إصدارات

ندوة دولية تفاعلية حول البعد الحضاري في الفكر

جامعة و هران تنظم

تغطية: محمد مصطفى حابس: جنيف / سويسرا

نظم مخبر الدراسات القرآنية و المقاصدية بجامعة وهران، ندوة دولية تفاعلية عبر برنامج الزووم السمعي البصري حول موضوع: ” البعد الحضاري في الكتاب و السنة: قراءة في فكر الدكتور الطيب برغوث “، و ذلك يوم الاثنين المنصرم.

أدار هذه الندوة الدولية التي شارك فيها وفي متابعتها طلبة وأساتذة من دول عدة، الأستاذ عبد الله نوري من جامعة وهران الذي افتتح اللقاء بتلاوة مباركة من القرآن الكريم، مع تقديم موجز للبرنامج و المتدخلين الأربع، مذكرا بأهمية موضوع الندوة قائلا ” لقد وجدنا في فكر الدكتور الطيب برغوث اقتفاء لخطى العَلَمَين البارزين ابن خلدون ومالك بن نبي في التأسيس لما يسمّيه بالاتجاه الحضاري السُّنَني المتوازن”، أو المدرسة الحضارية السُّنَنية المتوازنة في الفكر والثقافة الإسلامية والإنسانية، ونظرا لأهمّية هذه الرؤية السُّنَنية المتكاملة، ولأهميّة ما يسمّيه الدكتور برغوث-حفظه الله- بفقه النّهضة الحضارية المتوازنة، وحرصه الشّديد على توصيل رؤيته للنّخب الفكرية والسياسية والاجتماعية في المجتمع والأمّة، وخاصّة الأجيال الصّاعدة، فقد “عمد مخبرنا إلى إقامة هذه النّدوة العلمية مع نخبة من أهل الفكر والنّظر في العالم الإسلامي، والتي نهدف من خلالها إلى التّعريف بالمدرسة الفكرية الجزائرية وإسهامها في البناء الحضاري للأمة الإسلامية, وإبراز أعلامها والتّنويه بعطائهم ونتاج تأمّلاتهم.”

الأستاذ الدكتور الأصولي الأخضر الأخضري من جامعة وهران يرحب بضيوف الندوة:

ثم أعطيت الكلمة الترحيبية لمدير مخبر الدراسات القرآنية و المقاصدية (جامعة وهران)، الأستاذ الدكتور الأصولي الأخضر الأخضري، الذي رحب بدوره بالحضور و تلبية الدعوة، مبينا بأن “أشرف العلوم العقلية والنقلية، ما كان كليا وما كان جامعًا ومترددًا بين مقامات شتى، وما ارتبط فيه الوازع الإيماني، والأخلاقي، والجبلي، وما تعانق فيه رعي الأحوال و المآلات، وما كان مترجما لنظريات المناسبات التي عليها مدار الوجود والتكليف، ومراتب المناسبات التشريعية والكونية، وما تكاملت فيه المعارف النقلية والعقلية، على أن يصقل كلّ ذلك بخبرة يبارك الله في مواقيتها حتى تستوعب القرون تنظيرًا وتمحيصا وتنزيلا”. معتبرا أن هذه الكليات قد صهرها علم من أعلام المدرسة الإسلامية المعاصرة، وجسدها تأليفًا وتدريسا وتأصيلا.. إذ تجسدت هذه القوانين والمناهج العامة في فكر المفكر طيب برغوث، وأعمل فيها منظارًا كمناظر ابن الهيثم.. مبينا أنه من الموافقات أن يتوجه فكر “المختبر المقاصدي” إلى مسالك هذا المنهج على اعتبارات؛ منها:

– تحصيل المناهج من المتون التراثية أو القرآنية أو السنية؛ فقد وقتت القواعد الفقهية لهذه النظريات كمادة لتحصيل منهج صناعة القوانين العامة..

– اقتناص منهج القدر المشترك من نظرية التعليل؛ تحصيلا لمنهج الارتقاء إلى القوانين والكليات الحاكمة

– ترجمة مادة القياس للتأسيس لنظرية الإلحاق بالمناسبات و الشبه و الخلف اعتبارًا بالقصد.

– استثمار تاريخ التشريع المقاصدي كمادة لانتخاب نظرية تطور المناهج والأصول.

– ترجمة العوائد والمعهودات في تحويز نظرية السياق والمقام..

مختتما كلمته بقوله :” أن للعقلاء منطقا واحدا يصان عن العبث؛ وإن اختلفت المشارب والمذاهب، من أجل ذلك: فإن إدارة “مخبر الدراسات المقاصدية” تتشرف بهذا التوقيت العالمي، وهذا اللفيف العلمي الذي انصهرت مناهجه، وتعددت أذواقه؛ حيث الإشادةُ بعَلم، والتمحيصُ لفكر صقلته الأزمنة واستوعبته بقاع الأرض.. لتقرر الأقوال بلسان حالها ومقالها بميلاد فكر برغوثي ارتقى إلى منصة التتويج والتحرير. مرحبا مرة أخرى بأقلام المغرب العربي، وبأصول الحذاق وفروعهم؛ كل بحسب رتبته و مقامه”.

ترجمة مختصرة لسيرة المفكر الجزائري، قدمتها الأستاذة مختارية بوعلي :

بعد بث باقة مصورة بقائمة طويلة لأهم كتب المفكر الجزائري الدكتور الطيب برغوث أي ما يقرب من أربعين كتابا مطبوعا، ومثلها مخطوطا، قالت المتحدثة أن النشاط الفكري والثقافي والتربوي للشيخ الطيب ممتد منذ نصف قرن. معرفة بشخصه باقتضاب حيث قالت أنه “تلقى تعليمه في معاهد التعليم الأصلي، وتخرج من جامعة قسنطينة بشهادة الليسانس، وواصل دراساته العليا بمعهد علم الاجتماع في جامعة الجزائر، وتحصل على الماجستير والدكتوراه من جامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية بقسنطينة، واشتغل فيها أستاذا محاضرا فترة من الزمن. وهو يقيم حاليا بالنرويج في أوروبا، ومنذ فترة طويلة له نشاط بها في أوساط الجالية المسلمة، فهو يدير جمعية إسلامية فيها أكثر من 70 جنسية من مختلف القارات، كما أسس منتدى الحوار الإسلامي المسيحي بمدينة تروندهايم حيث يقيم، وكذلك أكاديمية السننية للدراست الحضارية، كما أسس مع جمع من المثقفين “أكاديمية الثقافة السننية للتجديد الحضاري” بالجزائر. وهو مهتم بما يسميه “بمنظور السننية الشاملة” الذي يعتبره خريطة طريق النهضة الحضارية الإنسانية المتوازنة، التي جاءت الأديان السماوية كلها لتأسيس الوعي بها، وتمكين الإنسان من إدارة حياته على ضوء مقتضياتها ومعطياتها، واكتملت معالمها في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة. كما يرى بأن حركة المداولة الحضارية الصاعدة أو المتقهقرة، التي تهيمن على الوجود البشري في الأرض، يحكمها قانون ” المدافعة والتجديد ” بشكل مطرد. كما رشحه المجلس العلمي بجامعة الأمير عبد القادر للعلوم الإسلامية لجائزة الملك فيصل العالمية سنة 1995 م، ولكنه اعتذر عن تقديم أعماله، لأنه كان يرى بأن مثل هذه التكريمات المتميزة، يجب أن يحظى بها الراسخون في العلم والفكر والدعوة والتربية والإصلاح الاجتماعي، في المجتمع والأمة، وأن هناك علماء ومفكرين جزائريين أجدر منه بذلك التكريم !!

معالم رؤية شمولية للفقه الحضاري السنني في الكتاب والسنة

بعدها أحيلت الكلمة للأستاذ الدكتور رشيد كهوس من المملكة المغربية، بكلمة تحت عنوان” الاتجاه الحضاري في فكر الدكتور ” ليؤكد أن فضيلة الدكتور الطيب برغوث، قدم من خلال مؤلفاته العديدة والمتنوعة معالم رؤية شمولية للفقه الحضاري السنني في الكتاب والسنة، يمكن من خلالها قراءة الواقع وفقهه والوعي به ونقده ورسم خارطة للنهضة الحضارية، شارحا بان “الفقه الحضاري السنني في تصوره هو فهم للقوانين الكلية الناظمة للصيرورات الحضارية لحركة التاريخ البشري في الأرض”. وتحكم او استثمار فعال لها في الدفع بحركة الحياة باتجاه المزيد من الخيرية والعبودية والعالمية والإنسانية والكونية، “لذلك شكل القرآن الكريم الركيزة الأساس التي استند ّإليها في مشروعه السنني الحضاري الذي يهدف من خلاله إلى ترسيخ الهدايات السّننية في العقل المسلم ووعيه وفعاليته”. مذكرا هنا بأن الدكتور الطيب لم يقتصر فقط على استنباط الهدايات السننية التي توجه المسار الحضاري للأمة وتحفظه من الاعوجاج أو الخروج عن السكة، وإنما انتقد أيضا المناهج القاصرة الناقصة التي تتعامل مع الوحي القرآني برؤية تجزيئية تبعيضية تنافرية، تحجب عن الإنسانية رؤية آفاقه الرحب وشمسه الساطعة”.

مركزا على أن “الشيخ الطيب واحد من الكتاب القلائل الذين تميزوا بغزارة الإنتاج، وسعة الاطلاع وقوة الطرح وشمولية التأصيل القرآني للفقه الحضاري السّنني”، معرجا نظرة سريعة على مختلف عناوين إنتاجه التي ترسم لنا الدائرة المعرفية التي يتحرك فيها، وفق مرتكزات ثلاثة:

أولها: السّننية الحضارية عند الدكتور الطيب: المفهوم والأهمية.

وثانيها: أسس الفكر الحضاري السنني عند الشيخ الطيب: (1-البناء على أساس الوحي، 2-التعامل مع نصوص الوحي بما ينسجم مع مقاصدها الهدائية السننية، 3-الاستفادة من التجارب الإنسانية والاجتماعية الحضارية والمعرفية عبر التاريخ).

وثالثها: أبعاد الاتجاه الحضاري السنني عند الدكتور الطيب: (1- فهم القرآن الكريم فهما صحيحا، 2- تحقيق فهم عميق وشامل للرسالة المحمدية، 3-تحرير العقل المسلم وإنقاذه من براثن الفكر التجزيئي، 4- تحقيق العبودية لله تعالى والسيادة في الأرض).

أحد العقول الكبيرة في مغربنا الكبير إن لم يكن في العالم العربي كله:

وتحت عنوان “المفاهيم الكبرى في فكر الدكتور الطيب برغوث”، كانت مداخلة الأستاذ الدكتور بدران بن الحسن، من دولة (قطر)، الذي اتسهل محاضرته بقوله ” أن الدكتور الطيب برغوث يعد أحد العقول الكبيرة في مغربنا الكبير إن لم يكن في العالم العربي كله، يجمع بين الطرح الأكاديمي الذي يراعي الأبعاد المعرفية والمنهجية المختلفة لما يقدمه، وبين العمق الفكري الذي يتجاوز شكلية الطرح الأكاديمي إلى عمق الوعي بالفكرة وامتداداتها وبصلتها بالعمل، وبين فعالية الداعية وبصيرته التي تسعى لحل مشكلات أمته والسعي إلى تغيير واقعها إلى ما ينسجم مع السنن الناظمة لحركة الفكر والعمل والتاريخ والواقع”، و اردف بقوله:” وهو في هذا يكون امتدادا لمدرسة عريقة في الفكر الإسلامي، هي مدرسة الاتجاه الحضاري، أو مدرسة البناء الحضاري، أو مدرسة الفكر الحضاري، على اختلاف تسميات الباحثين لها، واتفاقهم على أنها مدرسة تتبنى المنظور الحضاري السنني، الذي يمثله أكثر ما يمثله ابن خلدون ثم مالك بن نبي، لكنها تستمد ايضا مرجعيتها من التراث الاسلامي العريق في عمومه، ومن الخبرة الانسانية العالمية، ومن الخبرة المحلية. وينصب جهدها على اكتشاف وتسخير سنن الله لتحقيق الاستخلاف والعمران لهذه الأمة وللإنسانية”..

إذ اجتهد المتدخل، في التعريف بما أسماه “الجهاز المفهومي أو شبكة المفاهيم التي يستخدمها الطيب برغوث لتشخيص واقع أمتنا وحضارتنا الإسلامية والانسانية أيضا، وجعل هذا الواقع مفهوما”. معرجا بقوله” أن الدكتور برغوث باعتباره مفكرا مبدعا في مجال الفكر العمراني الاسلامي أبدع جهازا مفهوميا في فهم قضايا التخلف والنهضة، والطريق نحو التجديد الحضاري لأمتنا والانسانية. تمثل هذه المفاهيم ادوات فهم وتحليل وبناء لفكر حضاري يساهم في تحقيق التحضر.”

كما تناولت كلمته باقتضاب المفاهيم التي تكل شبكة أو جهازا مفهوما، يبنى عليه منهجه في تناول المسألة الحضارية. ومنها مفاهيم: السننية، والفعالية، والحضارية، والتكاملية، والتوحيدية، والحماية،..

مقصد العمران الحضاري في فكر المحتفى به :

أبرزت مداخلة الدكتور ميلود بورداش، من جامعة وهران، عبقريّة المفكّر الجزائري في بناء نظريّة كليّة سننيّة متكاملة متوازنة، عبر سلسلة من المنظومات السننيّة الكليّة المتجانسة التي تشكّل في مجموعها خريطة لبناء الوعي السّنني والمعرفة السننيّة. وجلّ في مداخلته، أنّ مقصد العمران الحضاري عند الدّكتور برغوث لم يترك للتجربة والخبرة الانسانيّة والاجتهاد البشري، وإنّما قعّد القرآن قواعده، ووضع معالمه الكبرى من خلال سلسلة منظومات سننيّة متكاملة وهي : منظومات سنن الاستخلاف البشري، ومنظومات سنن التسخير الكوني، ومنظومات سنن الوقاية الحضاريّة. وأوضحت المداخلة أنّ الدكتور برغوث قد أبدع في بيان دور تلك المنظومات السننيّة الكليّة في بناء العمران الحضاري. وختم المحاضر مداخلته بذكر أهمّ النتائج المتوصّل إليها من خلال البحث..

الدكتور مولود سعادة يختتم الندوة برسالة للمفكر والتنويه بمبادرة جامعة وهران:

وبهذه المناسبة التي تصادف الذكرى 58 للاستقلال و عيد الشباب، نوه الدكتور الطيب برسالة قرأها نيابة عنه الدكتور مولود سعادة من جامعة قسنطينة، مشيدا بهذه المبادرة الهامة التي أقدم عليها مخبر الدراسات القرآنية والمقاصدية بجامعة جزائرية، لأنها تقع في عمق اهتمام الجزائريين بعلمائهم ومفكريهم قبل موتهم، لأننا مع الأسف الشديد لا نهتم بتراثنا و مساهماتنا الفكرية والثقافية الجادة، إلا بعد أن يموت أصحابها، فنحن نطبق -مع كل أسف- نظرية المثل الشعبي” عاش مشتاق تمرة، كي مات علقولوا عرجون “!! ولكن الحمد لله هذه الخطوة المتميزة، لعلها تكون بداية الكسر لهذه القاعدة المشؤومة، و بكلمات معبرة، قائلا :” لا أظن أن أحدا منكم كان سينتبه أو يهتم باسم الطيب برغوث، لو لم يرتبط صاحبه بفكرة جوهرية منذ زمن غير قصير، ألا وهي فكرة ” منظور السننية الشاملة ” الذي تمحورت حوله كثير من جهوده الفكرية والتربوية والتأليفية وما تزال، بغض النظر عن مدى توفيقه في ذلك أو عدم توفيقه.” .. “ومن خلال متابعتي للساحة الفكرية والثقافية في العالم العربي خاصة، لاحظت بارتياح اهتماما متزايدا وإن كان محدودا لحد الآن، بفكرة المعرفة والثقافة السننية في العقود الثلاثة أو الأربعة الأخيرة، والتأكيد على الحاجة الماسة إليها في تصحيح أوضاع المجتمعات الإسلامية المعاصرة، واستدراك ما فاتها من فرص من أجل تحقيق نهضتها الحضارية المرجوة، وهذا أمر في غاية الأهمية، يجب على النخب الفكرية والاجتماعية والسياسية في المجتمعات الإسلامية المعاصرة، أن توليه عناية خاصة، وأن تؤسس للقطيعة مع المعرفة والثقافة اللاسننية، وأن تفسح المجال واسعا للمعرفة والثقافة السننية المتكاملة، لكي تأخذ مكانتها في المنظومة المعرفية والثقافية للمجتمع والأمة.

محملا الحاضرين مسؤولية هذا المشروع بقوله :” إنني أحملكم جميعا مسؤولية هذا المشروع أمام الله تعالى، واعذروني كثيرا كثيرا عندما أقول لكم: إن كان فيه خير وقصرتم في استيعابه وخذلتموه، فإن أمركم عند الله عسير، كما تعرفون ذلك خيرا مني، وإن كان فيه ضرر أو مضيعة للوقت، وسكتم على ذلك، فأمركم كذلك عند الله عسير”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق