ثقافة السرد

إلى ابني تقي الله عبدالدائم

المصطفى عبدالدائم

بني .. فيك اليوم أقرأ عمري من جديد ، أقرأ مامضى منه وكل ما قد يطرأ عليه من قريب أو بعيد .. منذ غرست عيني في عينيك وقد غشيتهم الدموع واختلطت الكلمات في ذهني وضاعت في الحلق الأصوات ، ولم اعد أدري ما يعتريني ؟ .. منك تنهض الأسئلة وأنت في صمت العالم تبكي أفرحا بالحياة أم حزنا عليها ؟ أبكاؤك ينفث في الفضاء أملا عتيدا وقد سئمت أن أبكي وطني ؟

بني ..

فيك ها أنا أتوه قابضا على زمن كالقابض على الماء ( تخونه فروج الأصابع ) ، حالما بصحراء رأيتها لا تنضب من الدماء والشهداء ، وتقف على حدود النار والأشعار والكلمات المرة كالعلقم وضجيج المنافي وحرقة الفراق وترنيمة الجنائز …

بني ..

فيك تظل مآسي الأسر سارية ، وكتب السياسة تضج بالألاعيب ، و في دهاليزها تختبئ ذئاب المصالح ، وتظل كل محطات التاريخ للتاريخ تروي كم ساعات ألقيت على ضفاف أجندات مخزية ، وكم غرف للنوم على أسرتها وئدت أحلامنا ..

بني ..

فيك ابتلعتنا دوائر لصراع يبتدئ بميم المنفعة ، ويمضي تحت الجسور مياها تلألأ فيها تاء المتعة ، وتنتهي من على القمم شلالات تسقط صخب نون النفوذ …

بني ..

فيك مازلت كل اليوم أجرد من ثيابي في نقط التفتيش وسدود المراقبة ، في كل جسدي يبحثون اين أخبئ كل هذا الحب لوطن يغتسل بأشعة الشمس ويهرب كل حضارته في ثنايا الرمال .. في كل انحاء جسدي يجتهدون لفك طلاسم نحتت هنا وهناك بسكين المعاناة والألم .. هي قصائد مهربة من كل معتقلاتهم وسجونهم …

بني ..

فيك أرفع راية النصر ، وأرسم في السماء قوس قزح بألوان العلم الوطني ، وبلسانك أتهجى النشيد الوطني فيكبر في الأمل ، وتستفزني طلائع الصبر والثقة في الغد …

بني ..

لن ابكي ففيك ضمنت العبور لعمر غير عمري .. وفيك فزت بفجر لاحت تباشيره .. وفيك أنا الآن أزيح ستائري السوداء عن نافذتي ومنها أراك تمنحني فرصة الإنتصار على ضعفي ، وفرصة تصحيح كل أخطائي ، وفرصة إجتياز كل العقبات .. أنت فرصتي لمداواة كل جراحي ، وتحويل كل هزائمي إلى آنتصارات …

بني ..

أنت من سيغسل عني كل عاري .. كل ذلي وهواني .. أنت فرصتي حين لم تعد لي في هذه الدنيا من فرصة .. وأنت كفني يوم أسقط عاريا من كل ثوب .. ومن كل نفس .. ويومها ساذكر أنك أنا وقد أخذت من الدنيا كل فرصي .. فلا تبكيني لأن لاشيء يستحق أن نبكيه سوى وطنا أراه فيك أروع الأوطان .. وطنا ليس سوى ظل طلح ودفء رمل وقليل من الماء وقصائد بالدم كتبت عن حياة العزة والكرامة …

كلميم في يوم 05/09/2014

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق