قراءات ودراسات

ماركيز وحكاية روايــة

ترجمة: سارة. ع

((في أفريل 2014 غادر حياتنا الروائي الكولومبي العظيم صاحب رائعة “مائة من العزلة”، وهنا في هذا النص يروي لـ “ماغازين ليتيرار” فكرة انبثاق رواية وقائع موت معلن في عام 1981.. وتم إعادة نشره في عدد جوان الأخير…)) قبل موته بمدة قصيرة، قام “Alvaro Cepeda Samudio” بتسليمي خاتمة “قصة موت معلن”. كنت قد عدت لتوي من رحلة طويلة بأوروبا، وكنا في منزله في يوم أحد. قبالة بحر “Sabanilla” البائس، نتناول حساء “mojarras” الشهير بثمن 2000 بيسوس. “لدي خبر جيد جدا سينال اهتمامك” قال لي فجأة،“Bayardo San Roman” عاد يبحث عن “Angela Vicario”، وكما توقع تجمدت من شدة دهشتي.. ليردف قائلا “هما يعيشان سوية الآن في قرية مانور، عجوزان وحيدان، ولكنهما سعيدان”. لم يكن بحاجة ليخبرني بالمزيد، فقد قررت السعي في رحلة طويلة لمعرفة التفاصيل. معنى الجملتين اللتين نطق بهما صديقي أن رجلا هجر زوجته في ليلة عرسهما، قد عاد ليعيش معها بعد مرور ثلاثة وعشرين سنة. حدث هذا الهجران بسبب صديق عزيز عرفته في شبابي، اتهم بفعل لم تُؤكد صحته، وقتل بطعنات سكين أمام سكان القرية، من قبل شقيقي الفتاة المهجورة.. كان يدعى “سانتياغو ناصر”، وكان رفيقا ممتعا وفردا من أوائل الجالية العربية، حدث هذا قبل أن أعرف ما الذي أريد أن أصبحه في الحياة، وشعرت بحاجة ملحة لرواية أحداث القصة لأنها كانت النقطة الحاسمة التي حددت مسار حياتي كروائي.
رويت أحداث القصة أولا لكل من “German vargas” و«alfonso fuenmayor”، وبعد خمس سنوات كنت في ملهى “alcaravanes d’eufemia” وقررت حينها أن أصبح كاتبا. قال لي والدي “ستأكل الورق”، ومن حينها، طوال سنوات وأنا أحلم أني أمزّق رزم الورق وآكل كرات ورقية، ليست مشابهة لأوراق الجريدة التي كنت أعمل بها ذلك الوقت، بل كانت ذات جودة عالية من 36 غراما ومقاومة للماء، النوع الجيد الذي كنت أشتريه كلما جنيت المال… بينما “ alfonso fuenmayor” و” German vargas” كانا يصران أن قصة الجريمة تستحق الكتابة والنشر، حتى وإن اضطررت إلى إلتهام الأوراق لبقية حياتي “لا يهم إن كانت الأحداث حقيقية أو من الخيال” قال لي “ألفونسو”، “قصص “Sophocle” خيالية وتعرف حجم النجاح الذي لاقته”. لاحقا بعد أن تحصل “ألفارو سيبادا ساموديو” على شهادته من جامعة كولومبيا، وافق على نشر القصة، ولكن حذّرني دون عزوف قائلا “مصدر قلقي الوحيد أن هذه القصة عرجاء، تنقصها رجل”. والحقيقة كان ينقصها هذه النهاية غير المتوقعة التي أخبرني بها بعد 23 سنة من وقوع الجريمة.
نصحني “جيرمان فيرغاس” المعروف بحذره وروّيته أن أنتظر سنة أو اثنتين حتى تنضج القصة، ولم أنتظر هذه المدة، بل ثلاثين سنة أخرى. هذا لم يكن تأخيرا استثنائيا، فأنا لم يسبق لي أن كتبت قصة قبل أن تمر على الأقل مدة عشرين سنة على الأحداث. ولكن في هذه الحالة سبب تأخيري كان بحثي المستمر في خيالي عن “الرجل الناقص” في قصتي، دون أن أعي أن للحياة طريقتها الخاصة في خلق نهايات أكثر إبداعا لقصصها.
“دون رامون فينيس” هو من أعطاني الوصفة السرية لنجاح عملي الأدبي “اروي القصة مرارا وتكرارا، فهذه هي الطريقة الوحيدة لتعرف ما تُخبّئه القصة بداخلها”.. من الطبيعي أني اتبعت نصيحة صديقي وسردت القصة يمينا ويسارا طوال سنوات، آملا أن يكتشف أحدهم النقص الذي تعاني منه الحكاية. “مارسيديس” التي كانت تذكر أحداثا قليلة من القصة بسبب صغر سنها في ذلك الوقت، أعادت بناءها من جديد في ذاكرتها من كثرة المرات التي سمعتني أرويها فيها، وأصبحت ترويها أحسن من ذي قبل. “لويس ألكوريسا” سجّلها في منزله بمكسيكو، عندما كنا شبابا. رويت القصة لـ”ريو غيرا” طوال 6 ساعات في إحدى القرى بموزمبيق، في ليلة قام فيها أصدقاؤنا الكوبيون بتقديم لحم الكلاب لنا على أساس أنه لحم غزال، ورغم هذا لم نستطع اكتشاف الجزء الناقص في القصة. كنت دائما أرويها لـ”كارمن بالسيليس” وكيلتي الأدبية خلال سنوات عديدة، في القطار، في الطائرة، في برشلونة وكل أنحاء العالم التي زرتها، وكانت دائما تبكي كما سمعتها أول مرة، ولم أستطع أبدا معرفة إن كان سبب بكائها تأثرها الشديد بالقصة أو لأني لم أكتبها طوال هذه السنوات. صديقي المقرّب الوحيد الذي لم أرو له أحداث روايتي هو “ألفارو موتيس” لسبب واحد وهو أنه لطالما كان أول من يقرأ نصوصي ولم أرد أن يقرأه وهو يحمل عنه فكرة سابقة.
الخبر الذي جلبه لي “ألفارو سيبيديا” في ذلك الأحد على ضفاف بحر “Sabanilla أعاد عالمي إلى مساره الطبيعي. عودة “باياردو سان رومان” لـ«أنجلا فيكاريو” كانت النهاية الناقصة. بعدها أصبح الأمر جليا، حبي للضحية جعلني أنظر للقصة على أنها جريمة فظيعة، بينما كان يجب أن تكون قصة حب سري فظيع. إلا أني كنت قاب قوسين من فقدان التفاصيل السرية للقصة، حيث تعرضت بعد ساعتين لحادث مع “ألفارو”. كنا في شاحنة “أليخاندرو أوبريغون” وكدنا نسقط في هوة ونلاقي حتفنا، لولا أننا تفاديناها بمعجزة. قلت في نفسي “ياللحياة، طوال سنين وأنا أبحث عن نهاية القصة والآن سأموت دون تحقيق غايتي”. بمجرد أن عدت إلى رشدي من الصدمة والخوف انطلقت للبحث عن باياردو سان رومان وأنجيلا فيكاريو في منزلهما السعيد في مانور. ليخبراني بسر مصالحتهما غير المعقولة. كانت رحلة منيرة أكثر مما توقعت، فمن خلال تنقلي بين ذكريات الأشخاص وجدت خبايا وأسرار حياتي.
توجد قريتان قريبتان ومختلفتان عن بعضهما البعض تحملان اسم “مانور”. الأولى تتكون من طريق واحد واسع تحده منازل متشابهة تقبع على مساحة خضراء في سكون غير طبيعي. كان أهلي يرسلون أمي إلى هنا لتغيير الجو عندما كانت صغيرة. سمعت كثيرا عن هذه القرية من جدي لدرجة أني شعرت أني أعرفها منذ مدة طويلة رغم أنها المرة الأولى التي أزورها فيها. لم يكن الزوجان السعيدان يسكنان هنا، ولكن “رافائيل إسكالونا” ابن أخ الأسقف أخطأ الطريق بين القريتين، لنجد أنفسنا في مقهى القرية الوحيد نشرب البيرة الباردة، إلى أن تقدم رجل يشبه الشجرة ويرتدي حذاء من الجلد إلى طاولتنا، قدمنا “رافائيل إسكالونا” لبعضنا البعض، وعندها بقي ممسكا بيدي ونظر مباشرة إلى عيني قائلا “هل تربطك علاقة بالكولونيل نيكولاس ماركيز؟”
– أنا حفيده.
_إذن جدك قتل جدي.
لم يعطني الوقت لأشعر بالخوف، لأنه قالها بطريقة مرحبة. كان مهربا، ينحدر من جماعة “Amadis” وكان -مثلهم- رجلا صادقا وطيبا.
استهلكنا “الشيء” لمدة ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ، شربنا البراندي الساخن وأكلنا حساء الجدي في ذكرى أجدادنا الأموات. جعلني أزور العديد من القرى حتى شبه جزيرة “Guajira” لأتعرف على 19 من الأطفال الكثيرين الذين خلفهم الكولونيل نيكولاس ماركيز في الحرب الأهلية الأخيرة. في ظرف أسبوع أوصلني إلى قرية مانور الأخرى، قرية مكونة من الملح الصخري مقابلة لبحر من النيران. توقف أمام بيت عرفته من أول نظرة من شدة ما سمعت عنه.
_”هذا هو المكان” قال لي.
أمام النافذة، تنسج على الآلة في تلك الساعة الحارة، جلست امرأة بشعر مصفر تضع نظارة بإطار معدني، فوق رأسها علق قفص بداخله عصفور كناري لم يتوقف عن الغناء. من خلال رؤيتها بهذه الصورة في إطار النافذة لم أرد أن أعتقد أنها هي، لأني لم أرد أن أصدق أن الحياة تنتهي بمشابهة الأدب السيء. ولكن تلك المرأة كانت هي، “أنجلا فيكاريو” بعد ثلاثة وعشرين سنة من وقوع الدراما.
انتبهت أن المكان الذي ارتكبت فيه الجريمة عاد لمذكرتي، أمضيت فيه العديد من سنوات شبابي، وبعد أن رحلت عائلتي إلى منطقة أخرى عدت إليه مرتين بسبب مشروعي الروائي، المرة الأولى كانت بعد 15 سنة من وقوع الجريمة للنبش في ذكريات من شهد الحادثة، محاولا خاصة العثور على نهاية روايتي التي لم تكن الحياة قد رسمتها بعد. المرة الثانية عدت فيها لكتابة القصة بعد هذا اللقاء، كتبت من التاسعة صباحا حتى الثالثة بعد الظهر لمدة 14 أسبوعا دون كلل. أتعرق ماء ودما في المكان الذي قضى فيه باياردو سان رومان 6 أشهر في القرية.
كانت غرفة عارية فيها سرير من حديد وطاولة عرجاء توجب علي إقامتها بالاستعانة بقطع أوراق ونافذة يعبر منها الذباب محمّلا بالحر ورائحة المياه الميتة للميناء القديم. خلال كتابتي اكتشفت أن الحقيقة لا علاقة لها بما كنت أريد كتابته، ولا بما أذكره وكنت متفاجئا لدرجة أني تساءلت إن كانت الحياة كلها مجرد قصة تنسجها الذاكرة…
الدكتور “ديونيسيو ايغواران” قريب أمي الألماني كان طبيب القرية الوحيد في وقت الحادثة، مات بين الزيارتين اللتين قمت بهما. خلّفه الدكتور “كريستوبال بيدويا” نلقبه “كريستو”. وكان في سنته الثالثة في مجال الطب عندما وقعت الجريمة. كان صديق “سانتياغو ناصر” الحميم وكان آخر من رآه قبل موته. والوحيد بين السكان الذي بذل كل مجهوده كي لا يقتل صديقه، شهادته كانت الأذكى والأكثر تأثيرا.
بعد مرور سنة على كشف “ألفادور” لنهاية قصتي، كان الكتاب جاهزا ليكتب، ولأسباب بسيطة لا نستطيع نحن الكتاب فهمها، مر وقت طويل دون أن تكتب قصتي وأكثر من ذلك، مرت مدة نسيت فيها أمر الرواية، لغاية يوم خريفي جميل من سنة 1979 كنت مع “مرسيديس” في الصالة الرسمية لمطار الجزائر، ننتظر نداء الرحلة، عندما مر علينا أمير عربي يحمل شعار عائلته، وصقرا ماكثا فوق قبضته. كانت أنثى صقر رائعة، ولجامها الذي يفترض أن يكون مصنوعا من الجلد كان من الذهب المرصع بالماس، وتذكرت “سانتياغو ناصر” الذي تعلم من والده الصيد البري بالاستعانة بالجوارح.
في لحظة موته كان يملك في مزرعته أنثيي صقور، نسر، وباز مدرب للدفاع الشخصي. وقد كان هذا اللقاء بمثابة إشارة لي لكتابة القصة ولم أعد أستطيع إمضاء الوقت دون كتابتها، بينما كنت قد احتفظت بها طوال 32 سنة بداخلي، منذ يوم الاثنين حين دخلت “ماريا ألخندرينا سيرفانتيس” غرفتي وأيقظتني في صرخات مجنونة قائلة “لقد قتلوا حبيبي”. وهنا أتذكر حوار “the paris review” الذي سجله “george plimpton” مع “hernest hemingway” سأله عن كيفية تحويل شخصية حقيقية إلى شخصية روائية. “هيمنغواي” رد قائلا “إن شرحت لك كيف الطريقة، سيستعين بها المحامون المتخصصون في قضايا القذف وتشويه السمعة”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق