ثقافة المجتمع

عش عاشق الإنسان.. يعشق بك الرحمن..

محمد شاهد بن عبد الحميد*
 

من يدري…!! لعل الفايروس الذي يختنق العالم بأسره تحت قبضته جندي أرسله الله تعالى إلى البشرية كلها.. ليسلط الضوء على أهمية دوام العشق النقي بالقلوب.. وليسيطر على ما يدور بخلد الإنسان من حسد وحقد وما إلى ذلك من وساوس الشيطان الرجيم..

أما العشق يا أخي.. فهي ظاهرة ظهرت منذ الأزل.. ولا تزال قائمة بكل ما تبقى له رطوبة حياة على ظهر الأرض.. وبالنسبة للبشر هي كحاسة سادسة تُليّن القلوب وتصقّلها.. أو كمعين عاطفي لا يشرب من كأسه أحد إلا ذابت بها كل آلامه..وما أحوج الإنسان في هذه الآونة الأخيرة إلى كأس من كؤوسها.. ليرتوي منه ارتواء ينعش جسده ويبرّد قلبه.. بعد أن رأى ما رأى من انقلاب الأمور على عقبيها… وبعد أن فات ما فات له من النفائس في ظلّ تفشي جائحة كورونا..

ومن مميزات العشق وأخواته من الحب والود وغيرها.. أنها أحياناً تعلو مكانتها وتعظم قيمتها.. حتى تحتل المرتبة التي تفوق مرتبة العبادة المفروضة.. بل ركنا من أركان الإسلام الخمسة.. ها هو البسطامي قطب المتصوفين والعاشق بالله.. يغادر داره إلى مكة المكرمة مريدا الحج والطواف ببيت الله العتيق..وما إن نزل في بعض المتاحات.. إذ يفاجئ برجل يستقبله ويسأل عن مقصد سفره.. فيبسط له البسطامي كل إرادته أداء الحج خامس أركان الإسلام.. فيتفقد الرجل عما يتبقى عنده من درهم يحتاج إليه طيلة سيره.. فيجيبه البسطامي بأن لديه مئتي درهم لا بد منها حتى يتفرغ من أعمال الحج من دون حرج.. فإذا به الرجل بدأ يطلبها منه ليمكّن بها لقمة عيشه وعيش عياله.. كما استعرض عليه فرصة الطواف سبع مرات حول قامته عوضا عن الدراهم.. فسرعان ما يأخذ البسطامي مئتي درهم من جيبه ويناولها للرجل بلا أي تردد.. ويقوم بالطواف حوله مكتفيا به عن الطواف حول الكعبة قبلة الأمة.. ثم لم يتريث قط حتى يعود إلى بلده مطمئن البال..

وما من شك في أن فيما ذكرناه آنفا من أخلاق البسطامي الكريمة العالية ما يعبّر عن غاية همه بحقوق الإنسان.. وما أعظم استأثاره بإدخال السرور على قلب رجل غريب..!! بدلاً من الذهاب إلى الحج المقصود به وجه الله ذي الجلال.. ولكن ليس من الغرابة يا أخي.. أن يُقبل رجل مثل البسطامي المنغمس في عشق الله على خصال محمودة كهذه.. حيث معرفته الجذرية توعيه دائماً بأن لا يتم الحصول على وجه الله ما لا يهتم العبد بمشاكل خلق الله..إضافة إلى ما أشار إليه عبد الله بن المبارك قائلا بأن لقمة في بطن جائع أرجح في ميزاني من عمارة مسجد.. ونِعْمَ هي الأوصاف التي ضمّها ذو النون المصري إلى محب الله الساكن وسط المجتمع..بأنه«عون للغريب، أب لليتيم، بعل للأرملة، حفي بأهل المسكنة، ومرجو لكل كربة»… فكل ما يختصر بالوصف عن المتلبس بعشق الله بأنه يكون في معاملته اليومية مع الناس هشّاشا بشّاشا..ويعمّ بخدمته الجميع بغضّ النظر عن أديانهم ومعتقداتهم..ويشمل بمعروفه من يستحقه ومن لا يستحقه..

وبعد تعرّفك على العلاقات الثنائية بين العشق البشري والعشق الإلهي بما فيها الكفاية يا أخي..فمن واجبك المبادرة إلى التحلي بملابس العشق قبل فوات الأوان..حتى يطبع على قلبك اللطيف معنى حقيقة العشق والعرفان.. فهذا هو الوقت المناسب لتشعر بلذّتها البالغة يا ترى.. فهناك الآلاف من الأرواح التي عصفت بها عاصفة الفيروس المستجد ٢٠١٩،والتي أسفرت عنها فقدان سعادتهم القلبية والمادية..وكم كانت هي البشاشة التي ستظهر على وجوه الملايين..!؟ والذين أخذوا أهبة وعدوا عُدّة لإتمام مناسك الحج في هذه الأيام.. لولا ظروف الفايروس حالت بينهم وبين مراميهم.. وبالرغم من أننا غير قادرين على إعادة فرحة جميعهم برمّتها.. ولكن بإمكانك الآن يا أخي إرسال نور المحبة والمودة إلى قلوبهم.. لتحرّق ما فيها من الأوجاع والأحزان.. ولتترنم في قعر قلبك رنّة الحنان.. ولتحلّق بسماء العشق حلقة الفرحان.. وهكذا سِرْ بقلبك دائماً على طريق المحبة لأنها روح الكون.. ولتأخذ بصميم فؤادك درر كلمات تساقطت من لسان الرومي ذي العرفان:«أن الروح التي ليس شعارها المحبة من الخير ألا توجد، ووداعا إلى أن يكون ثملّا بالعشق لأن الوجود كله عشق.»

*كاتب من الهند

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

3 آراء على “عش عاشق الإنسان.. يعشق بك الرحمن..”

  1. ما شاء الله
    أخونا الفاضل محمد شاهد بن عبد الحميد قد نزهتنا بالتعليق عن العشق…. فطوبى للعاشقين

  2. ها أنا في قمة الفرح والسرور. اللهم اذقنا كوبا من العشق. تعليق بالخالق والمخلوقات. رائع جدا أخي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق