ثقافة السرد

أزمة مرور

بقلم: محمد عباس على *

في شارع أبى قير توقف الزمن.. شد لجام حصانه ووقف عاجزاً عن المرور.. السيارات متلاحمة سلحفائية الحركة ذات أبواق تنهش الآذان.. الأرض تتلوى من السنة اللهب المنصبة من فوهة الشمس.. البيوت على الجانبين معتمة المداخل مغلقة الشبابيك والشيشان وجوهها مقطبة الملامح بلونها الأصفر الكابي. تتحرك السلحفاة قليلا ناقلة قدماً إلى الأمام وأخرى إلى الخلف.. يتصاعد أنين الأرض.. تزأر الأبواق صانعة مهرجاناً من الضوضاء.. تتغير ملامح الطريق فعلى اليمين يتمطى مبنى مستشفى جمال عبد الناصر بلونه الأبيض، فارداً ذراعيه العملاقتين بغطائهما الأسمنتي نحو السحاب، أما الحديقة الخضراء أمامه ببعض الأجساد المسترخية على اخضرار عشبها فهي فى حلمها الزاهي بعيدة عما يجرى، وعلى اليسار تقف كلية الهندسة بهيكلها الفرعوني العتيق شامخة، تنظر إلى ذات المكان من علٍ .. تنطلق من سيارة فيات قديمة الطراز لعنة على ذلك الزحام الذي يشوه هدوء ونقاء الإسكندرية في مثل هذا الوقت من كل عام .. يجاوبه فوراً من سيارة مرسيدس حديثة أغنية غربية الإيقاع تشد الأعين بصراخها المتكرر.. ترتفع من عربةbmw تقصد الاتجاه المعاكس أغنية تبدو كأنها تسجيل لمعركة شعبية استخدمت فيها الموسيقى، واكتفى ببعض الحروف عوضاً عن الكلمات.. ينطلق آذان الظهر من مسجد المواساة القريب، تصارعه الأبواق الهادرة ، تتلوى رأس السلحفاة وهى تفكر بنقل قدمها من جديد .على الرصيف في منتصف  الطريق تبدو امرأة أكلتها السنون، مكللة الرأس بغطاء أسود مثل ثوبها الذي ينتهي إلى حذاء عرك جلده الحياة.. تتحرك المرأة رغم ثقلها بوجهها المغطى بماء العرق المعجون بالدموع أسرع من السلحفاة، منادية بصوتٍ مشروخٍ:-   ياسيد

تبتلع هوجة الأصوات صوتها وهى تمضى مصرة على السير رغم مشاقه، وعلى النداء رغم خفوت صوتها.. تقل حركتها رويداً ويخفت الصوت إلى أن يصير همساً قبل أن تتوقف تماما، وتبدأ مرحلة الهبوط الاضطراري إلى أسفل وهى تفتح فمها دون صوت منادية في إصرار :- يا سيد

بينما السلحفاة على مهل تمد قدما للأمام وأخرى إلى الخلف، وهوجة الأصوات هادرة ، والآذان يرتفع إلى السماء عالياً:- الله اكبر    الله اكبر

وعلى الرصيف الذي يتوسط الطريق جسد امرأة مازال ينبض بنداء لا يسمع :- يا سيد

ولا مجيب.

*كاتب مصري/ الإسكندرية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق