ثقافة المجتمع

تمثال الحب

أحمد أمين

رجل جليل،تابعي فضيل ، عاش في زمن سيد الأنبياء ولم يره في حياته قط.ولكن ذاع صيته بين الصحابة الأتقياء. فمن هذا الرجل ؟وما مناقبه الجلية التي أدته إلى المراتب العلية والمناصب السَّنية ؟
ألا وهو التابعي الجليل أويس القرني (ر) أكرمه الصحابي العادل
عمر بن الخطاب. كان سيد التابعين أويس القرني (ر) يريد الذهاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لينال شرف الصحبة وكان يخدم أمه فقالت له: “ابق معي يا بني”وما تلقى التابعي هذه الكلم من أمه حتى ترك الذهاب.فسرعان ما نزل الوحي من السماء ،لنشر هذه الفضيلة الفياضة، لعضمة بره مع أمه.وكيف لا يكون معروفا و شهيرا مع أنه ترك الصحبة لأجل خدمة الأمّ.وليس لي هدف بسرد هذه القصة سوى حكاية فضيلة الأم ومكانتها.
منصب الأمومة لا يعدله أي منصب في العالم ! الأم هي التي تهزّ المهد بيسارها،و تهزّ العالم بيمينها.إذا أردت يوما أن أكتب عنها مجلدات الدنيا فما أوفيها ،حتى عن حق من حقوقها. قد بذل عديد من الأدباء جهودا مكثفة لتعبير مشاعرهم عن أمهاتهم، أرى أنهم طرا رجعوا القهقرى. إلا أن بعضهم أتقنوا ما سعوا إليه بشكل طفيف.وهي نفحة من نفحات الجنة وعطية من عطياتها وشمعة تفني نفسها لأجل أن ترى أبناءها أسعد الناس.ولا شك أن التاريخ ثرثار ليحكي لنا فصيلة الأمهات ويعبر عن مكانتها. فأحسن ما قيل عن الأم هو الحديث الشريف:”الجنة تحت أقدام الأمهات”.
يوما من عهد النبي صلى الله عليه وسلم جاء رجل يستأذنه للغزو معه في سبيل الله وله “أم” فقال: “الزمها فإن الجنة عند رجلها”. وجاءت أم جريج العابد إليه أثناء عبادته فلم يهتم بها حتى أتت إليه ثلاث مرات وكان معتكفا بعبادته فدعت أمه عليه:”اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى يَنْظُرَ إلَى وُجُوْهِ المُوْمِسَاتِ” فأجاب الله دعاءها فتعرض للظلم من قبل المرأة البغية.هذا هو دعاء الأم.ربما يكون نارا تحرق الجنان وأحيانا ماء تطفئ النيران.فرضا الله سبحانه وتعالى في رضا الوالدين.
فكم أمهات قدّمْن للعالم رجالا يشار إليهم بالبنان ولن يمرّ التاريخ إلا بأسماءهم.فمات والد الإمام الشافعي رحمه الله، ولم تبق أمه مليا يائسة حتى شدت مآزرها لأن تجعل ابن محمد بن إدريس الشافعي إمامًا، فأخذته من غزة إلي مكة لحفظ القرآن الكريم فأتمه وهو بن سبع سنوات، ثم أرسلته إلي البادية ليتعلم اللغة العربية، ثم تعلمه الفروسية و الرماية فكان يضرب مائة رمية لا يُخطئ منها واحدة، فأم الإمام الشافعي لم تترك الأمور تسير حسب الظروف، فساهمت للعالم إمام المذهب صاحب المنصب .ومن أفضل النصائح التي سمعها التاريخ نصيحة عالية بنت شريك الأزدية التي أنصحت بها ولدها الإمام مالك بن أنس حين وجهته إلى حلقة ربيعة بن أبي عبد الرحمن قالت:”تعلم من أدبه قبل علمه” .هكذا الأم…تلقي النظرات المستقبلية، تتخطى العقبات والمصائب بدون تعطل وإيقاف وتجتاز العائقات والمتاعب في مسير حياتها تاركة في مسارها آثارا بهية وناصبة في ممرها منارات مضيئة تنوّر الدروب للاحقيها.
ها هو ذا طالب قال عنه أستاذه “ليس أحد أفضل منه”، نشأ يتيما في كنف أمه لم تهمله طوال حياتها وقامت بتربيتها أفضل تربية ،فتعهدته بالرعاية والدعاء ووهبته للعلم والصلاح ،ورحلت به في سن السادسة عشر إلى مكة للحج ، ثم تركته هناك ليطلب العلم ورجعت ثم رجع هذا الطالب إماما للمحدثين الذي نقش اسمه في لوحة التاريخ البيضاء وهو الإمام البخاري رحمة الله عليه.
أجل ، الأم تصنع الأمة، فطيبتها أعلى من القمم السوداء وأعمق من المحيطات الزرقاء ، وهي كل شيء في هذه الحياة ، هي التعزية في الأحزان والأتراح والتلبية في نداء السراء والضراء ،إن أعظم ما تتفوهه الشفاه البشرية هو لفظة ” الأم.”

 
*باحث في قسم العقيدة والفلسفة.
(جامعة تنسيق الكليات الإسلامية)
كيرلا، الهند.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق