ثقافة السرد

قـــيـلــولـــة أحــــد خــــريـــفــــي (3)

روايـــة متسلسلة للروائي المغربي هشام بن الشاوي:

“يكتبون كتبا جيدة أحيانا. لقد قرأت بعضها، كما قرأت بطبيعة الحال كتبا أخرى سيئة. ولكن لم يحصل أن قام بطل إحدى القصص القصيرة أو الروايات بمواجهة الكاتب، أو واجه ممثل مؤلفا مسرحيا. لقد خدعوني كثيرا عندما قرأت لهم أو شاهدت مسرحياتهم. ولكن الحيلة فيما بعد لم تعد تنطلي علي. يريد أحدهم اليوم أن يفعل بي ما يشاء. سوف أترك له الفرصة. غير أنه سوف يجد نفسه أمام بطل لن يشابه ما كان يفكر فيه. لم أحلم بأن أكون سياسيا أو كاتبا ذات يوم، وبما أن الكاتب يصر على الكتابة عن الناس من أجل المنفعة المادية أو الشهرة، فلماذا لا أشتهر من خلاله؟ أقصد من خلال ما ينوي كتابته. إنه يفكر الآن في كتابة نص قصصي عن شخصيات كثيرة، لكنه سوف يجد معي مشكلة، ذلك أنني لن أصمت، وسوف أتحدث إليه حتى يكف هذه المرة عن الكتابة أو أن يكتب بشكل جيد، حتى يبقى خالدا، وإلا فلنرحل جميعا إلى دار البقاء، إذا كانت ستبقى حقا، أو هي باقية بالفعل. ذلك أمر لا يعلمه إلا الله والكاتب. وطبعا فإن علم الله فوق علم الكاتب مهما علا شأنه أو سفل. سوف أجرب مع الكاتب، وأرى كيف بإمكانه أن يغتصب عوالم كائنات بشرية، جاءت إلى هذا العالم بغير إرادتها مثلما جاء هو نفسه. أعرف أن الكتاب يثرثرون كثيرا، ولكنهم لا يفكرون بشكل جيد في حقيقة وجودهم في هذا العالم الغريب. على الأقل فهو غريب بالنسبة لي، لأنني لم أهضم أي شيء فيه. ويبدو لي أني في رحلة قصيرة. دون جدال، كلنا في رحلة قصيرة. وحسب ما نعرف فقد مر من هنا الكتاب والملوك والقواد والقوادون وباقي أصناف البشر، وحتى الذي يقرأ هذه القصة سوف يمر من هنا، من هذا العالم الغريب، لكن لماذا لا نقرأ شيئا قليلا عن حياة كما يتصوره الكاتب”(1).

على عجل، تناول إحدى قصاصات مسودته الروائية، دوّن ملاحظة، خطّ تحتها – بقلم أحمر- أكثر من سطر.. وبحركة متوترة. وضع القصاصة عند الصفحة، التي توقف عند قراءتها. طوى برفق الكتاب، وبحنو قرأ : ” محمد زفزاف.. أفواه واسعة..”، وقال لنفسه : “لا بد أن أعيد قراءة هذه الرواية”.
رن هاتفه الجوال منذرًا بوصول رسالة قصيرة، تطلب منه فيها لبنى، صديقته وقارئته الأولى دخول المسنجر. رد عليها برسالة إلكترونية : “عزيزتي.. لقد حذفت برنامج “المسنجر” من الحاسوب، لا رغبة لي في الدردشة مع أي أحد.. حاليًا، أنا مشغول بكتابة الرواية، وقد أنجزت فصلها الأول، وكلي شوق لمعرفة رأيك..

هذه ملاحظة أحد الأصدقاء، وهو قاص وناقد (2) : (… بخصوص الرواية أعجبتني البداية التي اقتحمت حبكات النص منذ البدء وهاجمت القارئ. ويبدو أنك ستشتغل بالمحكيات المتوازية؛ أي سرد حكايتين متزامنتين لكل منهما موضوعها وأسئلتها. لكن في الأخير لابد من رابط، ولست بالضرورة مطالبًا بتوضيح الرابط، دع القارئ يخرج من كسله.

التقنية الثانية هي ما يسمى في النقد الروائي، ولعلك واع بها، بالميتاروائي، الذي حقق تقدمًا كبيرًا في أمريكا في العقد الأخير، وكتب عنه يقطين في كتابة الأخير الصادر عن دار رؤية… وهي طريقة ستتيح لك إقحام رؤيتك للمشهد الثقافي العربي، ولضحالة المكتوب ونمو الفقاعات الأدبية وانتشارها بسرعة النار في الهشيم وتراجع الذائقة الأدبية، ونظرتك إلى مستوى ما يكتب من قص وروايات وشعر…
هذا شيء مهم ونادرًا ما يتحدث عنه الروائيون.

ولدي مقترح: ما دمت بارعًا في استخدام الحاسوب والإنترنيت، حاول أن تدخل مغامرتك في السرد مبينًا مخاطرها، وأثرها على الأدب والإنسان وعملية التواصل التي صارت مفترضة ونسبية أكثر… )”.

وهو ممدد على سريره، ارتسمت على شفتيه ابتسامة باهتة : “يبدو أنك ستقتلني، يا عبد الله بريطل، لأنني قتلتك في روايتي، وأنت مازلت على قيد الحياة”، همهم متذكرًا السيارة التي كادت تدهسه، وهو يغادر الرصيف عابرًا الطريق شارد اللب، مطرق الرأس.. انتشله من شروده صوت أمومي رخيم : “ليلى، توقفي.. عودي إلى هنا”. لمح طفلة في ربيعها الخامس، جميلة المحيا، ممتلئة بالفرح، تركض فوق الرصيف أمامه، تلتفت ناحية أمها، شد خصلة شعرها مداعبًا، وهمس لنفسه : “لماذا البنات يكن أجمل من الأولاد في طفولتهن، وأكثر براءة منهم؟ (تنهد، وواصل حديثه لنفسه، والدمع يكاد يطفر من عينيه) بماذا سيحس والدا ليلى، إخوتها وأقاربها حين يعثرون – مصادفة- على تلك الفيديوهات الفاضحة لابنتهم، التي صارت تحت التراب؟ لماذا نشقى بشهوات هذا الجسد، ونتعذب به في الدنيا والآخرة؟ من سيصدق أن هذا الجسد النابض بالأشواق ستلتهمه الديدان؟
أليس من سخرية الأقدار أن تواصل حياتها في دقائق المتعة، ويشاهدها آلاف المحرومين، وفي نفس الوقت قد يتواجد بعض المتشردين فوق قبرها.. يشربون الخمر، وربما.. يمارسون الرذيلة فوقه؟”.

استوى واقفًا، ذرع الحجرة جيئة وذهابًا، فكر بصوت مرتفع : “لم لا أوظف ثيمة السياحة الجنسية بالمغرب، وتلك النظرة النمطية للمرأة المغربية؟
صحيح أنني رفضت اقتراح لبنى في البدء، بدعوى أنني أخطط لكتابة عمل راق. الرواية تحتاج – حتمًا- إلى الكثير من الحكايا المتشعبة، ولا أعرف إلى أين ستقودني هذه الخيوط السردية المتفرقة. لا أنكر بأنني دوّنت في أوراق المسودة الأولية للرواية أنها ستتمحور حول جريمة قتل بشعة، سيكون ضحيتها عبد الله. جريمة كتلك التي نقرأ عنها في الصحف، والتي غالبًا ما تكون انتقامًا فظيعًا من الهالك.. ببتر عضوه التناسلي، (بصق بلا لعاب : تفو!.(. هذا قد يجعل السرد مقززًا للغاية، وسيعتقد القارئ بأن السارد مهووس بالجنس، مع أنني كنت أفكر في إقصاء المرأة من المتن الحكائي نهائيًا. لكن هيهات !!.. هل يمكن أن يبني أي كاتب معمار روايته من دون قصة حب تضفي بعض الشجن عليها؟
إن عبد الله لا يستحق منا – أيها الأصدقاء- هذه الميتة البشعة. المهم أن ننجز المشهد الأول.. مشهد قيلولة يوم الأحد، وقد بدأت ملامحه تتضح بعض الشيء.

ومثلما اعتاد أن ينفذ أية فكرة بمجرد أن تخطر بباله، فيسارع بتنفيذها، ألفى نفسه يضبط منبه هاتفه الخلوي على الساعة الخامسة وربع صباحًا، ووضع شريط كاسيت لموسيقى تركية صامتة، عله يجعل الساعات الثلاث المتبقية بلا أرق. تمدد على فراشه، وقد غرقت الغرفة في العتمة.

————–
1 : مفتتح رواية “أفواه واسعة” للكاتب المغربي الراحل محمد زفزاف.
2 : كل الشكر للصديق المبدع إبراهيم الحجري، الذي تحمل عناء قراءة فصول هذه الرواية تباعًا.

أيها الراوي الدكتاتور … ضع نقطة نهاية لهذا المونولوغ الكئيب كهذا المكان

تبّا لهذا الكاتب البائس، ولكل الكتّاب، الذين يتوهمون أنهم أنصاف آلهة، يطوحون بشخوص رواياتهم – بلا شفقة- من مكان إلى آخر بدون أي سبب مقنع.

بالتأكيد، ستحس بالارتباك أيها القارئ أمام هذا التلاعب السردي، وقد صرت أمام معتوهَين بدل معتوه واحد. سبق أن تعرفنا من قبل. أدعى نور الدين البارودي، شاب في الخامسة والعشرين.. التقينا في حي النجد، حيث كنت في انتظار “ولد عمي”، أنا مجرد شخصية من ورق، أو حكم عليها أن تكون كذلك. كاتب هذه الرواية حرمني من حقي في الحياة.. في الوجود، ولا أدري لماذا. عبد الله بريطل شخصية حقيقية، شخصية من لحم ودم، وكان بإمكان الكاتب أن يمنحني فرصة سرد محكيات الرواية من وجهة نظري، مادام لا يريدني أن أكون مؤلفًا مفترضًا حتى يرضي غروره الحكائي.

****

القبو معتم دائمًا، ومصباح الدهليز الفاصل بين النزلاء القابعين خلف القضبان ومكتب الشرطي الحارس لا يطفأ، ولأن المبنى متاخم للشاطئ، تتحالف الكوة الصغيرة مع برد الخريف اللاسع مساءً.
شكرًا للمهندس، الذي صمم هذا المحبس!!.

تصلصل المفاتيح داخل القفل، تئن البوابة الحديدية الثقيلة، تطل يدٌ واهبة حليبًا أو أحد مشتقاته، خبزًا أو حلوى وسجائر لأحد النزلاء، وقد يقتسم الأكل مع من هم من مدن أخرى. لا أحد يتحمل حبس يومين من دون طعام. هكذا سمعتهم يبررون كرمهم الغريب. بيد أنني لم أصدق أن يرموننا هكذا، دون حتى كسرة خبز يابس. يتضاعف إحساسي الأبدي باليتم في هذا العالم.

النزلاء يبذرون سأم الساعات الرتيبة بالثرثرة، ما خفف بعض مرارتي أن ابن جيراننا الشرطي عبد الرحمن كان خفيف الظل، لا يكف عن المزاح معهم. ينتابني التعب من رقدتي، أجلس مطوقًا ساقي بذراعي، ثم أتمدد مرة أخرى ملتحفًا بالغطاء القذر. لا بأس، هنا توجد أغطية، لأن الضيافة تطول..

أغرق في صمتي. أسترجع تفاصيل هذا اليوم الملعون. شرطيان يطرقان باب بيتنا، يقبضان علي، دون أن أعرف السبب.. ثم وجدتني في المخفر القريب من السوق، ومن الكوة يتناهى إلى مسامعي صخب الباعة المتجولين، وهدير محركات الدراجات النارية. أتسلى بقراءة ما نقش على الجدران بمسامير أو مفاتيح. تلفت انتباهي عبارة مكتوبة على الباب الخشبي المهترئ :”هل يمكن الخروج بأقل الخسائر؟”. أجدني أفكر في كاتب العبارة؛ من دون شك ليس أحد المجرمين أو المنحرفين، ووجدتني أشيح بوجهي عن براز جاف بإحدى الزوايا.

قبل لحظات، سمعت صراخًا وتوسلًا، انفتح الباب، وبركلة من قدمه، دفع صاحب القميص المشجر مراهقًا في غلظة.. كان دون سن الثامنة عشر، وجهه أرخبيل ندوب. بعد ربع ساعة، دق الفتى على الأبواب بقوة طالبًا الذهاب إلى المرحاض. ألتفت إلى ركن المحبس، حيث يشكل حائطان واطئان بلا سقف دورة مياه بلا باب أو حتى ستارة، وسعيد يغط في النوم، وخلف البوابة نزيل جديد يخلع جواربه، حزامه الجلدي، نظارته، يخرج من جيبه مفاتيحه وبطاقة هويته ويسلم أشياءه لعبد الرحمن. شعرت بالغثيان والسائل الأصفر ذي الرائحة النفاذة يسيل بين ساقي سعيد، وكنت أسأل أحمد، الذي لا تلوح على ملامحه أو مظهره أنه صاحب سوابق عن سبب القبض عليه، فأجل الرد علي ليعاتب سعيدًا : ” لم تتبول جهة القبلة؟”.

كنا نتقابل في صفين، وأحمد البائع المتجول يكرر حادث القبض عليه بزهو، غب شجاره مع أحد أعوان السلطة المحلية، الذي حاول قلب عربة الخضر بكل محتوياتها. أفكر في مفردات هذا العالم الجديد.. إنهم ينتزعون الجوارب والأحزمة الجلدية حتى لا تستخدم كأداة خنق، وبالمفاتيح قد يفقأ أحدهم عين غريم، أو يقطع شرايينه بالزجاج (زجاج النظارات بعد تكسيرها طبعًا). أشعر بالإهانة حين أتذكر الأصفاد التي كبّلونا بها.. عبقرية تقييد اليدين خلف الظهر، تكمن في إحباط كل محاولة للهرب.
بعد الظهر، نودي علينا، وعلمنا من سعيد أنه سيتم ترحيلنا إلى المخفر المركزي. لم يجدوا أصفادًا، فتم اقتيادنا كالبهائم بعد أن شدوا وثاقنا بحبل واحد. كنت أنظر من خلف النافذة المسيجة لسيارة الأمن الوطني، وأحمد يتحدث مع شرطي عن مقابلة كرة قدم، ستجمع بين فريقين عتيدين مساءً. أحسد الشرطي لأنه سيخلع بذلته ويشاهد المباراة في المقهى أو بيته.. ممارسًا حياته بشكل عادي، دون أدنى إحساس بالذنب ! لم أكن أحب كل الرياضات، لكنني تمنيت أن أشاهد هذه المباراة.. أن أتواجد ببيتنا، أن أحس بأنني حر بين إخوتي.

كنت نائمًا حين سمعت نداء الضابط، ورأيته يستلم كيسًا بلاستيكيًّا من أبي وأخي. نظرت إليهما من خلف القضبان، أطرقت برأسي كسيرًا، وانهمرت دموعي بعد انصرافهما، انتابني الشوق إلى دفء فراشي وحميميته، لعنت في سري شرطي الحراسة الليلية. إنه يذكرني ببعض أساتذتنا، الذين جعلونا نكره موادهم وحصصهم بسبب تجهمهم.. فنقبل على دروس أساتذة آخرين، نكاد لا نفارقهم حتى بعد أن يدق الجرس.. نتجمهر حولهم خارج قاعة الدرس.
في الحي، يبدو عبد الرحمن عابسًا، لا يكلم أحدًا.. ربما، حرصًا على هيبته. هنا، وجدت تلك الألفة المفقودة في حضرته، وأدهشني انغماسه في الحديث مع الشاب الطنجاوي، الذي قبض عليه وفي حوزته مخدرات، وكانت تلك أول مرة يزور فيها الجديدة. كنا مشدودين إلى لهجته الشمالية المميزة، وأحاديثه التي لا تنتهي، وعبد الرحمن يسأله عن تفاصيل عقود العمل من أجل أخيه الكهربائي.

ليل المخفر المركزي يشبه ليل امرئ القيس، والحزن يدفعني إلى التوغل في عزلتي وصمتي. رجاءً، أيها الراوي العليم بكل شيء، “الراوي الدكتاتور” استلم خيط السرد. ضع نقطة نهاية لهذا المونولوغ الكئيب كهذا المكان.

لو كنت بطلًا في رواية أو فيلم سينمائي لخلعت قميصي وشرعت في الكتابة عليه

وجدتني وحيدًا في الشارع الخالي، أتسلى بتأمل انعكاس ظلي على الإسفلت. تلوح سيارة أجرة من بعيد. أركض في اتجاهها : ” ككل إثنين، يغادر الكهول الثلاثة قراهم تحت جنح الظلام، يلتقون عند محطة “الطاكسيات” بأحد أولاد فرج. يستيقظون مبكرًا، حتى يباشرون عملهم في الورش على الساعة السابعة صباحًا”. أشير للسائق بيدي، أفتح الباب، أركب دون استشارته، ألقي التحية مشيرًا إلى وجهتي: “محطة القطار”. أرنو إلى ساعة هاتفي الجوال. قريبًا من المحطة، شردت نظراتي، وحي النجد يلوح غارقًا في سباته اللذيذ، والعمارات التي انتصبت على ضفتي الشارع حجبت البيوت من الجهتين، أحدق في ساعتي : “أين وصلوا الآن؟ أي جنون هذا.. إنها مجرد قصة. تبًّا لك، يا نور الدين. أنت تلاعبني.. حسنًا، سنرى من سيضحك في الآخر. أتمنى أن تكون ليلتك الأولى في “البيجي” رائعة، وحتى لا نربك القراء، فلا داعي لسبق الأحداث.

تذكر جيدًا، يا صديقي عنوان الرواية: “قيلولة أحد خريفي”. نحن ما زلنا في يوم الإثنين، وهذا اليوم صار في خبر كان بالنسبة لك، حين خلدت للنوم، وطلبت مني استلام دفة الحكي. البناؤون في طريقهم إلى الورش. تريد أن تعرف سبب القبض عليك. يبدو أنني تورطت في حبك، وهذا سيجعلني رحيمًا…”. تتوقف سيارة الأجرة أمام مبنى المحطة، أواصل مشاهدة شريط سينمائي لا يراه أحد سواي، وأنا أتوجه نحو شباك التذاكر: “يتوقفون أمام “البراكة” الموصدة.. يلوح على وجوههم القلق لغياب “ولد عمي”. في مثل هذا الوقت ألفوا أن يكون مستيقظًا يحتسي الشاي ويدخن سيجارته الرخيصة “كازا سبور” casa sport بتلذذ”، سألني الموظف عن وجهتي، وأنا غارق في شرودي البهيج :

casa port- (محطة الدار البيضاء- الميناء).

“يتوجهون إلى الداخل لتغيير ملابسهم.. يلفت انتباههم أن الخدم (المتعلمين)، الذين يسكنون بضواحي المدينة لم يحضروا بعد، لم يتأخروا من قبل، فقد اعتادوا قطع الكيلومترات الستة بدراجاتهم الهوائية المتهالكة كل يوم، وحتى “المعلم التيباري” لم يحضر أيضًا. يقترح أحدهم أن يعملوا لوحدهم، فهم لا يحتاجون إلى خدم، مادامت أشغال النجارة المسلحة لم تنته بعد. يقترح “الفرجي”- أكبرهم سنًّا- أن يعمل رفيقاه فوق السقالة، ويبقى هو تحت ليمدهما بما يحتاجان من ألواح خشبية. يخبرهما أنه سيذهب لتجهيز الشاي، يمزق صمت الصباح الندي بسعاله، وعند باب الكوخ تتعلق الكلبة بساقيه”.

أسترخي في إحدى المقصورات، بعض المسافرات يتقنفذن فوق مقاعدهن، أتذكر غابريال غارسيا ماركيز و”الجميلات النائمات”. أقاوم ضحكة تكاد تنفلت مني، وأنا أقول لنفسي بصوت مسموع : “صباح الخير سي نور الدين”. هذه الجملة لم تكن تحية بريئة، وإنما تشف من قريب “ولد عمي”، الذي يحاول التمرد عليّ. تصرفه الأرعن قد يجعل كل الشخصيات تتمرد على الأقدار الروائية المصنوعة لها سلفًا.

“في المطبخ، تمدد أحد البناءين قرب تجويف إسمنتي مكعب، يشبه حوضًا صغيرًا تلتقي عنده قناتي الصرف الصحي، مد يده في القناة الأمامية متوغلًا أكثر في امتدادها، وحركها في عدة اتجاهات، وبحث في القناة الأخرى. ذهل الرجلان لعدم عثورهما على مطارقهم، ونادى أحدهم على الفرجي بصوت عال: “وا الفرجي، فين(1) البلوطات(2)؟ واش حولتيهم من بلاصتهم(3)؟ باش غادي نخدمو (4)؟”. استغربوا أن تسرق المطارق فقط، وكل شيء مرمي هنا، ولا أحد سواهم يعرف أنهم يخبئونها هناك ليلة السبت، لأنهم يعلمون أن عبد الله لا يلازم “البراكة” ليلة السبت ونهار الأحد.. عاتب أحدهم رفيقيه مشيرًا إلى أنهم لو وضعوها في “البراكة” لما تركت الكلبة أحدًا يدخل. رد الثاني بأن اللص يعرف بأن “البلوطات” غالية الثمن، وخفيفة الوزن أيضًا ولم يسرق أي شيء آخر.. لو كان اللص عاديًا لسرق الحديد أو أكياس الإسمنت أو حتى الأعواد والنقالات وباقي المتاع.. قد يسرق كل شيء، مادام لا أحد يوجد هنا. لكن هذا لص خبير بأوراش البناء.

جلسوا عند بوابة الورش كما المعزين، وبعد لحظات، لاحت الشمس تتسلل من خدرها الشرقي تلقي تحية الصباح على الكائنات في استحياء، وبالجوار، كان “بالوما”، حارس الورش المجاور يتمطى بجسده الضخم، ويتثاءب بصوت مقزز..”.

أتثاءب، أرنو إلى أشعة الشمس تنعكس على ملامح امرأة تجلس على بعد خطوات بالصف المعاكس. ألفيتني أقارن بين جمالها وبين تلك العانس البنورية، التي ذبل فيها كل شيء. كانت تلح في طلب رقم هاتفي المحمول، بحجة أن تتصل بي. التقينا لقاء غرباء وافترقنا.. فلم تصر أن نلتقي مرة أخرى، مع أن كل شيء حدث بسرعة ويسر؟.. خيل إلي أن ركاب الحافلة – يومئذ- كانوا ينظرون إلي نظرات غير بريئة. ملامحها تشبه تقاسيم نسوة بدويات أراهن في الأسواق الأسبوعية.. بأجسادهن النحيلة، التي شاخت قبل الأوان، تبدو أكبر من سنها.. عيناها وقحتان جدًا، تسيلان شهوة، وفاكهة صدرها تنتصب في شموخ فاجر.

قالت : أعجبتني وأريد أن أتزوجك. قلت لها إنني عاطل عن العمل. ردت بلهجة واثقة: اجلس في البيت وأنا أعمل.. لذت بالصمت، وبعد تفكير، للتخلص منها بطريقة لبقة هتفت: أخشى أن يرانا أحد..

من يتزوج امرأة وهبته جسدها في سرعة قياسية؟ بيد أن ما جعلني أضيق ذرعًا بها حديثها المتحسر عن صديقتها وصاحبها النذل الذي تخلى عنها، ووعيدها بأنها لو كانت مكانها لفعلت كذا وكذا… لذت بالصمت. قلت لنفسي : هو كان يعاملها كبغي.. مثلك تمامًا.

أتأمل المرأة التي تتحاشى نظراتي. بنظرة سريعة متلصصة على ساقها وكتفها أدركت بأنها ليست من ذلك النوع اللحيم المثير، بيد أن وجهها كان فتانًا.. جمالها مشوب بذلك الحزن النبيل.. الآسر. كانت تنشغل بتقليب أوراق قبالتها، وهي تحتمي بالمقعدين الأماميين، فلا أرى منها سوى طرفي جلبابها وسروالها وحذائها. أتساءل : لم حرمتني الحياة من حقي في السعادة؟ نظراتي لا تفارقها، وكلما تململت في جلستها رأيت عينها فقط، من بين المقعدين، حيث تعمدت أن تجلس بينهما حتى لا أرى وجهها كاملًا، ولتتفادى وقاحتي.

بنوع من الوله العذري أحدق فيها.
أحس باختلاجة في صدري..

أنتشل القلم من جيب داخلي.. أدون كلمات، بسرعة، على تذكرة القطار، أختلس نظرة إليها… تلتقي عيوننا. هل تتصورين أنني سأكتب رقم هاتفي مثلا؟ أختلس نظرة وأنشغل بالكتابة. أضع القصاصة في جيبي، أرنو إليها مجددًا.. أمسك هاتفي الجوال، أنقر على زر الرسائل، أختار : “رسالة جديدة”. بحروف لاتينية أشرع في تدوين الأفكار، التي ألهمتني إياها فاتنتي الجميلة، وأخزنها على الهاتف. لو كنت بطلًا في رواية أو فيلم سينمائي لخلعت قميصي وشرعت في الكتابة عليه، لأسرق إعجابي جميلتي، ولكن الحياة ليست رواية جميلة نقضي في صحبتها لحظات، ثم ننساها بسرعة، مثلما اعتدنا نسيان كل شيء. لا مكان للجنون الشهي في الحياة، يا نور الدين.
حين سألتني البنورية عن عملي لم أقل لها إنني كاتب، كان ردي حاسمًا وقاسيًا: “عاطل عن العمل”، فكيف أخلع قميصي لأكتب عليه؟.

انتهيت من التقاط كل حمائم الإلهام المحلقة، والجميلة مصرة على أن تتفادى نظراتي المتعبدة، وفاض قلبي بالحزن حين رأيت خاتمًا في إصبعها.. لا أستطيع أن أميز إن كانت مخطوبة أو متزوجة، كل ما أعرف أنني وجدتني على أهبة البكاء، وغادرت المقعد حين اقترب القطار من المحطة. أتنهد، وفي خيالي أستعيد تفاصيل آخر مشهد كتبته : “يسأل “بالوما” “الفرجي” الذي تبدى مكلومًا: “لمَ لمْ تعملوا اليوم؟ فغمغم الكهل، وهو ينفث دخان سيجارته الرخيصة في حنق : لم يحضر أحد اليوم”.

ألقي نظرة أخيرة على جميلة المقصورة. أتعذب بإصرارها على تجاهلي.. حتى نظرة عابرة لا تجود علي بها، وأردد في سري :”صبّ “بالوما” بقايا عشائه في صحن الكلبة، راح يربت على رأسها في حنو بالغ، وهي تلعق المرق بفرح، وهتف : “لقد رأيت ذلك الفتى الغريب، الذي يزور عبد الله أمس… هنا”.

الآن، يمكنني أن أتسكع في شوارع البيضاء، في هذا الصباح الدافئ، يا نور الدين. إني أرى أشعة الشمس تتسلل من كوى السرداب، و تصافح وجوهكم. ينادي شرطي على من سيتم ترحيلهم إلى المحكمة الابتدائية للمثول أمام وكيل الملك، فيقفون في صف أمام البوابة الثقيلة، وزوار منتصف الليل، أولئك السكارى، الذين اصطادتهم الدوريات الليلية من أمام الحانات وعلى قارعة الطريق.. يخرجون من الزنزانة المجاورة، وينضمون إليكم، وأحد رجال الشرطة يناول نزلاء سطل ماء وقطعة قماش لتنظيف الدهليز… أرى على ملامحك الاستنكار، يا عزيزي نور.
سأمنحك فرصة السرد بضمير المتكلم صبيحة يوم الأربعاء، أيها الكئيب… الآن يجب أن أعود إلى حادثة سرقة فيللا سيدي بوزيد.. سردنا يحتاج إلى بعض الطرائف. هل تذكر “التيباري” و”بعية”؟ من دون شك، أنت تعرف أنهما من أبطال روايتي البكر “كائنات من غبار”، وأنني جعلت “التيباري” حجر زاوية قصتي “خيط من الدخان”، ومع ذلك لن أغير اسميهما.. سأحس بالوحشة لو فعلتها. ستقول لي لبنى: لقد عدت إلى تمجيد ذاتك في الرواية مرة أخرى؛ بسببها ألغيت فصلين كاملين، وربما لن يعجبها إقحامي للعانس البنورية!

رن هاتفي الجوال، ساورني القلق، لا أحد يتصل بي من الأصدقاء في مثل هذا التوقيت. الرقم غريب : ترى من يكون؟.. وبلا مقدمات، جاءني صوت أحد الأقارب متحشرجًا، مختنقًا بالدموع.. تضاعف قلقي، لم يترك لي فرصة السؤال، ورماني بقذيفة: “ولد عمي مات”.

—————————
1 : أين هي؟
2 : نوع ممتاز من المطارق يستخدمها البناؤون في النجارة المسلحة.
3 : هل حولتها من مكانها؟
4 : بماذا سنعمل؟

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق