ثقافة المقال

سنين يجمع بين عدة أزمنة.. ليوزعها على شتات الأمكنة ..

مشاركا قارئه بالتخييل..

الغربي عمران

ما بين يدينا اصدار مختلف ومميز.. فلا هو بالشعر ولا هو بالنقد.. أو قصة و لا رواية… بل اشتغال أدبي يتماس مع المقالة والخاطرة والتناول النقدي.
يوحي العنوان “رحلة في أروقة الخيال” بالترحال.. لكنه ليس بالترحال بين البلدان.. بل الترحال بين العقول والأفكار التي دونها أصحابها في بطون الكتب…
لوحة الغلاف عمل فني قائم بذاته.. إذ جاءت الخلفية بلون أصفر غامق منمش بالسواد. ثم منظر يبرز ليحتل قلب المشهد.. عبارة عن سهول من سحب كثيفة.. التقطت من زاوية عليوة.. ثم يظهر من فسحة وسط السحب مشهد أرضي لطريق وجسر يربط ضفتي نهير.. ولسان من مروج خضراء.. يعلو ذلك قوس من صور مي زيادة .. المتنبي .. بدر شاكر.. المعري… وعلى الزاوية السفلى كف تمسك قلم غُمس بمداد السحاب.
ابتدأت صفحات الكتاب بثلاث مقدمات. الأولى للمقالح.. والثانية لعبد الباري طاهر.. والثالثة للكاتب. وما يهمني هنا هي مقدمة الكاتب الذي قدم لنا تجربته.. وظروف كتابته لهذا الكتاب.. وقد وضع نفسه في موضع المحاور لعدة أدباء من عصور مختلفة.. ليشعر القارئ بأنهم في لقاء أو مؤتمر يتحاورون ويتبادلون الأفكار حول إنجازاتهم.. أو بعض مقولاتهم.
التجربة جميلة ومبتكرة.. وكم نحن بحاجة إلى المزيد.. أن يجتمع عدة نجوم من مختلف العصور بنتاجهم.. والقيم التي نادوا بها هو عمل يقدم فيها عدة وجبات أدبية وفكرية.
اذا مضمون الكتاب يطوف بنا في رحلة متخيلة عبر الزمن.. زائراً لأكثر من أديب من مختلف العصور والقارات.. بدايتاً يذهب بنا إلى عصور قديمة.. مبتدئا بمحاورة الجاحظ.. ثم يعود إلى عصرنا الحاضر ليصحبنا في حوار مع البردوني.. يليه واسيني الأعرج.. ثم المقالح. وفي نقلة ثالثة يعود مرة أخرى إلى أدباء العصور القديمة كالمعري والشريف الرضي وابن زيدون ووالدة بنت المستكفي. ثم يعرج على الكسندر بوشكين وروم لاندو… وهكذا يحلق من قارة إلى أخرى.. جائباً بنا أزمنة مختلفة في حوارات أدبية وفكرية وفلسفية ممتعة. الكاتب جمع ترحاله الجميل والمفيد بين دفتي كتاب.. ليصلنا صخب تلك اللقاءات.. ووقع أفكار من يتحاورون. مثل الكاتب جسر تواصل.. ومحور تلاقي بين القارء وتلك الشخصيات من خلال أروقة متخيلة لحضور متخيل.. مستعرضاً أعمالهم. مظهراً ثقافة واسعة يتمتع بها.. إذ لا يمكن أن يقدم كل ذلك الفيض إلا من أطلع على كثير من المؤلفات والمعارف الإنسانية المتنوعة.
ولمن لا يعرف الكاتب.. فهو خريج جامعة صنعاء قسم التاريخ.. وله اهتمامات أدبية واسعة.. والأهم أنه نهم في قراءة كل جديد.. ما ينعكس على نتاجه الأدبي.. حيث سعة المعرفة تنعكس على نتاجه المتنوع.
وكما ذكرنا جمع الكاتب في كتابة بأسلوب شيق ومتخيل أطيافا من الشرق والغرب.. رابطا الحاضر بالماضي.. في تجريب جميل. أستخدم فيه فنون شتى.. منها فن المقالة الصحفية.. بأسلوب موجز.. ومن القصة ذلك التكثيف.. ومن خصائص المسرح حواراته.. ومن الرواية سردها ووصفها الدقيق لتفاصيل تقرب المتلقي مما يتخيله الكاتب.. ومن فن السينما تلك اللقطات الفنية.. مستخدما رسم المشاهد التي تخللتها حوارات مشوقة.. حول أفكار ضيوفه ومؤلفاتهم وعلاقاتهم ب شخصيات عصرهم.. وما اصطبغت حياتهم من غموض وصراعات.. خاصة في الجوانب النفسية والعاطفية. إضافة إلى أفكار ورأى مثيرة بشروا بها.. ليتردد صداها بين مثقفي وأدباء عصرهم وحتى اليوم.. كمضامين فكرية وفلسفية وأدبية.. لتستمر بإثارتها للنقاش حتى يومنا هذا. ومن فن التصوير تلك اللقطات المبهرة.. التي أجاد الكاتب استخدامها بشكل لافت. ناقلا أخبار من عصرنا إلى عصور خلت موضحاً تلك المفاهيم.. وبعض الأحداث في حياة مثيرة . ليجلي ما غمض حولها.. بأسلوب سلس وممتع.
الكاتب استطاع أيجعل من المتلقي رفيقاً في رحلاته إلى عوالم شخصيات قرأنا لها كثير من الأعمال.. وقرأنا عنها.. في ذلك المد الجميل من الخيال الممتع.
تلك اللقاءات والاجتماعات التي تخيلها الكاتب قربت للقارئ أجواء وظروف كان يجهلها حول حياة أدباء رحلوا وبقوا من خلال أدبهم وفكرهم.. وجعل القارئ يعيش خيال يقارب الحقيقة.. جاعلا الكرة الأرضية مكانا واحدا.. دون حدود بين المجتمعات وخاصة مجتمع الأدب والفكر.. محولا الزمن نهرا يتدفق.. نراه من شاهق خياله.
توزع الكتاب إلى سبعة فصول.. عنونها الكاتب بـ”رحلة” بدلاً عن فصل.. مخصصا كل رحلة لكاتب.. وقد تضمنت كل رحلة عدة عناوين جانبية .. فالرحلة الأولى إلى الجاحظ.. ثم الرحلة الثانية إلى المتنبي.. ثم الثالثة….. وضمن تحتها عدة شخصيات: أبو العلاء والبردوني.. ثم الرحلة الرابعة مع الشريف الرضي والموسوي والاحنف بن قيس.. وهكذا كلما انتقلنا من رحلة إلى أخرى نجد المحتوى يزداد توسعا وتلك الشخصيات تتعدد.. فالرحلة الخامسة إلى ابن زيدون وتضمنت ولادة بنت المستكفي.. واحمد شوقي.. وشكيب ارسلان.. والفرنسي غوستاف لوبون إلى شخصيات أخرى.. وهكذا حتى نهاية الكتاب بالرحلة السابعة.
رحلة في أروقة الخيال صادر عن مكتبة خالد ابن الوليد بصنعاء.. 2019 وللكاتب أيضاً عدة اصدارات أدبية.
عضو نادي القصة.. له مشاركات نوعية وتناولاته نقدية لافتة. تميزت بملكة أدبية خاصة.. لما يمتلكه الكاتب من قدرات على تحليل النص.. والتعمق في دلالته وما يبوح به ويبطن من معان وغايات.. ولذلك ننتظر إن تجمع قراءاته ومقارباته النقدية ضمن اصدار كضافة للمكتبة العربية.. تنير لمتابعي المشهد الإبداعي يمنيا وعربيا.
تعيش اليمن سنوات عصيبة.. ابطالها ساسة دمروا برعونتهم وغباءهم كل جميل في حياة اليمنيين.. وتبقى لنا أمل ما ينتجه كتابنا.. نلجأ إليه كضوء نستشرق من خلالهم غد أكثر أشرقا.
هي تحية لأديب رصين وجاد.. ومثقف له مكانته في الوسط الأدبي اليمني. وهي تحية لنتاجه المتنوع في تناوله ومحاوره.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق