قراءات ودراسات

رسالة الفنّ: الحُريّة والمسؤوليَّة!

بقلم: أ.د/عبدالله بن أحمد الفَـيْـفي

-1- قُل: هاتوا فنّانًا عربيًّا نهضَ برسالة الفنّ على وجهها، كما يفعل الفنّان في شعوب أخرى؟ قُل: هاتو فنّانًا عربيًّا كان له صوتٌ إنسانيٌّ كما كان لـ(مايكل هارت)، مثلًا، في أغنيته حول هولوكوست (غزّة)، منذ حين؟ لا أحد!  أقصى ما يفعله أحدهم أن يُلغي حفلاته حتى تهدأ العاصفة؛ لأن الجوّ غير مناسب، والجماهير غير مهيَّئين لأحاديث الهوى والغزل.  نعم هناك بعض استثناءات نادرة في استعمال الموهبة في نشر بعض القيم الإنسانيَّة والجماليَّة العُليا، أو حتَّى الدِّينيَّة، بما يجمع الجماليّ والخيريّ والحقوقي في بوتقةٍ واحدة. لعلّ من تلك الاستثناءات، عربيًّا، الفنّان (طلال مدّاح)، وبخاصَّة في ابتهالاته، التي ظلّ يتجاهلها الإعلام، أو القصائد التراثيَّة التي غنّاها.(1)  ومنها عالميًّا: الفنان (سامي يوسف)، الشاب الأذربيجاني البريطاني المسلم(2)، الذي اختطّ تجربةً فريدةً في توظيف الفنّ لبثّ القيمة، دون انحدارٍ بالهويَّة الفنّيَّة.  وهو متعدِّد المواهب، مع الغناء، في العزف على غير آلة موسيقيّة.  هل رأيتم قبله من يختم حفلته الموسيقيَّة العالميَّة بترديد: «لا إله إلا الله»، هو وجمهوره، من كلّ الفئات والاتجاهات؟(3)

لقد عُزِلَتْ لدينا روحانيَّة الفنّ عن روحانيَّة الدِّين.  حدث ذلك من كلا الطرفَين في القضيَّة؛ فالفنّان يرى أن كوكبه يتنافَى مع كوكب الدِّين، والدِّين- أو بالأصح بعض ممثِّليه- ظلّ يُحرِّم الفنّ.  وهذا أمرٌ عجيب، وهو بضدّ تاريخ الفنون والأديان، بل بخلاف سُنن الأنبياء؛ منذ (داوود) إلى (محمّد)، عليهما السلام.

ولكن ما الذي يجعل الفنّان العربي بصفة خاصَّة يتجافَى عن سوى اللهو واللعب؟!

ذلك أن معظم الفنّانين العرب غير مثقفين أصلًا.  وهم لذلك لا يستشعرون مسؤوليَّاتهم الأخلاقيَّة ورسالتهم التأثيريَّة والتوعويَّة.  الفنّ لدينا محض موهبةٍ فطريَّةٍ وتمرُّدٍ اجتماعيّ.  هذا من جانب، ومن جانبٍ آخر لأن الثقافة نفسها يغلب عليها لدينا أن تعزل هؤلاء قيميًّا، وتنبذهم اجتماعيًّا، وترسِّخ صورة الفنَّان البوهيمي، لدى الفنَّان ولدى الناس، وعلى أنه خارجٌ عن سياقه الاجتماعي والثقافي.  فينشأ وهو يشعر أنه منبوذ إلى عالَم آخَر، لا علاقة له بقضايا الأُمّة الحيويَّة، وليس طرفًا فيها، ولا يَمُتّ إلى الجادّ من شؤون الحياة بصِلة، وإنما وظيفته التسلية والعزف على أوتار العاطفيّات الفرديَّة، من حُبٍّ ووصلٍ وهجرٍ وغيرةٍ وما شابه، مع استقطابه عند الحاجّة إلى بعض الأعمال الدعائيّة، لحاكم أو سياسة، والسلام عليكم!  هذا هو الفنّان في العالم العربي.

-2-

أمّا الإطار العامّ الذي يشمل الجميع اليوم في عزل الجمالي عن القيمي، فيتمثَّل في تلك النغمة الجديدة النشاز، التي باتت تحذِّر من الإسراف في العواطف، حينما تتَّجه اتجاهًا عامًّا يتعلّق بهموم الإنسان أو بالشأن العربي أو الإسلامي؛ بحُجّة أن تلك محض شعارات فارغة لا ينبغي أن تُرفع.  لا يُقال ذلك غيرة على حقٍّ من باطل، ولا على جدٍّ من هزل، ولا على رومانسيَّة الفنون من تجييشها والتزامها ببعض المبادئ، ولكن لأن ذلك التوجّه سيُؤذي نفوسًا متخشِّبة، وسيُقلق عروشًا خاوية، وسيُحرِّك مياهًا أسنة، تحريكها قد لا تُحمد عقباه.  وهي نغمة تتّهم الشِّعر، بدوره، وغير الشِّعر من الفنون، حين سعيها إلى إيقاظ ضمير، أو تذكيرٍ بأصل، أو اعتدادٍ بمكتسب، أو تحذيرٍ من منزلق، بأنه محض خطابٍ عاطفيٍّ، أو وعظيٍّ، وغير واقعيّ. وكأن العاطفة الإنسانيَّة الصادقة قد باتت سُبَّة، والضمير الحيّ قد بات عيبًا، وكأن الإديولوجيا معيبة كذلك في كلّ صورها، وكأن الواقعيَّة، كما وصفتها في مقال قديم، هي واقعيّة النعامة حين تدسّ رأسها في الرمال، وتُنكر الواقع من حولها، وليست واقعيَّة المواجهة والصدق في المكاشفة.  وما رَقَت الأُمم إلّا بعواطف جيّاشة تحفزها إلى العُلَى، فلا تَدَع في نفوسها شعورَ وهنٍ أو إخلادٍ إلى الأرض، وما تَغَلَّبَ شعبٌ على معوِّقاته وأعدائه إلّا بتلك العواطف الفيّاضة الفعّالة، التي تُغَيِّر النفوس، فتُحيل الإنسان إلى ماردٍ عظيم.  شريطةَ أن تُرسم لتلك العواطف السُّبل الراشدة والمناهج الصحيحة لتُؤتي ثمارها، فلا تبقى غِناءً فارغًا، ولا تستحيل وبالًا على صاحبها وأهله.  وكذا الإديولوجيا.  ومن كان بغير إديولوجيا، فليقذف أصحاب الإديولوجيّات بالحجارة!  إذ لا أحد مطلقًا بلا إديولوجيا، كائنةً ما كانت.  ولا يُطنطن ضدّ إديولوجيا إلاّ مؤدلج بإديولوجيا نقيضة.  وإنما الاختلاف كامن في طبقات الصوت، وفي طرائق التأتِّي التعبيري عن المواقف والأفكار. والمأخذ الأخلاقي على الإديولوجيا أن تكون كاذبة، منافقة، إقصائيَّة، ظالمة، ولا عقلانيَّة.  كما أن المأخذ على النصّ أن يكون محض مطيَّةٍ إديولوجيَّة، يرفع شعاراتها قبل شِعريَّته، فيسقط عندئذ تحت سنابك الركض مضرَّجًا بالكلمات الميِّتة.  ذلك أن للنصّ روحه، فإنْ كانت قد حلَّت روح الإديولوجيا في النصّ حلولًا طبيعيًّا، كان النصّ نصًّا سويًّا، وإلّا قتلته محاولةُ الإحلال القسري أو المدَّعَى، فلا النصّ كان هاهنا ولا الإديولوجيا.

-3-

ولقد جعل الإسلام من شروط التكليف: الحُريَّة، مع البلوغ، والعقل.  وشرْط الحُريَّة كثيرًا ما يلتبس في الأذهان بمعنى العِتق من العبوديَّة، أي أن لا يكون المرء مملوكًا.  وليست الحُريَّة ذاك فحسب، بل هي كذلك حُريَّة الاختيار بالمعنى المطلق.  والواقع أن الإسلام، جوهريًّا، يُعَدّ نظامَ حياةٍ وفِكر، وليس دِيْنًا بالمعنى التقليدي للدِّين.  وهذا سِرّ تميُّزه وتأثيره.  إن مبدأ «الحُريَّة» في شروط التكليف يقتضي أن مَن ليس حُرًّا في تفكيره، ولا في اختياره، ولا في كلمته، هو في الواقع عبدٌ رقيقٌ للمجتمع، أو للتقاليد، أو للتراث، أو للنُّظم المفروضة، أو لذلك كلّه.  ومَن ليس حُرًّا، فهو غير كفؤ، ولا قادر على النهوض بالتكاليف؛ وعليه التحرُّر، أوّلًا.  وعبوديَّة المسترَقّ فكريًّا واجتماعيًّا أشدّ من عبوديَّة المملوك لفردٍ.  لأن هذا الأخير إنما هو مملوك لإنسان، عليه واجبات وله حقوق، لكنه في ما عدا ذلك قد يكون متمتّعًا من الحُريّات بما لا يتمتَّع به كثير ممَّن يُسمَّون «الأحرار».  آية ذلك أن الجواري في تراثنا العربي كُنَّ يتمتَّعن من حُريّات التعلُّم والإبداع والحياة بما لا تحلم به الحرائر، اللائي هنّ الإماء، باسم الحُريَّة.  لذلك بقي تاريخ الإماء وسُجِّلت آثارهنّ وشِعرهنّ وقصصهنّ وأدبهن ومخاطباتهن وفنونهن، واندثر معظم تاريخ الحرائر وآثارهن.

إن المملوك المستعبَد للمجتمع، والأعراف، والتقاليد، والتراث، والنُّظم المفروضة يرزح مَهينًا تحت نير شبكةٍ معقّدةٍ من القيود على حُريَّته، ومن ثَمَّ فهو في حُكم العبد غير المكلَّف، حتى ينال حُريّته.  وإن القِيَم الأخلاقيَّة، وقُدرات العقل على عقل الإنسان عن الموبقات، هي مَلَكات تتربَّى في الإنسان كمهاراته المختلفة، بدنيَّةً، وذِهنيَّةً، ونفسيَّة.  وما لم تَمُرَّ باختبارات في الحياة منذ الطفولة، فإنها لا تكتسب فعاليّتها الكافية وحصانتها.  ولذلك تنهار فريسةَ فيروساتِ الحياة عند أوَّل تجربة، إلّا أن تكون قد نشأت في مجتمعٍ حُرٍّ، وبيئةٍ منفتحة، يعركانها عرك الرَّحَى بثفالها، حتى تَشِبّ عن الطوق ناضجةً منيعة.  يشهد على هذا أن أبناء البيئات المنغلقة هم أشدّ خلق الله غرقًا في مستنقع الانحراف عن سويَّات الأخلاق والعقلانيَّة بمجرّد خروجهم من أوطانهم.  إن أحدهم هو كالإنسان الذي لم يكتسب مناعة من الأمراض، ولم تنله لِقاحات الحياة ضدّ ما يسمَّى في أدبيّاتنا التقليديّة بـ«الفتنة».  وليس مَن لا يُعاقر محرَّمًا، في مكانٍ لا وجود لذلك المحرَّم فيه أصلًا، على خُلُقٍ يَزَعُهُ عن معاقرته حينما لا يُعاقره؛ من حيث هو لا يفعل ذلك- بالضرورة- عن اقتناع، أو عن ضمير، أو عن تعقّل، بل لأنه غير مُتاحٍ له من الأساس.  وعدم إتاحته، أو تحريمه، أو منعه، يزيده به هَوَسًا، ويُضفي عليه هالةً من الإغراء، المفارِق لحقيقته وواقعه؛ لا لشيءٍ إلَّا بسبب ذلك الحَجب والتحريم والمنع؛ و«كلّ ممنوعٍ مرغوب»، كما ثَقِفت التجربةُ البشريَّةُ عبر مسيرتها هذا الدرس.

وإذا كان هذا هو شأن الحُريَّة في ممارساتنا الثقافيَّة، وأعرافنا الاجتماعيّة، فلا غرابة أن تضيع (رسالة الفنّ)؛ من حيث هي رسالة مشروطة بمعادلة (الحُريّة والمسؤوليَّة) معًا.




*للموضوع احاات

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق