى طبيبة تعمل في أوساط المقاتلين ممن يعارضون النظام من الجماعات المتأسلمة.. حتى هجرتها إلى بلاد العمة ميركل.. كما تضمن “بريد الكتروني” مراسلات السارد إلى أصدقاءه غسان وفاضل.. من يقاومون أوضاع الحرب بكتابة الرواية. كاتب الراوي عشرين رسالة.. منها اثنتين إلى حبيبته وصال.. وتسع لصديقه فاضل.. ومثلها لصديقه لغسان.
غسان وفاضل يكادان يكونان شخصية وأحدة.. فسماتهم.. وانشغالهم بالكتابة.. وهمومهم وتطلعاتهم.. كانت لشخص واحد.. بل ويمكننا ضم راوي بريد الكتروني إليهم.. لتكون الثلاث شخصي شخصية واحدة.. فهل كان هذا الهاجس قد حل على مخيلة الكاتب.. مفضلا أن يوزع الشخصية الواحدة إلى ثلاث. وهنا ينتج سؤال ثان: كيف ستكون أحداث بريد الكتروني. إلا أن وصف الحرب.. ممثلة بحلب.. من خلال معناة الشخصيات الثلاث.. وما تعانيه الشخصيات الثلاث.. قد أجابت على تلك التساؤلات. ب ضرورة الثلاث شخصيات.. حتى يعيش القارئ وطأة الحرب على هذه المدينة من عدة زوايا.. وبالذات صوت الكاتب من خلال د عدنان.. الذي هر في أكثر من جزء.. وبالذات في صفحة 149.. وفي الرسالة الأخيرة “النهاية”. ذلك الخطاب الصارخ.
“قبض الريح”. عنوان ثالث.. صوت محمد خير الدين الأسدي.. يتلو سيرته الحافلة بالمعرفة والبحث والتعليم.. مسلطا الضوء على معشوقته حلب من خلال أهم محطات حياته.. وأهم شحصيات عصره. في مجمل سيرته لا يستطيع القارئ التمييز بين الأسدي وحلب.. أذ يتحدث حول المدينة بلغة حانية. مظهرا معاناته.. وعذاباته .. ونكران الجميع لجهوده.. حتى يوم موته.. لم يحضر أحد في جنازته.. ولا يعرف أحد غير التربي أبو محمود موطن مرقده.. رحل بعد سنوات من العوز والمرض الذي صاحبه سنوات.. وبعد لجوئه لدار رعاية العجزة.
“سيرة دلى يانجوم الليل سيرة دلى.. سيرة دلى فوق بقعا مثل قبض الهواء” هذا البيت من شعر يتداوله هنا في منطقتي باليمن لمجنون.. عاش بين الجبال قبل عقود.. قال قصيدة ضمنها هذا البيت في فارس على صهوة جواد يتبختر وكأن ما في الوجود إلاه. حضرني هذا البيت وأنا أقراء عنوان “قبض الريح” بدلالته وعمق معناه.. وكأن حياة كل منا مجرد وهم.. يلخصها خير الدين بقبض الريح.
تناغم مدهش بين تلك الأصوات.. ما منح العمل مرونة وسلاسة.. ليشعر المتلقي كما لو كان يتابع من شاهق ما يدور في سوريا ماضي وحاضر.. من خلال مدينة عريقة.. وقد تكالبت عليها اليوم أموال العرب.. وأطماع الأتراك ودول الإقليم. بل والقوى العالمية.
ثم ما جاء عنوان “بمثابة المتن”. لسيل من التعاريف والشروحات لما يرد في متون المسارات الحكائية المتعددة.. حول شخصيات ومآثر ومعالم مدينة حلب.. ولم يتقيد الكاتب بحقبة زمنية.. بل صور قدم المدينة في صورة تاريخية جلية.. ما أضفى على هذا العمل بعدا معرفيا وإنسانيا وتاريخيا جزيلا. ما يدل إلى الجهد البحثي الكبير الذي بذله الكاتب ليخرج بهذا العمل الروائي المختلف.. وجمع ذلك الزخم من الثقافة وثراء المعرفة ليقدم حلب في عمر قرون طويلة.
يمكن وصف هذا العمل بالتاريخي.. أو بالرواية المعرفية.. أو بالسياسية.. أو أن تكون رواية جغرافية المكان. وإن جمعت في مجرى حكاياتها أكثر من تصنيف.. إلا أننا نصفها بسفر المحبة للوطن في صورة حلب.
إذ نجح الكاتب في مزج البحث التاريخي بفن الرواية.. ليظفر منه عدة حكايات في حبكات متوازية.. تجمعت كروافد ضمن ديناميكية توليدية للأحداث.. وربانها خير الدين الأسدي.. اضافة إلى أعلام أضاءوا بفكرهم وأدبهم وفنهم الأرجاء.
نجح الكاتب بنسج ذلك التوازن بين مجمل الحكايات.. مستخدما تقنية المسارات المتعددة.. مانحا الرواية طاقة من التجدد. بحيث تعددت المجالات الدلالية.. بداية بعناوين الفصول مرورا بالفرعية.. ضمن لوحات زمنية مختلفة.. ليجمع الموغل منها بالمعاصر. ضمن أنساق مشوقة.
النهاية:
أرادها الكاتب سوداوية.. رغم بصيص الأمل الذي أبدته تلك السطور.. إذ أن معظم شخصيات الرواية يطويهم الموت.. بداية بخير الدين.. ثم د فهد.. ليلحق بهم التربي أبو محمود.. ثم ألروائي أبو زياد.. والروائي أبو لجين.. وغيرهم. ليخط عدنان آخر رسائله بعنوان “رسالة لم تصل” على اعتبار أن من كان يراسلهم قد حصدهم الموت أو هاجروا كـ”وصال” ونقتطع كلمات من صفحة نهاية العمل “انهضي كي تستعيد حاؤك الحياة وقد كانت فيما مضى من هذه الحرب حتفا.. وكي يستعد لامك اللحن وقد كان لحداً.. وباؤك البرق وقد كان بكاء”.
خطاب دامع.. هي كلمات الخاتمة التي يستنهض الكاتب بها سورية ممثلة بحلب الشهباء.. أن تعود أبهى مما كانت. أو أنه بذلك يحدد موقفه من الحرب والخراب. كجرح يطال كل عربي حر.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق