قراءات ودراسات

حاكمة قرطاﭺ أقرب إلى إلينا تشاوسيسكو..بل هي أردأ!

من هي ليلى الطرابلسي؟

عاطف محمد عبد المجيد

ثمة نوع من الكتب أو الكتابات تتهافت دور النشر، كبيرة كانت أم صغيرة، على التعاقد مع مؤلفيه ونشره وطباعته لِيَقينها بأن هذا النوع سيُحقق لها من دون شك أموالاً طائلة بعد أن يصبح هو الأكثر مبيعاً..هذا النوع يتمثل في الكتب التي تتناول بالحديث سيرة الشخصيات العامة والسياسية على الأخص.

من هذه الكتب كتاب ” حاكمة قرطاﭺ..الاستيلاء على تونس ” الصادر منذ سنوات عن الهيئة المصرية العامة للكتاب.وهو كتاب ينوي إثارة الجدل لفحص شخصية ليلى الطرابلسي زوجة بن علي ومسيرتها وأهدافها فحصاً دقيقاً.

سياسة السلب

في تصديرهم لهذا الكتاب الذي ألَّفه نيكولا بو وكاترين غراسياي يقول عنه مترجموه التسعة: هو واحد من الكتب التي كان عزيزاً الحصول عليها في لغتها فضلاً عن الظفر بها في اللغة العربية.وهو كتاب في سيرة ليلى الطرابلسي زوجة زين العابدين بن علي الرئيس الذي ثار عليه الشعب التونسي حتى أسقطه ونظامه في الرابع عشر من جانفي / يناير 2011.والكتاب – والقول لمترجميه – لا يعدو العينة البسيطة لسياسة السلب والنهب التي ما انفكت عصابات بن علي والطرابلسي والماطري وأشياعهم ينتهجونها بكل وحشية..فامتصوا دماء شعب مسالم ولكن كم هو ذكي فطِن لدسائس ساسته ومكائدهم..شعب متسامح ولكن كم هو أَبيٌّ أنوف يأبى الضيم ولا يسكت على الهوان فعنده ما عاش ذليل وما مات كريم.إضافة إلى هذا يقول المترجمون:لقد علّق المؤرخون أقلامهم ووضعوا صفائحهم بين أيديهم وظلوا ينتظرون ما عساه يُمليه عليهم شباب الثورة..فكانوا أن أملوا آيات العزة والكرامة والحرية.ويرى المترجمون أن قراء هذا الكتاب سيكتشفون من خلاله أن الشعب التونسي قد صبر طويلاً وأن ثورته على الظلم والاستبداد واغتصاب الحقوق والجشع وكل مظاهر الأنانية والطمع كانت إبّانها دليله فيها العلم والإيمان ضد الجهل والتجبر والطغيان.وفي مقدمة عنوانها ليلى الطرابلسي تسطو على كل شيء يقول المؤلفان:أراد الحبيب بورقيبة خلال السنوات الثلاثين التي قضاها في الحكم أن تكون المرأة التونسية التجسيد الفعلي للحداثة.

مبادرة نسوية

وكان هدف مؤسس تونس المستقلة جعل قانون الأسرة متاشياً مع المباديء الكونية التي تشبّع بها أثناء دراسته في باريس..لكن هذه المبادرة النسوية كان لها أيضاً بُعْد آخر يندرج في نطاق سياسة ترمي إلى إخضاع الديني للسياسي وإلى تهميش علماء الدين والإعراض عن المحاكم الشرعية وإلغاء جامعة الزيتونة الإسلامية الكبرى رمز تخريج النخب القديمة.ونتيجة لهذه المبادرة التأسيسية أُلغي تعدد الزوجات والوصاية على المرأة بتمكينها من حقها في تزويج نفسها..وفي بلاد الياسمين باتت التونسيات تدرسن فعلاً وتعملن وتُحْببْن وتُطلقن ويسافرن بحرية.وقد كان لخليفة المجاهد الأكبر الجنرال زين العابدين بن علي الذكاء التكتيكي الذي جعله لا يضع هذه الخصوصية التونسية في مجال المرأة موضع سؤال. ففي عهده الذي بدأ عام 1987 شهدت مكانة المرأة تحسناً بل لعلها ازدادت تعزيزاً.وزين العابدين بن علي أو وغد مديرية الأمن على حد تعبير ﭽيل بيرو الذي كان يتحكم في مصير البلاد جعل من منزلة المرأة درعاً يتحصن به ضد أصدقائه وحلفائه الغربيين إذ أكد عزمه على عدم المساس بحقوق المرأة منذ خطابه الأول.وعن ليلى الطرابلسي يقول المؤلفان:أما ليلى الطرابلسي الزوجة الشرعية للجنرال بن علي منذ 1992 فهي إلى إلينا تشاوسيسكو أقرب بل لعلها كانت أردأ منها.وفي معرض حديثها عنها وعن وسيلة بن عمار قرينة بورقيبة يقولان:إنه لا سبيل إلى المقارنة بين شخصية وسيلة بن عمار وشخصية ليلى الطرابلسي ولا بين مسار هذه ومسار تلك..فلا ريب أن وسيلة قادرة على حَبْك الدسائس وحريصة على خدمة مصالح عائلتها المالية إلا أنها كانت سنداً لبورقيبة ونصيراً له ولا تعيش إلا من خلال المعارك التي كان يخوضها. وخلافاً لذلك فإن ليلى الطرابلسي تطمع اليوم في أن تكون شريكاً حقيقياً في السلطة رغم ما تبديه من إذعان لزوجها:أفلم تصبح عائلتها الحزب الأقوى في البلاد؟ أوَلم يتحول القصر الذي احتلت فيه المقام الأول إلى مكان يستقطب كل شئون الدولة.

سيدة تونس الأولى

واستطراداً يقول المؤلفان:أخذت ليلى وأقاربها يستولون على الاقتصاد شيئاً فشيئاً..وطرائقهم الفجة تعيد إلى الأذهان ما كانت تقوم به حكومة الأب إيبو ولا تَمُت بصلة إلى ما يمكن أن تقوم به أي سلطة عصرية.هذا ويقر المؤلفان بأنه لم يكن من السهل استقصاء السيرة الذاتية لسيدة تونس الأولى في بلد أُلجمت فيه الصحافة وشَحت فيه البحوث الجامعية المتصلة بهذا الشأن.وقد كانت السبيل التي اتبعاها محفوفة بالمصاعب إذ كان عسيراً عليهما أن يفرقا بين ما يتصل بالحياة العامة والحياة الخاصة في صلب السلطة..ولذا توخيا الحذر مخافة أن يتحول الفضول المشروع إلى ضرب من التلصص غير البريء.ويؤكد المؤلفان أن سيرة سيدة تونس الأولى لم تكن طيبة إذ طوعت القدر مستعملة كل الأسلحة التي بحوزتها..ورغم هذا لم يندفعا إلى أخذ كل ما يزج به في الإنترنت من فضائح مأخذ صدق.هذا وقد كانت ليلى مزدوجة الشخصية.. فهي ترأس في الآن نفسه الزمرة التي كونتها واستطاعت أن تظل طويلاً وفية لزوجها مدافعة عن قضاياه.إنها شخصية تجسم التناقض الذي يعيشه مجتمع ممزق بين الوفاء لتقاليده والانخراط في الحداثة.لكن رغم صورة المرأة المتحررة والمستقلة التي كانت تجسدها صدمت لفيفاً واسعاً من الشعب الذي حاز قدراً وافياً من التربية والتعليم وكان مشدوداً غالباً إلى القيم الدينية التقليدية.وكذلك يضيفا:ليست المواهب التي سخرتها الطرابلسي لبسط نفوذها هي تحديداً ما سنعالجه في هذا المؤلَّف.فما هو مزعج ومثير يكمن في غير هذا الجانب.إن قوة التأثير التي كسبتها من القوى المتصارعة بالقصر بصبر وذكاء لا يرقى إليهما شك قد استخدمتهما بمعية عائلتها لنهب تونس.إن زمرة الطرابلسي هي نتاج سيء وتكريس سافِر للتداخل بين عالم الأعمال وعالم السياسة والغوغائية التي أرسى دعائمها الجنرال بن علي منذ 1987 بواسطة التهديد بالتصفية الجسدية وتطويع العدالة واستغلال اسم الدولة لتحقيق المنافع. إذن تبدو هنا حالة من السطو الوحشي على المُلك العمومي تمارسه بطانة من البيروقراطيين والسياسيين ورجال البوليس والعسكريين وأصحاب الأعمال والمرتشين الذين يدينون بالولاء جميعاً للسيدة الأولى.هذا وكذلك يرى المؤلفان أن الطرابلسي شخصية مخادعة إذ تبدو في الواجهة الأمامية ملتزمة التزاماً رسمياً بقضايا المرأة..أما في الواجهة الخلفية فألاعيب الحريم التي تبدع فيها أيما إبداع. تلعب الرئيسة بمهارة فائقة على الواجهتين لعباً رائعاً في بلد يُعد الأكثر تشبعاً بثقافة الغرب والأكثر تعلقاً بروح الشرق في جنوب المتوسط.مزيج مذهل من ثقافتين يرحل بالمرء في خيالات وأوهام عن المرأة التونسية زوجة ومحظية تُحسن خلط الأوراق.ولا يُرجع المؤلفان ارتقاء الطرابلسي السريع إلى دراستها التي لم تستكملها ولا إلى المهن المتواضعة التي مارستها وإنما إلى مؤهلات أخرى كانت تتحلى بها من قبيل الصبر والحدس والمناورة والسرية ودس الدسائس والفتنة والغواية وحتى التبرك بالأولياء الصالحين. وإلى صفاتها يضيفا أنها كانت خاطبة موهوبة وقهرمانة محنكة.

من هي ليلى؟

وبعد تساؤل عمن هي ليلى الطرابلسي يقر المؤلفان أن هناك في تونس سيدتان تدعيان ليلى الطرابلسي وهو ما يجهله الكثيرون.وعن الطرابلسي الثانية يقولان إنها بدأت مسيرتها المهنية بتألق أكبر من السيدة الأولى وكانت تعمل في بداية الثمانينيات هذه المرأة المغرية بقاعة حلاقة دُنّا في طريق سكّرة.وكانت كل سيدات المجتمع الراقي يترددن على هذا المكان.وقد تعرفت على كبار رجال البوليس التونسي ومن بينهم الجنرال بن علي.أما زوجة الجنرال بن علي المستقبلية فقد ولدت عام 1957 في عائلة متواضعة كثيرة العدد ونشأت في خزندار قرب باردو بتونس العاصمة..وكان أبوها يبيع الفواكه الجافة فيما كانت والدتها تُعنى بتربية أبنائها الأحد عشر.هذا وعلى الغم من أن الطرابلسي حاولت أن توجد لنفسها موقعاً على الخارطة السياسية للاضطلاع بدور سياسي بارز إلا أنها عرفت خيبات أمل سياسية في بلدها نفسه الذي كانت تطمح إلى قيادته في الظل.. غير أن اختصاصها ظل دائماً النهب الاقتصادي الشرس لصالح أقاربها..وها هي تعقد الصفقات على الصعيد الدولي وتنصب أصدقاءها في المواقع الحساسة.

وفي نهاية كتابهما يقول نيكولا بو وكاترين غراسياي:في نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة وفيما كانت خلافة بن علي تُطرح بكل إلحاح كانت زوجته ليلى تُعد نفسها للاستئثار بالحكم ويقيناً أنها ستكون في هذا الموضع أقرب لإلينا تشاوسيسكو من إيڤا بيرون لأنها إن توفقت بمعية عصابتها في بلوغ مرادها فستحوّل تونس من بلد يحكمه نظام دكتاتوري منبوذ إلى بلد تستبد به ماڤيا مقيتة لا تحسدها في ذلك حتى جمهوريات الفساد.إن تونس لا تستحق كل هذا الضيم! بل هي جديرة بما هو أفضل.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق