ثقافة السرد

هكذا ينتهي الحبّ عـادةً

(رواية)

هشام بن الشاوي

في البدء كانت »الأجندة»

1 يرتعش الصباح تحت برد يناير، والشمس الخجلى تدغدغ الحواس. ترنو إلى الشبابيك الثلاثة المقفلة حزينًا. لم تظهر بعد، ولا أحد لاح من أهل البيت؛ إنه يوم عطلة.. لماذا- اليوم بالضبط- تذكرت “أجندة” مهملة منذ تسع سنوات؟ أية مصادفة أن تسألك زوجتك – ليلة البارحة- عن رقم هاتفك النقال، ثم تعجبتْ، لأنك تحتفظ به منذ عام 2004م؟ هل كنت تتحصّن ضد الذاكرة الخؤون بكتابة بعض الخربشات في “أجندتك” الخضراء، لا سيما، وأنك كنت قد توقفت تقريبًا عن الكتابة والقراءة  خلال تلك السنة؟

***

في مثل هذا اليوم، رأيتها تنزل إلى الدور السفلي، ولكي تقطف أول قبلة، قفزت من فوق السقالة، وغادرت الورش، متظاهرًا بأنك ستحضر شيئًا ما من بيتها. يومئذ، أحسست أنها تحبك بكل جوارحها، وهي تحتضنك بلهفة، ثم أهديتها قرصًا مرنًا يحوي فيلمًا مصريًّا، بطلته مغنية اعتادت أن تصور “فيديو كليباتها” بملابسها الداخلية، وحذرتها من أن يشاهده معها أحد أفراد  الأسرة.

***

تقرأ بيانات المفكرة : الاسم الشخصي، الاسم العائلي، العنوان البريدي… ثم تسارع بتمزيق الورقة، كأنما تتخلص من آثامك السرية. تحاول أن تتـشاغل بالكتابة عن سوء التفاهم بينك وبين أبيك، والذي تعتبره مسئولا عن تأخرك في كتابة رواية، تشارك بـها في جائزة أدبية، لم يحالفك الحظ فيها من قبل. لكن الرواية، وكأية غانية لعوب، تتأبى رغم كل رؤوس الأقلام، التي تخطها على أوراقك.

لقد أربكك هذا الربيع العربي؛ كنت تحاول أن تقحمه في روايتك الثالثة. صديقك الناقد حدّثك محبطًا عن محرر صفحة ثقافية غبيّ رفض مقاربته لروايتك، لأنه “إخواني”، متحيّز لكل ما يطبل للثورة. طلبت منه عنوانه الإلكتروني، حتى تسبه، وتوضح له أنك  تكتب عن هذا الربيع المزعوم منذ بداياتك.. ألا يدين مهمشو وعاهرات قصصك القصيرة هذه الأنظمة العربية المتهالكة؟

2

تقرأ على صفحة الخميس 1 ذو القعدة 1424هـ، الموافق لـ 25 دجنبر 2004 م إشارة إلى  قصتك: “الطيور تهاجر لكي لا تموت…”، والتي كتبتها في أواخر تسعينات  القرن الماضي، وضرورة إعادة كتابتها بتقنية السيناريو، حتى لو تأخرت حتى الصيف، وفي الورقة الخاصة بأول يناير2004م ملاحظة عن فن كتابة القصة القصيرة…

***

تقلب الأوراق، تكتشف أن ثمة صفحات تـمّ اقتطاعها بمهارة بمقص، حتى لا تضيع أوراق الضفة الأخرى، ولأن المفكرة كانت باللغة الفرنسية، فقد بدأت الكتابة من اليمين.. من آخر التقويم الميلادي. تلفت نظرك ورقة من دفتر مدرسي مطوية بعناية، تحتضن أوراقًا معينة من المفكرة، تتلصص عليها، تزفر: “إنها أيام الألم البغيض”، تعيدها إلى مكانها، وتبحث عن البداية.

***

في صفحة يوم 24 دجنبر 2004م كتبت:

لقاء الخميس :

–      أنا لم أشغل بالي بك، إلا بعد أن التقينا أكثر من مرة، وتحدثنا.

–      أول مرة رأيتك فيها.. عند زيارتكم للبيت، حيث كنت أعمل وحدي. كان معكن أخوك “امجيد”، وقال لي : إن الملاط  ينقصه الإسمنت.

(كان هذا اللقاء، بعد عودتها من العمل مساءً، في أحد الأزقة القريبة من بيتها).

في لقاء الأحد، يوم عطلتكما.. التقيتما، كانت ذاهبة لقضاء أمسيتها عند أختها، التي تسكن قريبًا من حيّكم.

–      لا أحب الرجل الذي بدون شارب..

–      ولكن “امجيد” بلا شارب…

–      ذلك أخي. لو كنت أخي، لكان الأمر عاديًا.

(سبق أن كتبت عن شاربك في قصة: “وشاية بأصدقائي”، وعدت مرة أخرى للكتابة عن “سعادك” في نص آخر، وبلغة أكثر شجنًـا، وبلا تباكٍ. كتبت عنها، بعد سنوات من التشرد العاطفي!).

***

في مقصورة قطار الجديدة، غاص قلبك في بحيرة شجن، وقد خدّر حواسك عطر المرأة المجاورة لك، والشمس تحنّ إلى معانقة سمرة المغيب الشاحبة. شرد لبك برهة، وأنت على شفير النشيج..

قبل سبع سنوات، مدججًا بالأشواق كنت تنتظر اللحظة، التي ترسم فيها الشمس تلويحة وداع على الجدران. تنتظر الساعة الخامسة والنصف، حيث تغادر الورش، وكأن الريح تحتك، في اتجاه الملتقى، مختلسًا لحظات بهجة في حضرتها.

في الطريق، فكرت في قرار ربّ الورش بأن تعودوا إلى التوقيت العادي؛ لن تغادروا حتى الساعة السادسة مساءً، تلعن فصل الربيع، وتتمنى لو أن كل فصول السنة خريف وشتاء، حيث تداهم العتمة الورش مبكرًا.  لن تغادر إلا بعد وصولها إلى البيت، ولن يمكنها أن تخرج بعد ذلك.

في طريق عودتكما إلى بيتها، انتابك فرح غامر، وهي تلمّح – وبنبرة ملتاعة- إلى أنكم أوشكتم على الانتهاء من البناء. أدركت أنها تحبك وستفتقدك.. حتى لو لم تنطق بهاتين الكلمتين العذبتين.

أهو الخوف من ألا تراك ثانية؟

في الصباح، بدوت حزينًا، عند نقلك إلى ورش آخر، بدون سابق إعلام، ومن مقر عملك الجديد، أرسلت إليها رسالة قصيرة ((sms تبلغها بذلك. مساءً، عند وصولها إلى البيت، اختلست سعاد نظرة إلى الورش، ولاح لها  صديقك، الذي تمازحه بــ”أخو البْهَايْمْ” واقفا في الشرفة، ولأنه كان في مثل سنك، فوجئت بها تتهمك بأنك تتهرب منها.. رأيتُكَ، وكنتَ ترتدي “جاكيت الجينز”. وفي دقائق، وجدت نفسك  عند الورش، تصبّ جام غضبك على صديقك.

لا تنكر أنه من أهداك هذا الحب، حين أخبرك – لأنه كان يبيت في الورش- أنها تمرّ في هذا التوقيت. لكن، ليس معنى هذا أن يستمر في مراقبتها، وهو من رآها عند دكان بقال الحي، ولم تكن ترتدي الجلباب.. ثارت ثائرتك : لماذا تخرجين ليلا، وأنت تعرفين أن المكان مليء بالبنائين، وأغلبهم  بدو وأوباش؟ فليذهب غيرك للدكان. أنا جئت للاتصال بك. لا تتصلي بي، ولا تخرجي ليلا.. ثم ماذا كنت ترتدين؟ هل تظنين نفسك في البادية، حتى تخرجين بثياب البيت؟

قبل أيام، أخبرتكَ أن هناك من اتصل بصديقتها هاتفيًا، وخمنتْ أن يكون ذلك الشاب، الذي كان يتلصص عليها، وهي تركب رقم صديقتها في مخدع الهاتف العمومي، المجاور للدكان،  فحفظ الرقم.. زفرت: هؤلاء الغوغاء، أولاد  القـ…

أرسلت إليها رسالة قصيرة ورنة، تعلمها أنك قريب من البيت، وأنت تعرف أنك لن تراها، ولن تطل من الشباك في وجود أخيها، كئيب السحنة.. أف، لماذا خلق الله للحبيبات إخوة نتعذب بسببهم؟  هجرت نادية، وهي مغرمة بك، باحثًا عن حب آخر، بسبب إخوتها البغال.

3

في اليوم الثاني من العام الجديد تبدو مكتئـبًا. رغم أنهم يرددون- كل عام- تلك العبارة البلهاء :”سنة سعيدة”، نمت ليلة رأس السنة مبكرًا.. كنت حزينًا، وناقمًا على كل شيء..

تتذكر، الآن، عبد الله “البصبوص”، والذي جعل المتجر لا يطاق بتلك الرائحة، بعد خروجه من دورة المياه. علق “مبارك” في دهشة : “كنت أشم رائحة غريبة، ولا أعرف مصدرها”. كان يجلس أمام المتجر، حيث تمارسون هواية التلصص..

زوجتك طلبت منك أن تتوقف عن تصفح تلك المواقع المشبوهة، فرويت لها مقهقهًا ما حدث ذات تلصص؛ أشرت إلى “مْعَايْط” أن يقترب منك، كان المقطع فيديو لامرأة تقوم بمداعبة (…)، ذلك الرجل الذي احتك بها في الزحام. ضحك “معايط”، بينما ذهب “مبارك” ليصلي العصر، وكأن  شيئًا لم يحدث.

“مبارك” صديق الخيبات، أربعينيّ، مجاز في الفيزياء، لم تؤهله شهادته سوى للعمل في “محلبة”، ثم بائعا متجولا، وأخيرًا بائع عقاقير.. بيد أن ما يشدك فيه أنه يعيش حياته بلا أقنعة الملتحين، حتى لو كان مظهره يوحي بالتجهم الزائف مثلهم، تمامًا مثل قريبك عبد الله “اللحية”، المتعاطف مع جماعة إسلامية محظورة، ولكنه يشهق عند رؤية عجيزة مترجرجة، فيتمنى – متحسرًا- لو كان بإمكانه أن يزني؛ إذ يخشى عقوبة الرجم، لأنه متزوج، ويستطرد قائلا: إنه يمزح فقط، فهذا الاشتهاء مجرد شحن للبطارية.

تتذكر، هنا و..الآن، مقالا كتبته كرد فيسبوكي على أحدهم،  رفضت نشره جريدتان.

***

البصبوص – وبعد غياب طويل- أخبركم أنه كان في زيارة. سألته – أنت ومبارك- : “ألم…؟”. قال إنه كان في زيارة أماكن طاهرة. مازحته كان بإمكانك أن تستغل أي زحام و… ثم سألته : “ألم تعد إلى حي (عانقني)”؟، وذكّرته باليوم، الذي أخبركم فيه أنه ضاجع ثلاث عاهرات في أحد بيوت اللذة.

أغرقتم في الضحك، وهو يخبركم أنه كان – بعد كل شوط – يذهب لتناول كأس عصير في محلبة مجاورة. قال متحسرًا : “لم يعد هناك سوى بيتين، لم تبق سوى “العوراء” المجاورة للجزار”.

سألته : “أين اختفى كل هذه الشهور؟ لا شك أنك تزوجت وأنجبت!”.

كالعادة، لاحظت تهربه من موضوع الزواج، وعمره يزحف نحو الأربعين، فأشار بيده إلى دراجته الهوائية بعد التحسينات.

***

أيها “الأخ” الفاضل :

لقد اتهمتني بالاستعلاء، ومن حقي أن يكون لدي بعض الغرور، كمبدع؛ ستعذرني لو عرفت ما أمتهن في حياتي اليومية، وتلك الدونية القاتلة التي أكابدها… في كل ثانية! أنت لا تعرفني ولن تعرفني أبدًا. أكتب عن المهمشين، وأصادقهم، ومع ذلك لن أسمح لأي شخص ملتحٍ بأن يمارس علي دور خليفة الله (عز وجل) على أرضه.. لعلك لمحت بعض المقاطع الموسيقية في صفحتي، فاغتنمت الفرصة لكي تجلدني بسوط كلماتك أمام الملأ.. نعم أحب  الموسيقى، وقد أبكي عند سماع المنشاوي أو عبد الباسط عبد الصمد، وحتى خوليو – مع أنه مسيحي؛ ورغم ذلك أحب هذا المسيحي؛ مثلما أحب كل الأنبياء، وربما سيدنا موسى (عليه السلام) أكثر، من خلال مقطع مجوّد لعبد الباسط عبد الصمد، لكن وجدتني أمقت ذلك التاجر اليهودي المغربي. لم أكن أرغب في شراء أي شيء منه؛ فقط الفضول الذي دفعني لزيارة محله، ومعرفة إن كانت ملامحه تشبه ملامحنا، ووجدت من غير اللائق أن أسأله أو أسأل مستخدميه إن كان هذا محل اليهودي، مع أن هذه شهرته في سوق “بِــيّاضة” (سوق الجملة في البيضاء)، لكن أحد أبناء الحلال قال لي: اسأل عن “مليح”. هكذا أنقذني من هذه الورطة!!

بعد مغادرة محله، علق الاسم في ذهني، أولا، لأنه اسم كاتب مغربي يهودي، وأيضًا، وهذا هو الأهم، أن أحد أصدقاء مرحلة الدراسة الإعدادية كان اسمه “مليح”.. (ترى هل كان هذا الصديق يهوديًّا، ونحن لا نعرف؟!). هل تعرف أنني ارتحت لعدم ارتياحه لي، لأنني فضلت أن تكون السلع التي أتبضعها من تجار مسلمين، حتى لا أساهـم، عن غير قصد، في أن تكون بعض دراهمي من تلك الزكاة، التي ترسل إلى تل أبيب.. (أظنك تعرف أن للتجار زكاة، لا يدفعها أغلبهم، لكن اليهودي يرسلها إلى بني جلدته الصهاينة (لا تتخيل مقدار الاحتقار الذي كان يرمقني به؛ احتقار يهودي لمسلم..!!!).

عذرا للإطالة، فأنا روائي، وتأسرني التفاصيل…

قبل رحلة البيضاء، كنت قد فكرت أن أكتب نصًا عن علامة تجارية شهيرة (إسبانية الأصل)، يحتكرها تاجر يهودي، ويساهم كل المسلمين بإقبالهم عليها – بسبب جودتها الفائقة، وأيضا هروبًا من التقليد الصيني المشوّه والرخيص، الذي غزا كل أسواق العالم- في قصف إخوانهم الفلسطينيين. وللأسف، من يقبل على هذه العلامة التجارية بناؤون، حدادون ونجارون مسلحون لا يفقهون أي شيء، ولا تتهمني مرة أخرى بالتعالي والغرور، لأنني أكتب عن شيء أعرفه، فأنا أتعامل معهم يوميًا.

أتمنى أن يكون انطباعك الأول قد تبخر، ولن أسامحك إن تصورت – ولو بينك وبين نفسك، أنني ملحد- لأنني أحتقر أي مبدع مغربي أو عربي بمجرد معرفة أنه ملحد، وأظنك تعرف أن الكثير من المبدعين العرب ملحدون.

أحدهم على حافة القبر، وما زال يصر على أن يبقى ملحدًا! ذات نقاش عابر – أظنه كان بسبب تطرفي الأخلاقي، واستهجاني لمشهد ما- صدمت بأنه يعتبر المنظومة الأخلاقية والدين اختراعين بشريين، تمّ توارثهما منذ عهد الفراعنة لبسط نفوذ طبقة ما من أجل مآرب أخرى، والأنكى أن صاحبنا ينكر وجود الله (عز وجل)!!!.

لقد غاليتَ، أيها “الأخ”، وبحماسة دينية لا محل لها من الإعراب في تأويل كلماتي، التي كانت مجرد تنفيس عن غضب ما، غضب آني على كل حال. لأنني لا أحب الملتحين، وأيضًا لأنهم خذلونا؛ ألم ترَ بنفسك ما فعلته بنا حكومة بنكيران؟ لمَ لمْ تعلق على استعلاء المدعو أبو زيد، وأنا الذي حاور كبار الكتاب العرب، وجمعت كل تلك الحوارات بين جناحي كتاب اخترت له من العناوين: “نكاية في الجغرافيا”، سيصدر قريبًا بمشيئته تعالى عن دار نشر عربية، و أبو زيد مقارنة مع من حاورتهم لا شيء.. لا شيء؟ لمَ لمْ تعلق على تعبير “مريض بالحنين”، هذا المرض الذي جعل صديقي الأميّ يتطاول علي ممارسًا دور المهدي المنتظر، فقط لأنني ذكرته ببعض أغاني “نصرو”؟

أخي.. كان يفترض أن أنام قبل ساعتين ونصف، وهأنذا أنتزعهما من سويعات راحتي، لأكتب ردًّا عابرًا قد لا يعني أحدًا، لكنك أسأت إلي، وأنت لا تعرفني.. اعتقدتَ أنني مجرد كائن فيسبوكي تافه، يستفز الآخرين بحثًا عن الشهرة. وقبل أن أنهي كتابة تعليقي أشير إلى أنني انتبهت إلى أنك ملتحٍ، وأدركت لم استفززتني بتعليقك (ربما تصورت أنني أسخر من قاموس الأربعة عشر قرنًا، بينما لم تدرك المغزى الحقيقي لكلماتي المخاتلة؛ فأنا أهوى إرباك الآخرين، وهذا ما تعلمته من الكتابة السردية، فصرت أعشق هذا الإرباك السردي. ولكي أبسط الأمر، أقول لك وحدك: لست بحاجة إلى أي شخص (يتصور أنه مالك الحقيقة المطلقة) كي يعلمني ديني، فهذه الأشياء نعرفها بالفطرة، وككاتب يهمني معرفة أشياء أخرى، تفيدني كمبدع.. أشياء أصادفها في حياتي اليومية ولا تنتبه إليها أنت، بدل أن يضيع شخصٌ مقيتٌ وقتي، ويوقفني في الشارع كشخص مشتبه فيه، ويحدثني عن جهنم، التوبة و..و..و…. أنا مبدع، وممتن لرب الكون تعالى لأنه وهبني هذه الملكة، وبفضلها “تصعلكت” ثلاثة أيام في السودان، بعد أن كنت مجرد بنّاء منسيّ يتعجب زملاؤه المبدعون لإصراره على الكتابة.. رغم كل الظروف.

أخيرا، ثق أن الفيسبوك مخادع، وكذلك المظاهر…      

***

في لقاء الأحد، سألتك سعاد عن تاريخ اليوم، قلت لها:

–      الثالث عشر.

–      هل نسيت؟

–      …..

–      بعد يومين ستشرعون في الورش الجديد.

استحضرت صاحب البقعة المجاورة للورش، وحزنت لأن شهورًا إضافية من السعادة حذفت من يوميات قصة حبكما.

قلت بأسى:

–      يبدو أنه كان يريد معرفة أسعار البناء فقط.

–      كان بالي مرتاحًا، بمجرد أن أضع رأسي على المخدة أنام.. الآن أبقى أفكر فيك، وقلقة عليك.

(الجملة الحوارية الأخيرة وردت في روايتك البكر: “كائنات من غبار”، لكن أغلب من كتبوا عن الرواية أربكتهم التفاصيل، لأنك بدأت الرواية بهند. بيد أن ما ضايقك أن امرأة ما أخبرت زوجتك عن حبيباتك السابقات، فقلت، وأنت تزأر كأسد : “لو عرفت من هي لـ(…)، ماذا ستستفيد من كل هذا الفضول؟”، لكنها رفضت فضحها، واندهشتْ زوجتك حين عرفت أنك كنت مغرمًا بهند، التي كانت زميلتها. قلت لها : ” كانت جميلة في مراهقتها. الآن تبدو بشعة…”).

***

“إنها الثانية صباحًا، أتقلب في فراشي.. يا لها من ليلة مؤرقة يأبى فيها النوم أن يداعب جفنيّ. أفكر في الكلام الذي لم أقله لك، وفي ذلك الوغد، الذي صار يتعقبك… أفكر في أنني لم أكن عاديًا معك. لا يهمني أي أحد، ولا أحد يملي علي ما أفعل”.

كتبتَ لها رسالة قصيرة معتذرًا، لأنك طلبتَ منها، في تلك الخلوة، أن تخلع سروالها،  فاعتبرتك تعير أذنك لأقرانك الشباب، فأفتوا بضرورة ممارسة الحب معها.

… توسلتُ إليها، وهبتني ثديها البض.

كتبتَ لها : “سامحيني، لم أطق نفسي بعد الذي حدث. هذا هو الشيء الوحيد الذي يجعل الرجل يتبع المرأة، لكن أن أكون معك مثلهم.. فهذا جرم لا يغتفر”.

في تلك الليلة كتبت لها على الساعة التاسعة ونصف :” أنام الليلة في غرفتي، التغطية بها منعدمة.. أنا جد متعب، وأحتاج إلى الراحة. نامي ولا تفكري في. ارتاحي الليلة، فيوم الاثنين يكون دائمًا أسوأ يوم في الأسبوع.  ليلة سعيدة.”

***

عصرًا، كنت في مقهى نت، تنتظر أن يفرغ أي جهاز. عاودك ذلك الإحساس الكريه باليتم والخواء الوجداني، وبأنك مسؤول عن كل خطايا البشرية.. إحساس بالذنب لا يطاق، كتبت لها : “لو لم أكن في مقهى نت لبكيت. لا أعرف ما الذي حل بي؟”.

ردّت في جفاء :

–      أنت حر، إن لم تكن تريد أن نلتقي اليوم، فلا داعي لذلك.

يومئذ، كانت مصممة على اللقاء.

هل يمكن أن تصف ذلك الأحد بأنه أجمل يوم في حياتك؟ لقد ضحيت بنصف عطلتك الأسبوعية، وجئت لتعمل في بيتها. على مهل، تعالج عيوب الملاط، واللمسات الأخيرة التي أهملها البناؤون؛ تعمل بدون مقابل، مكتفيًا بأن تكون قريبًا منها.. من ابتسام عينيها.

***

زوجتك مريضة، وأنت، هنا، تكتب بانتشاءٍ عن ماضيك العاطفي. أية خيانة هذه؟! ألم تترجاك، ظهرًا، أن تقفل المحل على الساعة السابعة ونصف، إنها التاسعة إلا ربع، سأخبرها بأنني بدأت في كتابة الرواية. يجب أن أكتب؛ فأنا غير راضٍ عن عملي..

“مبارك” طلب مني الكتابة عن ضياعنا المميز؛ ضياع مضاعف، لأن عملنا بلا مردود، بيد أن ما يؤلمني هو أقساط الشقة. المبلغ كبير جدًّا بالنسبة إلى عاطل مثلي. “يجب أن تكتب وتشارك في المسابقة”، هكذا حاولت مواساتي.. لكن، هل يمكن اعتبار هذيان كهذا كتابة روائية؟

خيالي صار معطوبًا، ووقتي نهبه زبائن كريهو المنظر. أحتاج إلى دقيقة تأمل، فأفشل فشلا ذريعًا في الظفر بها. اليوم، لم أستطع أن أختلي بنفسي. يجب أن أغادر هذه الخلوة المحببة. حبيبتي تشتكي دومًا من شعورها بالوحدة والاكتئاب.. لكن ماذا بوسعي أن أفعل؟ ويؤلمني أن تتعجب لقدرتي على النوم بمجرد وضع رأسي على الوسادة. إنني أعود متعـبًا، لأنني محبوس في المحل منذ الساعة السابعة والنصف صباحًا حتى الثامنة مساءً، (وفي الصيف يتمدد التوقيت الكريه حتى التاسعة والنصف). ثمة ساعة ونصف للغداء، وأحيانا ساعة لا غير. كتبٌ كثيرة متراكمة في البيت، وفي المحل وعلى الحاسوب أيضًا.. لكنها قد تتضايق كثيرًا حين تعرف أنني أكتب عن سعاد، لن أخبرها عن ذلك، ثم إنني أكتب من أجل مسابقة لا غير. سعاد لا تهمني الآن، ولا حتى قبل الزواج،  إذ لم أرها منذ فراقنا..

أكتب من أجل أقساط الشقة. يكفي أنني عدت للكتابة في جريدة عراقية ككاتب متعاون، رغم أن تعويضها هزيل جدًّا جدًّا، وهذا أفضل من إرسال نص أو قراءة نقدية إلى إحدى المجلات العربية، ثم تنتظر  نشرها شهورًا، وأخرى مثلها حتى تصرف المكافأة.

4

الخميس 3 يناير 2013م :

هذا صباح الخسارات بامتياز، تفتح مبكرًا على أمل أن تبدأ نهارك بصباح مختلف.

غبّ ساعةٍ من الكنس ورش الماء أمام المحل، جاء ذلك البدين يطلب منك أن تقوم بتثبيت يد الساطور، رغم أن هذا ليس اختصاصك، حيث تنتهي مهمتك عند بيعهما منفردين. كنتَ قد فتحتَ برنامج الـ”وورد”، وشرعت في الكتابة، وكنت على وشك أن تكتب عن إمكانية كتابة رواية من لا شيء.

اعتذرت له بأنه لا وقت لديك، وقد يأتي الزبائن. أمام رجائه، انزلق الساطور، وأصبت بالتهاب، بصقت على الأرض.. بلا لعاب، ولعنت هذا الصباح. ثم آتى صبي الحداد، ليبتاع منك صباغة ذهبية، لم يكن المبلغ الذي في حوزته كافيًا، ولأنك لم تبع أي شيء من ذلك الصنف، آثرت التخلص منه، ولو ببعض خسارة، لكن سرعان ما عاد الصبي ملطخ الثياب واليدين. أيقنت أنه وقع أرضًا، لأنك لمحت على غطاء العلبة المعدنية أثر ارتطام بالأرض، وادّعى أنك أعطيته العلبة مفتوحة، أعدت إليه ماله، وشتمته. جن جنونك عند فتح الآنية. اكتشفت أن نصفها ضاع سدى مثل عمرك وعمر “مبارك”، الذي رفض اقتراح أصدقائه بأن يقدم ملفه للتعليم، لكنه أبى أن يكون أستاذًا، حتى يكون دكتورًا..

“لقد أخطأنا في الحساب”، هتف “مبارك” أمس، وأنتما تتناولان وجبة فطوركما، وروى نكتة ذلك الذي يتسول درهمًا، بعد أن ضيع الميراث. اعتقد أن ثروة أبيه ستضمن له عيشًا كريمًا حتى مماته، فتبخر المال قبل أن يشيخ، ووجد نفسه مجبرًا على التسول – بعد أن صار عاجزًا عن العمل- قائلا للمارّة:   “شي درهم على الله، راه غلطنا في الحساب”.

***

أمس، بدا صديقك “مبارك” على غير عادته. علمت أن تاجرًا يزوده بالبضاعة قام بدفع الشيك. هذا ثاني شهر يقترض منك مالا من أجل تجاوز ضائقته المالية.

لم تخبره، هذا الصباح، أن تلك التي سمّاها: “الهجيجيلة” (تصغير أرملة)، والتي تعودتَ أن تتعقبها بنظراتك، وتكون بصحبة ابنيها الصغيرين، وهما في طريقهما إلى المدرسة. تأسرك عجيزتها، التي تتعمد دومًا أن تبرزها بارتداء جلابيب ضيقة، رغم أن ملامحها تفتقر إلى لمسة بهاء تسرق النظر.

أول مرة، رأيتها تلتفت خلفها قبل أن تنعطف، لتتأكد إن كنت تلاحقها بنظراتك النهمة.

هو يوم مشؤوم كمؤخرتها!

***

ذات صباح، لاحظ “مْعايْـط” أنها ترمي بصرها ناحيتكم، وأنتم  جالسون أمام المحل، قال “مبارك”: “إنها مغرمة بي، (ولأنه أكبركم سنّا استطرد بلهجة واثقة)، هي لن تقلق لو ارتبطت بي، لأنني متزوج وراشد”، وضحكتم حتى الدمع.

وأنت تثبت عصا الساطور، التفت إلى واجهة المحل، وانتبهت إلى أنك لم تضع مكنسة بدل تلك التي بعتها قبل أيام. حين قمت بضرب العصا على الأرض، لمحت شرخًا في المكنسة الخشبية.

بعد عودتك من محل الحداد، أبلغك قريبك الصبّاغ “كريم” أن الملوِّن الزيتي قد جف، رحت تتأكد من ذلك، فوجدت القارورات الخمس المتبقية قد يبست، ورفض من اشتريتها منه تبديلها، لأنه لن يعيدها إلى الشركة، قائلا : “أنت لا تريد الخسارة لنفسك، وتريدني أن أخسر. لا بد من الخسارة. إنك تزكي عن المحل.. ماذا لو شبت فيه النار، واحترق كل شيء؟…”.

***

زوالا، استفسرت زوجتك عن سبب تأخرك ليلة البارحة، أجبتها بأنك كنت تكتب. قالت : “براءة.. هذه المرّة”. قبل مغادرة الحجرة، سألتك: “عمّاذا تكتب؟”، قلت بنبرة متأرجحة بين الجد والهزل: “بانت سعاد فقلبي اليوم متبول”.

***

ذات زوال بهيج، كتبت لك سعاد :

–      امحيني من بالك، وستنام.

–      أرجوكِ، أخبريني.. لم صرت أستيقظ في منتصف الليل، أمّا نهارًا، فحدث ولا حرج.. ماذا أفعل حتى لا أفكر فيك؟ هذا ليس حبًّا، وإنما عذاب.

لا أستطيع… أنت الروح التي أحيا بها.

اتصلتَ بها هاتفيًا، وتمنيت لو توقف الزمن عند شهر يناير؛ أسعد شهر في قصة حبكما. أخبرتها أنك تناولت غداءك بصعوبة.. ربما، لأنك أحسست بأن قصة حبكما على شفير النهاية. لكن، ما الذي سيجعل شهر يناير أتعس الشهور فيما بعد؟ هل كانت زوجتك محقة حين وصفته بأنه شهر اكتئابك بامتياز، بعد أن قرأت قصتك: “نشيج الروح”، التي كتبت فيها عن أصعب فراق، بل ألهمك الهجر لتكتب عن سعاد عدة نصوص؟

قبل أن تتوب عن الهوى، عشت في أكذوبة كبرى، بعدما فقدت الثقة في كل النساء؛ رميت قلبك لمحترفات بيع الهوى على ضفاف العالم الافتراضي. كان ذلك مخدرك العاطفي، بعدما نذرت نفسك للوحدة و”العزوبية”، وكلما سـألتك أمك: “متى ستتزوج؟”، ترد بجفاء: “…لا أريد!”.

***

بعد عودتها من المعمل مساءً، كتبتْ بنبرة تشي بقلقها :

–      إن كان ما فهمته… تَزَوَّ…  لن يقع لي أي شيء. سعادتك….

أعدت قراءة الرسالة النصية أربع مرات، وتضاعف قلقك:

–      حرام عليك، لماذا تذكرينني بما أريد  نسيانه؟

بعد نصف ساعة، وصل ردها :

–      حين أخبرتني أنك لم تستطع أن تتناول غداءك زاد قلقي. سترتاح الليلة مني، أنا متعبة جدًّا.

ليلة سعيدة حبي الأخير.

تـزلزلك عبارتها الأخيرة. تذكرك بلقائكما في تلك الخلوة، حين أسندتْ رأسها إلى فخذيك، وأقسمتْ ألا تعرف أحدًا بعدك..

–      نم لكي ترتاح، انساني حتى لا تصاب بالأرق.

–      أحبك جدا.

–      ليلة سعيدة حبي، أنام وأنا أستمع إلى أغنية “الداودي” التي تذكرني بأجمل الذكريات. لن تجدي من يحبك مثلي، ولن أمنح قلبي لأية امرأة أخرى.

انقلبت أجمل الذكريات دموعًا. هل كانت تعرف “نجاة” أنك كنت معي أمس؟ عذرًا، أنا رومانسي أكثر مما ينبغي. لا أدري لم لا أكون مثل الآخرين. تعالي نتفق ونطفئ جهازي الهاتف المحمول. ينتظرني، غدًا، الكثير من الشقاء في العمل، وأحتاج إلى أن أنام مبكرًا..

أرسلتْ أيقونة دامعة، وكتبتْ : “وأنا أيضًا… نجاة لا تعرف”.

لم تفهم، حينئذ، أنها كانت تعني أن الذكريات الجميلة أدمت قلبها، فذرفت دمعها، فكتبت مستفسرًا: “ماذا تقصدين بأنت أيضًا؟”.

لم ترد، وقضيت ليلة مسهدة، مترقبًا رسالة قصيرة تطفئ لهيب قلقك..

–      صباح الخير، هل نمت جيدًا؟

–      صباح الخير توأم روحي. لا.. ولم أحب أن أزعجك.

***

تحاول مواصلة قراءة مفكرتك الخضراء اعتباطيًا، سطر من هنا، سطر من هناك. تربكك هذه اليوميات.. يبدو أنه يتحتم عليك أن تنهي هذا الفصل هنا، وأن تنعم بقسط من الراحة، وببعض التسلية بعد قدوم “البصبوص”، رغم أن ريح “الشرقي” أفسدت طعم بقية النهار، وهي تتوغل في مسامك، رغم كل الملابس.

***

الجمعة  4يناير 2013م :

صباحًا، حدثك عمك عن عزمه وأحد أصدقائه شراء قطعة أرض، لأنه يبحث عن مصدر لتحسين دخله، بعد أن ضاق بمهنته كبنّاء، بينما هناك متطفلون، غرباء عن المهنة صاروا  أغنياء عقار.

أيقنت أن كل شيء يتمحور حول المال، لم تشأ أن تخبر أحدًا عن تلك المكالمة، التي جاءتك في وقت مبكر؛ اتصلت بك زوجتك لتبلغك أن نتيجة اختبار الحمل المنزلي إيجابية، وسألتكَ: “ماذا تعني؟”، قلت بفتورك الصباحي المعهود: “حامل”.

قبل شهرين، كانت تنتظر هذه النتيجة على أحر من الجمر، وليلة البارحة، طلبت منك الذهاب إلى صيدلية لابتياع دواء مسكن للألم، ورجتك ألا تحضر جهاز اختبار الحمل، فنامت كسيرة: “لا أريد أن أصدم مرة أخرى”.

***

عاتبك “مبارك” باسمًا :

–      تترك زوجتك، وتتعقب بقية النساء…

لذت بالصمت، لم تقل له إنها رياضة للعيون، وتسلية بريئة في جو كئيب كهذا.. حتى بشرى الحمل أحسست أنها تهم شخصًا آخر غيرك، فــ”الفرح ليس مهنتك”. لقد صرت ماديًّا أكثر مما ينبغي، قد تفرح بنشر نص ما في مجلة سيارة، لكن سرعان ما يتبخر الفرح، ويصير الأمر عاديًا جدًّا، كسائر الأحداث الرتيبة في حياتك اليومية.

5

حين لا أكتب أتألم..

أحس برغبة جامحة في أن أكتب، ولا أجد الوقت لهذه المتعة الأليمة.. إذًا، فلأغتنم هذه الفسحة  الزمنية المتاحة.

***

دهشت حين قرأت أن بطل إحدى روايات ماركيز كان يدون في دفتر خاص أسماء حبيباته. ترى، هل كنت أستعير منه هذه الحيلة السردية دون أن أدري؟ الجواب : لا! لأنني لم أكن أعرف من هو ماركيز حينئذ، ولم أقرأ له أي شيء.. كانت قراءاتي السردية عربية، بل مصرية محضة، وكنت متوقفًا عن القراءة والكتابة، مكتفيًا بنشر نص ما، من حين لآخر، في أحد المواقع الإلكترونية.

هي لعنة الكتابة فقط !

***

فليسقط  بياض هذه الأوراق الرقمية.. أوراق الـ”وورد”!

6

في طريقك إلى الحمام الشعبي، انشغلت بحديث زوجتك عن بنت الجيران، التي لاحظتْ أنها تجاهلتها؛ لم تلقِ عليها التحية، حين التقتها في الحمام، بل أغاظتها بتصرفها الأرعن.. قلتَ: ربما لم تعرفك، ردت: إن التقيت “مباركًا” في الحمام، ألن تعرفه؟ لذتَ بالصمت، وتابعتْ: قبل الزواج كانت (تسلم عليّ) إن التقيت معها، لكن ما أغاظني أنها لم تحاول ستر عورتها، وكأنها تحاول أن تريني جسمها.. قلتَ بحسم: إنها بلا قوام!

قلت لنفسك: “هي غيرة بنات جيران، الأمر عادي جدًّا”. استحضرتَ مشهد قطتَيْ الجيران، وارتسم على شفتيك طيف ابتسامة باهتة. كان يتربص بإحداهما ذلك القط العجوز الغريب عن الحي، الذي اعتدت رؤيته كلما اشتعل في أحشاء القطتين حنين الأمومة. كانت إحداهما تتوارى بين أغصان الشجرة، وقفزت عائدة إلى مخبئها، لكن القط السمين، ومن حيث لا تدري، لمَحْتَهُ يركض خلفها في إصرار المصمم على النيل من فريسته، واختبأتْ تحت سيارة قريبة من المرآب، وشاهدت القطة الأخرى تتبعهما، وتكتفي بالنظر إليهما، قريبًا من السيارة.

حاولتَ أن تبرر موقف بنت الجيران من زوجتك؛ قلت لنفسك: لعلها لم تتقبل أن تتزوجها، وتتركها هي… ابنة الداعية الإسلامي، الذي يترك بيته لنشر الدعوة الإسلامية في بلاد العجم. هي البنت البكر، التي، ربّما، آلمها أن تتزوج أختها الصغرى قبلها…

***

منذ أيام، وأنت تنتظر إعلان القائمة الطويلة لإحدى الجوائز، وحين لمحت العنوان بأحد المتصفحات الإلكترونية، تتبعت الخبر في لهفة، وأحسست بلا جدوى وجودك، هاهي ثاني مسابقة تقصى منها مجموعتك القصصية، والجريدة التي تنشر فيها موادك في عطلة منذ أسبوع. ونقودك تضيع هباءً…

لكن ما آلمك أكثر هو المبلغ الكبير، الذي تطلبه إرسال هرائك السردي!!

لاحظ عمك أنك مشتت الذهن، طاعنًا في الصمت، وأعاد طرح سؤاله عليك مرة أخرى، لم تسمع ما قاله، توغلت في بيداء شرودك أكثر؛ ليس لديك ما يقال، فحين تكون حزينًا منكسرًا.. تصوم عن الكلام.

كنت متحمسًّا للكتابة في هذا اليوم، رغم أنه يوم عطلتك اليتيم، لكن هذا قدر المبدع. فهل تصوم  اليوم عن الكتابة أيضًا؟

صديقك إبراهيم حاول أن يواسيك عبر رسالة قصيرة بأن الجوائز ليست معيارًا للإبداع، وبأنك مبدع حقيقي..

لم يعد في هذه اليوميات ما يستحق السرد، فلنتصفح “الأجندة” الخضراء.

***

أخبرتك سعاد أنها في عطلة حتى يوم الاثنين، أجبتها بأنك ستترك هاتفك الجوال في البيت، وفي المساء سألتها: هل اشتقت إلي؟

–      “توحشتك بزاف”.

–      أنا مع عبد القادر، يحتاج مالا، وسأقتسم معه المائة درهم التي أملك. وضعت لك القرص المرن في المطبخ، لا تحاولي أن تريني هذا المساء.

–      لماذا لا تريد أن تراني؟

–      أخاف عليك من كلام الناس.

–      أراك متلهفًا هذا المساء، عدت بسرعة إلى البيت، يبدو أنك على موعد!

–      غدًا، مساءً.. رياضة.. لم أتمرن منذ ثلاث حصص. لم أخرج من البيت والله. أنا متعب، ثم إنني رأيت أخاك “امحمد” ولم أشأ أن يرجع من المسجد ويراني مرة أخرى..

تتصل بك هاتفيًا، وبسبب ضعف التغطية، لا يسمع صوتها.  تحاول مهاتفتها، فتقع في كمين العلبة الصوتية. في ظهيرة اليوم التالي، تشكرك على بطاقة الرصيد التي أرسلتها إليها. مساءً، تكتب إليها : أليس لديك ما يقال؟ لقد اشتقتُ إليك، هل يمكن أن أراك غدًا؟

–      أحبك!

–      هل أعجبتك منوعات القرص المرن؟

–      أي شيء منك يعجبني.

سألتها إن أدركت ابنة أخيها “مريم” أنك صاحب القرص المرن، ردت بأنها لا تبالي بها، وأنها ليست أمها. تخيلت أنها تغار من “مريم”، التي خشيتَ أن تخبر أمها، علمًا أنك متزوج، كما بُحْتَ للحيزبون الأم ذات تحرٍّ نسوي.. طلبت توضيحًا، ولم ترد. دافعت عن نفسها بأنها لو لم تكن تعرفك جيدًا لما ارتبطت بك.. فاعتذرتَ: أنت شمس حياتي، أنت – بالنسبة إلي- ملاك، والأخريات عاهرات.. أنا لم أتعلم من تجاربي.. ما أردت قوله أن مريم قد تخبر أمها، وبعد ذلك.. امحمد، إن كنت في بالها.

–      مريم لا تهتم بأي أحد، وإذا أحببت أن (…)، فأنا لا أعرفك. نحن لسنا نصارى… عمة وابنة أخ!

–      ما هذا الرد البارد؟ أنا لست حيوانًا. أنا لم أستطع أن أسامح نفسي على ما حدث يوم الأحد. الحب والشهوة لا يلتقيان.. لهذا أتعذب في حياتي، وكثيرًا ما يخيل إلي أنني شخصية من ورق، شخصية خيالية.. تعيش في الأفلام والروايات فقط. والأهم أنك لا تعرفي كم أقدر “امحمد”، وقبل أن أراكم! لقد أبكتني رسالتك!

ليلة سعيدة قطتي الغيورة.

***

تستمع إلى أغنية خوليو، التي يدعو فيها حبيبته إلى أن تأتي وتقبله قبل أن ترحل، وألا تحدثه عن الألم الذي سببتْهُ له.. ترسل لها رسالة أخرى بعد أن رفضت الاتصال الهاتفي: أنا لم أعد أنام، كما كنت.. أنا مريض. ليلة البارحة لم أنم إلا عند الساعة الثانية صباحًا، والتي قبلها.. الساعة الواحدة صباحًا.

تطفئ الجهاز للمرة الثالثة في تلك الليلة، وتحاول أن تنام..

صباحًا، توصلت بردّيْن بلا ذرة عاطفة، ونكاية فيها لم تبعث لها حتى تحية الصباح.

***

أجدني مرغمًا على مداعبة زوجتي، التي صارت طريحة الفراش، لا تقوى على صعود الدرج، بل صارت تجد صعوبة حتى في التقلب في الفراش. أبحث عن دواء لدوار الرأس خاص بالحوامل دون جدوى، أستغرب كيف تتصرف الأمهات العازبات؟ كيف يتحملن هذا الألم غير الشرعي؟ وأتساءل لم لا نجد مثل هذه الآلام في الكتابات النسوية؟ لم تركز بعض الكاتبات على ما هو حسي مثير، يسرق لعاب القارئ؟

عند الظهيرة، أذهب للبحث عن فاكهة صيفية لمَحَـتْها في السوق المركزي، وأنصاع لرغبتها على الرغم من غلاء ثمن تلك الفاكهة، وضحك “مبارك” حين علم بالأمر، وأخبرني أن أحدهم ابتاع الرمان من الهند.. بخمسة وعشرين دولارًا للكيلو غرام.

في اليوم التالي، سرقت لحظات من العمل لكي أطمئن عليها، فآلمني أنها لم تتناول وجبة إفطارها، لأنها تتقيأ كل شيء، ولا شهية لها لأكل أي شيء، وفي الصيدلية، سألت عن أي عقار مضاد للغثيان.

***

هذا الصباح، ذهبت إلى المصرف، وكنت أعرف أن الشيك الذي سأدفعه في حسابي البنكي بلا رصيد، ولكن بلغ السيل الزبى؛ فصاحبه ماطلني كثيرًا، منذ ما يقارب نصف عام، بل صار لامباليًا.. لم يعد يهتم بالتفنن في صياغة أكاذيب تسديد الدين بعد الانتهاء من عمل ما، وهو لا يعمل!

منحني شيكًا، كضَمَانٍ، قيمته ضعف مبلغ سلعة اقترضها واعدًا إياي بتسديد المبلغ بعد يوم، حيث سيتسلمه من صاحب الورش، الذي سيأتي في الغد من البيضاء، لكنه بدده لإصلاح تلك السيارة /الخردة التي اشتراها، كما صارحني فيما بعد.

عند الأصيل، كنت و”مبارك” جالسين أمام المحل. ابتسمت حين لاح صاحب الشيك يلهو بسيارته، حيث عبر الشارع المقابل لنا أربع مرات. قلت لمبارك: لابد أنه سكران، مثل هذا الشخص لا يجد حتى عشاء أبنائه، ويتجول بالسيارة كمراهق؟

قد يقول قائل إنني مجرد متاجر بمعاناة المهمشين في كتاباتي، لكنني تعاملت معه بمنطق التاجر، الذي سئم أكاذيبه ومماطلاته، وقد عاتبني الكثير من الحرفيين من جيرانه على التعامل مع أمثاله، رغم وجود الشيك كضمان. فجارنا، الذي كان يعمل – سابقًا- بائعًا للعقاقير، أشار بيده إلى ما وراء السكة الحديدية، وقال بحزم: هذا القوم.. ابتعد عنهم، لا تتعامل معهم!

استحضرت سخرية “مبارك” من حسن، البقال الأربعيني الذي يسيل لعابه، كلما لمح ظل امرأة؛ (سبق أن كتبت عنه تلميحًا في قصتي: “يحدث في سورية الآن”)، حيث أقفل دكانه بسبب نساء مولاي عبد الله… بعد إفلاسه!

***

حرفيٌ كان يعمل في محل بالجوار، وكل مساء، بعد أن ينتهي من عمله كان يجالسنا، يحدثنا عن أسرته ومعاناته مع الزبائن.. الطامعين في “عرقه”. ذات أمسية، سألني عن معنى آية كريمة، لذت بالصمت، وراح يتحدث بإسهاب عن الحياة الأخروية، وعن قوم معين يتسمون بسمات مميزة.

لاحظت اختفاءه بعد يومين، وكان قد وعدني بأن يأتي لشراء صباغة تزينية برفقة صاحب البيت الموجود بسيدي بوزيد، حاولت الاتصال به، بحثت عن رقم هاتفه الجوال، الذي سجلته في قصاصة صغيرة، وكانت شركة الاتصالات قد طلبت منه وثائق رسمية، لكي تعيد له رقمه، الذي لا يريد التخلي عنه، حتى لا يفقد زبائنه… الرقم لا يرد، وجارنا الذي ضمنه، لامني لأنني أعطيته السلم… قلت في سري: “ابن العاهرة يحدثني عن يوم القيامة ويحتال علي”.

حدثني صديق الجار الكفيل عن زوجة ذلك المحتال الحامل، غرفته المكتراة، وصعوبة الوصول إليها في ذلك الحي العشوائي، ومياه الصرف الصحي التي…  لو رأيت أبناءه لأشفقت عليهم، لقد ترك زوجته، وذهب للعمل في مدينة بعيدة.

رقم الهاتف غير مشغل، إنه مجرد أكذوبة! عادة، أتسلم بطاقة الهوية كضمان، فادعى أنها رهن ملف قرض “قطرة قطرة” الخاص بالسقي. ولم أشأ أخذ بطاقة هوية زوجته، ولعله تعمد أن يلعب على وتر شهامتي.

شهران وأنا أنتظر أن يعيد السلم المستأجر، وقد فكرت في التنازل عن قيمة “الإيجار”، بعد أن صارت كافية لشراء ثلاثة سلالم.. لكن هيهات!

***

بعد تناول وجبة الإفطار بالورش، كتبتُ لها: صباح الخير، لماذا تأخذين الأمور بهذه الحساسية؟ إن لم تردي علي زوالا، فلن أزعجك هذا اليوم.

ظهرًا، حاولت الاتصال بها هاتفيًا، لكن.. لا رد!

الثامنة مساءً، كتبت لها: الآن فقط دخلت إلى البيت، الذي غادرته منذ الصباح. أحس بألم في رأسي، أحس به كلما حلقت حلاقة عسكرية..

وصل ردها موشى بعتاب امرأة محبة :

–      حين استطعت أن تتذكرني، فأنت تستطيع أن تنساني.. أين “مسج” السادسة؟ لماذا لم ترسله!؟

–      سامحيني، كنت مشغولا هذه الليلة مع أحد أصدقاء الكتابة. عند الزوال حلقت شعري. مساءً، قمت برد الجميل لأمين (الحلاق)، حيث حلقت مرتين مجانًا، وعند السادسة مساءً، كنت أعمل في بيتهم…

–      ليلة سعيدة، نم…

7

عند البقال، التقيتَه، جاء يبتاع نصف علبة سجائز “ماركيز”، لم ترد على تحيته ولم تبلغه أنك دفعت الشيك، ما دام يصر على أن يتصرف بهذه السماجة؛ يتعامل معك، وكأن لا شيء بينكما، بينما هناك من يخجل أن يمر من أمام أصحاب القروض.

***

وحمُ زوجتك صار يضايقك، وهي ترفض أن تقترب منها.. تسألها عن الأكل، تجيبك أنها تقيأته. تطلب منها أن تجرب الدواء الجديد، ترد بأنها ستؤجله حتى الغداء. تشفق عليها، وأنت تراها تتحامل على نفسها للقيام بأعباء البيت.

ذات ثرثرة، سألك عمك إن كانت زوجتك حبلى، وطلب منك ألا تفرط في (…)، فهناك من تنفصل عن زوجها أثناء الوحم، حيث يعتقد الزوج أنها تكرهه!

***

أحس بتوتر وباكتئاب.. وبلا سبب.

حياتي تكاد تكون رتيبة.. رغم تأجيلي شحن رصيد الإنترنت حتى مساء هذا اليوم، أجدني مدفوعًا إلى الانغماس في العالم الافتراضي، لعلي أجد رسالة إلكترونية ما تبدد وحشة هذا اليوم الكئيب…

***

مساءً، ألفيتني حزينًا بشكل خرافي، والدمع اللعين لا يطاوعني… أحس أن حياتي بلا معنى. نهار آخر ضاع سدىً…

8

فجأة، انهالت رسائلها تباعًا…

–      إذا أردت أن تنسحب من الميدان أخبرني، حتى لا تكون الصدمة قوية. بدأت أتعود على ذلك، ربما تكون الصدمة خفيفة. لاحظت أنك تبتعد كل يوم منذ أن ظهرت “السنيورة” (بشرى) !! إن كنت تريد العلاقة التي بيننا، قلها لي، لا تتركني في عذاب.

–      سامحني سأدعك تنام..

–      الأمر سيان، مثل مريم إن أرادت ذلك، وكانت تهمك.. مثل أخرى. المهم أن أعرف.

–      لاحظت أنك لا تهتم بي إلا حين تشاء، بماذا تفسر هذا الشيء؟ أتركك تنام وترتاح..

–      هذه حقيقة، إذا أردت أن تبدلني، دعني معك، المهم أن يكون فراقنا بالتدريج.

–      كنت مع صديقتي  فتيحة منذ الصباح، لو كان الأمر يهمك لكلمتني، وكنت ستعرف وتحضرني إلى بيتنا. لم أدخل الدار إلا عند الساعة الثامنة إلا ربع مساءً.

–      هل من حقي أم لا؟!

***

–      أنا من يطلب منك إن كنت غير سعيدة معي، قوليها لي. أحس بك متغيرة هذا الأسبوع، لست سعاد التي أعرفها. لقد قمت – كالعادة- بمسح “المسجات” الجارحة… الموت عندي أهون  من أن تقولي: نفترق!

–      لا تقولي هذا الكلام، بعد كل هذا تشكين في حبي لك. أحس أنك مجبرة على البقاء معي…

–      أنت أملي الوحيد في هذه الحياة، فلم تطلبين الفراق؟ لقد تألمت حين كتبت لي: “نحن لسنا نصارى”. إلى هذه الدرجة لم تعودي تعرفينني. كم بكيت ليلة البارحة! هل تتصورين أنني “أتصاحب” مع مريم..؟

–      أحبك، هذا كل ما يمكنني قوله لك، اطردي تلك الأوهام من رأسك…

***

–      كل الأسبوع أدوية…

–      رغم كل شيء أحبك.

–      ليست غيرة، وإنما إهمال.

–      منذ الصباح، أستمع إلى أغاني نصرو. “امجيد” يعرف أنك مولع به، وقد يشك في وجود صلة ما بيننا.

–      لقد تذرعت بالمكالمة الهاتفية، خرجت من أجلك حتى أقـبّـلك!

–      لعلها كتلك التي أخذتها من تلك المرأة، أو ربما لا فرق عندك بين القبلتين.

***

–      قبلتها باردة ككل نساء الليل.

(تتذكر – الآن-  أنك التقيتها في “براكة” حارس الورش، جاءت لتقضي معه  ليلة حمراء، وستتذكر أيضًا أن كل ما سردته أعلاه حدث بعد انتقالك من النجد للعمل في ورش عبد القادر الحلاق. يبدو أن كل الأيام الجميلة طارت من مفكرتك الخضراء، فالأيام البهيجة تعاش فقط، ولو كنت سعيدًا لما كتبت  قصة واحدة…!).

عقبت سعاد : “يجب أن تعرف الفرق، أم هي قبلة وكفى؟!”.

***

ابتداءً من اليوم العشرين، بدأ الفتور يتسلل إلى علاقتكما، ويضايقك أيضًا هاتفك الجديد المزود بكاميرا، والذي لم تتعلم بعد كيف تتحكم في مزاياه المتعددة،  وتعذرك…

***

الثلاثاء، تقابلها، تسألك عن “sms” يوم الأحد، حيث كتبت لك أنها كانت مع “عبد القادر” في الحي الصناعي، وحكيت لها عن فرح صديقك يوم أعطته السلم..  تخيلت أنها مع صديقك، وليس رب المعمل، لا سيما وأنها لا تعمل يوم الأحد، ولم تجد صديقك بالورش أيضًا، فجن جنونك…

–      اتهمتني بالخيانة. أنت لا تعرف بعد من هي سعاد..

–      من حقي أن أغار.

–      ارتكبتَ خطأ فادحًا لن أنساه.

***

يوم الأربعاء، التقيتما، علمت أن رب المعمل يمنع الفتيات من الخروج زوالا، بسبب شجار قديم في المعمل القديم، وحفاظًا على سمعته، وهو الوافد الجديد إلى الحي الصناعي، فقد يتهم بالقوادة…!

ليلاً، تستيقظ على الساعة الثالثة صباحًا.. لأنك نمت مبكرًا، تتأمل صورتها الملتقطة بعدسة هاتفك الجوال، تمسح إحدى الصورتين بسبب رداءتها الفنية، والملتقطة عند مخدع هاتف عمومي قريب من بيت أختها الصغرى.

***

مساء الخميس، سألها إن كان “امحمد” قد أحضر شيئًا يخص بيتها، أجابتك بالإيجاب، وطلبت منك أن تحضر عنده.. رجوتها أن تمنحك رقمه، فرفضتْ. لم تدرك أنها كانت تحاول أن تبعد عن نفسها شبهة الشك فيها، بل سيعرف أنها من أخبرتك، لأن ذلك الشيء يخص بيتها.

–      هل سألك عني يوم الأحد الماضي؟

–      لا..

***

الجمعة، وصلتك رسالة متأخرة، مقتضبة، وتسلل قلقها إلى أعماقك، حاولت الاتصال بها فلم ترد عليك، وأقسمت ألا تحمله معك طوال النهار، وتتركه غير مشغل. خمنت أن أحدهم جاء يخطبها، أو أنها تشاجرت مع أحد أنذال الطريق…

لن يطمئن قلبك إلا عند زوال اليوم التالي، حيث  تعلق الأمر بشجار بين أختها وزوجها.

***

مساء السبت أبلغتها أنك لن تحضر يوم الأحد، إلا إذا انتهيت من العمل مبكرًا… ليلة سعيدة حبي الطاهر.

–      أحبك.

***

–      قضيت أمسية  السبت كلها أفكر فيك، وأنجزت عدة  أشغال على عجل، حتى أعود إليك مبكرًا.. وأخيرًا، أجدك مشغولة. أرسل ثماني عشرة رسالة، ترسلين واحدة.

–      سأطفئ الجهاز، صرت أخاف عليك أكثر. أخشى أن يرى أحد أفراد أسرتي صورك. ومن قبل، كنت أخاف أن يقرأ أحد رسائلك في هاتفي القديم.

حين أطفئ الهاتف أخبرك.

–      إن كنت أزعجك قوليها، حتى يرتاح هاتفك النقال. علبة صوتية.. علبة صوتية.. علبة صوتية.. كلما اتصلت بك.. لماذا ترمينه، ولا تهتمي للأمر؟ لم تكوني هكذا من قبل؟ ما الذي غيرك؟

–      لو كنت نذلا لتبعت تلك المرأة، التي كانت مع حارس الورش، قبل ذهابي إلى الحمام كما قال لي، لكن أنت لا تقدرين حبي لك… ليلة سعيدة.

***

بعد دقيقتين :

–      لست غير مبالية، منذ السادسة مساءً، وأنا أختلس النظر إلى الهاتف، وفي الأخير تركته في الصالون.

–      أنزعج حين لا ترسل، وليس حين ترسل. ليلة سعيدة.. أقبلك بحرارة.

***

انتهت الأشغال في الورش مبكرًا، وصممت على لقائها في الحي الصناعي. حدقت في الحافلات.. حاولت أن تنتظرها عند مدخل المعمل، لكنك فشلت في معرفته، وتعمد أحدهم أن يرسلك إلى الاتجاه الخطأ. فطنت إلى أن الحل في مهاتفتها…

اعتقدتْ أنك تنتظرها عند الملتقى القديم، حيث تتوقف الحافلة.. أخبرتها أنك منذ الرابعة والنصف بعد الزوال، وأنت في الحي الصناعي. سألتَ عاملة، وغادرتَ المكان، وعند المدخل الرئيس للحي الصناعي، لمحت صديقتها وجارتكم القديمة “فتيحة”، سألتها، فأجابتك بأنها تغادر من ناحية القنطرة.

كانت مع “فتيحة” زميلة، جميلة، آسرة، في عينيها يتمطط ما يشبه الإعجاب المخضب بالسخرية، وعلى الرغم من بهائها جرحت مشاعرها بجفائك. (فيما بعد ستعرف أنها “حكيمة”، التي ستنتقم منك بحنان قاسٍ..  بعد الفراق؛ تحاول أن تسرق حبك مدعية أنها من مدينة آسفي، واتصلت برقمك عن طريق الخطأ، وحين وقعت في كمين صوتها الساحر مثلها. صارحتك بأنها من مولاي عبد الله. سألتها عن اللقاء، فتحدثتْ عن عدم قدرتها مقابلتك هناك، ولمّحتْ إلى الزواج، فمسحتَ رقمها، وتوقفتَ عن الاتصال بها…).

***

كدت تحطم الهاتف الجوال. اتصلت بها مرتين، ورد عليك رجل. قالت إنه زميلها. ثارت ثائرتك..

–      الآن، صار  لديك رصيد لتتصلي.. (تحس بألم في رأسك). بأي حق يستجوبني ابن القـ…؟ ولماذا تعطينه هاتفك؟  ألا يكفي رميك للهاتف في الصالون؟ لم يحدث أن أمسك أي ابن قــ… هاتفي. لو كنت أعرف أنه زميلك لشتمته.

تتألم لأنك لم تقابلها، وجن جنونك ليلا حين علمت أنها تود زيارة أقارب زوجة أخيها، قلت لنفسك: “لتفعل ما تشاء، لمَ أعذب نفسي هكذا، والنساء أكثر من الذباب؟”. تبدو لك – في تلك اللحظة- غير جميلة، كما كنت تتوهم. حتى أنا سأرمي الجهاز كما تفعل.

(أفكر في متعتي الحسية.. في أن أتعفن كباقي البشر).

تكابد صراعًا داخليًا. تحس أن هذا الحب مجرد عذاب مجاني وموت بالتقسيط، وتحس أنك بحاجة إلى نساء أخريات.. محتاج إلى الاستمتاع برعشتك السفلى. تجد نفسك مدفوعًا إلى الخيانة. هاتفي ليس به سوى رقمها ورقم أبي ورقم أخي، أما هي؛ فهذا رقم عبد العالي، الحمودي، مبارك، عبد الجبار.. تعرف عدة رجال، حتى لو كانوا زملاء، بينما أنت قمتَ بحذف رقم زوجة عمك، حتى لا يكون في مفكرة هاتفك رقم أية امرأة غيرها. أما رقمك فهي تحتفظ بالحرف اللاتيني الأول من  اسمه : (H).

هي مجرد شكليات، لكنها صارت  تهمك الآن..

***

في مساء اليوم التالي، علمت أنها تركت هاتفها في البيت، وأن زميلاتها كن يتهامسن لأنهن اعتقدن أنك صديق “فتيحة”…

–      أليس لها الحق في ذلك؟ أم أنه حكر على صاحبات الجينز أمثالهن؟ كلما تذكرت موقف “الحمودي” أكاد أنفجر.. يومان، ولم أتقبل هذا الأمر.

–      هدئ أعصابك..

–      بأي حق يرد على المكالمة؟ ألم ير حرف H؟ أي أنه ليس رقم هاتف جوال غريب أو رقم هاتف عمومي. أنا مصمم على أن يعتذر لي.. لقد مسحت رقم زوجة عمي، وأنت تحتفظين بعدة أسماء…

–      وماذا لو رفض؟

–      ستدفعين أنت الثمن.

–      كفى تهديدًا.. كفى خزعبلات…

انقطع الاتصال.. أقفلت الخط في وجهك.

وصلت إلى البيت، وجدت الأطفال يلعبون كرة القدم، وكالسيل تدفقت شتائمك الفاحشة.

***

في قاعة التدريب، لمح المدرب شرودك، طلب منك أن تجلس إلى جانبه، حكيت له تفاصيل قصة حبكما، وتورطك في خطبة بنت خالك، دون أن تكون حاضرًا يومئذ، نصحك بأن تتوكل على الله.. فلا إكراه في الزواج، والله يحب العبد الشجاع القوي، وختم كلامه قائلا: اتخذ موقفًا، بدل هذا الرفض الانهزامي.

يوميات آخر الفرح

1

“يوميات الحب”؛ هكذا عنونت خربشاتك العاطفية، كتبت العنوان بقلم حبر أزرق، وبخط بارز على صفحة الثلاثاء 12 أكتوبر 2004م. في أسفل الصفحة التالية دونت عبارة تشير إلى أن هذه القصة بدأت في أواخر شهر دجنبر من نفس السنة، وخمنت – حينئذ- أن بدايتها كانت ما بين اليوم العشرين واليوم الخامس والعشرين.

***

سألتها إن كانت تأتي عند الحلاقة المجاورة للورش، فردت بأن شعرها ليس مجعدًا، عقبتَ بخبثٍ:

–      لم يسبق لي رؤيته حتى أعرف ذلك.

قالت وابتسام عينيها يفضح دواخلها :

–      ستراه…

***

عند الملتقى، سألها مازحًا – وكانت تمطر- مستعيرًا مطلع أغنية ساخرة لثنائي فكاهي عن الحب تحت المطر :

–      “كِيفْ دَرْتِي مْعَ الحب والشْتَا كَتْصُبْ؟”.

–      سأخبر أمي بأنك أوصلتني للبيت..

–      لا. لا تفعلي…

منذ البداية، ألفيت نفسك تصمم على أن تبقى علاقتكما سرية، كأية علاقة مؤقتة؛ (تذكرت أن خالة “بشرى” كانت على علم بما بينكما)، كأنما تهرب من أن تجد نفسك مجبرًا على التفكير بأن تُختم علاقتكما باقتراح الزواج… لكن، هل يجب أن تنتهي كل قصة حب سعيدة بالزواج؟

في اللقاء السابق، طالبتها بأن تكافئك بقبلة، ماطلت.. قالت في خفر: أجِّلْها حتى يوم الأحد بمشيئة الله. أعدت طلبك في اللقاء التالي، فرجتك أن تنتظر حتى يوم العيد…

–      اعتبري لقاءنا عيدًا.

أليس غريبًا أن تتكرر القبلة التي تبدو، وكأنها مقطع من نص سردي لم ولن يكتمل. كما كتبت في رسالة إلى حبيبة افتراضية، وأنت مشرد القلب، تتوغل في أحراش أحزان قمرية .. لتقطف عنقود فرح بكر، فترتشف ما تبقى من الدمع، وتذوب في طقس الفرح الهارب وأغانٍ قديمة، كما يليق برجل لم يصادق شذى الورد يومًا؟

***

ذات هباء، داعبت يد خفية أوتار قلبي، ووجدتني غارقًا في بحيرة حزن شجي. أبكي بحرقة شجن مبهم، وحبها ينتظر خارج أسوار مملكة القلب.

(كان هذا إحساسك الحقيقي غبّ أول لقاء)!

بكيتُ وحيدًا، غير مبالٍ بمن حولي، قبالة الشاشة الصمّاء، في مقهى نت، وعشاق الـ”مسنجر” يرسلون قبلا “هوتمايلية” إلى حبيبات  قريبات أو بعيدات. استبدت بدواخلي رغبة لا تقاوم في البكاء.

كنت حزينًا جدًّا، وعادة، يفرح الناس حين يحط عصفور الحب على أغصان شجيرات قلوبهم.

لم نفترق إلا منذ لحظات، وأحسست بالشوق يذبح فؤادي.

هكذا.. هو الحب!!

منذ أول لحظة، خامرني ذلك الإحساس الطاغي، وتمنيت – ملء القلب والروح والحلم أيضًا –  ألا نفترق أبدًا.

***

رجوتها أن تغفر لي لأنني لم أكن صريحًا معها منذ أول لقاء، وقبل أن تبني قصرًا على رمال ارتباطنا، وأنا أربط مصيرها برجل لا يحق لها التفكير فيه، ولو لحظة واحدة.

قالت، وهي تداري غصة قلبها :

–  “مبروك”!

– على التعاسة؟.. أنا أبحث عن الحب…

وتبادلنا كلمات لم تكن تصلح إلا لمشهد عاطفي حزين يفترض أنه الأخير.. بلا دموع ولا حتى قبلة صغيرة على الخد..

تلكزني متضاحكة :

– تلك المرأة تراقبنا من الشباك.

كنت متأكدًا أنني لن أطيق أن أبتعد عن جاذبية حضورها الطاغي في دواخلي. كل مكان أذهب إليه يذكرني بها، ووحده  “نصرو” يفضح احتراقات أعماقي.

– خذ أشرطة الكاسيت، لا أريدها.. ستذكرني بك في كل لحظة.

بقلب كسير هتفت :

– يمكنك أن تحطميها. لدي الكثير من الأشرطة.

تشفقين علي حين تلمحينني قرب  بيتكم؛ مجرد التفكير في أني لن أراك بعد لقاء البارحة يقتلني، ويأتيني صوتك عبر الهاتف المحمول.. عرفتُ أنك المتصلة قبل أن أنظر إليه.. من الرنة الخاصة برقمك، الذي تعرفه كل خلايا جسمي، و ينهمر صوتك الحبيب مطرًا يطفئ عطش صحراء أشواقي.

كنتِ قد أرسلتِ – قبل لحظات- رسالة قصيرة كتبتِ فيها أنك مستعدة أن تختفي من حياتي، ولمدة أسبوع لا أراك.. تقضينه في بيت أختك. رفضت.. لأنني كنت أنتظر على أحر من الجمر أن نلتقي غدًا مساءً.. في نفس الموعد ونفس الملتقى.

ستطلبين مني أن نبقى مجرد أصدقاء.. وكلمات أخَرَ لا معنى لها الآن، بعد أن افترقنا.

قلت في ثقة امرأة خبرت الألم:

–      ليست كل امرأة تتعرف إليها يجب أن تفكر فيها، بنية حسنة.

أحد أصدقائي لامني كثيرًا، لأني صارحتك بأنني كنت شبه مرتبط. عاتبني قائلا: كان  يجب عليك أن تختفي من حياتها، وبدون اعترافات..!!

كنت أعرف أنك تخادعين قلبك مثلي.. بكذبة أن نبقى مجرد صديقين، لأن الحب كان يكتب – في غفلة عنا- كلمته الأولى والأخيرة.

2

على قلق كأن الريح تحتك، تقضي صبيحة الأحد. يطول انتظارك.. أمام البيت تلمح ضيوفًا.. أختها  الصغرى وزوجها وابنهما. بعد الظهيرة، رأيت نسوة البيت جالسات على العتبة، وتطل من الشباك كقمر ينير ظلمة أيامك؛ يبدو أنها لن تخرج..

يغوص قلبك في أعماقك.

عصرًا، رأيتها وأختها تنتظران سيارة أجرة على قارعة الطريق. تلقي التحية.. تسألك الأخت إن كنت قد انتهيت من العمل بالبيت؟

–      انتهيت أمس… يبدو أننا التقينا من قبل؟

–      نعم..

–      كنت تعملين في مخدع هاتفي عمومي قرب الحارثي…

لم تقل لها أن عبد الله “اللحية” المولع باكتشاف مخابئ البنات الجميلات، دون أن يجرؤ على المخاطرة بإقامة أية علاقة، كان معجبًا بها. طلبتَ من ابنها الصغير “بلال” أن يذهب معك، وعقبت سعاد :

–      إنه يسكن قريبًا منكم…

وأشارت إليك بيدها أن تبتعد، وهي تندب خدها، حتى لا تنتبه أختها الصغرى، وتدرك ما بينكما.. لاحقًا، بررت غيابها ذلك الأحد بعدم منحها رقم هاتفك الجوال، وبقائك مع “عبد القادر” في الورش. كانت نبرتها تشي بلهفة على لقاء ضاع سدىً.

وفي أمسية ذلك الأحد المهدور، بكيت… بحرقة.

3

تيمم وجهك شطر الملتقى، ويضيع انتظارك المشوق هباءً. في مساء اليوم التالي علمت أن أخاها استقبلها، وأن عجلة الدراجة النارية أصيبت بعطب في منتصف الطريق.. تعدك بأن تمنحك رقم هاتفها الجوال، تحاول أن تلامسها.. تتأبى، تبحث عن الخصر والنهد. تتمادى في غوايتك، تحاول أن تقبّلها.. تبتعد عنك. تسألها بخبث :

– هل ثمة شخص آخر؟..

– وإذا كان.. فلماذا سأخرج معك؟ أختي أصغر مني سنًّا تزوجت، وأنا بقيت في البيت كـ”الزوفري” (الأعزب).

تتعطل لغة الكلام، تلوذ بالصمت.. تسألها إن كانت تفكر فيك، ترد:  نادرًا ما أفعل ذلك، إلا إذا أبصرت شخصًا يشبهك، وأحس بأنني أريد أن أراك.

حدستَ أنك قاطف تلك القبلة لا محالة، وابتسام عينيها يفضح لهفة فؤادها كامرأة وحيدة، تتعذب برغبتها الحارة في أن يكون لديها رجل، مهما كانت صلتها به..

انتشلك من طقسك التأملي سؤالها المباغت :

–      ألن يمنحك أبوك عطلة رأس السنة؟

–      لا.. لأنني مجرد بنّاء.

وتزلزل قلبك، وهي تسألك :

–      هل أوشكتم على الانتهاء من العمل في الورش؟

راودك فرح راقص مشوب بحزنها الخفي وخوفها من النهاية.. من الفراق، من ألا تراك ثانية. أيقنت أنها تقاسمك الحب.

***

–      هل اشتقتِ إلي؟

–      كثيرًا… ألن أراك عند الساعة الثانية بعد الزوال؟

–      أنا في الملاح..

–      إن لم تأت سأطفئ الهاتف طيلة المساء. ماذا تفعل هناك؟ كلّمني الآن..

–      أنا في مقهى نت.

–      هل تراسل أحدًا؟

–      أكتب قصة…

لم تكن تدري أنك تتهرب منها معذبًا بإحساسك بالذنب، بعد أن تورطت في حبها، فكتبت رسالة مطولة، وفي أصيل ذلك الأحد سحبت أشياءك من بيتها، كأنما تدرب قلبك على الابتعاد عن هذا المكان الموشوم في الأعماق.

تسألك عن رسالتك الأخيرة، ترد بأسى تنوء به أزرار الهاتف الجوال :

–      أريد أن أنسحب.. هذا أسوأ يوم في حياتي. كل شيء يذكرني بك.

وتسألك “بشرى”، حبيبتك السابقة : لم أنت حزين هكذا؟ لا أحب أن أرى حبيبي هكذا… تلوذ بصمتك الكسير. تكتب لسعاد : حتى أصدقائي الشعراء ينظرون إلى المرأة كرجال…

أيقنت أن “نصرو” قد أفسد عليك حياتك، وتمنيت لو كنت كالآخرين، حتى يتسنى لك العيش مرتاح البال مثلهم. في لقائكما التالي تصارحك بأنها تصغرك بسنتين (حتى هذه اللحظة لا تعرف لم فعلتها، وهي الأكبر منك سنًّا!!)، اعترفت لها بأن كل أصدقائك عاتبوك على مصارحتها بالحقيقة، وكان بالإمكان أن “تنام”معها، ثم تنسحب من حياتها في صمت.. حكيتَ لها كيف ولجت صيدلية، غارقًا في خجلك، ومددت للمرأة ورقة مكتوب عليها : “عازل طبي”.  تضحك، وتحدثك عمن خطبوها، وعن رغبتها في أن تنهي الأشغال النهائية ببيتها.

وأنتما تتجولان، لمحت النساء ينظرن إليكما، ولفت انتباهك عجوز تعمدت أن تبطئ خطواتها، لعلها تصغي إلى حديثكما، وكأنما كنتما تختلسان شيئًا ليس من حقكما. وفي لقائكما  المنذور للبوح، أخبرتكَ أن ابنة أخيها “مريم” تقرأ معها رسائلك الهاتفية.

وفي تلك الليلة الليلاء، سألتها أختها، عبر الهاتف، عن سبب تغير نبرة  صوتها، فأخبرتها بما جرى…

4

رأيت إصبعها جريحًا، أمسكت يدها.

–      احذر أن توجعني..

حدقت فيه،  ثم قبلته قائلا : “مابه؟”.

–      “خاصو اللي خاصو”..

حدست أنها تشير إلى أنها تحتاج إلى حنان رجل، وقالت وهي ترنو إلى ملامحك :

–      لا أحب الرجل الذي بدون شارب.

تلثم إصبعها مرة أخرى، وتبهرك نعومة يدها، تتعمد أن تلمس بيدك فخذها، فتحس بارتجافتها، وتبتعد عنك ثلاث مرات، كأنما تهرب من ذلك الدبيب المندلع في عروقها.

***

أحد آخر…

لم يتسن لك لقاءها، ثمة نسوة كثيرات بالبيت .. نسوة فرحات بأخ أربعيني، عائد من ديار الغربة، وسيخترن له شريكة حياته..

تطلب من أمك مالا بعدما ابتلع الهاتف الجوال كل نقودك، ويتساءل الأب: أين يبذر ماله؟

قالت الأم بلهجة كالسياط :

–      يا للحسرة، نريد أن نزوجك!

–      لا أريدها..

–      هم خجلوا منا فقط.. هل  لديك من هي أحسن منها؟

–      نعم، وتعمل…

–      هي تعمل، وأنت ربِّ الأولاد.

يعلو صوتكما، ثم تطلب منك أمك أن تلملم أغراضك وترحل.. تختفي من هذه المدينة، لأنها ترفض أية بنت من “الشارع”.

كتبت لسعاد : “قررت الرحيل بعد العيد، هل تقبلينني هكذا؟”. وبقيت تحوم حول البيت، وكدت تتهور وتخبر أمها أو أخاها “امحمد” برغبتك الزواج منها. تتعذب طيلة ذلك النهار، الذي قضيت سحابته في حديقة عمومية مع صديق، تجلسان قبالة امرأتي رصيف. يطلب منك صديقك المدرس أن تتحدثان معهما، فقلت بأسى :

–      لا رغبة لي في أي شيء، لا أطيق حتى النظر إلى أية امرأة.

مساءً، تركتَ لها رسالة صوتية: “الساعة الآن الثامنة.. تصبحين على خير”.

في الصباح، تلقيت رسالتين منها :

–      إن نمت قبل أن تكلمني، ستشغل بالي كثيرًا.

–      لا توجد أية أم تطرد ابنها. كلامي كان واضحًا معك تلك الليلة. أنا مريضة بسببك.. ستجعلني أكره اليوم الذي تعرفت فيه عليك.

كتبت لها معتذرًا، ووعدتها بأن تكون آخر مرة تضايقها فيها، وردت: “لا تتصل بي مرة أخرى، سأحاول أن أنساك.. لا تعذبني!”.

***

بعد سفر الأسرة مع الأخ المغترب إلى خريبكة، بحثًا عن عروس، اتصلت بها هاتفيًا، وجاءك صوت صديقتها تسأل في لهفة :

–      هل هو من يتصل؟

سألتَها :

–      هل نتقابل هذا المساء؟

–      ستأتي معي صديقتي إلى البيت.

مساءً، تحدثتما هاتفيًا طويلا، مازحتها بأنك تريد أن تبيت معهما. بعد لحظات، فوجئتْ بك أمام البيت، أطلت من النافذة :

–      يا لك من مجنون!

–      أنت المجنونة؟

–      هل أنا مجنونة؟

–      أنت مجنونتي، والحب جنون جميل جدًا.

–      سيأتي أخي “امجيد” بعد قليل ليتناول وجبة العشاء.

لعنت في سرك هذا الأخ الكهل، المنفصل، الذي يسرق منك لحظات بهجة إضافية..

من المنور، تحدثت معها، وهي تطل من شباك المطبخ قائلة :

–      هل أنزل عندك؟ هل أقفز من هنا؟

–      انزلي… أريد أن أراك.

–      اسكت.. إن صديقتي هنا، ماذا ستقول؟ هي تريد أن تراك.. هي تعرفك.

–      ستقول إنك تحبين بنّاءً، رث المنظر.

–      المهم قلبي، لا يهمني رأيهن.

–      هل ذهب أخوك؟

–      يبدو أنه سيبيت عندنا..

–      اربطيه، حتى لا يتسلل ليلا إلى فراش “فتيحة”. يبدو أنه يريد أن يحتفل بعيد الأضحى قبل الأوان.

–      سأقطع صلتي بك إن رأيت أو سمعت عنك أي شيء..

–      (مازحًا) وماذا أفعل إن كن مغرمات بي؟

–      لا تهتم بهـن…

***

في الليلة الثانية لغياب الأسرة، تمني النفس بلقائها،- والحي شبه خال، بعد رحيل كل البنائين، بسبب عطلة العيد- وبأن توصلها حتى البيت. عادت متأخرة، دخلتَ بيتها، اتصلتْ بك من مخدع الهاتف العمومي، وكنتَ في منور بيتها، عاتبتها لأنك تنتظرها منذ ثلاث ساعات، وفي الختام لم تبالِ بك..

يأتيك صوتها من فوق، وهي تحدث أخاها: “لقد اتصلت بهم، إنهم في الطريق”. كانت تتعمد أن ترفع صوتها.

تبًّا، كلما اقتربتُ منها قفز أحد إخوتها إلى المشهد.

***

في يوم عرفة، اتفقتما على أن تتصل بك على الساعة العاشرة صباحًا، اقتربتَ من البيت، لمحتَ ابن أخيها الصغير، طبعت قبلة على خده، وداعبته وهنأت الأم الحيزبون على العيد. وصلتك رسالة قصيرة: “أمي بدأت تشك… لا تبق كثيرًا في الحي”، ثم هاتفتك : “سيأخذني أخي “حجاج” في سيارته، وحين أعود أتصل بك”. وكتبتَ لها : “أنا في بيتك الآن، لدي عمل قد يستمر حتى الرابعة أو الخامسة بعد الزوال.. أعمل وبدون أجر”.

جاءك صخب فتيات في الجوار، وخيل إليك أنك سمعت صوتها، بعثت رسالة : “أين أنت يا معذبتي؟ هل أنت هنا؟”.

رأيتها تغادر مع فتاتين ذاهبات لنقش الحناء، فتضاعف حزنك؛ فالحناء – بالنسبة إليك-  ترمز  للأعراس.. ربما لأنك صرت مصابًا بما يمكن تسميته بعقدة الفرح، وأحسست بارتياح عميق  وفرح غامض حين علمت أنها لم تنقش يدها.

–      ألم تنقشي؟

–      لا.. حتى يوم الأحد.

أنهيت عملك حوالي الساعة السابعة مساءً، وأنت الذي اعتدت  على العمل في الورش حتى الخامسة ونصف. كنست الرصيف من الحصى المتناثر عليه، ولم تحاول الحيزبون أن تكلمك أو حتى تطل عليك، وأنت تعمل…

شكوت إليها قسوة أمها، عبر رسالة قصيرة، وبكيت في حرقة، فلمعت دموعك فوق البلاط..

***

في العيد…

–      “مبروك” العيد.

–      أنت عيدي الحقيقي، يكفي أن أسمع صوتك.

–      هل سأراك غدًا؟..

–      لا أتحمل أية نظرة من أمك..

–      موعدنا يوم الأحد، بعد يومين…

–      لقد اقترضت عشرة دراهم من أخي الطالب، من أجل التعبئة.  تشاجرت مع أمي من أجل أبي… من أجلك أتحمل كل ألم. اشتقت إليك يا فرحة قلبي.

–      أنت حياتي وعمري.

–      أمك على حق، الحب فضيحة… كل هذا الألم لا يساوي شيئا أمام حبي لك، فأنت أغلى شيء في حياتي.

–      ليلة سعيدة. أحبك..

***

في الليلة التالية، تحاول الاتصال بها، لا ترد عليه.. كتبتْ: “لا يمكن… أبناء أخواتي بجانبي”.

***

قبل سفرها، بقيت طيلة صبيحة الأحد ترن لها فقط، لم يكن لديك رصيد كاف لمكالمة هاتفية، ظللت هائمًا على وجهك، متشردًا في الزمان والمكان، فكل الآحاد كئيبة، ولا تعرف السبب.

مساءً، أرسلت إليك تعاتبك، وتتهمك بأنك تتهرب منها، وبأنك تريد أن تبتعد، “لو كان الأمر بيدي لبقيت معك إلى الأبد”.

صباحًا، اتصلت بك، لم تتمكن من الرد، كنت تتوضأ، وحين حاولت أن تجيب غرق الجهاز في صمت قبري.. وجاءتك رسالة صوتية ختمتْها بتنهيدة حارّة : “لماذا تزعجني منذ الصباح، وجعلتني أخرج  من البيت بلا عذر لأتصل بك…؟ أظن أنك لا تريد أن تراني أو تسمع صوتي. كن مطمئنًا.. سأسافر غدًا، ولمدة أسبوع!”.

اندلعت النار في قلبك، وفي لحظات، كنتَ في النجد، لمحتها من فوق السطح. ترنو إليك في ذلك المغيب الذي لا يُنسى، وتعتذر لأنها لا تستطيع الخروج :

–      كنت مضطرًا أن أغيب خلال هذه الثلاثة أيام، التي كانت جحيمًا لا يطاق، والسبب أمك.

–      لا تنساني، كلمني، واحذر أن تجري  وراء أي بنت.

–      لا تتركيني في العذاب.

–      وحده الله العالم بحالي..

–      ليلة سعيدة.. أحبك حتى الجنون.

***

لم أعد أقل لـ”مريم” شيئًا، أخبرتها أننا افترقنا، لقد التقطت صورًا فوتوغرافية من أجلك، حاولت فيها ألا أبدو فيها حزينة، ولا أريدك كذلك.. لا تنساني..

سأغير توقيت عملي، سأخرج الساعة السادسة مساءً، بدل الخامسة ونصف، أريد أن أتأخر حتى أراك.

مكابدات الشهر الثاني

1

لم يتمكن من رؤيتها في أول يوم، كان متوترًا بسبب شجار مع رب العمل، مع أبيه… في اليوم الثاني جاءت وهو ما زال يعمل، وصُدِمَ حين أمره والده بجمع أغراضه للانتقال إلى ورش آخر.. أحسّ بأن قلبه يذرف دمعه…

حين اتصل بها، كان صوتها منكسرًا، كما كان يوم صارحها بأنه مرتبط، ويعتصر الحزن قلبه.

***

نشب بينهما خلاف بسبب رفضها إعطاءه صورة شمسية لها، بذريعة أنه سيريها لأصدقائه. اتهمته بأنه بدأ يهددها. ترك لها رسالة صوتية : “لن آت، ولن أتكلم معك، لا تحدثيني مرة أخرى عن زوجتي أو عن… (كلمة نابية)، ولن أكمل العمل في بيتك…”.

مساءً، دون أن يدري وجد نفسه، يتجه إلى الورش القديم، ورآها أمام البيت تسقي الشجيرات، وبملامح محايدة. اكتشف أنها أرسلت رسالة قصيرة لم يقرأها : ” لن أعطيها لأي شخص، ولو كنت أحبه حتى الموت، شرفي وكرامتي أغلى من أي شيء. لا تهددني”.

رد عليها :

–      وماذا تفعلين بصورتي يوم تتزوجين؟ ماذا لو وقعت في يد أحد إخوتك؟ أنت لا تعرفين كم أحبك!

–      إنها مخبأة. لم أطلبها منك، وحين أتزوج سأرسلها إليك، وإن شئت أعدتها إليك.

مسحَ كل رسائلهما  المتبادلة…

التقى أخاها “امحمد”، وسأله عن غيابه..

–      لقد انتقلت إلى مكان آخر. يوم الأحد إن شاء الله، أحاول أن أسرق من وقتي ساعتين…

***

رغم رفضها الرد على اتصالاته، كتبت تعاتبه : “لو كنت تحبني، فلن تغضب من أجل صورة. سأتناول حبة لصداع الرأس، لكي أنام. ليلة سعيدة”. لم ييأس، بقي يحاول الاتصال بها، وكلما رن، جاءه تنبيه بأن الخط مشغول.

***

في ظهيرة اليوم التالي، عاتبها على رفضها الحديث معه.. فردت :

–      كنت ستوترني أكثر.

–      وهل أستطيع..؟!

ضحكت قائلة :

–      تفوهت بكلام نابٍ، ثم مررت من أمامي دون أن تعيرني اهتمامًا.

–      غدًا، سأكون عندكم..

–      وماذا ستفعل؟

–      التقيت “امحمد”، وهو عائد من المسجد، وقال لي: لقد أربكت كل شيء في البيت..

–      يبدو أنه ألفك..

–      لا أحد يستطيع أن يطيق فراقي. سأكلمك ليلا..

–      إن شاء الله.

***

–      انتظرتك أمس، حتى الساعة السادسة والنصف، تأخرت من أجلك لعلكَ تأتي لرؤيتي، لكن أنت لا تريد.. لا تأت للعمل، استرح هذا اليوم.

–      هل نلتقي؟ أريد أن أراك مثلما رأيتك أول مرة،  ومن بعيد.. (غاص قلبه في شجن   الذكرى). فوجدتني أفكر فيك دون أدري.. كنت أختلق أي عذر عندما أراك تخرجين من البيت، فأغادر الورش.. فعلتها ثلاث أو أربع مرات، وفي الختام، غازلتك مباشرة. أتذكرين تلك الأيام؟…

رنا بعينين مشوقتين إلى حقول موشاة بخضرة آسرة، حيث يتناول وزميله “لحريزي”، كل ظهيرة، وجبة غدائهما، المكونة من خبز وكيسين صغيرين من عدس، ثم يتمددان – بعد ذلك- فوق العشب، ويحدقان في السماء.

–      سيروننا من فوق السطح. ثم إن “امحمدْ” هنا..

–      الأسبوع كله لا أراك، واليوم الوحيد الذي… تبًّا.

–      ربما آتي يوم الاثنين، أريد أن أعرف أين تعمل؟

–      في السعادة الثالثة. قريبًا من بيت أختك…

ذرفت السماء دمعها. أيقن أن اليوم ضاع سدىً، وليس ثمة أي بصيص أمل، فهتف لنفسه : أيّ حظ هذا؟!

***

غادر الحي، لكن سرعان ما عاد حاملا مسجلته، وأشرطة كاسيت أثيرة، فرمته بنظرة ضاحكة.. وكتبت له : ” ما قضيتك هذا اليوم؟”.

–      حبك هو الذي أعادني.. أنا مع “نصرو”، وزجاجة؟

–      أكره السكارى، لا تجعلني أكرهك بعد حبك.

–      إنه مشروب غازي بنكهة التفاح.

لاحت له زوجة أخيها تطل من الشباك، وكان شارد اللب.. فأرسلت تعاتبه : “لم تجلس في الشرفة، والسماء تمطر؟… إنك تثير انتباه الأسرة. ادخل…لا نريد مشاكل”.

حمل مسجلته، وانصاع لرغبتها.. انتظر الصحو، لملم أشياءه، وغادر المكان، لكن سرعان ما داهمه دمع السماء الغزير.

***

الاثنين 7 فبراير 2005م

تكتب إليه زوالا،  لتتأكد إن كانت ستلقاه مساءً.

–      أنا في الورش، إنها تمطر… سنعمل نصف نهار فقط. أحبك.

توقفت الأشغال بالورش على الساعة الثالثة بعد الزوال. هي فرصة ذهبية للقائها عند بوابة المعمل؛ وجد نفسه ممتنًا للمطر الذي لم يحبه ولن يحبه أبدًا، ولا يعرف سبب كرهه للمطر، فهو بالنسبة إليه مرادف للحزن الفادح.

الخامسة إلا ربع، اتصل بها، طلبتْ منه أن ينتظرها عند الخيّاري، قريبًا من بيت صديقتها “فتيحة”. عند كورنيش الحي الشعبي، استند على دراجته النارية، وقفت قبالته، غرقا في تبادل القبل، أدخل يده في جيب جلبابها، وطوق بذراعه الأيسر خصرها.. سألها  مازحًا: “ماذا لو رآنا “امحمد” بهذا الوضع؟”، أجابت، وهي تلتصق به أكثر: “سيطردونني من البيت، ولا مكان لي. هل شتمتني  أمس حين داهمك المطر؟”.

–      لا..

أسرت بصره شامة أسفل عينها اليمنى، همس لها، وعيناه لا تفارقان وجهها الطفولي: “لم أعد أرى إلا شفتيك”، وكاد الدمع  يطفر من قلبه حين قالت له:

–      يجب أن تحتفظ بملامح وجهي في  ذاكرتك. لا أريدك أن تنساني!!

–      لقد كُـنّا جيرانًا، دون أدري..

–      كيف لم ترني من قبل؟

–      لو رأيتك لجننت.

–      لا تفعلها، مازلت محتاجة إليك.

–      كنت أرى أمك وأختيك الكبرى والصغرى، و”سعيدًا”، ونادرًا ما كنت أرى “امحمد”، ربما بسبب العمل. لكن… أمك لا أستلطفها.

–      أنت الذي يتصرف تصرفات مشبوهة. هل تعرف أنها استغربت أن أبيت عند أختي الليلة، وسألتني عن السبب؟

ليلا، هاتفها، كانت نائمة… كان مؤرقًا، فواسته: “تخيّلني إلى جانبك، وستنام”!

–      هل يمكن أن أراك يوم الأربعاء؟

–      لقد التقينا  هذا المساء…

–      أريد أن أراك كل يوم، وكل لحظة… هذا هو الحب.

***

كانت متزينة، وفي عينيها يرقص الفرح بلقائه. كان لقاءً بريئًا بلا قبل.  كانت تمسك ذراعه بكلتا ذراعيها. مرّا عبر أزقة، وتوجست عند رؤية صاحب دراجة نارية، معتقدة أنه زوج أختها الصغرى، ثم اتجها إلى مقهى نت، وبقيا – هناك- ساعتين ونيف.

عند عودتهما، وجدا باب العمارة مغلقًا، اتصلت بأختها الصغرى هاتفيًا، وتناهى إليه صوت الأخت  من خلف الباب :

–      اطلعي… لقد تأخرت.

***

السبت مساءً، اتصل بها، ولم ترد. نامت بعد أن انتظرته، وهو الذي اعتذر عن لقائها في تلك الأمسية، حيث رأى “بشرى”، فامتقع لونه وتزلزل كيانه. عند مغادرة بيت خالة “بشرى”، تبعته، تبادلا أربع قـبَل، وقَـبْلَ النجوى تبعهما ابن خالتها.

صارح سعاد بما حدث، فاقترحت عليه أن يعطي “بشرى” رقم هاتفه الجوال، لكن سرعان ما انفجرت مشاعر الغيرة في قلبها، وجن جنونه، وهي تخبره – سعاد- بأن صديقها القديم “مبارك” هنأها بمناسبة عيد الحب.

***

التقيا مساء الأربعاء، تمادى في مداعباته، وفي طريق عودتهما، حدق في مراهقة، سبق أن رآها قبل أعوام، حين كانت طفلة. بدا مأخوذًا بمفاتنها، فنهرته سعاد بنبرة غيورة : “انظر أمامك، حتى لا تصاب بالحول”. واشتعلت نار الغيرة في قلبها، بعدما علمت أنه يلتقي ببشرى، فاتهمته بأنه لا يجد الوقت حتى ليرسل “sms”.

***

يبكي وهو يصلي…

لم يتقبل أن يفكر أخوها في أن يتخلص منها بأي شكل. هل تزعجهم إلى هذا الحد؟

دعي ذلك الكهل يحضر لرؤيتك، ولا تذهبي للقائه، حتى تحافظين على كرامة نفسك، كتب لها ناصحًا، على الرغم من أنه لا يتصور أنها يمكن أن تتزوج، وتتركه..

–      أمي قالت لي فكري في الأمر، تلك حياتك.

–      لا يمكن أن يكون أخوك رجلا،  هذه ليست تجارة، ولا حتى أخوة… هذا تصرف لا يمكن أن نعثر له على تسمية.

***

يومان، وهو يحاول أن يتصل بها هاتفيًا، ولا ترد… ترفض الحديث معه، حتى لا يتفوه بحماقاته، ثم وصله رد غريب، كان موجهًا إلى أخيها : “لقد أراح نفسه وأراحنا..”. استفسر عن المعنى ولم تفهم، فحوّل إليها رسالتها القصيرة.

–      لأن عقلي معك، وضعت رقمك بدل رقم أخي..

انتظرها قرب مخدع الهاتف العمومي، تبدت له أكثر جمالا. تحسر على هذا الجمال المحِب. وحتى لا يزعجها، لم يخبرها عن رفض أمه البات لأن يتزوج بنتًا من المدينة زاعمة أنها: ” ستدخل عليه الرجال إلى البيت!!”.

في ذلك اللقاء، عرف أن موضوع الكهل ذي الأربع وأربعين سنة قد انتهى، لأنه اشترط أن تسكن معه في البادية…

–      من الأحسن أن تدع “امحمد” يطلب منك أن تعمل في البيت، أو اتركه حتى الأحد المقبل، سيكون في العمل، وبعد أن تنتهي نهبط سويًا. إن جئت هذا الأحد، فلن أراك بسبب الضيوف.

في البيت، يجد نفسه فريسة الإحساس بالذنب والأسى، ويتساءل : “لماذا يحرمنا القدر من بعضنا البعض؟”، وألفى نفسه أنانيًا في عواطفه، فمن حقها أن تتزوج..

–      أنا لا أستطيع أن أنساك إلا في حالة واحدة.. إذا تزوج أحدنا، أنا أو أنت!

–      وهل تستطيعين أن تنسيني؟!

–      سأحاول..

–      تحدثت مع والدتي، قلت لها: لن أسامحكم، أنتم تبحثون عن مصلحتكم فقط.

–      اعتنِ بنفسك، فلا شيء يستحق.

***

الأحد، الساعة الخامسة مساءً، كتبت له أن الضيوف ذهبوا. اتصل بها عند الساعة الثامنة مساءً، علم أنها عند أختها الصغرى، وأخبرها أنه في مركز المدينة، يبحث عن شريط لنصرو.. وليس للتجوال.

–  فعلت المستحيل لأنزل إلى السعادة لرؤيتك، وأنت غير مهتم.

–  ذلك اليوم قلت لك حين تخرجين، أرسلي “مسج”، أنا لا أعلم الغيب.

***

يوم الأربعاء، اتصل بها هاتفيًا، ولم ترد.. فيما بعد سيعرف أن “سعيدًا” كان بالبيت، وكان معه عريس، أرمل ستينيّ، كاد يفقد عقله.. فانهمرت رسائله القصيرة كالحمم البركانية :

–  لن أنساك إلا في حالة واحدة.. زواجك بالعجوز، ولن أسامحك حتى يوم القيامة.

–  أنا رجل، وقبلت قريبتي مكرهًا، وهأنذا أتعذب وحدي. أما أنت فيجب أن تفكري، ولا تتسرعي.

–  ليلة البارحة، نمت مبكرًا، ولم أقرأ رسالتك إلا صباحًا، لو وصلتني في الليل، لحضرت إلى بيتكم، و أقمت الدنيا ولم أقعدها…

– لو كنت مكان أخيك “امحمد” لطردته من المنزل.

– سأطفئ الجهاز، وأتركه في البيت.. أريد أن أنساك بسرعة. سأعتبرك انتحرت وأنساك للتو.

لم ترد على اتصالاته، ولا على رسائله الصوتية…

***

–  أنت تريد نسياني قبل أن تعرف الحقيقة. أنت نسيتني، وحدثني قلبي بذلك صباحًا، ولن أرغمك على أن أبقى حبك.

– هي كلمة قلتها للستيني، ولن أتراجع عنها. تهددني بنسياني.. أنت حر.

– كنت أنتظر “مسج” الثانية عشر على نار، لكن الصدمة كانت قوية. أنت تعرف رأيي، وهددتني لثاني مرة. وهذه المرة، لن أقبل منك أي اعتذار. لن أرد عليك.. لا تتصل بي!

–  لن أسامحك على تهديدك. تريد  خلق فضيحة دون أن تعرف السبب.

***

– أنا إنسان متخلف وجدانيًا، أنا لا أستحق حبك. اعتبري ما حدث امتحان عواطف.

– حاشىا أن تكون متخلفًا، أنت إنسان كل صفاته جميلة، عيبك الوحيد أنك تتسرع.

– هذا المساء بلغني من “علي” أن الحاج اتفق مع صاحب البقعة التي كانت بها “البرّاكة”. هذا يعني أنه يمكن أن أرجع إلى النجد. ويبقى عمي مكاني. لقد كرهت هذا المكان، لأنه حرمني منك. هذا الخبر أدخل البهجة إلى قلبي…

ألن تسامحينني يا حبيبتي؟ أنا لا أتحمل هذه القسوة الحنون؟

معك أنا طفل لا يعرف الكذب…

–      هو إنسان محترم.

–      إذًا، أعجبك ذلك العجوز أنت أيضًا، فلم رفضته؟

–      أرجوك، لا تذكرني بما مضى، لقد كان هذا  الأسبوع أسوأ أيام حياتي…

–      إذًا، الكلام الجميل والشاعري مجرد مظهر.

–      لم حكمك على الناس قاسٍ؟

–      على من قسوت؟ عليك أم عليه؟

–      علينا معًا!

–      عهدتك شخصًا محبًّا ذا صفات جميلة، لكنني لا أقبل أن تجرح مشاعري.. قارنت بين رسائلك الأولى والأخيرة، وبكيت.. رسائل هذه الأيام أحتفظ بها كاملة. كلما تذكرتك أقرأها وأبكي، وأمسح بعضها، حتى أبدأ عملي بلا دموع.. بلا مشاكل. قلبت علي المواجع.. وطَارَ نومي!

2

الأحد صباحًا، كتب لها : صرت تشكين في كثيرًا. ليلة البارحة، نمت مبكرًا، لم أخرج من البيت؛ كان البرد قارسًا.. وكنت متعبًا.

اتجه إلى النجد، لم يجد الأشياء التي طلبها من “امحمد”، فوعده بأن يحضرها الأحد المقبل. في الورش، وجد “عليًّا” و”عبد القادر” نائمين، وسرعان ما غادر المكان حين لمح امرأتين نائمتين. اتصل بها.. هاتفها غير مشغل. تحركت بحيرة الأحزان في أعماقه، بعد أن طال هذا اللا اتصال، وكتب بدموعه : “هناك من يستمتع بحياته، وأنا يحاصرني الجميع.. الكل يظلمني.. أنت وأبواي. لو كنت عربيدًا لما تألمت في حياتي هكذا. “بشرى” انتابها  الشك في رجولتي بسبب حبي الأفلاطوني لها، وحين كنا نتبادل القبل، رفعت ركبتها حتى تتأكد أني.. وحتمًا، هذا تفكير بنت خالتها.

لقد جعلتِـني أبكي هذا الصباح.

اقترضت خمسة عشر درهمًا من أمي، لكي أرسل لك هذه الرسائل، فأبي تعود ألا يمنحني أجرتي إلا صباح الاثنين أو الأحد ليلا، حتى لا أقضي سهرة حمراء كعلي وعبد القادر… يا للتفكير!”.

***

عند الزوال، عاد إلى البيت، لم يعثر على النقود، حيث اعتاد والده وضعها، سأله الأخ الأصغر إن كان يملك عشرة دراهم، فرد عليه :

–      عندي الـ(…).

حطم ساعته المعطلة، وخرج بدون غداء ولا صلاة.. حاملا مسجلته.

–      أنا هنا، في الشرفة… وحدي!

تطل من النافذة، ثم تسأله :

–    ألم تذهب مع عبد القادر؟

–   أنا لست كلبًا حتى أنزل إلى ذلك المستوى.. ألن تخرجي اليوم؟

–   نجاة، جاءت خصيصًا لزيارتي.

أحس بما يشبه الصفعة، وحطم شريطي كاسيت، بعد أن أصيبا بعطب. لمح الصغيرين (ابن أخيها وابن نجاة)، اللذين لم يتجاوزا ربيعهما الرابع، فوق السطح، وقد تسلقا سريرًا متكئًا على  جدار الواجهة، ويكادان يقعان من أعلى البناية. خرج مسرعًا، وجد جارًا كهلا قد سبقه، نبّه “مريم” المطلة من الشباك، وراحت سعاد تركض في الدرج تاركة باب البيت مفتوحًا، فقام بإغلاقه، ثم شكرته عبر رسالة قصيرة.

أطلت، وألفته شارد اللب..

–      فيم تفكر؟ هل نفد رصيدك؟

–      يؤلمني حالي، أنا العاشق المحب بكل إخلاص ونقاء… لم أجنِ سوى الألم والعذاب.

السادسة مساءً، غادر المكان، ولم يعد زميلاه بعد إلى الورش. كانت تقف على عتبة البيت، تتحدث مع جارة ثرثارة….

***

في البيت، وجد أمه مغمىً عليها، بعد شجارها مع أبيه. لم يعرف السبب، لكن حتمًا مرتبط به، لا سيما وأنهما قضيا سحابة نهارهما في البادية. ربما صارحت أمه أسرتها برغبتها الانسحاب من ذلك الاتفاق العائلي، الذي لم يحضره…

حاول أن يمرر العطر على أنفها، فرمته بيدها، ضرب الزجاجة عرض الحائط، واتجه إلى غرفته ، وهو يلعن “عيشته”، بينما الأب صامت..

من فراشه، كتب لسعاده : عذرًا، حبي.. سأنام الآن، أمي تشاجرت مع الحاج، وقبل وصولهما كنت أفكر في النوم مبكرًا.. لأنني لا أحتمل السهر مع كل هذا الحزن، الذي لازمني طوال هذا اليوم.

–      ماذا حدث؟

–      لا أدري.. لقد كانوا من البادية.

العاشرة والنصف مساءً، غادر فراشه، بسبب الجوع، لأنه لم يتناول وجبة عشائه، ولم تنبهه أمه إلى ذلك. تناول “الأجندة” الخضراء، وراح ينقل من جهاز هاتفه ما يؤرخ لهذا اليوم الملعون، الذي “صبّح” فيه على عاهرتين.

3

–      أنا أعمل اليوم؟ كيف هي الأجواء في بيتكم؟

–      عادي، المهم ليس كباقي الأيام. شكرًا لسؤالك.

–      غدًا، نعمل في الحي الصناعي.

أحس باختلاجة في قلبه. الزمن يلعب لعبته الأثيرة… سيتغير توقيت العمل، وشهر مارس على الأبواب.  هزه الحنين إلى  الخريف الذي لم يحبه من قبل.

زوالا، أبلغته أنه تم تأجيل الذهاب إلى الحي الصناعي، وأنها ليست على ما يرام، وليلة البارحة أغمي عليها، ولم يفلح الماء أو العطر في جعلها تستعيد وعيها.

***

حين تريد الحديث معك هاتفيًا، تكون نائمًا، بينما هي تنشغل بالواجبات المنزلية، وتحضير وجبة العشاء، وأنت تنتظر الرد على رسائلك القصيرة. عاتبتك على ندرة اتصالاتك، فقلت إن السبب مادي، ولم تتغير..

ذات لقاء، هتفتْ بما يشبه الغضب:

–   لا تنتظر مني أن أقول لك تعال لتراني.

انتابه القلق، وهو يبدو مشتت الذهن أمام ألاعيب الزمن؛ فالصيف على الأبواب، والعرس كذلك.. ومع ذلك يريد التأكد من شيء ما، حتى لو كتب لعلاقتهما أن تكون قد انتهت حينئذ، دون أن يجد تفسيرًا لتصرفه الذكوري:

–      هل تذهبين إلى البحر؟

–      لا..

–      وموسم مولاي عبد الله…؟

–      لا…

–      لم تحدثيني عن علاقاتك السابقة..

–      منذ أربع سنوات، لم يشغلْ بالي أي أحد، وكل العلاقات القديمة كانت تنتهي عند النقطة التي… (أدرك أنها تعني حين يبدأ الطرف الآخر الحديث عن الفراش، فتتركه)، وتمضي مدة حتى أشغل بالي بآخر، وأنت الوحيد الذي طالت مدة تعارفي معه، ولا يمكنني أن أٌقابلك في النجد. الكل يعرف أني أخت فلان..

كان بإمكاني ألا أرد عليك وألا أكلمك بعد أن هددتني.. حتى أنني فكرت في أن أغير رقم هاتفي.

الكذب يقتل أحيانا…

1

على مشارف الصيف، قالت أمك، بما يشبه الشماتة :

–      لقد خسرت الاثنتين.

لم تنبس ببنت شفة، فقط كنت تحاول أن تتخيل طعم حياتك في الأمسيات، التي ستتمدد كمشارط لا نهائية تلهب روحك الملتاعة.

***

بدت لك قصة حبكما أكبر أكذوبة. حتى الآن لم تستوعب سرّ انقلابها العاطفي، وهي تتصل بك راجية إياك أن تتوقف عن الاتصال بها. تحاول أن تعرف السبب، فيربكك ردها، لأن علاقتكما كانت شبه سرية، ولا أحد يعرف رقم هاتفها، فكيف ستتصل بها إحدى قريباتك، وتطلب منها أن تبتعد عنك، لأنك متزوج؟…

الآن، تخمن أن ما حدث كان مجرد كذبة بيضاء ككذبتك، لكن الكذب الأبيض يقتل أحيانًا.

***

هي – ربما-  اقتنعت أن أسرتك لن يقبلوها زوجة، بعد فسخك خطبتك من قريبتك، ولأنك أصغر منها سنًّا أيضًا، ثم إنها لا تريد أن يتكرر نفس خطأ أخيها “سعيد”، الذي تزوج دون رضا أمه، فحرّمت على زوجته أن تدخل بيتها.

***

كتبت لها في ذلك اليوم عن راحتك، بعد أن تخلصت من ذلك الهم الجاثم فوق صدرك، وكنت تتشرد  في الحقول، تحت صهد سبت  ذويب.

***

لم تتحمل آلام الوحدة والهجر، فاخترت أن تتخلص من هذا العذاب المجاني بأي شكل.. بأن تجعلها تكرهك. كنت مع “عبد القادر” و”علي” وآخرين. كنت تلازمهم  كل مساء، ولا تذهب إلى البيت سوى للنوم.

كنتم قد انتقلتم إلى حي المطار. تجمعتم مرة أخرى، ولم يبق دم صداقتكم مفرقًا بين الأوراش. كنت تحاول أن تجعل حياتك معهم بنفس طعم العيش في النجد. كنتم تتجولون في الطرقات الخالية، مثل كلاب ضالة، تحت جنح الظلام، التقيتم مع امرأتين.. كانتا تسألان عن أحد البنائين. المرأة القصيرة كانت تحمل على ظهرها صغيرها، الذي لم يتجاوز ربيعه الثاني، بينما عمرها يحبو نحو الأربعين. كنت تحدق في عضلة ذراعها، وبأصابع مدربة تحاول أن تتسلل نحو المخابئ السرية للمتعة.. تحت إبطها. لم يكن هذا العالم غريبًا عنك، فمن علمتك الحب الفراشي كانت في مثل سن أمك…

تحدث “مجيد”، البناء العبدي مع المرأتين على انفراد، تشاورتم في اقتسام الغنيمتين. كنت قد صممت على تذوق طعم القصيرة، وتركت له الطويلة النحيفة، وصارحته بأنك لا تملك نقودًا، ووعد بأن يقرضك.

***

حين عدت إلى البيت، كتبت رسالة قصيرة موغلة في قذارتها،  كنت تكذب حتى تكرهك؛ قلت لها إنك كنت مع عاهرة حائض، ومارست معها الجنس من الخلف.. أمام ابنها، وتخيلتها مكانها.

2

كنت تعمل في بيتها، لم تسمع صوتها، خيل إليك أنها لا تريد أن تراك، توقفت عن العمل، قلت لنفسك: لعلها  في السوق، اتجهت نحو طريق السوق الأسبوعي. لمحت فتاتان، توجع قلبك عندما اختلست النظر إلى مفاتنهما، وكتبت لها :

–      أنا مريض، لا حظ لي معك، ليلة البارحة، تحدثت مع إبراهيم، وتفاقم ألمي.

–      امحيني من ذاكرتك، تزوج لكي ترتاح، تعامل مع زوجتك بلا عصبية، حتى لا يفشل زواجك. امسح صوري من هاتفك..

–      لن أنساك أبدًا حتى لو نسيتني، ولن أتزوج غيرك.. أنت أو لا أحد. لمَ لمْ تحاولي الاتصال بي  ليلة البارحة؟ هل جعلك “الحمودي” تنسي هشام؟

–      مللت.. هددتني ثلاث مرات، مللت تهديداتك. ابنة الحمودي في مثل سن مريم، وأحترمه.. أنت تبحث عن سبب للفراق، ووجدته، ولن ألومك..

يحاول الاتصال بها، فلا ترد، ويعتذر عبر رسالة قصيرة: أعدك بأن أكون مهذبًا. أنا محتاج إلى حنانك، محتاج جدًا إلى أن أسمع صوتك.

جاءه ردها رسالة صوتية :  نفذت كل ما طلبت، لا أذهب عند البقال، لا أخرج ليلا، ماذا تريد أيضًا؟ صرت “سي سيد”…! بشكوكك وتهديدك سنخسر حبنا. أنا نفذت ما طلبت، وقلت له إنك ابن عمتي لأنني أحترمه. لو صارحته بما بيننا، سيحاول هو أيضًا أن يطرق هذا الباب، ولو كان متزوجًا.

***

–      لقد قررت أن أنهي هذا العذاب، أنا متمسك برفض تلك الزيجة. أريدك لي.. ودائمًا.

–      غامر وتزوجها.

–      قلت لهم: أنا غير مستعد للزواج…

–      لا تتصوري كيف مرت هذه الثلاثة أيام. أعدك ألا أفرض شروطًا، ولا أتفوه بكلام جارح. هل يوجد من يجرح نفسه؟ أنت هي أنا، وأنا هو أنت.. أريد أن أبدأ صفحة جديدة. تكفي السنوات التي ضيعتها في الأوهام. أعترف بأنه ليس من حقي أن أفرض أية وصاية عليك، لست أخاك أو زوجك.. حاولي أن تتفهمي ظروفي.

ليتني أراك كل يوم..

لو كان بإمكاني أن أخبئك في قلبي لفعلتها. سامحيني على قسوتي معك هذه الأيام.. غيرتي هي السبب، وليس حب التملك. أنا لست كالآخرين، وهذا ما يؤلمني، أنا متطرف في مشاعري، في حبي، في غيرتي، في قسوتي، في حناني.. أنت لست مجرد امرأة في نظري، أنت شيء لا يمكنني وصفه حبيبتي.

3

أقسم لأخيه الأصغر سنًّا منه أنه لن يتزوجها، حتى لو انطبقت الأرض والسماء، وطلب منه أن يناقش الموضوع مع أبيه، فرغم قسوته الظاهرة يتخيله أكثر تفهمًا من أمه. مساءً، لمح في عيني أبيه نظرة ذات معنى، لا شك أن أخاه فاتحه في الأمر، والأب سيناقش الوضع مع الأم.

أحس بأنه ممتن لإبراهيم، فهو الذي جعله يجتاز أصعب مرحلة في حياته، والآن يحس أنه بفضل هذه القصة الوجدانية تغيرت نظرته للحياة، فانعكس ذلك على نتاجه الأدبي، بعد أن كانت بداياته السردية، التي يعرضها على أخيه مجرد محاولات عاطفية كتبت برومانسية ركيكة، تغنى فيها بالحب قبل أن يصلى ناره.

***

الأجندة الخضراء، تخلص منها، ولعل الأب – وقبل مرور شاحنة البلدية- أخرج الكيس البلاستيكي، الذي يتضمن آخر ما تبقى منها؛ غلاف متين ذو ورق مقوى مغلف بشكل جيد، وورق ممزق بعناية فائقة.

لم يبق منها – هنا والآن- سوى مزق ورق مكوم فوق سريره، تحول محتواه إلى حروف مرقونة على صفحة رقمية ناصعة البياض، تحت موسيقى تركية ذابحة.. لم يبق منها سوى  تلك الورقة، التي تركها لأخيه قرب سريره، قبل أن يفجر هذا الموضوع. هي آخر ما يمكن أن يدون  في هذه القصة، التي لم تعد تعني لصاحبها أي شيء.. فقد صار  كبقية الرجال، يحب التلصص على مفاتن النساء، لأنها الشيء الوحيد الذي يستحق أن يعشق، بل إن عيونه تكاد تلامس ثنية اللباس الداخلي لأية امرأة تعبر أمام المحل.

يتذكر، الآن، تلك المرأة البدوية، التي كانت تجلس في باحة أمام بيت الجد، مع بقية المعزين من الأقارب والجيران، لا يتذكر المناسبة بالضبط. كان على مشارف المراهقة، كان عزاءً… كانت المرأة تمد ساقًا، وتشد بيدها ركبتها المثنية، فارتفع ثوبها بما يكفي ليبرز سروالها، وكان به مزق صغير، جعل بياض فخذها يقفز من ذلك الثقب الموجود في منتصف الشهوة. كان بياضه مدوخًا بشكل لا يحتمل، فتوجع قلبه الصغير، الذي لم يتعلم بعد البكاء، وصهلت الرغبة الآثمة في عروقه…

***

يكفي أنه كتب آخر سطورها في البيت، ولمحته زوجته، وهي تبحث عن ثوب، فقالت تطمئنه: “إنني لن أقرأ ما تكتب. أنت تريد أن تتذكر الماضي”، وأقفلت باب الغرفة.  بدت غير مبالية، بعد أن عرفت ليلة البارحة أنه يكتب عن تجربة عاطفية قديمة، وسألته عمن يكتب بالضبط..

–       عن الخريبكية.

–      وهل كنتما تخرجان معًا؟

–      نعم..

–      وماذا كنتما تفعلان؟..

ابتسم، اقترب منها، وطوقها بذراعه…

–      قلبي يخفق بقوة، هل تسمع؟

–      عادي جدًا، لأنك حامل.

لم يطمئن قلبها إلا بعد أن قرأت صفحة، كان يحتفظ بها في حاسوبه، عن أعراض الحمل في الشهر الثاني. لكنها عادت تسأله في ريبة طفولية : “أنت من كتب تلك الصفحات… أليس كذلك؟”، وابتسم رغمًا عنه…

ليلا، لعن هذه الرواية. كانت تهذي باسمه، وهي نائمة، ثم أوشكت أن تبكي، فأيقظها.. تكرر المشهد ثلاث مرات. في المرة الأخيرة، سألته بعد أن أيقظها: “أين تذهب؟”. فهم من كلماتها أنها تطارده في حلمها، وهو يبتعد.. أقسم لها أنه لم يبرح الفراش. كادت تجن، ويدها الممدودة فوقه تبحث عنه. ثم صارت تعترف له بحبها، فهمس في أذنها، وهي نائمة: “أنا أيضًا أحبك”. لعن سعاد، وزوجته تهذي : “سعاد، ابتعدي عن زوجي.. اقتلها يا هشام.. خذ الولد، وطلقني…”.

كان يخشى أن تصاب زوجته بمرض نفسي بسبب رواية بائسة، فحتى صديقه الناقد- والذي كتب عن معظم إصداراته- اعتقد أن سعادًا مجرد شخصية من ورق، وتفاديًا لغضب الزوجة طلب منه أن يكذب عليها، ويدّعي أنه يكتب يوميات صديق ما، أو أن الأحداث محض خيال.

***

تريدون معرفة ماذا كتبت لأخي، تريدون بالضبط معرفة الكلمات البكر، التي كانت جسرًا  لفتح موضوع كان يشبه “الطابو” في بيتنا. إنها تبدو مضحكة…. الآن. لكن، يحق لي أن أحتفظ بشيء واحد، أكتمه… رغم أن هناك أشياء كثيرة سقطت سهوًا من هذه الأجندة، لأنني لم أؤرخها، مثل ذلك اليوم الذي بكت فيه سعاد على صدري، (وهذا المشهد كتبته في قصتي: “بيت لا تفتح نوافذه…”)، وهناك أحداث تم إلغاؤها، لأنها لن تضيف أي شيء إلى البناء الدرامي للنص، وتدوينها قد يوقعني في كمين الثرثرة السردية. ألا يكفي أنني تخليت عن تقنية الميتا رواية، التي كانت تحاول أن تفرض نفسها علي، كتقنية فنية سبق أن استخدمتها، من قبل، في روايتي: “قيلولة أحد خريفي”؟

ما يشبه النهاية

قبل يومين، ارتجف قلبك، حين اتصلت بك موظفة الشركة العقارية، وهي تطلب منك أن تحضر شهادة عدم الملكية من “دار الضريبة”. لعنتها في سرك، بعد المكالمة. عند فتح الخط سألتك لتتأكد من اسمك الشخصي والعائلي، أجبتها بالإيجاب، وكنت تنتظر مكالمة تنتشلك من هذه الرتابة القاتلة التي غلفت أيامك، فاختصرت كينونتك في بائع تافه مع زبائن أكثر تفاهة.. رغم وصول رسالة قصيرة من السودان يؤكد فيها أمين عام جائزة الطيب صالح أنه لا يمكنك المشاركة إلا بعد مرور دورتين، وهو شرط معروف في كل الجوائز، لكنه غير مدوّن في موقع الجائزة، ولا بين الشروط التي تم إرسالها إليك قبل بدء الدورة الثالثة، للإعلان عنها ونشر الخبر في الصحف والمواقع الإلكترونية، فأوهمت نفسك أنه يمكنك أن تشارك فيها…

طلبت من أبيك أن يحضر لك تلك الورقة، ثم رميتها بين دفاتر قروض الزبائن، غير عابئ بملأ البيانات. بدوت محطمًا، وخيل إليك أنك تقف على شفير هاوية، وأيادٍ كثيرة تمتد إليك محاولة جذبك إلى القاع الكريه، وأنت تحاول أن تتشبث ببعض الأمل. لم تكن تلك الهاوية سوى إكراهات الحياة، أقساط الشقة، فشلك الذريع في جائزتين أدبيتين، وكنت تمني النفس بأيام استجمام خارج المغرب، لكي تستعيد كينونتك الأدبية، التي أهدرت بين المسامير، والإسمنت والمطارق…

أف، يا لهذا السرد المتجهم!

أهذه نهاية تليق بنص روائي؟ ألا يكفي أن “البصبوص” اختفى منذ السطور الأولى لهذه النوفيللا، وقد يعاتبني أحد القراء على أنني تعمدت إقصاءه، لكنه انتقل للعمل في مولاي عبد الله؟…

***

ما سيضاعف كآبتك، بل ويحبطك أنك اكتشفت أن المصرف عاقبك أنت، بدل صاحب الشيك.. أحسست بالإهانة، لأن البنك اقتطع  حوالي ثلاثة دولارات من رصيدك البنكي، لأن الشيك بلا رصيد. اتصلت بذلك البائس، فاكتشفت أن هاتفه الجوال مازال مغلقًا، وكانت الساعة تشير إلى حوالي العاشرة ونصف صباحًا،  خمنت أنه قد أغلقه بعد أن اتصل به مصرفه، كما يفعلون مع “مبارك” عند رجوع أي شيك..

كنت مغفلا.

***

بعد ساعة، رن هاتفه، أبلغته بأنني دفعت الشيك، لم ينزعج، كان صوته ناعسًا، قلت له: “سأدفع الشيك للمحامي”. لم يعترض.. وأقفلتُ الخط.

بعد انتهائي من كتابة الرواية، فكرت في مصاريف المحامي وقيمة الشيك التافهة.. فكرت في تجار يخاطرون في معاملاتهم التجارية مع كبريات الشركات، حيث يقترضون سلعًا بمبالغ طائلة، ويقضون بضعة شهور خلف القضبان، بعدها يستمتعون بثرواتهم.. يستقلون أحدث طراز من السيارات الفارهة، ويسكنون الفيللات. أما ذلك الـ…، فرغم كونه أب لثلاثة أطفال، وعمره لم يتجاوز منتصف العقد الأول، مازال يغط في النوم، وطالما حدثك “مبارك” عن هوايته الغريبة، حيث يتعمد أن يمر من أمام  أصدقائه المرابطين بأحد المقاهي، صحبة فتاة، تجلس إلى جانبه في سيارة مستأجرة، ومن نوافذها المفتوحة تنبعث موسيقى شعبية صاخبة.

***

بعد تناوله وجبة فطوره منفردًا، أبلغني “مبارك” أن عبد الله “اللحية” عائد.. سيعمل في البيت المقابل لنا، سيقضي حوالي أسبوعين أو ثلاثة. كانت تمطر.. أحسست بارتياح عميق، وضعت لوح المفاتيح جانبًا، وأطفأت الجهاز، ورحت أتمطط أمام المحل. وقلت لنفسي متشائلا : غدا يوم آخر!

الجديدة، 22 يناير 2013م

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق