قراءات ودراسات

ذٰلِكَ ٱلْغَبَاءُ ٱلْقَهْرِيُّ ٱلْتَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ ٱلْتَّقَدُّمِ أَمْ بُغَاةُ ٱلْتَّهَدُّمِ؟ (5)

غياث المرزوق

إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ ٱلْسَّاعَةِ ٱلْهَرْجَ.
قِيلَ: وَمَا ٱلْهَرْجُ؟ قَالَ: ٱلْكَذِبُ وَٱلْقَتْلُ [أَيْضًا].
قَالُوا: أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ ٱلْآنَ؟
قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ [أَعْدَاءً]، وَلٰكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا!
اَلْرَّسُولُ مُحَمَّدٌ

(5)

كما قلتُ آنفًا في القسمِ الرابعِ من هذا المقالِ، إنَّ المَرَامَ الأولَ والأخيرَ من تأسيسِ مَا كانَ يُدْعى إبَّانَئِذٍ بـ«التحالف الإستيراتيجي الشرق-أوسطي» Middle East Strategic Alliance، أو بحِلْفِ الـ«ميسا» MESA، اختصارًا (وتشبُّهًا، بطبيعةِ الحَالِ، باختصار حِلْفِ الـ«ناتو» NATO الشهيرِ)، إنَّ المَرَامَ لا يكمُنُ في ذَرِيعةِ ذلك «الإجراءِ الدفاعيِّ الوقائيِّ الذي يحمي أبناءَ السُّنَّةِ حَصْرًا من ازديادِ المَدِّ الشِّيعيِّ الفارسيِّ» في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ بالذاتِ، بلْ يكمُنُ في خَدِيعةِ هذا الإجراءِ الهجوميِّ العدوانيِّ الذي رِيمَ لهُ أنْ يزعزعَ هؤلاءِ الأبناءَ طُرًّا بازديادِ المَدِّ العسكريِّ الأمريكيِّ (ومن ورائهِ المَدُّ العسكريُّ البريطانيُّ وَ/أوِ الفرنسيُّ، وهلمَّ جرًّا) في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ هذهِ، دونَ سواها من مناطقِ هذا الشرقِ الغرائبيِّ الفسيحِ منظورًا إليهِ، والحَالُ الدَّخُولُ هذهِ، بمنظارِ «الهَيْمَنَةِ الاستشراقيَّةِ» Orientalist Hegemony، حسبما يعنيهِ المفهومُ السَّعيديُّ على وجه التحديد، منظورًا إليهِ من لَدُنْ ذلك الغربِ المدجَّجِ بالسِّلاحِ الحديثِ (وما بعدَ الحديثِ) والمُحَصَّنِ بالعِلْمِ النظريِّ والعمليِّ، على حدٍّ سَواءٍ. وقد أثبتَ هذا المَرَامَ الأولَ والأخيرَ جُلُّ مَا جَاءَ من بياناتٍ صَريحةٍ أو ضِمنيَّةٍ فيما سُمِّيَ بـ«مؤتمرِ السلامِ والأمنِ في الشرقِ الأوسطِ» الذي جَرَى عَقْدُهُ في مدينةِ وارسو في اليومِ الخامسَ عشرَ من شهر شباطَ من العامِ الفارطِ 2019، بوصفهِ «منعطفًا تاريخيًّا» في نظرِ عصابةِ آلِ الصَّهَايِينِ وأعوانهمِ من العُرْبَانِ والعَرَبِ (السُّنَّةِ الأرثوذكس)، من طرفٍ أوَّلَ، وبوصفهِ «سِيرْكًا تهريجيًّا» في نظرِ عصابةِ آلِ الخَمَائِينِ، أو آلِ الرَّوَاحِينِ، وأعوانهمِ من العُرْبَانِ والعَرَبِ (الشِّيعةِ اللاأرثوذكس)، من طرفٍ ثانٍ. حتى أنَّ ثَمَّةَ بضعةً من التقاريرِ الأمنيَّةِ «السِّرِّيَّةِ» المُعَمَّقَةِ التي تمَّ تسريبُها، في الآونةِ الأخيرةِ، رغمَ «سِرِّيَّتِها» هذهِ، والتي تشيرُ إلى أنَّ لكلٍّ من عِصَابَتَيْ آلِ السَّعَادِينِ وآلِ النَّهَايِينِ الإجراميَّتَيْنِ «مِخْلَبًا عسكريًّا» مُسْتَتِبًّا في الجانبِ الشرقيِّ الشماليِّ من منطقةِ الفراتِ (في سوريا)، ومزوَّدًا بأجناسٍ شتَّى من مقاتلينَ أجانبَ مأجورينَ «أوفياءَ» تأتيهم متوالياتُ الأوامرِ والنواهي العسكريةِ وغيرِ العسكريةِ، بينَ الحينِ والحينِ الآخَرِ، إتْيَانًا مباشرًا من وكالةِ الاستخباراتِ المركزيةِ (الأمريكية) CIA – ومن ورائِها، كذلك، تقبعُ هيئةُ الاستخباراتِ العسكريةِ (البريطانية) MI6 وَ/أوِ الإدارةُ العامةُ للأمنِ الخارجيِّ (الفرنسية) DGSE. فلا غَرْوَ، مرةً أخرى، أن تكونَ الأحْبُولةُ الوَضِيعةُ هي ذاتُهَا، منذُ البدايةِ: «التَّعَاضُدُ الأمْنِيُّ مِنْ أجْلِ مُحَارَبَةِ الإرْهَابِ المُتَمَثِّلِ في تنظيمِ «الدولةِ الإسلاميةِ» أو «داعش» ISIS، اختصارًا، وما شَابه»، تلك الأحْبُولةُ الوَضِيعةُ التي لمْ يتوقَّفْ أيٌّ من فَلِّ الطُّغاةِ العُتَاةِ المُصْطَنَعِينَ، في «الجمهورياتِ» أو في «الاشتراكيَّاتِ»، عن التذرُّعِ بِهَا بغيةَ الاسْتِوَاءِ الأبديِّ على عُروشِ الحُكْمِ، من أمثالِ بشار الأسد وعبد الفتاح السيسي (وخليفة بلقاسم حفتر). ففي حينِ أنَّ الطاغيةَ العتيَّ المُصْطَنَعَ الأولَ (رأسَ عصابةِ آلِ الأسَادِينِ) يظهرُ مُنْهَمِكًا كلَّ الانهماكِ في تحطيمِ الأرقامِ القياسيَّةِ في ارتكابِ شتَّى أنواعِ الجَرائمِ النكراءِ ضدَّ الإنسانيةِ، وقد قتلَتْ وشرَّدَتْ عصابتُهُ «الأسَادِينِيَّةُ» هذه من الشَّعبِ السُّوريِّ اليتيمِ في غُضُونِ أقلَّ مِنْ سبعةٍ من السَّنواتِ العِجَافِ أضعافًا مضاعفةً مِمَّا قدْ قتلتْهُ وشرَّدَتْهُ عصابةُ آلِ الصّهَايِينِ ذَوَاتِهِمْ من الشَّعبِ الفلسطينيِّ اللَّطِيمِ على مَدى أكثرَ مِنْ سبعينَ سَنَةً أشدَّ عُجُوفًا حتَّى، فإنَّ الطاغيةَ العتيَّ المُصْطَنَعَ الثاني (رأسَ عصابةِ آلِ السَّيَاسِيسِ) يبدُو مُسْتَغْرِقًا أيَّما استغراقٍ، بدورهِ هو الآخَرُ، في ارْتِسَامِ تلك الذكرياتِ «القَمِينَةِ» و«الشَّجِينَةِ» إبَّانَ لقائِهِ الحَمِيمِ على هامشِ الانعقادِ «العتيد» لمَا يُسمَّى بـ«مؤتمر ميونيخ للأمن» MSC، في اليومِ السَّادِسَ عشرَ من شهرِ شباطَ من العام الفائت 2019 كذلك، وذلك إبَّانَ لقائِهِ بزميلهِ الرئيس السابقِ لإدارة الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية «آمان»، عاموس يَدْلين (2006-2010)، وإبَّانَ كونِهِ (كونِ رأسِ عصابةِ آلِ السَّيَاسِيسِ، في حَدِّ ذاتِهِ) رئيسًا سَابقًا لإدارةِ المخابراتِ الحربيةِ المصريةِ (2010-2012)، كونِهِ كذاك قبلَ القيامِ بِحَوْلٍ بانقلابهِ العسكريِّ المَحْمُومِ والمدعومِ من لَدُنْ أزلامِ عِصَابَتَيْ آلِ السَّعَادِينِ وآلِ النَّهَايِينِ الإجراميَّتَيْنِ بالذاتِ، وبإيعازٍ أمريكيِّ وَ/أوْ بريطانيٍّ خفيٍّ أو حتى شبهِ جَليٍّ، على الرئيسِ المصريِّ المحُبوسِ أيَّامَئِذٍ حتى إشعارٍ آخَرَ، محمد مرسي (قبلَ رحيلِهِ عنْ هذهِ الدنيا): وقدْ كانَ أوَّلَ رئيسٍ عربيٍّ مصريٍّ مُنتخَبٍ، رَغْمَ «إِخْوَانِيَّتِهِ»، انتخابًا ديمقراطيًّا حقيقيًّا في تاريخِ مصرَ السياسيِّ الحديثِ والقديمِ كلِّهِ.

وكانتْ لعصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ مآربُها اللاأخلاقيةُ واللاإنسانيةُ، هي الأخرى –وذلك على سَابقِ الاعتبارِ بأنَّ القنصليةَ السُّعُوديةَ في مدينتِهِمْ إسطنبولَ هي مسرحُ ارتكابِ جريمةِ اغتيالِ الكاتبِ الصِّحَافيِّ السُّعُوديِّ، جمال خاشقجي، على أيدي فريقٍ مخابراتيٍّ إجراميٍّ مؤلَّفٍ من خمسةَ عشرَ كائنًا مَا دُونَ-حَيَوانِيًّا سُعُوديًّا بلحمهِ وشحمهِ، من جهةٍ أولى، وذلك على لاحِقِ الاعتبارِ بأنَّ أيًّا من نشاطاتِ أو تحرُّكاتِ ذينك «المِخْلَبَيْنِ العسكريَّيْنِ» المُسْتَتِبَّيْنِ في الجانبِ الشرقيِّ الشماليِّ من منطقةِ الفراتِ (في سوريا) إنَّمَا يُمَثِّلُ تدخُّلاً طافرًا وسَافرًا في السِّيَادةِ والأمْنِ القوميَّيْنِ التركيَّيْنِ، من جهةٍ أُخرى. وفي الوُسْعِ، الآنَ، التَّبَيُّنُ من هذهِ المآربِ اللاأخلاقيةِ واللاإنسانيةِ على مستويَيْنِ «براغماتيَّيْنِ» (أو ذرائعيَّيْنِ نَفْعِيَّيْنِ) مُكَمِّلَيْنِ لبعضِهما البعضِ، أحَدُهُمَا اقتصاديٌّ-ماليٌّ وآخَرُهُمَا سياسيٌّ-دينيٌّ: فأمَّا المستوى الاقتصاديُّ-الماليُّ، هَا هُنَاك، فيتجلَّى في سَيَلانِ لُعَابِ عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ أنفسِهِم أمامَ الملياراتِ السُّعُوديةِ «النَّدِيَّةِ والجَدِيَّةِ»، رغمَ ذلك كلِّهِ، وذلك تيمُّنًا بسَيَلانِ لُعَابِ عصابةِ آلِ الطرابينِ (اليانكيينَ Yankees) ذواتِهِمْ أمامَ هذهِ الملياراتِ السُّعُوديةِ ذاتِهَا. وفي غَلْوَاءِ كافَّةِ هذهِ المآربِ اللاأخلاقيةِ واللاإنسانيةِ التي تَأْرُبُ إليها عصابةُ آلِ الأَرَادِيغِ أيَّما أَرَبٍ، على المستوى «البراغماتيِّ» الاقتصاديِّ-المَاليِّ، على وجهِ التحديدِ، ما يُفَسِّرُ بجلاءٍ كيفَ أنَّ رأسَ هذهِ العصابةِ (اللاأبديةِ)، رجب طيب أردوغان، يتكشَّفُ للعِيَانِ بصفتِهِ فردًا دبلوماسيًّا يحترفُ الابتزازَ والنفاقَ، وقد بَلَغَا مُنْتَهَاهُمَا في شَخْصِهِ «الجَلِيلِ»: أردوغانُ الدبلوماسيُّ يحترفُ الابتزازَ، أوَّلاً، من خلالِ اتِّباعِهِ ذلك الأسلُوبَ التدرُّجيَّ الرُّوَيْديَّ-الرُّوَيْديَّ، أو ما يُسَمَّى في الحديثِ السياسيِّ الدارجِ بـ«سياسةِ القطرة-قطرة»، في تسريبِ كلٍّ من المعلوماتِ الصوتيةِ والمرئيةِ، وحتى «الرَّسْمِيةِ»، المُريعةِ والمُرَوِّعةِ التي تتعلَّقُ بجريمةِ اغتيالِ الكاتبِ الصِّحَافيِّ السُّعُوديِّ، جمال خاشقجي، وفي إطلاعِ كلٍّ من الدولِ الغربيةِ «الديمقراطيةِ» التي يحالفُها من حِلْفِ الـ«ناتو» NATO الآنفِ الذكْرِ، ومن ثمَّ في الوَعْدِ «المبدئيِّ» المُسْتَمِرِّ لهَا (لكلٍّ من هذهِ الدولِ) بجُهُودٍ جَهيدةٍ في تسريبِ المزيدِ من هذهِ المعلوماتِ الصوتيةِ والمرئيةِ، وحتى «الرَّسْمِيةِ» – وذاك مَحْضُ تسريبٍ بإدارةٍ دَنِيَّةٍ يتولاَّها عناصرُ معيَّنُونَ من جهازِ الاستخباراتِ الوطنيةِ (التركيِّ) MİT، من وراءِ الكواليسِ، وذاك مَحْضُ تسريبٍ بإشرافٍ قصيٍّ أو غيرِ قصيٍّ يُؤَدِّيهِ عناصرُ محدَّدُونَ آخرُونَ من وكالةِ الاستخباراتِ المركزيةِ (الأمريكية) CIA، من وراءِ وراءِ هذهِ الكواليسِ. حتى أنَّ أزلامَ عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ كانوا يسعَونَ وقتَها سَعْيًا حثيثًا وراءَ تدويلِ مِلَفِّ الجريمةِ الشَّنْعاءِ أبعدَ فأبعدَ، ويسعَونَ بالتالي وراءَ تحويلهِ إلى قضيَّةٍ قضائيَّةِ دُوَلِيَّةٍ ينبغي على هيئةٍ أُمميَّةٍ، من مثلِ هيئةِ الأممِ المتَّحدة UN، أنْ تتعهَّدَ بالشُّروعِ في إعادةِ التحقيقِ الرَّسْميِّ الدقيقِ في تفاصيلِها قبلَ مجاميلِها، في هذهِ المرحلةِ العصيبةِ بالذاتِ. ومن ثمَّ، كانَ أزلامُ عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ هؤلاءِ يرومُونَ تجديدَ سَعْيِهِمِ الحثيثِ ذاك بدعوةٍ جَدِّيَّةٍ إلى تشكيل لجنةٍ أو لِجانٍ أمميةٍ تتولّى مهامَّ هذا التحقيقِ الرَّسْميِّ الدقيقِ من أجلِ الكشفِ عن ملابساتِ الجريمةِ (الشَّنْعاءِ) على الملأِ الأدنى والأعلى كذلك: وأردوغانُ الدبلوماسيُّ «المُبْتَزُّ» لمْ يبرَحْ يجاهرُ ويشاهرُ حتى هذا اليومِ بالذاتِ بأنَّ أزلامَ عصابتِهِ «لمْ يكشفوا بعدُ عنْ كافَّةِ العناصرِ التي بحَوْزتِهِمْ فيما لهُ مِسَاسٌ بالتحقيقِ في قضيةِ هذهِ الجريمةِ (الشَّنْعاءِ) في مدينةِ إسطنبولَ»، وأنَّهُمْ «سيُرسِلُونَ وثائقَ سِرِّيَّةً ومعلوماتٍ حَرِيَّةً بِشأْنِ هذهِ القضيةِ إلى مَعْنيِّ السُّلُطاتِ التي ستقومُ بالمحاكمةِ الفعليةِ» – وهذا السَّعْيُ الحثيثُ (والمُجَدَّدُ) من لَدُنْ أزلامِ عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ كلُّهُ إنَّما مُبْتَغَاهُ الأوَّلُ والآخِيرُ مواصَلَةُ إثقالِهِمْ كَوَاهِلَ أزلامِ عصابةِ آلِ السَّعَادِينِ ذواتِهِمْ، من جانبٍ أوَّلَ، ومضاعفةُ أردوغانَ الدبلوماسيِّ «المُبْتَزِّ» بالتالي لاِبْتِزَازِهِ تلك الملياراتِ السُّعُوديةَ «النَّدِيَّةَ والجَدِيَّةَ» ذاتَهَا، من جانبٍ آخَرَ. وأردوغانُ الدبلوماسيُّ ذاتُهُ يحترفُ النفاقَ، ثانيًا (فَضْلاً عَنِ احترافِهِ الابتزازَ، أوَّلاً)، من خلالِ تَشَوُّفِهِ الافتعاليِّ والافترائيِّ الجَمُوحِ إلى الظُّهُورِ، قدَّامَ العالَمِ المَغْبُونِ وغيرِ المَغْبُونِ قاطِبَةً، بمظهرِ ذلك السياسيِّ «النظيفِ» و«النزيهِ» و«المُشْبَعِ إشباعًا بمكارِمِ الأخلاقِ الإسلاميةِ النقيَّةِ»، وذلك في غَمْرَةِ انكبابِهِ العُصَابِيِّ (أو حتَّى الذُّهَانِيِّ) على ذَيْنِك التحرِّي والتقصِّي «الإنسانِيَّيْنِ» و«الإنسانَوِيَّيْنِ» حولَ الآمِرِ الفعليِّ بتنفيذِ تلك الجريمةِ النكراءِ، جريمةِ اغتيالِ الكاتبِ الصِّحافي السُّعُوديِّ جمال خاشقجي ذاتِهِ (وهو، بالمناسبةِ، الصديقُ المقرَّبُ لأردوغانَ الدبلوماسيِّ «المُنافقِ» بالذاتِ)، بينما كانَ هذا السياسيُّ «النظيفُ» و«النزيهُ» و«المُشْبَعُ إشباعًا بمكارِمِ الأخلاقِ الإسلاميةِ النقيَّةِ» عينِهَا، ولمْ يزلْ، قَدْ قامَ بِرُمِّ مُقْتَضَى مشيئتِهِ العقليَّةِ والنفسيَّةِ بالحَظْرِ العَسْفيِّ والتعسُّفيِّ والاعتسَافيِّ على شتَّى حُرِّيَّاتِ التعبيرِ وأشْتَاتِ حُرِّيَّاتِ إبداءِ الرأيِ، وعن طريقِ اتِّخَاذِ أحكامٍ وإجراءاتٍ قمعيَّةٍ وقسريَّةٍ وقهريَّةٍ أدَّتْ إلى اكتظاظِ سُجُونِهِ، سُجُونِ عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ، بالعديدِ من الكاتباتِ والكُتَّابِ الصِّحَافيِّينَ، وبالعديدِ من الكاتباتِ والكُتَّابِ المثقَّفينَ الآخَرِينَ، منذ أنْ تسلَّمَ هذا الـ«أردوغانُ الدبلوماسيُّ المُبْتَزُّ المُنافقُ» مقاليدَ الحُكْمِ في دولةِ تركيا في اليومِ الثامنِ والعشرينَ من شهرِ آبَ عامَ 2014، وذلك بمثابةِ المُمَثِّلِ السياسيِّ «النظيفِ» و«النزيهِ» و«المُشْبَعِ إشباعًا»، إلى آخرِهِ إلى آخرِهِ، للرئيسِ الثاني عشرَ للبلادِ!

وأمَّا المستوى السياسيُّ-الدينيُّ، وهو مُسْتَوًى لَأشدُّ خُطُورةً من آنِفِهِ هَا هُنَا، فيتبدَّى في لُهَاثِ أزلامِ عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ وراءَ احتكاريَّةِ التمثيلِ «المَافْيَوِيِّ» للمذهبِ السُّنيِّ (الأرثوذكسي) في العالَمِ العربيِّ (والإسلاميِّ) برُّمَّتِهِ، وذلك بمقتضى ما يُضْمِرُونَهُ إضمارًا تمويهيًّا وتسفيهيًّا من تطلُّعَاتٍ هَيْمَنِيَّةٍ «استشراقيَّةٍ»، أو حتى «استغرابيَّةٍ»، إلى بَعْثٍ وإحياءٍ عُنْجُهِيَّيْنِ لِبُنْيَانِ «خلافةٍ عثمانيةٍ جديدةٍ» في مَطَالِعِ هذهِ الأَلَفِيَّةِ الميلاديَّةِ الثالثةِ، خلافةٍ تحاولُ أنْ تستعيدَ تاريخَهَا الاستعماريَّ والتوسُّعِيَّ «التَّليدَ» بأيَّتِمَا أُحْبُولةٍ سياسيةٍ وَ/أوْ دينيَّةٍ كانتْ، على حسابِ ما يَعْتَرِي أغلبيَّةَ الشُّعُوبِ اللَّهيفةِ من أحزانٍ وآلامٍ في بلادِ الشامِ وفي بلادِ العراقِ، خَاصَّةً، وعلى حسابِ ما يَعْتَوِرُ هذهِ الشُّعُوبَ من قتلٍ بهيميٍّ ودمارٍ جحيميٍّ من كلِّ الجهات. ولا يختلفُ التذرُّعُ، في حقيقةِ الأمرِ، بتلك الأحْبُولةِ الوَضِيعةِ في فَحْوى «التَّعَاضُدِ الأمْنِيِّ مِنْ أجْلِ مُحَارَبَةِ الإرْهَابِ»، والحالُ هذهِ، سوى في المُرَادِفِ الاسميِّ الإرهابيِّ لتنظيمِ «الدولةِ الإسلاميةِ» ISIS وأمثالِهِ، ألا وهو: «حزبُ العمالِ الكردستانيِّ» PKK وأمثالِهِ كذلك، وعلى الأخصِّ كمثلِ فرعِهِ السُّوري المُسَمَّى بـ«حزبِ الاتحادِ الديمقراطيِّ» PYD، ذلك الحزبِ «المُعَارضِ» و«المُمَانِعِ» الذي استغلَّتْ وَحَدَاتِهِ المقاتلةَ (ومَا إليها) عصاباتُ آلِ الأسَادِينِ أنفسِهِمْ أيَّما استغلالٍ، واسْتَغْبَتْهَا أيَّما اسْتِغْبَاءٍ، في أثناءِ سَنَواتِ ما سَمَّاهُ الكاتبُ الإعلاميُّ (الحُقُوقيُّ) السُّوريُّ حسين جلبي بـ«التِّيهِ الكُرْدِيِّ» في كتابِهِ الأخير «روجآفا: خديعة الأسد الكبرى» (إسطنبول: دار ميسلون، 2018)، والذي لمْ تفتأْ عصاباتُ طبقاتِ الحُكْمِ «الفاشيَّةُ» و«الشُّوفينيَّةُ»، وقد بلغتْ ترتيبَها الثاني عشرَ في عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ ذَوَاتِهِمْ، تتوعَّدُ ليلَ نهارٍ بإبادتهِ ومَحْقِ جُذورهِ، بعدَ إبادةِ الحزبِ الذي خَلَّفَهُ وبعدَ مَحْقِ جُذورِهِ، هو الآخَرُ، من على وجهِ الأرض. وحُجَّةُ هذهِ العصابةِ الأَرَادِيغِيَّةِ في هذا كلِّهِ هي أنَّ هٰذينِ الحزبَيْنِ، الأصلَ «حزبَ العمالِ الكردستانيِّ» PKK والفرعَ «حزبَ الاتحادِ الديمقراطيِّ» PYD، إنَّما يطمحَانِ في أحلامِهِمَا إلى تهديدِ أمْنِ المنطقةِ هذهِ بأسْرِهَا وإلى تقسيمِ أرضِهَا على المدى البعيدِ في القَحْطِ والجَفَافِ، وأنَّ هٰذينِ التهديدَ والتقسيمَ مجتمعَيْنِ معًا لا يخدمانِ إلاَّ في مصلحَةِ الكيانِ الصُّهيونيِّ، إسرائيلَ ربيبةِ الغربِ الاستعمَاريِّ والإمبرياليِّ، في نهايةِ المطافِ. وهكذا، وفي هكذا توعُّدٍ ليليٍّ وتوعُّدٍ نهاريٍّ ليسَ لَهُ إلاَّ أن يكونَ دليلاً ملموسًا، أو إرْهَاصَةً لدليلٍ ملموسٍ، على التعاونِ الخفيِّ، لا بلْ على التواطؤ الدَّنِيِّ، بينَ عصابتَيْ آلِ الأَرَادِيغِ وآلِ الأسَادِينِ الفاشيَّتَيْنِ على حَرْفِ الثورةِ الشَّعبيةِ السُّوريةِ عن مَسَارِهَا النضاليِّ الطبيعيِّ وعلى القضاءِ عليها قضاءً تامًّا من أُصُولِها ومن فُرُوعِها، هي الأُخرى، فإنَّ ما يجري الحديثُ مُسْتَبيئًا صَدَارةَ الحديثِ، في غُضُونِ أيَّام تلك المؤتمراتِ الدوليةِ وفي أعقابِها، عن ما اصطلحتْ عليهِ العصابةُ الأولى بمصطلحِ «المنطقةِ الآمنةِ أو الأمنيَّةِ» الكائنةِ في أجزاءٍ من ذلك الشَّريط الشماليِّ السُّوريِّ (على حدودِ تركيا)، حيثُ أنَّ ثَمَّةَ بارِقَةً من الأمَلِ الديمقراطيِّ وأنَّ ثَمَّةَ بريقًا من التعايشِ السِّلْميِّ والوُدِّيِّ ما بينَ الأكرادِ والعَرَبِ السُّوريِّينَ رغمًا عن أُنُوفِ أزلامِ كلٍّ من العصابتَيْنِ، في واقعِ الأمرِ – ولكنَّ، لكنَّ في أَنْفُسِ أزلامِ عصابةِ آلِ الأَرَادِيغِ، في المقابلِ النقيضِ لهذا الواقعِ المَهِيضِ، مآربَ لاأخلاقيةً ولاإنسانيةً أخرى!

[انتهى القسم الخامس من هذا المقال ويليه القسم السادس]

*** *** ***

غياث المرزوق
دبلن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق