ثقافة السرد

سكنها أرق مقيم إلى أن مات ابنها

محمد سعيد احجيوج

لم تنم الأم ليلتها تلك، ولا الليلة التي بعدها، ولا التي تلت ولا أي ليلة أخرى. سكنها أرق مقيم إلى أن مات ابنها. عندها تنهدت بعمق ونامت.
قضت ليلتها الأولى مستلقية على ظهرها بجانب زوجها النائم، تردد بعض الأدعية التي تحفظ وسور القرآن القصيرات التي حفّظها لها جواد بصبر وأناة لأجل أداء الصلوات. يأتي شخير زوجها ليخرجها من تركيز الأدعية والآيات فتنتقل إلى الدعاء بالسخط وإلقاء اللعنات على جارتهم التي لا شك سحرت ابنها، ثم سرعان ما تتوقف عن التمادي وتستغفر الله عائدة إلى الأدعية والمعوذتين، إلى أن يخرجها شخير زوجها مجددا من تركيزها.
قلبها يتقطع على جواد، وتفكر ماذا كانت ستفعل لو أنه ابنها الحقيقي. تحرك رأسها يمنة ويسرة بعنف هستيري تحاول طرد الفكرة من رأسها. تصر على أسنانها وتتمتم لنفسها. “لا فرق. جواد ابني”. وتتذكر كيف سحرتها عيون الرضيع الواسعة وكيف غرقت في بحر تلك العينين البراقتين الواسعتين البريئتين.
ولدت في حي مرشان، وتعود أصولها إلى قرية بني بوفراح المتاخمة للحسيمة. جاءت عائلتها هربا من المجاعة فاستقرت عاما في تطوان حيث اشتغلت والدتها خادمة لدى عائلة إسبانية، ثم شدت العائلة الرحال مجددا فنزلت بطنجة حيث لم يكن الوضع أفضل. مرت فاطمة بسنوات من المعاناة والفقر والحرمان خلال طفولتها ومراهقتها، لذلك حين جاءها محمد الإدريسي، المنحدر من القرية نفسها، خاطبا، لم تتردد ووافقت فورا، رغم أنه جاء وبين ذراعيه رضيعه الذي بالكاد أكمل عاما. لو شئتم الدقة هي أقنعت نفسها أنها وافقت، فالحقيقة أن أباها كان سيزوجها سواء وافقت أم لم توافق.
أخبرهم الخاطب أنه أرمل توفيت زوجته وتركت له الرضيع جواد. في ذلك الزمن لم يكن بالإمكان التحقق بسهولة من ذلك. وستعرف فاطمة، بعد سنوات، أنه كذب. لم يكن أرملا. تخلى عن زوجته في تطوان وجاء حاملا ابنهما، تاركا المرأة المسكينة تجوب الشوارع، تفترش الأرصفة، وتسأل المارة إن رأوا وليدها جوادا. بقيت مشردة أشهرا إلى أن صادفتها إحدى الراهبات الإسبانيات فأخذتها واعتنت بها.
بعد سنوات ستعرف أم جواد طريقها إلى بيت فاطمة، وسترفض فاطمة، التي ستعاني من العقم لسنوات قبل أن تحبل بهند، أن تعيد لها ابنها. لسببين، أولا هي اعتنت بالطفل لثلاث سنوات وما عاد بالإمكان فصله عنها، إنه ولدها الآن شاء من شاء وأبى من أبى. وثانيا هي لن تسلم طفلا مسلما لامرأة غيرت دينها وتحولت إلى المسيحية. أول ما فعله الأب عند عودته هو جر زوجته الأولى من شعر رأسها ورميها خارج البيت حافية. لم تتقبل فاطمة ذلك العنف من زوجها تجاه زوجته الأولى، التي ما تزال في ذمته، إلا أنها بقيت خرساء صامتة. كانت خائفة من مثل ما فعل بزوجته الأولى ويأخذ منها جوادا. بعد ذلك بأيام قليلة حملوا أثاث بيتهم القليل وارتحلوا للاختفاء في الحي الشعبي بئر الشعيري.
انفلتت دمعات من عيني فاطمة وانزلقت على وجنتيها المتجعدتين قبل الأوان. عمرها ستة وأربعون لكن من يراها يحسبها على مشارف الستين. تساءلت إن كان الابتلاء الذي أصاب جوادا هو عقاب من الله لها ولزوجها لما فعلاه بالأم المسكينة، أم جواد الحقيقية.
جاء آذان الفجر وبدأ زوجها يتقلب استعدادا للاستيقاظ. أغمضت عينيها متظاهرة بالنوم، وانقلبت على جنبها الآخر مديرة ظهرها لزوجها. بقيت كذلك حتى سمعت باب الشقة يغلق خلف الزوج الذي خرج إلى المسجد، ثم قامت بدورها. ذهبت أولا إلى غرفة جواد. واربت الباب قليلا وأطلت من الفرجة الضيقة. رأته على فراشه ممددا تحت غطائه والنافذة مشرعة على نسيم الفجر البارد القادم معبقا برائحة البحر. رغم ذلك أزكمتها دفقة من الرائحة النتنة فغطت على أنفها مقاومة شعورا جارفا بالغثيان. عادت خطوة إلى الخلف وأغلقت الباب.
توضأت وصلت صلاة الفجر، ثم جهزت المبخرة وعادت إلى غرفة ابنها لترقيه. قربت المبخرة من أنفها لتتغلب على رائحة الغرفة ثم دفعت الباب. انقبض قلبها حين وجدت أن جوادا تقلب وانزلقت عنه الملاءة وتجمدت عيناها على صدره المشعر بغزارة وقدميه المشوهتين وشفته المتدلية. استغفرت وحوقلت واستعاذت بالله من الشيطان الرجيم، ثم اقتربت من الفراش لتبدأ طقوس الرقية غير أنها أسقطت المبخرة وصرخت حين رأت الدماء تغطي يدي جواد إلى المرفقين.
انفتحت عينا جواد فارتعبت الأم أكثر من الحمرة القانية التي غطت البياض كله. فتح الابن شفتيه وأراد أن يقول شيئا وهو يحرك يديه بحركات لم تفهم منها الأم شيئا، ولم يخرج من شفتيه سوى همهمات غامضة تكاد تكون زمجرات وحش يتألم. غطت الأم وجهها بيديها ودفنت رأسها في صدرها. جاءت هند في تلك اللحظة ورأت ما رأت أمها. ربتت على كتفي أمها ثم طوقت خصرها وأخرجتها.
ارتمت الأم على الأريكة وألصقت ركبتيها بصدرها وانطلقت تنشج بخفوت وببكاء متقطع شبه صامت. استمرت كذلك حتى عاد الأب من صلاته فقطعت بكاءها دفعة واحدة وقد اتخذت قرارها بشأن ما ستفعل.
بعد الإفطار ذهب الأب ليواصل نومه. أطلت الأخت على أخيها، ونظر الواحد منهما إلى الآخر نظرات صامتة، وتركت له فطوره بجانب الباب ثم عادت وأقفلت الباب. أما الأم فقد قامت لتلبس جلبابها وتسدل على وجهها لثامها الأبيض ثم خرجت متوجهة إلى فقيه سمعت الكثير عن بركاته.
يفترض أن تأخذ معها ابنها المبتلى بهذا السحر، لكنها تعرف استحالة ذلك، فاكتفت بأخذ قميصه من سلة الملابس المتسخة، وذهبت إلى مشوارها، حيث سيؤكد لها الفقيه، بثقة من سمع قصتها التي حكتها قبل دخولها إليه، أن ابنها مسحور والفاعلة امرأة سوء تريده لابنتها. السحر وضع تحت ممسحة القدمين خارج الباب وقد خطا عليه عند خروجه ثم عند دخوله، ثم أخذت امرأة السوء السحر ورمته في الحمام وقد وصل الآن إلى البحر حيث لا يمكن أبدا استعادته. “ما الحل الآن؟” خرج السؤال مترددا مرتبكا من امرأة لم تتعود الخروج من البيت دون رفقة زوجها أو ابنتها، فأخذ الفقيه قميص الشاب المسحور، تفل فيه ثم أشعل النار فيه وتركه يحترق فوق صفيح معدني على يساره، وانتظر حتى احترق تماما، ثم قام وجمع الرماد وسكب عليه قليلا من الحبر، وتفل فيه مجددا، ثم غمس القلم في الحبر المختلط بالرماد وخط بعض الخربشات في ورقة خشنة، ثم طواها بعناية بعد أن انتهى ووضعها في حجاب سلمه للأم المكلومة وطلب منها أن تضعه في عنق ابنها أو، إذا تعذر ذلك، تحت مخدته.
قامت الأم ووضعت عشرين درهما في يد الفقيه، فزعق الفقيه ورماها كأنها جمرة مشتعلة، ثم صرخ بصوت مرتفع مستعيذا بالله من الشيطان وقال إن سحر ابنها سحر صعب تطلب منه جهدا جهيدا، والجن الأزرق الذي يخدمه لا يقبل إلا أزرقا. استدارت الأم وأخرجت من صدرها محفظتها وأخرجت منها الورقة النقدية الزرقاء وتحسرت على الأيام الخوالي التي كان فيها الفقهاء يقنعون بخمسة دراهم. الآن يطلبون مئتي درهم. اختطف الفقيه ورقة المئتي درهم من يدها وابتسم لها كاشفا عن أسنانه النخرة. “إنه الغلاء سيدتي. حتى أسيادنا الجن يعانون من الغلاء”.
ستتحسر المسكينة فاطمة قريبا على ذلك المبلغ الفادح حين تجد أن الحجاب الشافي جاء بأثر عكسي. فقد رأت، بعينيها اللتين سيأكلهما الدود، كما حكت لاحقا لامرأة عند فقيه آخر، بأنها ما إن تسللت عصرا إلى غرفة ابنها، وقد حمدت الله أنه كان نائما مجددا، ووضعت الحجاب تحت مخدته حتى رأت حاجبيه ينموان بشكل مخيف. تجمدت برهة مصدومة مرتعبة، ثم مر الخاطر برأسها فجربت أن تخرج الحجاب من تحت المخدة ورأت، لعجبها، أن شعر الحاجبين عاد لحجمه. وضعت الحجاب مجددا، وهذه المرة رأت اللحية تطول وتطول حتى تدلت على الفراش. قاومت بصعوبة ألا تسقط فاقدة الوعي وسحبت الحجاب مجددا، فعادت اللحية تقصر كما كانت من قبل. قررت أن تحرق الحجاب وتبحث عن فقيه آخر. وهو أمر سيتكرر من فقيه إلى آخر طيلة شهرين، قبل أن تقرر في الختام الاستسلام لقضاء الله وقدره.

*كاتب من المغرب. النص أعلاه مقطع من رواية “كافكا في طنجة” الصادرة مؤخرًا

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق