قراءات ودراسات

ما وراء رواية قواعد العشق الأربعون

بقلم: د/ نبيلة عبودي

في روضة الكتابة تنبت اللغة وتزهر، وتثمر الفلسفة وتزدهر، وبين الأدب والفلسفة وشائج فتحت الباب أمام محبي الحكمة وعشاق الكلمة. وتحت تأثير وعيهم الذاتي بضرورة الكتابة وصقلها بالقراءة، ومن خلال نزوعهم نحو عمق الطرح والرؤية اتجه الأدباء إلى التأليف بين الفلسفة والأدب. وفي هذا الإطار تندرج كتابات الأدبية التركية “إليف شافاك” الروائية التي حركها الوعي، ووجهها الانفتاح على مجالات التفكير، فجمعت بين الشرق والغرب، الماضي والحاضر، المادي والروحي، الفلسفة والأدب. وهذا ما يتجلى من خلال روايتها “قواعد العشق الأربعون”. ومن هنا نتساءل: إلى أي مدى وفقت “إليف شافاك” في التأليف بين الأدب بجماليته والتصوف بعمق تجربته في هذا العمل الأدبي؟
غالبا ما يتقاطع الكتاب في موضوع الكتابة، فيشكل حلقة وصل بينهم. لكن أسلوب الكاتب ولغته يصنعان الفرق. وعن التصوف كتبت “نهال تجدد” رواية “الرومي نار العشق”، و “مورل مفروي” “بنت مولانا”، و “أحمد عبد المجيد” رواية “عشق”، و “حمور زيادة” “شوق الدرويش”. أما “إليف”، فقد تحصلت على جائزة رومي في تركيا عن رواية الصوفي سنة 1998. وصدرت لها رواية قواعد العشق الأربعون سنة 2009 وترجمت إلى اللغة العربية بعد حوالي ثلاث سنوات.
أولا: ملخص الرواية
زاوجت “إليف شافاك” بين روايتين متوازيتين زمانيا متقاطعتين روحيا. وتستحضر الأحداث من خلال شخصية “إيلا روبنشتاين” اليهودية الأمريكية التي تقيم مع زوجها وأبنائها في “بوسطن”، وتتغير حياتها عندما تصلها رواية”الكفر الحلو” لمؤلفها “عزيز زاهارا” المقيم بأمستردام.
وفي مخطوط “الكفر الحلو” تتطرق الكاتبة إلى “شمس التبريزي” ولقائه “بجلال الدين الرومي” توأمه الروحي، والصداقة العميقة التي جمعتهما. غير أن مريدي “الرومي” وولده الأصغر “علاء الدين” لم يتقبلوا وجود “شمس” الذي قلب حياته.
وتتشابك الأحداث إلى أن يقتل “شمس”، فيغرق “الرومي” في حزن شديد، ويخلد صديقه في ديوان شعري جميل.
وفي المقابل تنشأ علاقة صداقة بين “إيلا” و”عزيز” من خلال تبادل الرسائل الالكترونية، لتتحول إلى حب عميق يجعلها تترك عائلتها وتذهب إليه. وبعد اللقاء تدرك أنه مصاب بسرطان الجلد، وأنه سيموت بعد أشهر.
وفي شكل من أشكال الاسقاط ترى “إيلا” في”عزيز” شخص “شمس التبريزي”، فقد غير “عزيز” حياتها كما غير “شمس” حياة “الرومي”. والحب الروحي الذي ألف بين قلبها وقلب عزيزها هو ما دعا إليه الرجلان في “قواعد العشق الأربعون”.
ثانيا: الأبعاد الفلسفية للرواية
في مطلع الرواية قول “لشمس التبريزي”: ” عندما كنت طفلا رأيت الله، رأيت الملائكة، رأيت أسرار العالمين العلوي والسفلي، ظننت أن جميع الرجال رأوا ما رأيته لكن سرعان ما أدركت أنهم لم يروا “. يبدو جليا من خلال هذا القول البون الشاسع بين الصوفي والانسان العادي، ومنبع الاختلاف بينهما هو عمق التجربة الصوفية التي يعيشها الصوفي. والصوفي في اصطلاح الصوفية من صفا قلبه لله، وسمي صوفيا لصفاء سره ونقاء أثره، وفي هذا السياق يقول “الجنيد”: “الصوفي كالأرض يطرح عليها كل قبيح ولا يخرج منها إلا كل مليح”.
وفي الاستهلال تقول الروائية: “دهم الحب “إيلا”بغتةوبعنف.كما لو أن أحدا ألقى حجرا من مكان ما في بركة حياتها الساكنة”. وفي هذا القول إشارة إلى أن التغير يحدث فجأة. والحقيقة هي أن التغير نتيجة ضرورية لأسباب تراكمت وأحداث تراكبت في حياة “إيلا” أدت إلى هذا التغير.
فهذه المرأة التي نذرت نفسها لعائلتها ربة منزل ممتازة تتفنن في تحضير الأطباق الشهية والحلويات اللذيذة، وأم صالحة تتابع باهتمام حياة أبنائها، وزوجة مطيعة متسامحة تتجاوز خيانة زوجها وتكتم وجعها. ولكنها تكسر روتين حياتها عندما تقرر العمل في وكالة أدبية ترسل لها مخطوط رواية “الكفر الحلو” “لعزيز زهارا” والتي ستشكل منعطفا حاسما في حياتها.
وفي رواية”الكفر الحلو”- ومن خلال الحوار الذي دار بين “شمس التبريزي” والقاضي – تتجلى مستويات فهم النص القرآني، حيث يقول”شمس”: “إن كل قارىء للقرآن الكريم يفهمه بمستوى مختلف بحسب عمق فهمه. وهناك أربعة مستويات من البصيرة: يتمثل المستوى الأول في المعنى الخارجي، وهو المعنى الذي يقتنع به معظم الناس، ثم يأتي المستوى الباطني. وفي المستوى الثالث يأتي باطن الباطن. أما المستوى الرابع، فهو العمق ولا يمكن الاعراب عنه بالكلمات، لذلك يتعذر وصفه”.
ويستطرد قائلا: ” أما العلماء الذين يركزون على الشريعة، فهم يعرفون المعنى الخارجي، في حين يعرف الصوفيون المعنى الباطني. أما الأولياء، فهم يعرفون باطن الباطن. بينما لا يعرف المستوى الرابع إلا الأنبياء والأولياء الصالحون والمقربون من الله “.
وفي سياق الحوار قص “شمس” على القاضي قصة “الكفر الحلو”، وملخصها: أن “موسى” -عليه السلام- كان يسير يوما بين الجبال، فأبصر راعيا يصلي، وعندما اقترب منه سمعه يقول: “يا إلهي الحبيب أنا أحبك أكثر مما قد تعرف، سأفعل أي شيء من أجلك. حتى لو طلبت مني أن أذبح من أجلك أسمن خروف في قطيعي، فلن أتردد في عمل ذلك، سأشويه وأضع دهن إليته في الرز ليصبح لذيذ الطعم. وسأغسل قدميك وأنظف أذنيك وأفليك من القمل. هذا هو مقدار محبتي لك”.
وهنا صاح “موسى”: “توقف أيها الرجل الجاهل! هل تظن أن الله يأكل الرز، وأن له قدمين لتغسلهما. هذه ليست صلاة. هذا كفر محض”. وبعد اعتذار الراعي علمه “موسى” الصلاة وعاد إلى المنزل، وفي الليل سمع صوت الله يعاتبه: ” ماذا فعلت يا “موسى”؟ لقد أنبت الراعي المسكين، ولم تدرك معزتي له. لعله لم يكن يصلي بالطريقة الصحيحة، لكنه مخلص فيما يقول. إن قلبه صاف ونياته حسنة. إني راض عنه. قد تكون كلماته لأذنيك بمثابة كفر. لكنها كانت بالنسبة لي كفرا حلوا”. وعندما ذهب “موسى” إلى الجبال وجد الراعي يتلعثم في الصلاة، فقال له: أرجو أن تغفر لي. أرجو أن تصلي كما كنت تصلي، فقد كانت صلاتك ثمينة ونفيسة في عيني الله”.
وبهذا يكون التوافق بين الظاهر والباطن حسب الصوفية غير ضروري، وإن عارض الظاهر الباطن، “فشمس” نفسه كان مريبا للناس، وهو المتصوف الجوال الذي يتحدث إلى الشحاذ والسكران والبغي، بل ويدافع عنها، ويأخذها للعيش في منزل “جلال الدين الرومي”. “فشمس” لم يؤاخذ البغي “ورد الصحراء” بما كانت تفعل، بل نظر إلى قلبها النقي الذي كان أطهر من قلوب كثير من النساء.
وختم قصته قائلا: ” لا تحكم على الطريقة التي يتواصل بها الناس مع الله، فلكل امرىء طريقته وصلاته الخاصة. إن الله لا يأخذنا بكلمتنا، بل ينظر في أعماق قلوبنا. وليست المناسك والطقوس هي التي تجعلنا مؤمنين. بل إن كانت قلوبنا صافية أم لا”.
ومع أن هذه القراءة لم تحط بكل الأبعاد الفلسفية الموجودة بين السطور وما وراءها إلا أنها تحاول إماطة اللثام عن الهدف الذي كانت ترومه “إليف شافاك” من خلال هذه الرواية، فقد قدمت الفلسفة إلى القارىء في قالب روائي يجمع بين جمالية السرد وعمق الرؤية. إنها فلسفة الحياة التي تعكس رؤيتنا للأشياء وما وراء الأشياء. هي نظرتنا إلى الحياة والموت. هي التغيير الذي نسعى إليه، وهي أيضا الثبات الذي نرضى به، هي “نعم” التي تعلمنا الخضوع، وهي “لا” الرافضة التي تعلمنا التمرد والنقد والثورة على القديم. هي فلسفة شخصيات الرواية التي عاشت في زمنيين متوازيين تقاطعا في خيال الكاتبة.
كما أكدت”إليف” من خلال القواعد الأربعين للعشق على امكانية تعايش الأديان، “فجلال الدين الرومي” تزوج “كيرا” المسيحية، و”إيلا” اليهودية لم تمانع من الارتباط “بعزيز” المسلم، فدين الحب هو ما يوحد بين القلوب، وفي هذا قال “ابن عربي” :
لقد صار قلبي قابلا كل صورة
فمرعى لغزلان ودير لرهبان
وبيت لأوثان وكعبة طائف
وألواح توراة ومصحف قرآن
أدين بدين الحب أنى توجهت
ركاىبه فالحب ديني والحب إيماني
إن رواية قواعد العشق الأربعون كما تقول “إليف شافاك” نظرة ثاقبة على الفلسفة القديمة القائمة على وحدة جميع الأديان والشعوب.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق