قراءات ودراسات

الهندسة الوراثية في رواية “الإسكندرية 2050” لصبحي فحماوي.

د. عزوز اسماعيل سالم*

تتأرجح الحالة بين الوعي بمصير هذا الكون وبين اللاوعي من وجود حالة فيها نوع من الرضا الكوني، وهنا يبدو الأمر غريباً بين ما يتمناه وبين الموجود والحادث، ويبدو هنا أيضاً خواطر المهندس مشهور شاهر الشهري شخصية الرواية الرئيس، في هذا العمل، وهو على مشارف الموت تذكره دائماً بالربط بين الماضي والحاضر أو الحنين إلى ذلك الماضي البعيد وربط ذلك الماضي بالحاضر أو الأمل في ذلك المستقبل وتظهر كذلك تحيره وتشتته، وهذا مقصود من الكاتب بين منطقة الوعي واللاوعي، فهو يراوغ بين المنطقتين في جل أركان العمل، وأيضاً يرينا واقع الإسكندرية عام 1966 والمستقبل في العام 2050، وهو يميِّـز دائماً بين الفترتين، ونراه عن المستقبل يتناول الحديث عن الطائرة الهيدروجينية ويربطها بتراثه الماضي العريق مع ألف ليلة وليلة، وكأنه أراد أن يقول مهما تتطورنا لا بد أن يكون هذا التطور مبنياً على القديم من ليس له ماضٍ ليس له حاضر ولا مستقبل يقول عن هذه الطائرة:
“فكرتها مأخوذة في الأصل من بعض الطيور العملاقة في رواية “ألف ليلة وليلة” فتسألها مازحاً: هل هذه هي إحدى طائرات “ألف ليلة وليلة المدهشة؟ فتضحك المرأة الكمبيوترية قائلة: مهما طورنا فلن نستطيع تنفيذ خيالات ألف ليلة وليلة الرائعة، هل قرأتها؟”ص33.
ونلحظ عبارة “فتضحك المرأة الكمبيوترية، أي أن في المستقبل يستطيع الإنسان أن يتحدث مع الآلة وتجيبه تلك الآلة، وهنا يبدو الأمر بين الوعي واللاوعي..
وهنا نطرح سؤالاً مهما وهو هل هناك علاقة بين أدب الخيال العلمي أو أدب الغرابة وبين الخرافة؟ فالخرافة قد تكون من أجل بث الرعب بين الناس ولكنها في النهاية فيها تعليم وأخلاق كما فعل لافونتين في خرافاته وقد استفاد مما سبقه في هذا المجال نحو إيسوب اليوناني، وبيدبا الفيلسوف الهندي في “كليلة ودمنة” ل عبد الله بن المقفّع، لكن لافونتين طوَّر الخرافة إلى عمل فني متكامل العناصر، أراد أن يحقق من ورائه غايتين: التثقيف والمتعة الفنية، لأنه رأى كما يقول في مقدمة خرافاته: “أن الخرافة تتكون من جزأين، يمكن أن نسمي إحداهما جسماً والآخر روحاً، فالجسم هو الحكاية، أما الروح فهي المعنى للحكاية، ولكي يشف الجسم عن الروح لا بد من إجادة تصويره تصويراً يثير كل ما للروح من خصائص”.

وهنا نجد فحماوي في “الإسكندرية 2050” يتخطى الزمن في رحلة بدأها بفكرة جديدة عبر ذلك الجهاز المخابراتي، والذي من الممكن أن يصبح حقيقة فيما هو قادم وأن تصبح الطائرة بهذا الشكل، وأن تصبح الإسكندرية في المستقبل كما يراها الكاتب، بحيث إنَّ الكاتب يتناول ذلك من رؤيته للمستقبل وربط الماضي بالحاضر والمستقبل، ولكنه ليس خرافة، فالخرافة ما لا يمكن أن يقبلها العقل إلا إذا كان لها مغزى، وهي “قصة حيوانية يتكلم الحيوان فيها ويمثل مع احتفاظه بحيوانيته، ولها مغزى” كما فعل عبد الله بن المقفع، على لسان بيدبا الفيلسوف الهندي، ولكن تلتقي الخرافة بما صنعه الكاتب هنا بالمغزى أو الهدف فكلا الأمرين لهما هدف نبيل يختص بالتثقيف والتهذيب والتعليم، أي أنَّ هناك هدفاً للاثنين، والكاتب بطبيعة الحال له مشروعه الفكري الذي يدافع به عن آلام الأمة العربية من قهر للنفس وألم الأرض والغربة، وما يتكابده أهل تلك الأمة، فيستخدم الحقيقة أحياناً لكشف سوءات وعورات المجرمين ويستخدم الخيال في أحيان أخرى؛ لأنَّ الخيال عند المبدع وعالمه “وسيلة لإحداث التغيير الروحي والحب شرط له. فالحب هو جوهر القيمة الروحية، وتجب العناية بالتمييز بينه وبين طلب شيء أو “إرادة” شيء كما تجب العناية بالتمييز بينه وبين التوهم أو أحلام اليقظة، وأساس التميز أن هذه جميعها – الطلب والإرادة والتوهم- أفعال واحدة أو ناظرة إلى الذات.. وخيال المبدع ليس فعلاً واحداً بل متبادلاً إعطاءً وتلقياً، وهو يحتاج إلى توتر يصل بين المعطي والمتلقي والفن أحد أشكال ذلك التوتر”.
ونلحظ على فحماوي أن الخيال وصل به إلى التجوال في مستقبل علم الوراثة، وهو مهندس حدائق درس علوم الوراثة.. ليربط الغرابة بهذا الخيال، فكيف يمكن أن تدمج رأس أسد مع عقل إنسان مفكر، خاصة في علم الوراثة، هنا نجد الكاتب يتماشى مع ذلك الخيال الجامح وأيضاً مع فكرة الغرابة مستنداً إلى ما وصل إليه العلم حتى الآن في علم الوراثة ونظريات الاستنساخ ويستند كذلك إلى فكرة الفراعنة في تمثال أبي الهول جسم أسد ورأس إنسان، وهو ما يذكرنا برواية “تحت المظلة” للقاص المصري إبراهيم عبد المجيد ففيها من الغرائب والعجائب الشيء المفزع والمقلق بحكم أنَّ الغرابة في القلق والتخوم “نرى الأطفال وهم يتحولون إلى كباش فرعونية صغيرة لها رؤوس الحمل الوديع وأجساد الأسود القوية، يضحكون ويبكون، يمرون من أمامه، ولا يلتفتون إليه، يواصلون سيرهم في الشارع، ثم تختفي المباني التي في أحد الشوارع، ويظهر خلفها ماء أزرق وموج” وهذا خيال غير علمي، ولكن عند صبحي فحماوي نرى اختلاف الرؤية المعتمدة على علوم هندسة الوراثة، يقول في ص92 “عالم الهندسة الوراثية يا أبي، هو نوع من الجنون والعشق، ونوع من خلق الحياة الجديدة، الحياة الإنسانية التي نحلم بها! فقدماء الفراعنة فكروا في الهندسة الوراثية، وتوجوا أفكارهم بتمثال “أبو الهول العظيم” والذي يعبر عن مشروعهم الوراثي، المتمثل في دمج رأس إنسان مفكر في جسد أسد هصور. الذكاء مع القوة. الذكاء مع القوة، قد يكون التمثال شعار الحاكم الذكي القوي، وقد يكون الهدف علمياً بحتاً ليكون الإنسان المستنير بقوة الأسد”. الربط هنا بين الماضي الفرعوني والحاضر المعيش والمستقبل المأمول هو في حد ذاته نهوض بالعقل البشري فهنا يتأرجح الكاتب بين زمنين أو ثلاثة أزمنة ليربطها جميعها بفكرة التقدم أو التحضر، فربما كان الفراعنة على علم بالهندسة الوراثية والدليل تمثال أبي الهول أو أنهم شبهوا الحاكم بالقوة والذكاء؛ قوة الأسد وذكاء الإنسان “وإذا التفتنا إلى الزمن نجد أنه ينتظم طبقاً لبنية ثلاثية هي الماضي والحاضر والمستقبل، وتبدو هذه البنية بديهية، فكل إنسان حي يدرك هذه الحقيقة التي تظهر للوهلة الأولى غاية في البساطة، فالحياة سلسلة متصلة من الأمس واليوم والغد، ولكن ما هو الحاضر”
وهنا نرى سيزا قاسم تحلل ذلك الموقف الإنساني الذي يختمر الأزمنة بداخله وتجيب عن السؤال الأخير بقولها “الحاضر؛ هذا الذي يمر قبل النطق به إلى الماضي” والكاتب يعود بنا إلى الماضي ليثبت حقيقة الحاضر المندثرة في ذلك الخيال المستقبلي لعلم الهندسة الوراثية تقول سيزا قاسم في الصفحة نفسها: ” وأين هو هذا الماضي؟ هل له وجود أم اندثر؟ هل تحفظه الذاكرة أم تلعب به؟ ثم هذا المستقبل الذي نتصوره امتداداً لسهم الزمن، هل له وجود قبل أن يصبح حاضراً يفلت إلى أيدينا إلى الماضي؟
خبرة الزمن من أصعب الخبرات التي نتعامل معها، ويمثل لغزاً من ألغاز الحياة، فإذا كان المكان لا يمثل إشكالية فلسفية بالنسبة لمدركه، فالزمن حقيقة ملتبسة للغاية”
وصبحي فحماوي يؤكد على ذلك الزمن بالعودة وقراءته من خلال أيقونة موجودة هي تمثال أبي الهول، لينطلق منها إلى ما رسمه منذ البدء حول التطور والمستقبل الذي يشاكسه من خلال الهندسة الوراثية. ولكن الكاتب يراوغ في الأمر ليتخطى هذه الجزئية ويربط تطور الفكرة بالإنسان والنبات، فهو يريد حياة نباتية لا توجد فيها صراعات من أجل البقاء بل صراع من أجل الحب، أي أنه يذكر ماذا تريد الهندسة الزراعية على لسان المهندس مشهور وما قاله له ابنه برهان حين درس الهندسة الوراثية في الخارج، وهنا الكاتب يبحث تلك الأشياء من أجل المستقبل، فيقول:
“ولكننا لا نريد دمج الإنسان مع الأسد، بل دمج الأسد مع النبات والإنسان مع النبات، وكل حيوان مع نبات فيظهر حيوان نباتي لا تعتمد حياته على غريزة، الصراع من أجل البقاء، بل البقاء من أجل الحب، والتمتع بالكون” يناقش قضية أزلية وهي حب البقاء حيث البقاء للأقوى، والصراعات والقتل والتدمير هي من تفرز الأقوى..ولكن الكاتب يريد تحويل الصراع إلى إنتاج الإنسان الأخضر، والحيوان الأخضر..


إنها رحلة خيال واسعة يسير فيها الكاتب مع تلك الأحداث المختلفة الساعية إلى يقظة العقل وإعمال الفكر، وهذا هو الفارق بين كاتب وكاتب آخر، وما نحن فيه من خيال يريد الوصول به إلى آليات إبداعية عند الإنسان، والتفكير هو الشيء الوحيد الذي يصل من خلاله إلى ذلك وهو العلم وما فيه الآن من قضايا حول الاستنساخ.. ولكن قضية النبات ودمج الإنسان مع النبات لإلغاء الصراعات فهذا شيء قد لا يمكن تحقيقه، لأنَّ الحياة قائمة على الصراعات وستظل في تلك الصراعات من أجل البقاء.
ولكن فحماوي هنا يحلم بتلك الحيوانات الخضراء والإنسان الأخضر، لاستبدال الصراع بالمحبة بين الناس غير التقليديين وغير الآدميين الحقيقيين بقية حياته، حيث يرى في منامه الناس جميعاً وقد أصبحوا كما أراد بلونهم الأخضر وتآلفهم معاً بعيداً عن صراعات البني آدميين… “الناس الذين يسعون في الأرض لونهم أخضر وبعوضة وذبابة خضراوتان تلاعبان نحلة وفراشة خضراوين بسعادة بالغة وهن طائرات بين شجرة وارفة الظلال وعلى أحد أغصانها يأتلف نسر وحمامة خضراوان وتحت الشجر خراف وماعز خضر تتعانق مع أسود ونمور لونها أخضر بمحبة واسترخاء، تنظر في المرآة، فترتعب إذ تشاهد لونك أخضر مثلهم! وعندما سافرت سألت عن أبناء آدم التقليديين قالوا لك: إنهم قد انقرضوا ودالت دولتهم، بعد أن فسدوا وأفسدوا الأرض بفرديتهم وجشعهم وبوحشتهم في القتل والتدمير”ص137.
ولم تكن أفكار برهان مشهور قد توقفت عند الاستنساخ وقضايا الإنسان الأخضر ومحاولة إلغاء الصراعات التي يدعو إليها بفضل علم الوراثة، ولكن تخطى الأمر ذلك ويأتي على لسان برهان أن تلك العنصرية قد انتهت وأصبحت الدول العربية تمتلك كلمتها، وهو نوع من الأمل، مما نعانيه الآن من تشرذم وتفرقة، وإذا سألت أحداً عن هذا الأمر سينطق فوراً ويقول إنه غريب جداً أن يحدث ذلك. وكيف أن هذا العالم العربي الذي نحيا فيه أصبح متقبلاً لتلك الفكرة الداعية إلى الاعتراف بأن الجميع متساوون يتحدث عن المسلمين وقدامى اليهود..يقصد من جاءوا من اليمن، وليس من جاءوا من أوروبا … يقول برهان بتفاؤل: “ها قد انتهى عصر التميز العنصري في عكا وحيفا ويافا بعد تنفيذ حق العودة المطلق للفلسطينيين، وانتهت معاداة السامية بالاعتراف بأن العرب المسلمين والمسيحيين، وقدامى اليهود (يمنيو الأصل) هم ساميون ومتساوون في الحقوق والواجبات دون تمييز عرقي أو ديني، وتم قبول ولايتنا على أنها جزءٌ لا يتجزأ من اتحاد الولايات العربية”ص94.
وهذا الذي يبثه الكاتب على لسان مشهور هو رؤيا مستقبلية وتحتاج أيضاً إلى تحرر العقل البشري.. من هنا فإن تحرر العقل مرتهن بالتحرر السياسي والاقتصادي، وبالتخلص من أي قوى يمكن أن تساعد على استعباد واستغلال الإنسان للإنسان ..
وهذا التحليل لا ينسينا أن ضلال العقل هو ظاهرة وجودية، أعني إنها تكمن في نسيج الوجود الإنساني من حيث هو كذلك، وهي شأنها شأن جميع الظواهر الوجودية السلبية مثل الغثيان، الاغتراب، القلق، العبث، الشعور بالعزلة”. ونراه في ص147. وطبقاً لما انتواه من الخوض في عالم غرائبي مستقبلي يبرهن على العلاقة بين الإنسان الآدمي الخاضع للآدمية، وبين ما يسعى إلى إيجاده من وجود إنسان أخضر وحيوان أخضر وحياة كلها خضراء لتشمل كل ما في الطبيعة من كائنات حية، حتى يسود الحب والأمن والأمان، وتبتعد هذه الحياة عن الصراعات بين الإنسان وأخيه الإنسان.. وهنا نجد الصراع بين الآدمي القديم المتمثل في الأب مشهور، وبين الجديد الأخضر والمتمثل في الحفيد كنعان، ولكن في الوقت نفسه نرى الحيوانات الخضراء ممثلة في الخروف الذي يعيش بأمان وسلام مع الأسد وكأنهما في رحلة جميلة، ويا لها من غرابة!”.
الكاتب لديه هدفٌ منذ البدء وحتى المنتهى، يبحث عن آليات لإكمال هذا الهدف وكان منها أن يأتي لنا بالرجل الأخضر والحيوان الأخضر المخالف لما هو عليه في الأساس لتتغير ثقافته وأيديولوجيته، فيتحول الجميع ليعيشوا حياة سعيدة.

القاهرة- مصر.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق