الموقع

حين يصير المحتل مدافعا عن النفس

نبيل عودة

ما اصعب الكتابة في زمن يسقط فيه الأطفال ضحايا لعدوان لا يتوقف ، ويدعي منفذيه انهم في حالة الدفاع ، متهما الضحية بالعدوان، متناسيا ان عدوانه متواصل بأبشع صورة وابشع وسائل وأرذل اخلاق عرفتها البشرية في تاريخها. لست من مؤيدي حماس وفكرهم واساليبهم، ولست من مؤيدي طرق النضال العنيفة في مواجهة آلة عسكرية تعجز عنها كل الجيوش العربية، ربما يسمي البعض هذا التحدي بالبطولة، انا لا ارى بالانتحار بطولة، انا لا ارى بدفع مئات الاف المواطنين العزل لمواجهة آلة حربية متوحشة الا تورطا، ليس هذا وقت بحث دوافعه ومبرراته. رغم ذلك انا لست حياديا عندما ارى شعبي يذبح كالنعاج ، اطفاله ونسائه ورجاله  يحرقون ويشوهون ويقتلون بلا رحمة، امام عالم ينسى ان العدوان الاسرائيلي لم يبدأ بإطلاق حماس او غيرها بعض القذائف كتعبير عن واقع أشد ايلاما من الموت. عن حصار تجويع ومنع تطوير البنى التحتية ، عن حصار يمنع  الشروط الأولية لحياة البشر في القرن الحادي والعشرين. حصار لمجتمع كان تحت احتلال اسرائيل لفترة نصف قرن قبل ان يتركها ارضا خرابا، سرق ثرواتها الوطنية من مياه واراض لحساب مستوطنيه قبل ان يقرر الانسحاب، ترك القطاع بلا فرص عمل، بدون خدمات طبية مناسبة، الجوع والحرمان هو واقع المواطنين  وهو المستقبل الوحيد لأطفال غزة الذي لم “تحاصره” اسرائيل.

عدد كبير من سكان القطاع عملوا “مرغما اخيك لا بطل” في مزارع المستوطنات التي اقامها المستوطنون على الأراضي المصادرة من ابناء غزة وكذلك في اعمال البناء داخل المستوطنات. انسحاب اسرائيل بالشكل الذي جرى، وبدون اعداد جاهزية اقتصادية مناسبة، يمكن ان يفسر ايضا كضربة اقتصادية لأبناء القطاع، جعلتهم اكثر فقرا وبؤسا، خاصة بعد فرض الحصار وايقاف مشاريع تطوير القطاع.

هنا جذور ما تسميه اسرائيل “عدوانا من حماس”!!

من جهة اخرى ، اتفاق المصالحة بين فتح وحماس واقامة حكومة وحدة وطنية، رغم شكلية المصالحة والحكومة، الا ان هذه الخطوة اثارات مخاوف اسرائيل وقامت بجهود كبيرة ، تحريضا وضغطا على السلطة الفلسطينية وابو مازن شخصيا لفض الاتفاق، من معرفتها ان الاتفاق، حتى الشكلي.. يغير من المعادلة السياسية التي تبرر فيها اسرائيل استمرار حصارها وتنكرها للحق الوطني المشروع للشعب الفلسطيني بالتحرر من الاحتلال، مما يعطي للمفاوض الفلسطيني حق الحديث وتمثيل كافة قطاعات الشعب الفلسطيني وهو امر ترفضه اسرائيل قطعيا…من موقفها الرافض أصلا لأي حل يقود الى دولة فلسطينية مستقلة!!

هنا الموضوع الأساسي وليس اطلاق حماس او غيرها لبعض القذائف، كرد فعل على عدوان احتلالي متواصل ، كل ما تغير هو شكل الاحتلال، من احتلال مباشر الى احتلال حصاري خانق ابشع من الاحتلال المباشر. هذا ما يجب ايجاد حل دولي له، وهو من جذور المشكلة وليس صواريخ حماس ..طبعا دون تجاهل اقفال زعامة اسرائيل اليمينية  لآفاق اقامة دولة فلسطينية مستقلة، حتى مع مفاوض مثل الزعيم الحالي للسلطة الفلسطينية محمود عباس الذي وصفه رئيس دولة اسرائيل  شمعون بيريز  بانه “أفضل شريك للدولة العبرية منذ قيامها عام 1948…وأن أبو مازن زعيم شجاع ،وأنه لم يصادف  طيلة حياته زعيم يطلق تصريحات بهذه  القوة أمام الجمهور العربي  في السعودية ، مضيفاً انه زعيم عظيم ولا ينبغي إهدار فرصة تحقيق السلام معه”.

لا ابرر قصف مواطنين اسرائيليين عزل ولا ارى فرقا بالألم الانساني . لكني لا يمكن ان افهم ادانة شعب يريد التحرر من الاحتلال وحصاره  وبناء دولته المستقلة بالعدوان، حسب مختلف التصريحات الغربية التي تناقلتها وسائل الاعلام. كنت سافهم مطالبة حماس بوقف قصفها مقابل رفع الحصار القاتل عن القطاع. ان أي حل آخر سيكون حلا مؤقتا، حتى الانفجار القادم.

افهم جيدا ان توسيع العدوان على القطاع ، بمعنى اقتحامه واحتلاله  يحتاج الى ضوء أخضر أمريكي ( ربما هذا ما قصده رئيس حكومة اسرائيل نتنياهو حين قال لشريكه وزير الخارجية ليبرمان الذي يضغط لاحتلال غزة ان عليه اولا ان يحضر اجتماعات المجلس الوزاري المصغر للشؤون السياسية والأمنية – الكابينيت)، حسب مفاهيمي وقناعاتي ، العائق هو الضوء الخضر.. ولكنه سيكون ضوء  لفترة قصيرة .. هذا اذا تخاذلت الدول العربية  وربما تركيا ودول أخرى أيضا في الضغط على الادارة الأمريكية لمنع تدمير غزة بالكامل ولمنع مشاهد مرعبة ، بدأت  تثير رأي اصحاب الضمير وحقوق الانسان في مختلف دول العالم، ضد اسرائيل ورعاتها الغربيين، هذا المشهد لم يغب عن ذهننا من المشاهد المرعبة  في الجولة السابقة !!

فهل سنشهد تطورا في المواجهة في الأيام القادمة، والى أي مدى ستتحمل الادارة الأمريكية استمرار تغطيتها للعدوان الاسرائيلي امام المشاهد المرعبة التي بدأت تنتشر في وسائل الاعلام وعلى الشبكات الاجتماعية؟!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق