ثقافة المقال

المثقــف وثقـافة السلطة

سعيد بولرباح *

يصل الدارس لتاريخ الحضارات بشكل عام؛ سياسيا وعلميا وثقافيا، إلى نتيجة حتمية، وهي أن ما نعيشه في الحاضر هو امتداد نسقي وارتباط وثيــــق بـه، ومــن هــذا الجـــانب نتطرق إلى موضوع جد حساس يمس طريقة تفكيـــر المثقف والباحث العلمي للوصول إلى الحقيقـــة، أو وجهة نظـــر معينة وكيفـــية إيصالها للمجتمع الذي يعيش فيه من جهة والمؤسسات التنظيمية التي تحكمه، سواء دستورية أو تاريخيـــة أو إلاهيـــة؛ والتـي، نجــدها عموما، في العالم الثالث ما تكــــون أحادية التصور والممارسة رادعـــة لحــرية الإبداع والمثقف، الذي ينتج فكـــرا جديدا يمكن الاعتماد عليه للوصول إلى آفاق جديدة تعود بالفائدة على المجتمع ككــل، ومن هذا المنطلق، نطرح الإشكال الآتــي: هل يمكن الحديث عن إنتاج فكـــري في صلته بحرية الإبــداع، أي ممارسة فكرية من المركز لا من الهامش تنتج المتـن لا الحواشـــي في مجتمعات أحادية التصـــور وأحاديـة الممارسة، كشرط لبقائها تأسيسا على شرعية من الشرعيات، سواء تاريخية أم دستوريا، أو كممارسة سياسية تلغي مصالح الإنسان وحقوقه الفردية في الاختلاف؟

نبدأ، أولا، الحديث عن المجتمعات المنغلقـــة، والتي يمكــن تسميتها بالمجتمعات أحادية التصور والممارسة، والتي تعتمد على الشرعية كخط أحمر لا يمكن تجاوزها بغية المحافظة على وجودها دون مــراعاة دور الإنسان سواء كان باحثا أم مفكرا أو حتى صناعيا، حيث تلغـــي مصالحه وحقوقه الفردية في الاختلاف؛ باعتبار هذا الأخير من المفاهيم الأساسية التي بدأت تفرض نفسها في العقدين الأخيرين خاصة في الثقافة والمجتمع الغربيين، فمســألة الاختلاف بشكل عام أضحت من بين أهم قضايا ما بعـــد الحداثــة، فزمننا هذا زمن الاختلاف[1].

ضف إلى ذلك، تصــادر هـــذه الشــرعيات المثقــف إنتاجه وخطاباته المغايرة لمنهجيتها، حتى يعلن الهجرة إلى داخل ذاته في حالة شبيهة بالموت غير المعلن لأنه ينقطع عن الممارسة لصالح جماعته التي تمثل شرطه التاريخي، أو الهجرة إلى  الخارج، وقد تكون هذه الأخيرة حلا مفروضا للتحرر من قيود العبودية الشفافة والمعاصرة، لمن استطاع للهجرة سبيلا، ونذكر في هذا الصدد المثال الحي لجاك دريدا انتقل من أوروبا للعيش في أمريكا بسبب نقده لفلسفة الأنوار الحداثية، وتأكيده على ضرورة خرق المعايير التي تحكمت في حياة وخطاب الانسان المعاصر الذي سيطرت عليه المرجعيات وسلطة الآلة. وهجرته لأمريكا راجعة للتحرر من قيود الهوية والسلطة المفروضة على الفكر نتيجة عدم وجود مرجعيات قارة يتخوف الأمريكي من زوالها.

أما الحديث عن الإنتاج الفكري، فلكل مفكر وجهة نظر معينة تميزه عن غيره، وهذا الاختلاف يزعج الطبقة السياسية، لما فيه من توعيــة فكرية، فتتصدى له باحتكار الإبداع وفرض بيئة تلائمها، لإخماد الطاقات الكائنة أو توجيهها لخدمة مصالحا الخاصة، حفاظا على استقرار نظامها الشيخوخي بما فيه من دوغمائية، ضاربة على الحائط كل مثقف ثائر بأفكاره ولو كانت بناءة، وإلا كيف نفسر المعارضة بين المثقف بأفكاره ومطالبه من جهة والسياسي الذي يمارس عليه الإقصاء ليصادر إنتاجه ويمنع نشره إلى درجة قمع الاتصال أو القمع الجسدي في بعض الأحيان. وفي هذا الصدد نتساءل مع شوقي الزين: هل صحيح ان التغيير يبدأ بالنضال والأسلوب البطولي الذي يتلبسه المثقف في التعاطي مع أدواره؟ لا شك أن النظال السياسي أو الفكري لا ينتهي ما دام المجتمع يصنع حقائقــه أو يرتب شؤونه او يدير مصيره، فلا بد أن يكون هناك اطر يجسد فيها حقائقه وخطاباته وسلوكاته، ويجعل منها مؤسسات في المعنى أو قوالب في التفكير أو معاجم في التعبير أو نماذج في السلوك[2]، ولكن هذا المنحى المعرفي للمثقف يمكن أن يؤسس لنا مثقف سلطوي  رمزي بخاطاباتـــه، في مقابل السلطة الحقيقة.

وأحيانا ما تفرض السلطة على المثقف وتلزمه بنوايا مماثلة لمصلحتها، فكثيرا ما يفلح النظام في استجلاب مثقفين لتأسيس وجوده لدى ما يسمى الرأي العام، باعتبار أن المثقفين في نظر الفئات الاجتماعية الأخرى هم المجس في التعامل مع أطروحات النظام القائم. ومن هذه الحتميات المعيشة والمفروضة على المجتمعات غصبا لا يسعنا الحديث عن الدور الهام الذي يلعبه الإنتاج الفكري المكبل بقمع حرية الإبداع بطريقة أو بأخرى لتغليب الرأي العام وتوجيهه لخدمة مصالح النظام القائم الذي يتداعى بأفكار ترويجية استهلاكية وديموقراطية، تبقى وعود كاذبة أو حبر على ورق، لأن حرية الإبداع توأم مع قدرة ممارسة فعــل قراءة الواقع الذي تحرصــه عين السياسي، وحرية إبداء الرأي فيه، وانتقاده بدون ضغوطات دخيلة، مما يفســح للعقل أن يصوغ أسئلة جديدة تزعزع الاطمئنان المبني فوق الرمال، إلى تجاوز ممكن.

وبما أننا بدأنا بعلاقة الحاضر بالماضي باعتباره امتدادا له، فالمستقبل هو نتيجة حتمية لحاضرنا المعيش، وبهذا نختم بخلاصة وجوبيــــة، وهي علاقة الثقافة بالحداثــة، وما تستوجبه الحداثة من دراسة ثقافتنا دراسة نقدية تشمل كل المجالات العلمية للوصول إلى نتاج فكري في إطار حرية الإبداع؛ أي قدرة ممارسة فعل قراءة الواقع من اجل الخروج من الهامش إلى المركـز، ومن أحادية التفكير والمارسة إلى الاختلاف والتنوع الفكري، غير المقيد بالشرعية، مهما كان نوعها في إطار ديموقراطي للإنسان في بناء الدولة المدنية الحديثة الضامنة الوحيدة للحرية كقيمة اجتماعية وروحية تُمارس في الاختلاف وبالتعدد ومنها الثقافة تبقى دائما باحثة عن الحقيقة.

إحالات

01 [1]  ينظر: نبيل محمد صغير وكدير لينــدا، مقــال :” إشكاليـة الهــوية والمساواة في ما بعد النــسوية” ضمن كتاب خطابات المابعد، في استنفاذ أو تعديل المشروعات الفلسفية، إشراف علي عبود المحمــداوي، منشورات الاختلاف، منشورات ضفاف، دار الأمان، الجزائر، بيروت، الدار البيضاء، ط.1، 2013، ص 270

02 ) ينظر: محمد شوقي الزين، إزاحات فكرية، مقاربات في الحداثة والمثقف، ط.1، الدار العربية  للعلوم ناشرون، منشورات الاختلاف، بيروت، الجزائر، 2008، ص 123

*باحث من الجزائر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق