ثقافة المقال

المعرفة الإنسانية التي هي وليد تجربة فعل

قصيدة قصيرة ومقالة توضحان فهمي للمعرفة الإنسانية التي هي وليد تجربة فعل

ابراهيم مالك*

ـ الإهداء للكاتب الفلسفي الجزائري د . زهير الخويلدي ، قرأتُ أخيرًا في موقع المجلة
الثقافية الجزائرية المُوَقَّرة 3 مقالات اخترتُها للنشرِ في موقعِ مجلتي الإلكترونية الشهرية ، ” كِتابُنا ” ، أفرحتني كثيرًا وتَعلَّمْتُ منها بعض الشيء فازددتُ معرفةً ، أهَنِّئُكَ ولاحظتُ سِعَةَ معرفتك وثقافتك وهيَ ما يُمَيِّزُكَ . ابراهيم

كُلَّما

كُلَّما أجِدُني جالِسًا
مَعَ ذاتي أسائِلُها وأحاوِرُها
أراني جالِسًا
أفْتَرِشُ التُّراب في حَضْرَةِ أبْناء امّي
الأقْدَم سِنًّا وَزَمَنا
أصْغي ،
بِأذنٍ نَبِهَةٍ وَعَقْلٍ مشْرَعٍ على أكْثَرَ مِنْ مَدى ،
لِما عَلَّمَتْهُم الْحَياة ، عَلّمَتْ كثيرينَ وَعَلَّمتني .
ساعَتَها أدْرَكْتُ ما سَمِعْتُهُ
الْوَعْيُ وَليدُ حِوارٍ بيْنَ الذاتِ
وما يُحيطُ بِها مِنْ تَجَلِّياتِ حَياة
وَوَليدُ ثالوثٍ حَياتيٍّ هُوَ
الْعَمَلُ ، التَّجْرِبَةُ والْمَعْرِفة .
أدْرَكْتُ ساعَتَها
أن الوَعْيَ شَرْطُ الإدراكِ
لِما يَجْمُلُ بِنا أنْ نكونَ لِنَكون !

ـ مقال المعرفة **

المَعْرِفَة
أهْيَ حِوارٌ مَع الذّات ! ـ
ابراهيم مالك

المعرفة ،
أشعر في أحيان كثيرة أن هذا ما ينقصني ، أعني المزيد من المعرفة ،
وأعني بذلك المعرفة النافعة ،
المعرفة التي فيها منفعة حقيقية للإنسان ، ومن شأنها أنْ تُراكِمَ فهْمَهُ لذاتِهِ وفهم الذات الأخرى ، فهْمَ ما يحيط به .
فالمعرفة ، كما أفهَمُها وأعنيها ، هي في حقيقتها بحث دؤوب وصبور عن الذات الإنسانية .
وما هو نافع حقا لها ، كيفَ تصوغ شروط حياتها ، شُروطُ بقائها وازدهارها ،
وهي ، أي المعرفة تشترط ، لازدهارها ، تنشيط العقل وتنشيط التفكير ، وهذان يشترطان حرية الفكر والحوار واحترام حق كل فرد ، الذي أحسبه واجبا وليس فقط حقا ، في الإسهام في هذا النشاط .
المعرفة هي أسمى غاية إنسانية .
فكي نعرف ، يجمل بنا أن نعوِّدَ عقلنا ونفسنا على التفكير ومناقشة واعية لكل ما هو جديد أو قديم ولكل ما نقرأ عنه أو نسمع به ونُعَوِّد أنفُسَنا على التساؤل والشَّكِّ بحثًا عن حَقائق حياة .
وحين أقول إنَّ ما أحتاجه هو المعرفة النافعة ، أقصد أنَّ كثيرا مما نصطلح عليه معرفة ليس نافعا وليس ثمة حاجة إنسانية له .
وهي ، أي المعرفة ، بحث لا يكلُّ عن خفايا عالمنا وموجوداته ، وعن كيفية الاستفادة الرشيدة والحقة مِنْ كل ما حولنا من خيرات ، عِبَرٍ نتعلم منها وفوائد نجنيها ، تُجَمِّلُ حياتنا .
المعرفة تنشأ بالعمل ـ الفعل الإنساني والممارسة .
وفي الممارسة تتطور مقدرة السعي نحوها ، فهي شيءٌ مكتسب وليس معطى ، كما كان فلاسفة كثيرون في عالمنا الواسع ، القديم منه والحديث ، يعتقدون وأشهرهم أفلاطون الإغريقي اليوناني .
ومن المفروض ألّا نكتفي أو نرضى لأنفسنا أن نظل مستهلِكين ومستورِدين لها ، يجمل بنا دائما البحث النشط عنها والعملي ، ذهنيا أو جسمانيا ، لاكتسابها والإفادة منها ، إنتاجها ، لنصبح شركاء حقيقيين في المعرفة الإنسانية .
وحين أقول إنها تنشأ بالعمل ـ الفِعْل، أدرك وبالتجربة الحياتية الشخصية والعامة ، التجربة الإنسانية عبر ما يُعْرَفُ من تاريخ ، أدرك أنَّ كثيرا من أعمال الإنسان لم تك نافعة ولم يَكُنْ له بها أية حاجة حياتية ضرورية .
ومن الضروري في هذا السياق التأكيد أنَّ العمل ـ الفعل ـ هو نشاط إنساني ، سمة أساسية للإنسان ، تميزه عن غيره من موجودات عالمنا الأرضي ، وهو ، أي العمل ، سبب نشأته ، وهو نشاط هادف وواع ، فلا وعي ، معرفة أو تجربة بلا عمل .
ويفترض بالعمل ألّا يكون عملًا طفيليا ، بل نافعا ومجديا ، وإذا كان طفيليا ، فهو بلا فائدة ولا منفعة ، كالإتجار بالسلاح ، جسد النساء ، المخدِّرات ، الشهوات وغيرها .
وما أقوله هنا ليس مجرد مسألة أخلاقية ، بل مسألة ترتبط بوجود الإنسان وجوهر نشاطه ، فالنشاط الطفيلي ، أخشى ، إذا تواصل واتَّسَعَ ، أن يكون مدمِّرًا لهذا الوجود !
والعمل ، حين يكون نافعا ينتج قيما مادية وأخرى عقلية وثقافية ، كالرسم والموسيقى والغناء والمسرح وكل التجليات الأدبية والفكريَّة ، قيمًا تلبي حاجات الإنسان الضرورية حقا وأخرى تهذِّب النفس وتضمن لها مُتعًا ذِهْنِيَّة .
فالحرب مثلا ليست عملا ، وكذلك صنع الأسلحة ليس عملا ، بالمعنى الذي أفهمه وأعيه ، والتفكير أو الإتجار به ، كما أسلفت ، ولا ما يترتب عنه من ممارسات ، كالحروب وإشعال الفِتن والصِّراعِ العرقي ، الفئوي أو الشخصي ، موت وتشويه حياة أو غيرها من ضروب عداء ، كالكراهية ، دهاء ماكر ومدمر ، احتراب، منافسة ، تجويع ، تمييز ، ظلم ، عيش متطفل وعسف ، هذه ، كلها ، لم تُسْهِمْ في ولادة إلّا ما أعنيه من تَشْويه للحياة الإنسانية وقِيَمِها .
حين أتحدث عن هذه الصفات ، كالكراهية والعداء والتجويع وغيرها ، أؤكد أن هذه ليست صفات إنسانية متوارثة ولا صِفاتٍ دينيَّة ، بل صفات مكتسبة بالأعمال غير النافعة ، وبالغباء الإنساني المتعمَّد ، وهو الغباء ، الذي يسميه بعضنا علما ، فنا أو تعبيرا عن مصلحة ماديَّة ، تبرره ، ففيه ، أي في هذا الغباء ، منفعة عابرة ووهمية لبعض شرائح مجتمعاتنا ، القلة القليلة من بعضنا.
وكم يحزنني حقيقة ما أرى وألاحظ :
الغباء الإنساني وما يرافقه من اندفاع جنوني إلى الهاوية ، وأكثر ما يبرز هذا الغباء والاندفاع الجنوني في ظواهر العنف وانفلات منطق القوة ( السلاح النووي ، النويتروني ـ البيولوجي والكيماوي ، ما وصفه البعض قبلي ( بانقلاب الـْمـُنتـَجِ على مـُنـْتـِجـِهِ ) ويبرز كذلك في الأخطار التي تتهدد البيئة ( كالتدمير المتزايد للطبيعة انطلاقا من مفهوم خاطئ ، عسفي وكأن الإنسان سيِّد الطبيعة وليس ولدها، التلوث والانحباس الحراري ) ، انتشار أفكار التمييز المختلفة والوهم القاتل بوجود تفوق عرقي .
هذا الغباء هو ما يميز عالمنا ، الصغير والكبير ، يجمل بالمرء أن يتخلَّصَ منه عاجلًا .
وفي مجرى العمل نشأت معارف دخيلة ومُرَوَّج لها عن عمد ، اصطلحنا على تسميتها علومًا ، قيمًا وما هي كذلك لو تأملناها جيدا ، بِرَوِيَّة وبقليل من الغربلة الذهنية والتأمل .
وكان بعض إنساننا القديم ، من بدأ يطرح أسئلة حياة جدِّيَّة ومُفكِّرَة في بحثه ، بدأ يبحث عن إمكانية ومبعث سعادة ممكنة ولازمة .
لا يخفى على عقلي أنَّ السعادة المنشودة هي ما نبحث عنه في المتخيل من عقلنا و هي حس خاص وتصور شخصي ، جزء من نفسية إنسانية ، تساعد ظروف معيشيَّة محددة على توفره ، هنا على الأرض .
فالسعادة الحقيقية والدائمة تتوفر في العمل النافع والمُكَلَّل بالنجاح والقدرة على بلورة عالم ذي قيم إنسانية ، راحة بال ذهني وجسدي ، أفق طموح وحلم إنساني يتجدد دوما.
يُحزنني كثيرا أنّ انساننا اليوم يعتمد كثيرا على المنقول وعلى ما يُقال له من خلال الترفيه الاستهلاكي الوهمي عبر التلفزيون والإنترنيت والصحافة غير المسؤولة ، وعبر كل ما يقال له وعنه ، يتنكر لخاصيته الأساسية التي ميزته عن المخلوقات الأخرى ، يتنكر للعمل ـ الفعل وللعقل .
إن ما أدعو إليه هو وجوب تفعيله الدائم ، تفعيل العقل الواعي والنافع ، وأدعو إلى صِنف من المساءلة الذهنية في كل أمر وكل حادث أو كشف ، وإلى اعتماد نهج طرح الأسئلة المشكـِّكة ، بلوغا للحقيقة أو سعيا لهذا البلوغ وبحثا عنها !
فالحقيقة هي مبتغاي في هذه الحياة وشرطها ، شرط الوصول إليها ممكن فقط عبر المعرفة المتجددة كالحياة .
وحين أتحدث عن العقل أعني العقل الطبيعي ، الذي نشأ في العمل والتأمل ، خاصة تأمـُّل الطبيعة وما يـُحـيـط بنا . فالطبيعة البكر كانت الـْمـُعـَلـِّمَ الأوَّلَ ومن خلال التعامل النافع معها نشأت معارف الإنسان الأولى .
فالعقل الذي أتحدث عنه ونحن اليوم أحوج ما نكون إليه ، إن شئنا حقا بدء السباق الماراثوني لمنع خراب عالمنا ، خراب إنسانيتنا ، هذا العقل هو وليد الطبيعة والعمل . أما ما يوصف اليوم بعقل الاستهلاك والانفلات الرهيب في التعامل مع الطبيعة ووليدها الإنسان ، وما يترتب عن ذلك من شرهٍ وجريٍ محمومٍ خلف وهم الثروة واللجوء إلى العنف – القتل والتجويع وغير ذلك من موبقات عالمنا الراهن ، هذا العقل الوحشي ، الرأسمالي المتوحش ، هو نقيض ما أعني .
مفكرون كثيرون في العالم بدأوا يتحدثون ، خاصة في المائتيِّ سنة الماضيتين ، عن خيانة العقل ، أذكر منهم على سبيل المثال المفكر والأديب الهنغاري الرائع – جورج لوكاش – في مؤلفه عن تدمير العقل . وأذكر في زمننا الحالي ما توصل إليه مفكرون كثيرون عن خيانة العقل . أذكر منهم على سبيل المثال كذلك الفيلسوف الألماني هابرماس . حتى بدأ البعض يطرح سؤالا :
عما إذا كان العقل الحالي ، الذي سبق وأخرج الإنسان من مراحل حياته البدائية ، سيعيده ( أو حقًّا أعاده ) إلى مراحل الحياة الوحشية الحقيقية .
لا أعتقد أنـَّها خيانة العقل ، بل خيانة نقيضه ، ما نشأ وتطور في مجرى العمل غير النافع إنسانيا ، كصناعة الأسلحة ، تجارة الحروب والمُخَدِّرات ، وما يعتبره البعض تراكم ثروة زائفة .
***
خلصت في الحوار مع ذاتي إلى سؤالِ ذاتي ، اعني ذواتي ، أعنيك أنت وهو ، هي ، أي نحن :
أية قيمة للحياة إن لم تكن صراعا ، أعني سعيا عقلانِيًّا وعملًا نافعًا، في سبيل المعرفة والمنفعة الحياتية الضرورِيَّة حَقًّا .

***
*ابراهيم مالك كاتب وشاعر فلسطيني جزائري الأصول
**مقال أنشره مُجَدًّدا بعد تنقيحه وسبق أن نَشرتُهُ في كتابي النثري قبل الأخير :
” المقالات هي وجهات نظر أو حوار صامتُ صارخٌ بينك وبيني “
صدر في عام 2017 .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق