قراءات ودراسات

ذٰلِكَ ٱلْغَبَاءُ ٱلْقَهْرِيُّ ٱلْتَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ ٱلْتَّقَدُّمِ أَمْ بُغَاةُ ٱلْتَّهَدُّمِ؟ (4)

غياث المرزوق

إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ ٱلْسَّاعَةِ ٱلْهَرْجَ.
قِيلَ: وَمَا ٱلْهَرْجُ؟ قَالَ: ٱلْكَذِبُ وَٱلْقَتْلُ [أَيْضًا].
قَالُوا: أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ ٱلْآنَ؟
قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ [أَعْدَاءً]، وَلٰكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا!
اَلْرَّسُولُ مُحَمَّدٌ

(4)

كما قلتُ آنفًا، بالمِرَارِ والتَّكْرَارِ، في القسمِ الثالثِ من هذا المقالِ، وأيَّةً كانتْ تداعياتُ تلك الجريمةِ الشنعاءِ التي ارتكبتْها عصابةُ آلِ السَّعَادِينِ بحقِّ الكاتبِ الصِّحَافيِّ السُّعُوديِّ، جمال خاشقجي، في اليوم الثاني من شهرِ تشرين الأول سنةَ 2018 في مدينةِ إسطنبولَ، وفي مبنى قنصليةِ بلادِهِمْ بالذاتِ (على افتراضِ أنهُ مبنىً «آمِنٌ» مخصَّصٌ لـ«حمايةِ» المواطناتِ السُّعُوديَّاتِ والمواطنينَ السُّعُوديِّينَ بالذواتِ)، أيَّةً كانتْ تداعياتُ تلك الجريمةِ الشنعاءِ في المشهدَيْنِ العربيِّ والغربيِّ الرَّاهنَيْنِ، فإنَّهُ لَمِنَ العسيرِ جدًّا، إنْ لمْ يَكُنْ مِنَ المستحيلِ بَتًّا، أنْ يُصَارَ إلى ذلك الفَصْلِ المُتَعَمَّدِ، أو حتى غيرِ المُتَعَمَّدِ، بينَ الصَّعيدَيْنِ السياسيِّ والاقتصاديِّ المترتِّبَيْنِ على تلك التداعياتِ. حتى أنَّ طاغيةَ عصابةِ آلِ السَّعَادِينِ، محمد بن سلمان، حينما لمَّحَ إلى قوَّةِ الاقتصادِ القَطَريِّ في مَعْرِضِ إجابتهِ «البَهْلَوَانِيَّةِ» عن السُّؤَالِ عن هُوِيَّةِ الآمرِ الفعليِّ بتنفيذِ تلك الجريمةِ النكراءِ (وعلى الرَّغمِ من أنَّ العالَمَ كلَّهُ صَارَ يعلمُ أنَّهُ هو الآمرُ الفعليُّ، ولا شكَّ يرقى إلى ذلك)، كانَ يُلَمِّحُ تلميحًا تمويهيًّا بإيعازٍ أمريكيٍّ خفيٍّ إلى إمكانيةِ استردادِ قطر من أحضانِ تركيا في العَلَنِ، ويُلَمِّحُ من ثمَّ تلميحًا أكثرَ تمويهيَّةً بذاتِ الإيعازِ الأمريكيِّ الخفيِّ إلى إمكانيةِ استردادِهَا (أي قطر) من أحضانِ إيرانَ في السِرِّ، هذهِ المرَّةَ. كلُّ ذلك التلميحِ التمويهيِّ والأكثرِ تمويهيَّةً، في ذلك السِّيَاقِ، إنَّما مَرامُهُ الخَدَمِيُّ الأولُ والأخيرُ هو عينُ التمهيدِ الجَهيدِ لتأسيسِ ما باتَ يُدْعى إبَّانَئِذٍ بـ«التحالف الإستيراتيجي الشرق-أوسطي» Middle East Strategic Alliance، ذلك التحالفِ الذي كانَ عربانُ النفطِ والعَفْطِ المُؤَمْرَكُونَ والمُتَأَمْرِكُونَ، على حدٍّ سَوَاءٍ، يدعُونهُ باختصارِهِ المُنَقْحَرِ بحِلْفِ الـ«ميسا» MESA (تشبُّهًا، بطبيعةِ الحَالِ، بِنَقْحَرَةِ حِلْفِ الـ«ناتو» NATO الشهيرِ)، والذي أعلنَ عنهُ السِّمْسَارُ معتوهُ أمريكا، دونالد ترامب، إعلانًا «غيريًّا»، «تَفَانَوِيًّا» و«مُوَحِّدًا خَيِّرِيًّا وإنْسَانَوِيًّا» بينَ دولِ الخليجِ والسُّعُوديةِ بالذاتِ (بالإضَافةِ إلى دولتَيْ مصرَ والأردن، يومَها)، وذلك بذَرِيعةِ، أو بالأحرى بخَدِيعةِ، «إجراءٍ دفاعيٍّ وقائيٍّ يحمي أبناءَ السُّنَّةِ (دونَ ذِكْرٍ للبناتِ، بالطبع، في مجتمعٍ ذُكوريٍّ قلبًا وقالِبًا) من ازديادِ المَدِّ الشِّيعيِّ الفارسيِّ» في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ، خاصَّةً. غيرَ أنَّ الغايةَ الأولى والأخيرةَ من هذهِ الذَّرِيعةِ، أو من هذهِ الخَدِيعةِ، بدورهَا هي الأُخرى، إنما هي ازديادُ المَدِّ العسكريِّ الأمريكيِّ (ومن ورائهِ المَدُّ العسكريُّ البريطانيُّ وَ/أوِ الفرنسيُّ، وهَلُمَّ جَرًّا) في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ هذهِ، دونَ سواها من مناطقِ الشرقِ الفسيحِ منظورًا إليهِ بمنظارِ «الهَيْمَنَةِ الاستشراقيَّةِ» Orientalist Hegemony بمفهمومهِ السَّعيديِّ من طرفِ هذا الغربِ المدجَّجِ بالسِّلاحِ والمُحَصَّنِ بالعِلْمِ، بصورةٍ عامَّةٍ. حتى أنَّ ثَمَّةَ، في الآونةِ الأخيرةِ، بضعةً من التقاريرِ الأمنيَّةِ المُعَمَّقَةِ التي يتراوحُ نَعْتُ فَحْوَائِهَا ما بينَ «السِّرِّيِّ» و«السِّرِّيِّ جدًّا» و«السِّرِّيِّ للغايةِ»، والتي تشيرُ إلى أنَّ لكلٍّ من عِصَابَتَيْ آلِ السَّعَادِينِ وآلِ النَّهَايِينِ الإجراميَّتَيْنِ «مِخْلَبًا عسكريًّا»، حسبما يردُ في التعبيرِ السياسيِّ الحديثِ، «مِخْلَبًا عسكريًّا» مُسْتَتِبًّا في الجانبِ الشرقيِّ الشماليِّ من منطقةِ الفراتِ (في سوريا)، ومزوَّدًا بأجناسٍ شتَّى من مقاتلينَ أشدَّاءَ «أوفياءَ» مأجورينَ أجانبَ تأتيهم متوالياتُ الأوامرِ العسكريةِ والأوامرِ غيرِ العسكريةِ، بين الفَيْنَةِ والفَيْنَةِ الأخرى، إتْيَانًا مباشرًا من وكالةِ الاستخباراتِ المركزيةِ (الأمريكية) CIA بالذات – ومن ورائِها، كذلك، تقبعُ هيئةُ الاستخباراتِ العسكريةِ (البريطانية) MI6 وَ/أوِ الإدارةُ العامةُ للأمنِ الخارجيِّ (الفرنسية) DGSE. فلا غَرْوَ، مرةً أخرى، أن تكونَ الأحْبُولةُ الوَضِيعةُ هي ذاتُهَا، منذُ البدايةِ: «التَّعَاضُدُ الأمْنِيُّ مِنْ أجْلِ مُحَارَبَةِ الإرْهَابِ المُتَمَثِّلِ في تنظيمِ «الدولةِ الإسلاميةِ» (أو «داعش» ISIS، اختصارًا)، وأمثالهِ»، هذهِ المرَّةَ، تلك الأحْبُولةُ الوَضِيعةُ والدنيئةُ التي لمْ يتوقَّفْ أيٌّ من فَلِّ الطُّغاةِ العُتَاةِ المُصْطَنَعِينَ، في «الجمهورياتِ» أو في «الاشتراكيَّاتِ»، عن التذرُّعِ بِهَا بغيةَ الاسْتِوَاءِ الأبديِّ والأزليِّ على عُروشِ الحُكْمِ، من أمثالِ بشار الأسد وعبد الفتاح السيسي وخليفة بلقاسم حفتر، حتى هذهِ اللحظةِ.

وكانتْ لعصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ (أو آلِ «الأَرَادِغِ»، بالقياسِ) مآربُها اللاأخلاقيةُ واللاإنسانيةُ، هي الأخرى – وذلك على لاحِقِ الاعتبارِ بأنَّ أيًّا من نشاطاتِ هٰذَيْنِ «المِخْلَبَيْنِ العسكريَّيْنِ» المُسْتَتِبَّيْنِ المعنيَّيْنِ لَيُمَثِّلُ تدخُّلاً واضحًا وفاضحًا في السيادةِ والأمنِ القوميَّيْنِ التركيَّيْنِ، من ناحيةٍ، وذلك على سَابقِ الاعتبارِ بأنَّ القنصليةَ السُّعُوديةَ الكائنةَ في مدينتِهمْ إسطنبولَ إنَّما هي مسرحُ ارتكابِ جريمةِ الاغتيالِ المعنيَّةِ بحقِّ الكاتبِ الصِّحافيِّ السُّعُوديِّ جمال خاشقجي، الجريمةِ التي تجسَّدتْ حُوشِيَّتُها ووحشيَّتُها و«قَنْبَلِيَّتُها» Cannibalism في تعذيبِهِ الجسديِّ وتزهيقِهِ الرُّوحيِّ وتقطيعِهِ «الطبِّيِّ الشرعيِّ» وتذويبِهِ «الكيميائيِّ الأسيديِّ»، وعلى أيدي فريقٍ مخابراتيٍّ إجراميٍّ مؤلَّفٍ من خمسةَ عشرَ كائنًا مَا دُونَ-حَيَوانِيًّا سُعُوديًّا بلَحْمِهِ وشَحْمِهِ، من ناحيةٍ أخرى. وفي وُسْعِ حتى القارئةِ والقارئِ غيرِ المُتَمَرِّسَيْنِ سياسيًّا لتفاصيلِ، أو حتى لمَجَاميلِ، تلك الأحداثِ «الهَيْمَنِيَّةِ الاستشراقيَّةِ» و«الهَمَجِيَّةِ الاستغرابيَّةِ» مجتمعةً، في وُسْعِهما أن يتحقَّقَا بِيُسْرٍ من هذهِ المآربِ اللاأخلاقيةِ واللاإنسانيةِ التي تَأْرُبُ إليها عصابةُ آلِ الأَرَادِيغِ أيَّما أَرَبٍ بالدُّنُوِّ على مستويَيْنِ «براغماتيَّيْنِ» (أو ذرائعيَّيْنِ نَفْعِيَّيْنِ) مُكَمِّلَيْنِ لبعضِهما البعضِ، أوَّلُهُمَا سياسيٌّ-دينيٌّ وثانيهما اقتصاديٌّ-ماليٌّ، وأيَّةً كانَتْ كميَّةُ أو كيفيَّةُ المَسَاعي الدبلوماسيةِ الأردنيةِ، أو حتى غيرِ الأردنيةِ، التي سُعِيَتْ حينذاك نحوَ تنسيقٍ ثنائيٍّ سُعُوديٍّ-تركيٍّ مَرَامُهُ الأساسيُّ «لاتَسْيِيسُ» ملفِّ جريمةِ الاغتيالِ المعنيةِ وما تقتضيهِ اقتضاءً، و«تَدْجِينُهُ» من ثمَّ بوصفهِ ملفًّا قضائيًّا (أو جنائيًّا) محضًا، ليسَ غيرَ. فأمَّا المستوى السياسيُّ-الدينيُّ، من زاويةٍ أولى، فيتجلَّى في لُهَاثِ عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ، بمقتضى عاداتِ سَلِيفَاتِها «التاريخيَّةِ»، أو «اللاتاريخيَّةِ»، بالخَليقِ، وراءَ استِئْثاريَّةِ واحتكاريَّةِ التمثيلِ العِصَابَاتيِّ «المَافْيَوِيِّ» للمذهبِ السُّنيِّ (الأرثوذكسي) في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ، على وجهِ التحديدِ: ففي حينِ أن تركيا من كَنَفِ عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ (اللاأبديةِ) نفسِها تزعمُ هذا التمثيلَ بكونِهَا «كانفةَ» الخلافةِ العثمانيةِ الكبرى، نرى أنَّ السُّعُوديةَ من طرفِ عصابةِ آلِ السَّعَادِينِ (الأبديةِ، بدورِها) تدَّعي هذا التمثيلَ عينَهُ بوصفِهَا «ماهدةَ» الرسالةِ الإسلاميةِ الأولى، ونرى أنَّ مصرَ من جانبِ عصابةِ آلِ السَّيَاسِيسِ (الأبديةِ-اللاأبديةِ، بدورِها هي الأخرى) تعتزي هذا التمثيلَ عينَ عينِهِ باعتبارِهَا «ضَامَّةَ» الكثافةِ السُّكَّانيةِ (السُّنِّيَّةِ) الأكبرِ، في هذا السِّياقِ، وهكذا دوالَيْكُمَا. بيدَ أنَّ ما يجمعُ هذهِ العصاباتِ كُلَّهَا، وإنْ تنازعتْ على حِيَازَةِ هذا التمثيلِ السياسيِّ-الدينيِّ «المَافْيَوِيِّ» في الجلاءِ وفي الخفاءِ، إنَّمَا هو التذرُّعُ بتلك الأحْبُولةِ الوَضِيعةِ والدنيئةِ في نوعيةِ «التَّعَاضُدِ الأمْنِيِّ مِنْ أجْلِ مُحَارَبَةِ الإرْهَابِ»، حتى لو كانَ المقابلُ الإرهابيُّ لتنظيمِ «الدولةِ الإسلاميةِ» ISIS وأمثالِهِ، بالنسبةِ إلى عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ دونَ غيرِهَا، مُتَمَثِّلاً، والحَالُ هذهِ، في «حزبِ العمالِ الكردستانيِّ» PKK وأمثالِهِ كذلك، الحزبِ الذي أعلنَ عن تمرُّدِهِ وعن عصيانِهِ المسلَّحِ، منذُ أكثرَ من ثلاثةِ عقودٍ، ضدَّ ما يراهُ في «فاشيةِ» عصاباتِ طبقاتِ الحُكْمِ التي بلغتْ ترتيبَها الثاني عشرَ في تركيا كهذهِ العصابةِ (أي عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ نفسِهِا). وأمَّا المستوى الاقتصاديُّ-الماليُّ، من زاويةٍ أخرى، فيتبدَّى في سَيَلانِ لُعَابِ عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ عينِها أمامَ الملياراتِ السُّعُوديةِ «النَّدِيَّةِ والجَدِيَّةِ»، رغمَ ذلك كلِّهِ حتَّى، وذلك تيمُّنًا بسَيَلانِ لُعَابِ عصابةِ آلِ الطَّرَابِينِ ذاتِها أمامَ هذهِ الملياراتِ بالذاتِ والذواتِ – وعلى الأخصِّ عندما صرَّحَتْ هذهِ العصابةُ الأخيرةُ على لسانِ معتوهِهَا المُقاولِ، دونالد ترامب، بأنَّ عصابةَ آلِ السَّعَادِينِ لنْ تستمرَّ في تسلُّمِ مقاليدِ الحُكْمِ أكثرَ من أسبوعينِ اثنَيْنِ دونَ أيَّةِ «حمايةٍ أمريكيةٍ»، أو حتى على لسانِ «مُعارضِ»، أو بالحَرِيِّ «مُنافسِ»، ترامب الجمهوريِّ الآخَرِ، ليندْزي غْراهام، بأنَّ السُّعُوديَّةَ النفطيَّةَ برمَّتِها سوفَ تتكلَّمُ اللغةَ الفارسيةَ (لغةَ إيرانَ المُتَنَفِّذَةِ حَوْلاً)، كلغةٍ أولى، في غضونِ أسبوعٍ واحدٍ من غيابِ هذه «الحمايةِ الأمريكيةِ»، في حدِّ ذاتِهَا – وعلى الأشدِّ خُصُوصًا، في التحليلِ الأخيرِ والآخِرِ، عندما كانَ اقتصادِيُّو، أو «مَالِيُّو»، عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ، وما زالوا، تيمُّنًا بنظرائِهِمْ الاقتصاديِّينَ و«الماليِّينَ» من عصابةِ آلِ الطرابينِ كذلك، في حالةِ ارتقابٍ عُصَابيٍّ شِبْهِ دائمٍ، جليٍّ أو خَفيٍّ، إزاءَ حَدَثٍ اقتصاديٍّ-مَاليٍّ جِدِّ دَارٍّ «لمْ يسبقْ لهُ مثيلٌ في تاريخِ البشريةِ جمعاءَ»، ألا وهو: الغُدُوُّ العاجلُ، أو الآجلُ، لطاغيةِ عصابةِ آلِ السَّعَادِينِ، محمد بن سلمان، كأوَّلِ «تْرِلْيُونير» في العالَمِ، ودونَ أيِّمَا فردٍ آخَرَ من أفرادِ هذهِ العصابةِ، أو حتَّى غيرِهَا!

وفي غَلْوَاءِ كافَّةِ هذهِ المآربِ اللاأخلاقيةِ واللاإنسانيةِ التي تَأْرُبُ إليها عصابةُ آلِ الأَرَادِيغِ أيَّما أَرَبٍ، على المستوى «البراغماتيِّ» الاقتصاديِّ-المَاليِّ، تحديدًا، ما يُفَسِّرُ بجلاءٍ كيفَ أنَّ رأسَ هذهِ العصابةِ (اللاأبديةِ)، رجب طيب أردوغان، إنَّمَا هو فردٌ دبلوماسيٌّ يحترفُ الابتزازَ والنفاقَ في أقصى معانيهِمَا: أردوغانُ الدبلوماسيُّ يحترفُ الابتزازَ، أوَّلاً، من خلالِ اتِّباعِهِ ذلك الأسلُوبَ التدرُّجيَّ الرُّوَيْديَّ- الرُّوَيْديَّ، أو ما يُسَمَّى في الحديثِ السياسيٍّ الدارجِ بـ«سياسةِ القطرة-قطرة»، في تسريبِ كلٍّ من المعلوماتِ الصوتيةِ والمرئيةِ، وحتى «الرَّسْمِيةِ»، المُريعةِ والمُرَوِّعةِ التي تتعلَّقُ بجريمةِ اغتيالِ الكاتبِ الصِّحَافيِّ السُّعُوديِّ، جمال خاشقجي، وفي إطلاعِ كلٍّ من الدولِ الغربيةِ «الديمقراطيةِ» التي يحالفُها من حِلْفِ الـ«ناتو» NATO الآنفِ الذكْرِ، ومن ثمَّ في الوَعْدِ «المبدئيِّ» المُسْتَمِرِّ لهذهِ الدولِ بتسريبِ المزيدِ من هذهِ المعلوماتِ – مِمَّا يدلُّ دلالةً لا ريبَ فيها على اعترافٍ مُعْلَنٍ، أو غيرِ مُعْلَنٍ، منهُ (أي من أردوغانَ الدبلوماسيِّ المُبْتَزِّ نفسِهِ) بوجودِ أجهزةٍ تَنَصُّتِيَّةٍ مخفيَّةٍ ومتعذِّرةِ الاكتشافِ حتى على «الأذكياءِ» و«الحاذقينَ» من عصابةِ آلِ السَّعَادِينِ أنفسِهِمْ، أجهزةٍ تَنَصُّتِيَّةٍ مزروعةٍ في أماكنَ «مَيِّتَةٍ»، أو بالكادِ، من مبنى القنصليةِ السُّعُوديةِ في مدينةِ إسطنبولَ يُديرُها عناصرُ معيَّنُونَ من جهازِ الاستخباراتِ الوطنيةِ (التركيِّ) MİT، من وراءِ الكواليسِ، يديرونَها إدارةً «عِصَامِيَّةً» أوْ «عَصْمَاءَ»، إنْ لمْ تَكُنْ إدارةً بإشرافٍ غيرِ قصيٍّ من لَدُنْ عناصرَ محدَّدينَ آخرينَ من وكالةِ الاستخباراتِ المركزيةِ (الأمريكية) CIA، من وراءِ وراءِ هذهِ الكواليس. وأردوغانُ الدبلوماسيُّ نفسُهُ يحترفُ النفاقَ، ثانيًا، من خلالِ سَعْيِهِ الافتعاليِّ والافترائيِّ الحثيثِ إلى الظُّهُورِ، قدَّامَ العالَمِ المخدُوعِ وغيرِ المخدُوعِ بأسْرِهِ، بمظهرِ ذلك السياسيِّ «النظيفِ» و«النزيهِ» و«المُشْبَعِ إشباعًا بمكارِمِ الأخلاقِ الإسلاميةِ النقيَّةِ»، وذلك في غَمْرَةِ اهتمامِهِ وانهماكِهِ بذَيْنِك التحرِّي والتقصِّي «الإنسانِيَّيْنِ» و«الإنسانَوِيَّيْنِ» حولَ ذلك الآمِرِ الفعليِّ بتنفيذِ تلك الجريمةِ النكراءِ، جريمةِ اغتيالِ الكاتبِ الصِّحافي السُّعُوديِّ جمال خاشقجي ذاتِهِ (وهو الصديقُ المقرَّبُ لأردوغانَ الدبلوماسيِّ المنافقِ بالذاتِ)، بينما كانَ هذا السياسيُّ «النظيفُ» و«النزيهُ» و«المُشْبَعُ إشباعًا»، إلى آخرِهِ إلى آخرِهِ، ولمْ يزلْ، قَدْ قامَ بِرُمِّ مُقْتَضَى مشيئتِهِ العقليَّةِ والنفسيَّةِ بالحَظْرِ العَسْفيِّ والتعسُّفيِّ والاعتسَافيِّ على شتَّى حُرِّيَّاتِ التعبيرِ وشتَّى حُرِّيَّاتِ إبداءِ الرأيِ، وعن طريقِ اتِّخَاذِ أحكامٍ وإجراءاتٍ قمعيَّةٍ وقسريَّةٍ وقهريَّةٍ أدَّتْ إلى اكتظاظِ سُجُونِهِ، سُجُونِ آلِ الأَرَادِيغِ، بالكثيرِ من الكاتباتِ والكُتَّابِ الصِّحَافيِّينَ، وبالكثيرِ من الكاتباتِ والكُتَّابِ المثقَّفينَ الآخَرِينَ، منذ أنْ تسلَّمَ هذا الـ«أردوغانُ الدبلوماسيُّ المُبْتَزُّ المنافقُ بامتيازٍ» مقاليدَ الحُكْمِ في دولةِ تركيا في اليومِ الثامنِ والعشرينَ من شهرِ آبَ سنةَ 2014، وذلك بمثابةِ المُمَثِّلِ السياسيِّ «النظيفِ» و«النزيهِ» و«المُشْبَعِ إشباعًا»، إلى آخرِهِ إلى آخرِهِ، للرئيسِ الثاني عشرَ للبلادِ!

[انتهى القسم الرابع من هذا المقال ويليه القسم الخامس]

*** *** ***

غياث المرزوق
لندن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق