قراءات ودراسات

موضوع الثقافة في رواية ريح الجنوب

عبد لي محمد السعيد

موضوع الثقافة هو أحد الموضوعات الأساسية في “رواية ريح الجنوب” لعبد الحميد بن هدوقة1.‏ تناول هذه الدراسة لموضوع الثقافة في هذه الرواية لا يهدف إلى إبراز أهمية الثقافة، أو دراستها كموضوع في المجتمع الذي تحيل إليه الرواية، لكون هذه الدراسة ليست دراسة اجتماعية ولا سياسية ولا أنتروبولوجية، إنها دراسة أدبية، تعمل داخل النص الأدبي وتلتزم به.‏ يقوم الموضوع الثقافي في رواية ريح الجنوب على عدة شخصيات، ويتجسد من خلالها. وتتوزع هذه الشخصيات إلى مجموعتين متعارضتين، تتكون كل منها من ثلاث شخصيات حسب ما يلي:‏

المجموعة الأولى تتكون من العجوز رحمة، ورابح الراعي، والطالب الشيخ حمودة.‏

والمجموعة الثانية تتكون من نفيسة، والمعلم الطاهر، ومالك رئيس البلدية.‏

وبهذا يصبح موضوع الدراسة يتشعب إلى موضوعين تجسدهما المجموعتان، ويتفرع كل موضوع منهما إلى ثلاثة موضوعات، باعتبار كل شخصية من شخصيات المجموعتين تبني موضوعاً فرعياً، هو في النهاية جزء من الموضوع المركزي، أي الموضوع الثقافي.‏

1-المجموعة الأولى:‏

1-1: العجوز رحمة: تبدأ الرواية بيوم جمعة صباحاً، إذ تستيقظ القرية على سكون رياح الجنوب، بعد ليلة قضتها تحت الغبار والدوي العنيف.‏

وبعد وقفة قصيرة مع عابد بن القاضي وابنه الصغير عبد القادر ورابح الراعي، انتهت بخروج رابح بالغنم، وبذهاب الأب وابنه إلى السوق، تنتقل الرواية إلى الحديث عن استيقاظ نفيسة وحديثها المتوتر مع أمها، ثم انغلاقها في غرفتها، لتطلق العنان لخيالها، تتأمل شؤون حياتها، مستعذبة نغمات ناي، تصلها من بعيد، ثم لا تلبث أن يقتحم أذنيها صوت العجوز رحمة وهي تنادي أخاها عبد القادر.‏

كانت رحمة قادمة في تلك الساعة إلى بيت ابن القاضي “في تعثر، تحمل فوق ظهرها قفة من حلفاء يشدها إلى صدرها حبل.”(ص15) كانت رحمة على موعد مع أم نفيسة للذهاب معاً إلى زيارة المقبرة.‏

وبعد هذا الظهور المبكر لرحمة في الرواية، نرى السارد يركز على إبراز ضعفها الجسمي وعجزها، وكأنه يلمّح إلى أن الزيارة التي ستقوم بها إلى المقبرة ليست عادية، فقد تكون آخر زيارة.‏

يقول السارد: “كانت العجوز رحمة تمشي الهوينا في كلل بيّن، رجلاها تتحركان في بطء وتعثر كأنهما تتنقلان فوق الشوك: “(ص15) وتؤكد رحمة غير مرّة ضعفها وعجزها الكبيرين، فتقول لنفيسة وهي تنتظرها عند الباب: “لست أدري أرجلاي هما اللتان تحملان جسمي، أم جسمي هو الذي يحمل رجلاي”.2 (ص15) ولما يبدو على نفيسة عدم الاقتناع بكلام رحمة، تضيف هذه قائلة: “إيه، يا بنيتي! المثل يقول: “ما يدري بالمزود غير اللي ضرب به وإلا انضرب به”… يوم أن كنت صحيحة حقاً كنت لا أخاف الشوك ولا أحذره، أما اليوم فالعشب اليابس يؤلم قدمي، فضلاً عن الشوك!”(ص16) وبعد هذا التأكيد على ضعفها وعجزها يأتي ذكر الموت على لسانها، وهي تجيب أم نفيسة وقد سألتها عن صحتها: “ناكلو في القوت ونستنو الموت!”(16)‏

وبهذا يتضح مغزى تركيز الراوي على ضعف رحمة في الوقت الذي كانت تستعد فيه لزيارة المقبرة. إنه جعل فكرة الموت مقرونة برحمة وملازمة لها.‏

ولما تصل رحمة إلى المقبرة رفقة خيرة وابنتها نفيسة، تجلس إلى قبر زوجها وتدخل في حوار نفسي معه، وكأنه ماثل أمامها، أو بالأحرى قد انتقلت إلى عالمه الماورائي وانفصلت عن عالمها الواقعي. وفي ذلك إشارة واضحة إلى كونها لم تعد قادرة على الاستزادة من تحمل أعباء الحياة، هذه الحياة التي لم تعد تقف فيها إلا على رجل واحدة، أما الرجل الثانية فنقلتها حيث عالم الأموات، عالم زوجها. هذا العالم الذي لم تكن ترغب دخوله بيدين فارغتين، بل بأواني فخارية، قضت عمرها في صنعها وإتقانها. وفي ذلك رمز إلى أن موت رحمة لا يكون موتاً جسدياً وروحياً فقط، وإنما يكون كاملاً وشاملاً وفظيعاً، لأنه سيضع حدّاً لصناعتها وسيقضي عليها بالانقراض مادام لم يأخذها أحدٌ عنها: “جلست العجوز أمام قبر مغطى بالأواني الفخارية، وقالت مخاطبة زوجها الذي مضى على وفاته أكثر من عشرين سنة: “ها أنا كما ترى مازلت أدرج… جئتك بهذا الكوب الصغير الذي صنعته في الأيام الماضية. هذا ما أستطيع أن أفعل في سبيلك. أضع آنية فوق قبرك لعل روحك تشرب مما يتجمع فيها من ماء مطر. “ثم تشكي له ضعفها وعجزها” حتى جسمي وهن، وصرت لا أحمل قفة التراب من المحفر إلى البيت إلا بعناء ومشقة، يوم الإثنين الماضي سقطت وقفة التراب على ظهري مشدودة. صارت أقل حركة مختلة تهوي بي إلى الأرض…. ثقلت يدي وصارت ترتعش عندما آخذ في صقل الآنية… هذا ما قدّر الله! تجري الأيام ونجري، وكلّ يلتقي بيومه في ميعاده.”(ص21،22).‏

وبعد هذا الحديث إلى المرحوم زوجها عن نفسها وعن صناعتها، تنقل له أخبار القرية، فتذكر ما يروج من أخبار عن تزويج نفيسة لمالك، وتحدثه عن تدشين جامع جديد، فتزيل بهذه الأخبار الحدود بين عالم الواقع وعالم الأموات وتمزج بينهما، وبهذا التوحد بين العالمين يكون الاستعداد النفسي عند رحمة لتقبل الموت قد اكتمل.‏

لما جاءت رحمة إلى دار ابن القاضي كانت تحمل قفة فيها أواني من صنعها لكل أفراد العائلة: “أخرجت العجوز من قفتها ثلاثة أكواب جديدة ومثرداً من فخار وقالت: هذا الكوب لك يا نفيسة، أرأيت هذه الوردة المرسومة عليه” إنّه لك، صنعته من أجلك. وهذا الصغير لعبد القادر، أما هذا الذي رسمت فيه عرجوناً فهو لسي عابد، وهذا المثرد لخيرة.”(ص17).‏

ما يعمق الجانب الثقافي في هذه الأواني هو تنوعها وتنوع الرسوم المطبوعة عليها، فهي تتناسب مع السن ومع الجنس، فما يناسب الأنثى هو غير ما يناسب الذكر، وما يناسب الصغير منهما هو غير ما يناسب الكبير. والشاب غير الطفل وهكذا.‏

ولم تكن دار ابن القاضي هي الدار الوحيدة في القرية التي تزينها أواني رحمة، فأوانيها لا تخلو منها دار. مما جعل رحمة حاضرة في كل دار، فكانت العلاقة مشتركة تربط بين جميع سكان القرية، وتقوي شعورهم بالوحدة والتماسك. فإذا غابت رحمة وغابت صناعتها معها اهتزت هذه الوحدة وانشق هذا التماسك وتصدعت أركانه، فواجه القرية مصير مجهول يهددها بالموت والانقراض، كما تهدد رياح الجنوب اخضرار الطبيعة والحياة البيولوجية عامة.‏

وهذا المصير الماثل للعيان يؤلم العجوز رحمة كثيراً؛ وما يزيد من تأكيد واقتراب وقوعه هو عدم وجود من أخذ عنها صناعتها ليضمن لها الحياة والاستمرار عبر الأجيال كما فعلت هي لمّا أخذت هذه الصناعة الفنية عن أمها، والتي كانت هي أيضاً ورثتها عمّن سبقنها من الصانعات الفنانات، فالعجوز رحمة “فنانة، وفنها أكسبتها إياه السنون الطويلة التي عاشتها، وأكسبها إياه العمل المتواصل الذي لم تنقطع عنه طوال حياتها،وأكسبتها إيّاه الوراثة، فقد كانت أمّها صانعة فخار، ثم أكسبها إيّاه شغف دائم وطموح متواصل نحو الإتقان. كانت كلّما شرعت في صنع آنية أفرغت في إنشائها كل جهدها وكل حنانها وكل شوقها، ورسمت عليها كل ما يجري حولها من أحداث، وما يعتمل في نفسها من عواطف.”(ص150).‏

يكشف هذا المقطع أنّ صناعة الفخار عند رحمة هي غاية ووسيلة في الآن الواحد. هي غاية لكونها تلبي حاجة الناس المادية إلى الأواني، وحاجتهم الروحية إلى الاستمتاع بالجمال الفني الذي تجسده هذه الأواني في جوهرها بسبب أنّ صانعتها فنانة مبدعة.‏

وهي وسيلة لأن رحمة بسبب كونها “أميّة” لا تعرف الكتابة والقراءة، وتعيش في وسط أميّ، فقد استعانت بهذه الصناعة لتسجيل بعض الأحداث الهامة التي عرفتها القرية. فتحوّلت هذه الصناعة إلى ذاكرة لماضي القرية تحفظه من الضياع والاندثار.‏

بدا هذا الجانب واضحاً لما تكشف لرابح ماضيه العائلي وماضي القرية عموماً، وهي تقرأ أمامه بعض الرموز التي سجلتها على آنية من أوانيها: “كانت العجوز رحمة تقص على رابح أخبار تلك السنة الأليمة التي عرفتها القرية منذ أكثر من ثلاثين سنة، وعيناها تتنقلان بين بعض الأواني الفخارية القديمة التي هي عندها بمثابة سجل قيّدت فيه حياة القرية وأيامها… وكانت عينا رابح تراقبان باهتمام بالغ حركاتها المثبتة أو النافية لما تستعرض من أخبار تتعلق بأهله وبماضي القرية… اتجهت إلى زاوية مظلمة بالبيت فأخذت آنيتين، إحداهما صحنة كبيرة تشبه القصعة، قديمة، والأخرى عبارة عن صحن صغير جديد… قربت الصحنة إلى رابح وقالت:‏

-انظر… هذا الرسم هو السنة القاحلة. أرأيت؟ إنها سوق الزرع بلا سنابل وهذا الشكل هو “ريح التركة.”أرأيت هذه الشمس المظلمة التي لها مخالب؟ هي المرض يا بني، وهي الموت الذي خرّب بيوتنا.” (ص129.130)‏

ولم تتوقف ثقافة رحمة عند صنع الأواني وتسجيل التاريخ والحفاظ عليه، وإنما تجاوزت هذا الحد إلى مجال آخر ثقافي علمي، له أهمية كبيرة في حياة القرية، هو الطب.‏

ظهرت مهارتها العلاجية بالخصوص أثناء الثورة التحريرية لما جرح مالك من ذراعه فقامت بعلاجه: “أخذت العجوز حشائش الخباز، فنزعت أوراقها، ورمت بالسوق جانباً، وقالت مخاطبة مالكا:‏

إن الخباز يزيل الانتفاخ، ويطهر الجرح بدون أن يحدث أي التهاب.”(ص150) إن الخوف على ضياع كلّ هذه الفنون والمعارف المتوارثة من جيل إلى جيل حتى وصلت إلى رحمة، هو الذي يحزن رحمة ويؤلمها أشد الألم، انكشف ذلك أثناء هذيانها الذي دخلت فيه كمرحلة وسطى بين الحياة والموت: “تخيلت العجوز رحمة أنها لم تغرق وحدها في بركة القهوة، البساتين أيضاً غرقت، الشمس والسماء، والأرض بما فيها من محافر لصنع الفخار، كلها غرقت في نفس اللحظة التي غرقت فيها هي!”(ص110)‏

“وقالت بصوت واضح:‏

-لست عجوزاً… لست عجوزاً!”‏

…أنا طفلة ظمأى! ما كان لدي من ماء صنعت به النجوم.”(ص144)‏

وقالت:‏

“آنية لا تصنع آنية! من يصنع الأواني الجديدة؟ القبور عطشى من يسقيها؟ نار الفرن حمراء… في القبر أصير تراباً يصلح لصنع الأواني.”(ص154)‏

وإذا كان موت العجوز رحمة قد أحزن أهل القرية جميعاً وآلمهم، فإنهم لم يفكروا أبداً في إنقاذ صناعتها وفنها، فاكتفوا بالحسرة واستعادة الذكرى: “تلقى سكان القرية نبأ وفاة العجوز بتألم وتأثر بالغين، فقد كانت شخصيتها تمثل في كل خيال نموذجاً للمرأة العاملة، للأم الحنون. وكانت أوانيها لا تخلو منها دار. فرآها السكان في صبيحة ذلك اليوم من خلال أوانيها، فكانت كل آنية تمثل لدى الناظر صورة خاصة للعجوز. صورة تثير في النفس حزناً صادقاً… وأحس كل واحد أن موت العجوز يعنيه قبل غيره.”(ص171).‏

نلاحظ أخيراً أن ثقافة رحمة بمختلف أبعادها تتصف بالطابع المحلي النابع من واقع القرية بماضيه وحاضره مما يصبغها بالأصالة والتجذر والعمق. ورغم ذلك فإن رحمة لا يمكنها بمفردها أن تكون الوحدة الثقافية للقرية في جميع مجالاتها وفروعها؛ ولذا نجد شخصيات أخرى تساهم في تجسيد هذه المجالات الثقافية الغائبة في ثقافة رحمة. وأهم هذه المجالات الثقافية في رواية “ريح الجنوب” مجال الموسيقى والغناء، الذي يجسده الراعي رابح.‏

1-2: الراعي رابح:‏

رأينا فيما سبق الجهل الكبير لرابح الراعي بمخزون الذاكرة التاريخية، سواء جانبها الذي يتضمن ماضيه الشخصي والعائلي، أم جانبها الذي يتضمن ماضي القرية عموماً.‏

وقد استطاع رابح أن يجد عند رحمة ما أضاء له هذه الجوانب الهامة، فتعمق إحساسه بالوجود والحياة، إذ أصبح هذا الوجود يتأسس على الأبعاد الزمنية الثلاثة: الماضي، والحاضر، والمستقبل، بعد أن كان هذا الوجود في بداية الرواية لا يقوم إلا على بعد واحد فقط، هو الحاضر، مما جعله لا يختلف عن الحيوانات التي كان يرعاها.‏

أضافت رحمة إلى حياة رابح بعدها الثالث، لما جعلته يحس بالماضي والتاريخ، ويدرك ما يحمله من مقومات وأبعاد تمكن وجوده من الامتداد في كل الاتجاهات الزمنية. بينما كان هذا الوجود في المراحل الأولى من ظهور رابح في الرواية لا يقوم إلا على الحاضر الذي تشاركه فيه الحيوانات التي كان يرعاها، فلم يختلف وجوده بسبب ذلك عن طبيعة وجود هذه الحيوانات.‏

أما البعد الثاني لهذا الوجود والمتمثل في زمن المستقبل فقد اكتسب معناه وأدرك بعده بفضل تجربته الغرامية الفاشلة مع نفيسة. إذ قرر بعد أن شتمته التخلي عن رعي الماشية والتفكير في مستقبل يختلف عن حاضره، فحدث بذلك أول تغيير عميق وأساسي في حياته، إذ تم بذلك الإعلان عن الانفصال والانقطاع عن عالم الحيوانات، والانتقال بحياته نقلة نوعية تجاه عالم البشر، الذي استكمل شروط الانضمام إليه بالحصول على البعد الماضوي والتاريخي بفضل توعية رحمة له، حسب ما رأينا أعلاه.‏

كادت أنغام ناي رابح أن يرتبط ظهورها في الرواية بنفيسة دائماً، مما يسمح بالاعتقاد أن نفيسة مثّل العامل المفجر والمغير لحياة رابح الساكنة والمستقرة، إذ وإن كانت نغمة الناي حاضرة حضوراً قوياً في حياة رابح، فإن دخول هذه النغمة إلى عالم الرواية يستوجب على الكاتب المبدع توفير شرط استدعائها إلى هذا العالم الروائي المتخيل، ولم يكن من العوامل المحققة لذلك أحسن من العلاقة الغرامية، لارتباط الموسيقى بعالم العواطف والمشاعر ارتباطاً قوياً، ولكون الموسيقى أحسن معبر عن هذه العاطفة وأقوى مؤثر فيها: “وكانت [نفيسة] منذ أن فتحت النافذة وهي تسمع أنغام ناي حزينة، متقطعة، آتية من بعيد، أفرغ فيها صاحبها كل ما يفيض به قلبه من حنان ووحدة وشوق. أنغاماً صافية عذبة كأشعة القمر” (ص3).وتستوقفنا في هذه العبارة لفظة “بعيد” التي تكررت مع قدوم رحمة إلى دار ابن القاضي حيث جاء: “رأت [نفيسة] من بعيد العجوز رحمة صانعة الفخار” فلفظة “بعيد” تحمل في التعبيرين “دلالتين متناقضتين. الدلالة الأولى تتمثل في معنى الأصالة والعمق، لكون هذه الثقافة التي يجسد رابح أحد مجالاتها المتمثلة في الموسيقى، وتجسد رحمة مجالاً آخر منها يتمثل هنا في صناعة الفخار، تأتي هذه الثقافة في كل مرة من مكان بعيد، مما يعني أنّها ليست ثقافة سطحية وليدة الحاضر أو المناسبة. إنّ جذور هذه الثقافة بعيدة الامتداد في ماضي القرية وتاريخها وحضارتها.‏

أما البعد الثاني أو الدلالة الثانية لهذه اللفظة فيتمثل في طبيعة العلاقة بين نفيسة وهذه الثقافة في بعدها الموسيقي، وبعدها الحرفي والفني. وهي علاقة واهية، إذ تفصل بين الطرفين (نفيسة من جهة والثقافة من جهة ثانية) مسافة بعيدة، مما يعني أن نفيسة أحد طرفي هذه العلاقة لا تشعر بالانتماء إلى هذه الثقافة إلا انتماء ظرفياً يخضع إلى اللاوعي أكثر من خضوعه للوعي والإدراك المباشر.‏

هذا، ونلاحظ من جهة ثانية أن حضور نغمة الناي لأول مرة في عالم الرواية لم يكن مرفوقاً بذكر رابح الراعي، مما يعطي لهذه النغمة طابعاً عمومياً وشمولياً يجعلها ترتبط بالبنية الثقافية للمجتمع، أكثر من ارتباطها بالإنسان العازف عليها، أي رابح الراعي؛ إذ لو ارتبطت به لسقطت عنه الصفة الحيوانية ذات البعد الوجودي الواحد، المتمثل في الحاضر حسب ما ذكر هذا أعلاه.‏

ولما يتكرر دخول نغمة الناي إلى الرواية منسوبة إلى عازفها رابح راعي الغنم، نرى السارد يحرص حرصاً واضحاً على وصف رابح بأوصاف تبقيه أقرب إلى حياة الحيوانات منها إلى حياة البشر، وخلاصة تلك الأوصاف أن رابحاً يعتزل الناس ويكاد لا يفارق الأغنام: “رابح هو الشخص الوحيد الذي لا يهمه كثيراً ما يجري في القرية، سواء في هذا اليوم أو في غيره من الأيام!” (ص43)‏

و”رابح لا يهمه ما يجري في القرية… وكيف تهمه حياة الناس وأيامه هو تمضي مع الأغنام بين التلال والمروج؟”(ص43)‏

ولما تعود نغمة الناي إلى عالم الرواية للمرة الثالثة نراها تنقسم إلى مرحلتين تضمان بداخلهما حادثة اتصال رابح بنفيسة في حجرتها، وما انجرّ عن هذه الحادثة من شتم لرابح، وفشل لمشروعه وخيبة لآماله. فكأن هذه الحادثة تقطع نغمة الناي إلى قسمين مختلفين، وتغير من مسارها ومن مسار عازفها رابح، إذ تنتقل به من مرحلة السذاجة والرتابة والانسجام مع الواقع والحاضر، إلى مرحلة اضطراب علاقته بهذا الواقع وبهذا الحاضر واهتزازها، وبالتالي البحث عن مستقبل بديل للحاضر .‏

ولما كان الوجود لا يكتمل باجتماع طرفي الزمان: الحاضر والمستقبل، إلا إذا أضيف إليهما البعد الثالث المتمثل في الماضي أو التاريخ، فقد تكفلت رحمة فيما بعد بتوفير هذا الشرط الثالث، وبذلك يستكمل رابح تحقيق وجوده. وقد مر تفصيل ذلك أعلاه.‏

وحتى يتضح أن البعد الموسيقي في الرواية هو جزء من البنية الكلية لثقافة القرية، وليس فقط عنصراً أساسياً يساهم في تجسيد دور رابح في عالم الرواية المتخيل؛ نعود فيه إلى المشهد الذي دخلت فيه نغمة الناي لثاني مرة إلى الرواية، وهو المشهد الذي رأينا الراوي يبقي فيه على رابح خارج دائرة التفاعل الاجتماعي- ما دامت أيامه تمضي مع الأغنام- ويركز على إظهار أثر نغمة الناي في حياة القرية عامة، إذ يقول: “وكانت حينئذ تنطلق من إحدى الربى المقابلة للقرية أنغام ناي صافية كالنور، فكان العازف هو رابح راعي الغنم! لا أحد يدري كيف كانت تبدو هذه القرية القفراء لزائريها لو لم يكن فيها هذا الراعي الطيب الذي يملأ سماءها أنغاماً! كم هي جميلة هلته الأنغام! لكأنها خلقت لتبرر الصمت الحزين الذي يخيم على القرية، أو أنها عذر لما يبدو عليها من فقر! إنها بصفائها وعذوبتها تجعل فراغ القرية أجمل مما أبدعه العمران!”(ص43).‏

وترتبط ألحان ناي رابح بحياة القرية ارتباطاً قوياً، حتى كأنها في انطلاقاتها الجميلة العذبة تترجم عن الجوانب الجميلة في القرية، سعياً إلى جعل هذه الجوانب الجميلة هي الحقيقة الوحيدة الخالدة بها. يتأكد هذا الدور في قول السارد: “تتحدث [ألحان الناي] عن مروج القرية إذا أزهرت، وأشجارها إذا أثمرت، ومائها إذا كثر فسال رقراقاً، وأغنامها إذا أنجبت، فأرسلت ثغاء يملأ الدنيا غبطة ورضاء.”(ص103)‏

لسنا نبحث في الروح الرومانسية التي صدرت عنها النظرة إلى موسيقى الناي، مادام العالم الروائي هو عالم فني متخيل دائماً، مهما تطورت طرق بنائه واختلفت؛ وإنما يستوقفنا ما في هاتين العبارتين من وصف لتأثير موسيقى الناي على رسم هذا العالم القروي الذي تدور فيه أحداث الرواية، فهي قرية يغلب عليها الفقر والحزن والوحشة، ولكن هذه النقائص وهذا البؤس يقابله ما في موسيقى الناي من غنى وفرح وأنس تجعل عالم القرية عالماً متجدداً ومتحركاً ونشيطاً وجميلاً. فكأن الموسيقى بذلك هي الشريان الذي تستمد منه القرية قوتها لتجاوز بؤسها ووحشتها، وحينئذ تصبح الحياة أمراً يمكن احتماله.‏

1-3: الطالب الشيخ حمودة:‏

يمثل عالم الغيب امتداداً لعالم الواقع في ثقافة أهل القرية، وإذا كانت العجوز رحمة حاملة لمعارف مرتبطة مباشرة بالواقع الخارجي المعيش، وكان رابح مجسداً لجزء آخر يرتبط هو أيضاً بالواقع الخارجي، ولكن بكيفية أقل وضوحاً لتعلقه بالمشاعر والأحاسيس والأذواق، فجاء بذلك موزعاً بين الواقع الخارجي والعالم الغيبي؛ فإن ثقافة الشيخ حمودة قد اتخذت العالم الغيبي مجالاً لنشاطها بهدف السيطرة عليه لإخضاعه لما يخدم أهل القرية، ويبعد عنهم الشرور.‏

اتضح هذا الدور الاجتماعي الهام للطالب حمودة لما استقدمه عابد بن القاضي إلى بيته ليعالج ابنته نفيسة، لمّا اعتقد أن جنياً أصابها بمرض الصرع أو الجنون.‏

والشيخ حمودة “طالب” من مجموعة كبيرة من “الطلبة” يقدمون خدماتهم الاستشفائية لسكان المنطقة، وهو في نظر ابن القاضي وزوجته خيرة أحسن هؤلاء جميعاً وأشهرهم: “الشيخ حمودة طبعاً، هل هناك من هو أحسن منه؟ فقالت الزوجة موافقة:‏

-الشيخ حمودة يكتب جيداً، قلّ من لا يجد الشفاء على يده.” (ص210)‏

ويؤكد الراوي اعتقاد أهل القرية الراسخ بوجود الجن، وأنها تساكنهم لسبب من الأسباب، ولا يقوى على تخليصهم منها إلا الشيوخ والسحرة، وأشهر هؤلاء الشيخ حمودة: “في البادية يعتقد الناس أن الجن تساكنهم، وتلازم حركاتهم وسكناتهم… ولكن هذا الإيمان بوجود الجن وبخطرها على الإنسان لا يقل عن الإيمان بإمكانية التغلب عليها بفضل السحرة والشيوخ من حفظة القرآن، والشيخ حمودة من المشهورين بقهر الجن مهما كان الجنس الذي تنتمي إليه.” (ص214)‏

ولما تبدو لأم خيرة دلائل شفاء ابنتها بفضل علاج الشيخ حمودة ترتاح لذلك، وتخبر زوجها، فتسره البشرى، ويقول: “الشيخ حمودة من الشيوخ القلائل الذين حافظوا على حكمة الجدود، فاستفادوا منها وأفادوا.”(ص218)‏

ما يستوقفنا في هاتين العبارتين هو ما تكشفان عنه من تأكيد على عراقة هذه الثقافة النفسية في المجتمع القروي، وحرص أبنائه على تناقلها من جيل إلى جيل لإبقائها حية عبر الأزمان تحقيقاً للطمأنينة النفسية ولراحة البال.‏

هذه هي الشخصيات الروائية الثلاث التي تجسدت خلالها الأبعاد الثقافية المشكلة للبنية الثقافية للقرية، وقد تناولت الدراسة هذه البنية في موضوعات فرعية حتى تتمكن من إبراز جوانبها الخاصة والمؤثرة في عالم الرواية.‏

ولما كانت هذه الموضوعات الفرعية تلتقي في مجموعة أساسية، هي واحدة من المجموعتين الفرعيتين اللتين توزعا عليهما موضوع الثقافة في الدراسة، لزم البحث عن العلاقات التي تجمع بينها لتبرز بوضوح معالم الوحدة التي تشكلها جميعاً.‏

وأول ما يلاحظ كقاسم مشترك بين جميع هذه الموضوعات الفرعية، هو تميز هذه الموضوعات الثقافية الفرعية بالشمول والاتساع.‏

فأواني رحمة لم يخل بيت في القرية منها، والرموز التي تحملها هي رموز تعبر عن انشغالات المجموعة القروية وتاريخها؛ والأحداث التي تختزنها رحمة في ذاكرتها هي أحداث تاريخ القرية بشكل عام، أو هي أحداث خاصة ببعض سكان هذه القرية. والأمر في كلا الحالتين خارج عن المستوى الفردي المتعلق برحمة، إلى المستوى العام المتعلق بالقرية وسكانها كأفراد أو كجماعة.‏

والحكم نفسه يصلح إطلاقه على مهارتها في استخدام الأعشاب لعلاج الجروح والأمراض، وظهر ذلك لما قامت بعلاج مالك، فكان ذلك عملاً نموذجياً يبين توجهها المستمر نحو الخارج لتقديم خدماتها لكل من يحتاج إليها في مجتمع القرية الذي تنتمي إليه.‏

وإذا انتقلنا إلى رابح الراعي وجدنا الأمر عنده على هذه الحال أيضاً، فأنغام نايه تتصف بالشمول والاتساع؛ وقد تجلى ذلك بالخصوص في مقطعين من الرواية سبق تحليلهما أعلاه، إذ نرى تركيز الراوي فيهما على إبراز الآثار الطيبة لهذه الموسيقى في حياة الناس وفي نفسيتهم، ونستحضر من المقطع الأول هذه الجملة التعجبية: “لا أحد يدري كيف كانت تبدو هذه القرية القفراء لزائريها لو لم يكن فيها هذا الراعي الطيب الذي يملأ سماءها أنغاماً!”‏

(ص43) وفي المقطع الثاني يتم استجلاء آثار هذه الموسيقى في الطبيعة، وتلوين هذه الطبيعة بالألوان الزاهية، مضفية عليها الجمال والانسجام والبهجة، فهي ألحان “تحدث عن مروج القرية إذا أزهرت، وأشجارها إذا أثمرت، ومائها إذا كثر فسال رقراقاً، وأغنامها إذا أنجبت فأرسلت ثغاء يملأ الدنيا غبطة ورضاء.”‏

(ص103)‏

أما حكمة الشيخ حمودة التي مكنته من السيطرة على عالم الجن والأرواح، فإن طابعها الشمولي تخبر عن شهرته الواسعة في كامل المنطقة، مما أهله ليكون محل تقدير وثقة أعيان القرية الذين يعتبر عابد بن القاضي أعلاهم منزلة حسب الرواية.‏

فتكون هذه الفروع الثقافية الثلاثة التي تجسدها رحمة والراعي رابح والشيخ حمودة تشترك جميعاً في صفة الشمولية والعمومية التي اتسعت إلى عالم القرية بأسره. مما يجعل منها مجتمعة البنية التي تتأسس عليها الوحدة الثقافية للقرية، وهي وحدة متماسكة ومتكاملة، تضرب بجذورها في أعماق وجدان القرية وتاريخها، تناقلتها الأجيال الماضية، وحافظت عليها من الضياع والانقراض، وها هي الأجيال الحاضرة تقف أمام هذه البنية الثقافية العريقة مترددة ومتشككة في قيمتها وصلاحيتها، وقد أصبح الحاضر يعرض عليها بنيات ثقافية مغايرة، فأي بنية ثقافية ستكون للمستقبل؟‏

2-المجموعة الثانية:‏

2-1: نفيسة: كان ظهور نفيسة في الرواية مبكراً، فبعد فقرات قليلة تحدثت عن أبيها وأخيها ورابح الراعي، ينتقل الراوي إليها، فيقدمها وقد استيقظت من نومها منذ فترة، دون أن تغادر فراشها، على عكس أبيها وأخيها اللذين ذهبا إلى السوق بعد خروج الراعي بالغنم، وأمها التي تكون هي أيضاً استيقظت باكراً مع زوجها، حسب ما تقتضيه حياة الريف.‏

وبعد مضي وقت، تدخل الأم على نفيسة وهي في سريرها يطبق القهوة والفطائر، وبعد حديث متوتر مع البنت، تتركها الأم وتخرج غاضبة متذمّرة. أما نفيسة فتتناول قهوتها وتبقى في فراشها حتى قدوم رحمة للذهاب إلى زيارة المقبرة رفقة أمها. تترك نفيسة فراشها وتخرج لاستقبال رحمة.‏

استعرضت نفيسة خلال الفترة التي امتدت من لحظة استيقاظها إلى لحظة خروجها لاستقبال رحمة، كثيراً من تفاصيل حياتها، المتعلقة بحاضرها وبماضيها القريب الذي لا يتجاوز مرحلة التحاقها بالعاصمة لمتابعة الدراسة.‏

وهي مدة زمنية كانت كافية لإحداث تغيير عميق في شخصيتها، فأصبحت على إثر ذلك تشعر بالغربة، وبعدم الانتماء إلى عالم القرية بما فيها أهلها: “أصبحت تشعر بغربة وحنين إلى الجزائر العاصمة التي فارقتها منذ أسبوعين كاملين.” (ص8) وحدّثت نفسها قائلة: “حتى النوم لا أستطيع أن أنام! ليتني لو نمت حتى تنقضي هذه الشهور.”(ص8) وتخاطب نفسها في مكان آخر وتقول: “أكاد أتفجر! أكاد أتفجر في هذه الصحراء!”(ص10) ولما تقترب منها أمها لتهدئ من حزنها، وهي تعتقد أن سببه أحلام مزعجة؛ تردّ عليها نفيسة مؤكدة وحشتها وضيقها من الجميع: “لا، لم أحلم، إنما أحسست بضيق ووحشة.(ص11)”‏

فتندهش أمها، وتعاتبها قائلة: “أبين أبويك وأهلك يا نفيسة!”(ص11)‏

تظهر لنا هذه المشاهد تمايز شخصية نفسية عن شخصيات المجموعة الأولى بالخصوص. ويرجع ذلك إلى اختلاف البنية الثقافية التي أصبحت تتحكم في نظرتها إلى الحياة، وتحدد سلوكها وردود أفعالها تجاه المستجدات التي يفرزها الواقع من حولها.‏

إن مصدر ثقافة نفيسة هو مصدر يختلف عن عالم القرية، إنه مصدر يقف على طرفي نقيض لمصدر ثقافة شخصيات المجموعة الأولى التي تناولتها الدراسة سابقاً؛ ممّا يفسر تناقض مفاهيم نفيسة مع مفاهيم مجتمع القرية عموماً. وها هي الأم يفاجئها هذا الواقع الذي لم تكن تتوقعه أبداً: “لم يكن يخطر ببال الأم أبداً أن هذه البنت يمكن أن تكون لها نظرة في الحياة تضاد مطلق التضاد ما تعارف الناس عليه هناك.”‏

(ص90)‏

والرواية مع ذلك لا تحدثنا عن طفولة نفيسة، ولا أين قضت سنوات دراستها التي تسبق الالتحاق بالجامعة، ولكن ما توحي به ضمنياً هو أنها كانت تعيش عند خالتها بالجزائر العاصمة، ولا تزور القرية حيث أهلها إلا أيام العطل. يمكن استنتاج هذا مثلاً من قول أبيها مخاطباً مالكاً بحضورها: “أنا أتخيلها أحياناً زليخة! وخصوصاً أننا لا نراها إلا لماماً”‏

(ص63)‏

ويمكن الوقوف في الرواية على عناصر البنية الثقافية لنفيسة، وهي كما يلي:‏

1-قضت نفيسة جزءاً هاماً من حياتها في الجزائر العاصمة عند خالتها، وهذا بناء على قول أبيها لمالك: “… لا نراها إلا لماماً”. وللبيئة دور أساسي لتشكيل وعي الإنسان وتحديد رؤيته إلى الحياة.‏

2-نفيسة فتاة متعلمة تعليماً حديثاً يختلف عن التعليم التقليدي السائد في القرية، وفي الريف عموماً.‏

3-سيطرة الطابع النظري على ثقافة نفيسة، وغياب التجربة العملية في هذه الثقافة، وقد ظهر هذا الطابع النظري في مقاطع ومشاهد ومواقف كثيرة في الرواية، نذكر منها بعض النماذج:‏

أ – لما شجعت العجوز رحمة نفيسة على القيام بإعداد الطعام بدل أمها، أجابتها قائلة: “أحسن الطبخ والخياطة والطرز وكل الشؤون المنزلية يا خالة. تعلمت ذلك بالمدرسة، وكذلك لدى خالتي زبيدة.”(ص32)‏

ولما تلح عليها رحمة، تبرّر موقفها بأنها تخالف أن تكسر أواني الطبخ. ولما لا تستسلم رحمة لحجتها وتردّ عليها بتحدّ قائلة: “كسريها عمداً إن شئت، فأنا أصنع لك ما تريدين.”(ص34) نراها تتهرّب من الطبخ مرة أخرى، وتطالب رحمة أن تعلمها بالكلام دون الممارسة الفعلية: “بدل أن تصنعي لي الأواني التي قد أكسرها علميني هكذا… بالكلام!”(ص34)‏

مما جعل رحمة تستخلص من هذا الموقف النتيجة التالية: “لعل كلّ من يقرأ يفكر أن التعلّم يكفي بالكلام؟ لو كان ذلك ممكناً لما تشققت أصابعي من الطين!”(ص34)‏

ب-الاكتفاء بالتعلم النظري من الكتب هو الأساس الذي تقوم عليه ثقافة نفيسة، فهي تقول لرحمة: “هناك كتب تباع خاصة بالطبخ؛ بها كل التفاصيل التي تتعلق بإعداد أي نوع من أنواع الطبخ، لكن ليس بها ذكر لما يصنع بالبادية من طعام ما عدا “الكسكسي”، ولذلك أحببت أن تحدثيني عنها وأنا أكتب كيفية إعداد كل صنف.” فقالت العجوز رحمة: “هل تستطيعين صنع الأواني إن حدثتك عن كيفيات صنعها؟ كلا يا عزيزتي. إن الحديث لا يكفي.”(ص35)‏

إن ثقافة نفيسة تقوم على التلقي النظري، بينما الأمر يقوم عند رحمة على التطبيق والممارسة العملية.‏

وهكذا يتضح الاختلاف الكبير بين البنية الثقافية لنفيسة، والبنية الثقافية لرحمة والمجموعة البشرية التي تنتمي إليها.‏

ومن شواهد الاكتفاء بالتأثر النظري بثقافة الكتب، هذه الآراء التي استوقفت نفيسة طويلاً، وهي تطالع رواية “الإخوة كرامازوف” لدوستويفسكي:‏

“ونظرت إلى السطور، وإذا ببيت الشعر يستوقف نظرها:‏

“أؤمن بما يحدثك به قلبك‏

فالسموات لا تضمن شيئا”‏

ثم قلبت صفحات أخرى وقرأت فقرة تتحدث بما معناه:‏

“سوف تمر القرون والإنسانية لا تنفك تعلن على لسان علمائها وحكمائها بأن لا جريمة هناك ولا خطيئة قديمة، وإنما هناك بشر جياع. أعطهم الأكل واطلب منهم بعد ذلك أن يكونوا فضلاء….!”(ص13)‏

فهذه إيديولوجيات وفلسفات مثالية تقوم عليها مذاهب سياسية واجتماعية، لم تسهم في تمتين ارتباط نفيسة بالواقع المعيش، ولم تقدم لها حلاّ لمشاكلها اليومية.‏

فبرغم أن ما ينقص نفيسة في الواقع ليس الطعام- حسب ما جاء في الفقرة السابقة- ومع ذلك كان تصرفها مع أمها تصرفاً منحرفاً عن الفضيلة وعن واجبات البنت تجاه أمها. وهذا ما كشفت عنه الأم نفسها للعجوز رحمة في هذه الفقرة: “لا يا خالة، جرح الكبد لا يضرّ إلا صاحبه، كما يقول المثل. إنها تكرهني، منذ أن عادت من الجزائر وهي لا همّ لها إلاّ الكتب والغناء، أو البكاء أحياناً كالمجنونة. لم تفكر يوماً في مساعدتي، وهي تراني كلّ يوم أول من يقوم صباحاً وآخر من ينام مساء.” (ص28)‏

وحتى الكتب والمجلات التي كانت نفيسة تطالعها، لم تساعدها مساعدة واضحة للاهتداء إلى حلّ مشكلتها.3 فهي مثلاً قرأت عدة مرات قولاً لأحد الأطباء النفسانيين جاء فيه: “إن المرء ولو وصل به الأمر إلى أقصى محنة في حياته، فإنه مع ذلك تبقى له حرية اختيار موقفه.”‏

(ص201)‏

فبرغم إعجابها الشديد بهذا الكلام، إلا أنها لم تستطع أن تستخلص منه تصوراً عملياً تحلّ على أساسه مشكلتها. فلما قرأته قامت وهي “تعتزم أن تقترح على أمها دعوة خالتها بالجزائر لقضاء أيام [بالقرية]”(ص204) وهذا العزم ليس له علاقة واضحة بكلام الطبيب النفساني الذي قرأته وبإعجابها الشديد به.‏

ولما تفكر في الفرار من القرية إلى الجزائر، لم يكن كلام الطبيب النفساني هو الملهم بهذه الفكرة، برغم أن كلامه يدعو إلى ضرورة اتخاذ موقف حاسم لمواجهة الظروف الصعبة. والفرار الذي قررت نفيسة القيام به هو نوع من هذه المواقف الحاسمة لتغيير مجرى الحياة.‏

لم تصدر فكرة الفرار إذن عن كلام الطبيب ولا عن الكتب التي اطلعت عليها نفيسة، وإنما جاءت تلك الفكرة في سياق الصدفة لما لم تستند إلى سبب محدد ودقيق. والصدفة من صميم تفكير أهل القرية الذين ترفض نفيسة الانتماء إليهم. وهذا تناقض بين التفكير والسلوك: “أي اختيار بقي لي إذن؟ الرضوخ؟ لا. الفرار؟ فكرة… الفرار، ولم لا؟ شيء من الجرأة والتدبير يكفي لأن أتخلّص نهائياً من هذه المأساة. فكرة ممتازة، فكرة لم تخطر لي على بال! أبسط الحلول هو أشدها بعدّاً عن دائرة التفكير… عجباً، فكرة كهذه تبقى مختفية إلى الآن؟ الفرار هو الحل، وهو الطريق،وهو الاختيار. آه يا إلهي إنني بعد أشعر بالسعادة.”(ص218)‏

يجعلنا هذا السلوك نعتقد أن ثقافة القرية التي ترفضها نفيسة رفضاً واعياً ومباشراً، هي ثقافة تعمل داخل لا وعيها، مما أظهرها شخصية مضطربة وقلقة ومنقسمة بين بنيتين ثقافيتين، إحداهما أصيلة ومتجذرة في شخصيتها، وتنشط في لا وعيها. وأخرى ثقافة مكتسبة من بيئة جديدة هي المدينة، ومن الكتب والدراسة الرسمية عموماً، ولكنها لم تهضمها بعد؛ ولذا كانت تبدو منهزمة وضعيفة أمام ثقافة القرية، العميقة الجذور، الممتدة عبر مختلف مراحل التاريخ الطويل.‏

إن نفيسة نموذج في ثقافتها لبنية ثقافية جديدة تباين بنية ثقافة القرية؛ إنها نموذج يجسد بنية ثقافية جديدة تسعى لتحلّ مكان بنية ثقافية، هي ثقافة القرية، وهي تدعو إلى هذه الثقافة البديلة، ولكنها لا تتحكم فيها بعد، ولا تدرك مغزاها، ولا كيفية الاستفادة منها. إنها ثقافة تتوقف قيمتها وصلاحيتها عند بداية الحاجة إليها. وقد اتضح هذا عند بحث نفيسة عن مخرج لأزمتها، إن لم تكن من الاستفادة من آراء علم النفس برغم أنها كانت في أشد الحاجة إلى ما كانت تدعو إليه في دلالتها وفي روحها.‏

2-2: المعلم الطاهر: يظهر أول انهزام البنية الثقافية المثالية للطاهر المعلم، أمام البنية الثقافية الواقية للمجتمع، بمشاركته في الثورة، وحمله السلاح ضد الاستعمار الفرنسي، إذ بينما هو يؤمن أن الحرية الحقيقية لا يمكن الحصول عليها بالسلاح، وإنما بإعداد المجتمع ثقافياً، يفرض المجتمع عليه نهجاً آخر؛ فيجد نفسه في وسط المعركة يجرفه تيار الواقع الذي لم يتمكن من الوقوف في وجهه بأفكاره.‏

ويبقى هذا الشرخ، وعدم التواصل مع المجتمع بعد الاستقلال وقد عاد إلى مهنة التعليم، قائماً وثابتاً، على امتداد حضوره كشخصية مؤثرة ومتأثرة بأحداث الرواية، في الحدود المرسومة لها في عالمها الفني.‏

تستمد البنية الثقافية للطاهر المعلم وجودها من مصادر ثقافية مثالية تجريدية، أخذها من “المدرسة ومن شيوخه في الزيتونة، ثم من مطالعاته لما تصدره دور النشر العربية من مؤلفات لكتاب مشهورين اتفق على تسميتهم “برواد النهضة”. رواد في الأدب الذي لا يحيا فيه المجتمع، ولكن يلبسه في أعياده الغالية.”‏

(ص72)‏

فهذا الأدب الذي لا يحيا في المجتمع، هو أدب غير صادر من المجتمع، وهو أدب مفروض على المجتمع على حساب أدب محليّ تجسده شخصيات المجموعة الأولى، والتي منها رحمة بالخصوص.‏

وتحدثنا الرواية عن مكونات البنية الثقافية للطاهر، فهي مكونات تنحصر في اعتقاده الكمال في جميع مقومات الإنسان العربي، وتفوقه بذلك على جميع الأجناس البشرية.‏

وتقدم الرواية توضيحاً لأسباب هذا التفكير المثالي، فتعود به إلى ضيق الأفق المعرفي للطاهر، فهو وشيوخه مثلاً لا يعرفون من اللغات غير العربية، ولم يزوروا بلداناً غير البلدان العربية: “كان الطاهر يفكر كعدد من زملائه وشيوخه أن اللغة العربية هي أغنى اللغات، وأن العربي هو أشجع البشر وأكرمهم وأذكاهم وأطهرهم وأشرفهم… إلى آخر أفعال المبالغة التي تتعلق بالسجايا والفضائل.”‏

لم يكن الطاهر يعرف لغة غير العربية، ولم يكن زملاؤه الذين يفكرون تفكيره يعرفون غيرها، ولم يكن شيوخه أيضاً يحسنون سواها. ولعلهم أيضاً لم يعرفوا بلداً غير بعض البلدان العربية!”(ص72)‏

وبسبب هذا التباين الثقافي، نرى الطاهر يعادي الثقافة المحلية، ويحطُّ من قيمتها، ويحتقر أهلها الذين منهم أهله.‏

تعرض الرواية هذا الموقف المعادي من الطاهر لأهل القرية أثناء حفل تدشين مقبرة للشهداء بالقرية، فبعد أن طعم الناس، تحلقوا في حفل موسيقي حول الطبل والمزمار والتصفيق والرقص، ولكن هذا لم يعجب المعلم الطاهر، فقال مخاطباً مالكاً: “لكأنه حمار ينهق! إن عقول هؤلاء كعقول الضفادع. فبدل أن ينصرفوا إلى شؤونهم ويدعوا غيرهم يستريح، أخذت نقنقتهم الركيكة تملأ الجو ضجة.”(ص57) ولما يردّ عليه مالك محاولاً إظهار قيمة هذه الموسيقى عند أهلها، بقوله: “في آذان هواتها موسيقى يا صديقي”(ص58) يؤكد الطاهر مرة أخرى لمالك احتقاره لهذه الموسيقى ولأهلها، قائلاً: “ونهيق الحمار أيضاً أغنية في أذني الأتان!”(ص58)‏

ويتجسد هذا الموقف الفكري المعادي لثقافة مجتمع القرية عملياً عند الطاهر، في عدم انسجامه معهم، واعتزاله إياهم، ويتمثل أهم مشهد عملي تقدمه الرواية لهذه العلاقة المتنافرة، في وصف انتقال الطاهر إلى مقهى الحاج قويدر بالقرية، حيث نراه “جالساً وحده على المقعد الخشبي، وقد قدّم له الحاج قويدر قهوة، لكن ما كاد الفنجان يصل إلى شفتيه حتى سقطت فيه ثلاث ذبابات، فوضعه جانباً. كان مطرقاً برأسه، يبدو عليه الحزن، فلاحظ الحاج قويدر كآبة الرجل وامتعاضه من الذبابات التي عكّرت صفو قهوته، فأعد له قهوة ثانية وحملها إليه، ناصحاً إياه في هدوء ووقار:‏

-اشربها ساخنة، فالذباب لا يسقط إلا إذا أخذت تبرد.” (ص77-78)‏

ونعلم من الراوي أن ارتياد الطاهر للمقهى في هذا اليوم لم يكن لطلب الجلوس مع روادها والاستماع إلى أحاديثهم التي ينفر منها أشد النفور، وإنما جاء لاستقصاء أخبار زواج مالك بنفيسة؛ ولذلك نراه لما يدخل في حديث مع الحاج قويدر يتهجم على البلدية ويتهم القائمين على تسييرها بالتقصير في شؤونها، إذ لم يوفروا بها لا العمل ولا النظافة ولا الماء، ولكنهم منشغلون بالزواج؛ وفي هذا إشارة إلى مالك، فيقول الحاج قويدر: “يتزوج شيخ البلدية أو يطلق، هذا لا دخل لي فيه يا بني… وإذا أردت أن أقول لك رأيي بصراحة: إننا في هذه الجهة نحسن النقد والسخط، ولكن لا نحسن العمل والصمت.”(ص81)‏

ويستمر الحديث بينهما على هذا النسق المتوتر، حتى ينغلق في النهاية كما انغلقت لعبة الدومينو على أيدي اللاعبين على أحد الأحجار “بلا، بلا”، وهي الأحجار البيضاء في اللعبة التي لا تحمل نقطاً على وجهها؛ وفي هذا إيحاء بأن الحديث الذي دار بين الحاج قويدر والمعلم الطاهر كان حواراً عقيماً، وهي نتيجة لم تفاجئ الحاج قويدر الذي كان لاحظ خلال حديثه مع المعلم، أن محاوره يحمل أفكاراً غريبة، شأنه شأن روّاد الثقافة المدرسية، ثقافة الكتب والجرائد: “لم يملك الحاج قويدر نفسه من العجب وهو يسمع هذا التفكير الغريب! وكان في نفسه يقول: “إن هؤلاء الذين يقرأون الجرائد قلما تسلم عقولهم من الخلط.”(ص80)‏

2-3: مالك: مالك هو شيخ البلدية. يقع مقر البلدية بالقرية المركزية، ولذا فهو دائم التنقل إلى القرية التي تقيم بها شخصيات الرواية التي سبق ذكرها.‏

وهذا الوضع جعل أحداث الرواية تقريباً تجري بهذه القرية، التي يلتحق بها مالك لعلاقات تربطه بتلك الشخصيات؛ ولم نره في مكتبه بالبلدية إلا في مشهد واحد مع صديقه المعلم الطاهر، وهما يتحدثان عما أشيع من احتمال زواجه بنفيسة. وهو الزواج الذي لم يكشف مالك عن موقفه منه بوضوح حتى انتهاء الرواية.‏

وعلاقة مالك بالموضوع الثقافي في الرواية ليست علاقة منتج لها أو مستهلك، إذ بحكم تمثيله للسلطة السياسية، يتضح موقفه من الموضوع الثقافي في الإجراءات العملية التي ينفذها على أرض الواقع. فتكون هذه العلاقة علاقة تشجيع لبنية ثقافية معينة وتدعيم لها، أو بالعكس من ذلك، تكون علاقة رفض أو محاصرة وخنق للبنية الثقافية القائمة، أو هي علاقة حياد ولا مبالاة. فبناء على هذا التحديد يتم بحث موقف مالك من الموضوع الثقافي.‏

وأول خطوة نحو ذلك تكون بتحليل موقفه من وصف المعلم الطاهر للموسيقى الشعبية بنقيق الضفادع وبنهيق الحمار، ولأهلها بالموتى. إذ يجيب مالك صديقه المعلم بأن هذا الذي يحتقره، هو “في آذان أصحابه موسيقى.”‏

(ص58) ثم يدعوه أن يترك الحديث فيما لا يفيد، قائل: “إنك تحرق حرارياتك فيما لا يفيد.”(ص58)‏

ويمكن اعتبار هذا الموقف موقفاً محايداً من الثقافة المحلية، وذلك لكونه دعوة لترك الأمر لأهله، وعدم التدخل في أذواقهم، ولكن لا يمكن اعتبار مالك متبنٍّ أو مدافع عن هذه الثقافة، لأنه يتكلم عن أهلها بضمير الغائب الذي يدل على عدم انتمائه إليهم، وهذا في قوله: “آذان هواتها”(ص58) وكان المنتظر منه أن يتبناها ويدافع عنها، ما دام يمثل السلطة الحاكمة التي تحمي جميع حقوق رعاياها بمختلف ثقافاتهم، وهذا التمثيل لا يكون حقيقياً وذا معنى إلاّ إذا كان الحاكم يشعر بمسؤولية تمثيله لهم جميعاً، ويتجسد هذا الشعور عند المسؤول حين يكون لسانه الناطق بضمير الحضور: أنا، نحن، وليس بضمير الغائب: هو أو هم، حسب ما هو‏

ماثل هنا.‏

وسبق التطرق إلى طبيعة البنية الثقافية للمعلم الطاهر، إذ تبين أنه يعمل لإحلال بالقرية بنية ثقافية غير نابعة من هذه القرية. ولذلك تكون مهمة المدرسة التي يشتغل بها قد اتضحت معالمها وأهدافها بفضل ما كشف عنه هو من تصورات ورغبات في تغيير البنية الثقافية للقرية.‏

ولما كانت هذه المدرسة ملكاً للسلطة السياسية التي يمثلها مالك على مستوى البلدية. فهي إذن تجسد البنية الثقافية التي تتبناها السلطة الحاكمة التي يجسدها مالك في البلدية. وهي البنية الثقافية التي تريد أن تكون بديلة لثقافة القرية التي تجسدها شخصيات المجموعة الأولى التي تناولها البحث.‏

ويزداد بروز أهمية المدرسة كوسيلة للتغيير الثقافي في نظر مالك بعد استماعه إلى نقاش دار بين الإمام وزملائه القراء من جهة، وبعض الفلاحين من جهة أخرى، إثر سهرة دينية أقيمت على روح المرحومة بعد دفنها. دار النقاش حول الصراط الذي يقطعه الناس يوم القيامة، وموقع كلّ من الجنة والناس بالنسبة إليه. إذ استخلص مالك من النقاش أن المدرسة عاجزة وحدها على تغيير أفكار الناس وتحريرهم من الأوهام بعد أن حررتهم الثورة من الاستعمار: “إن الثورة المسلحة حررتنا من الاستعمار ولم تحررنا من الأوهام، يجب القيام بثورة أخرى، لكن من يقوم بها؟ المدرسة وحدها لا تكفي…”(ص178)‏

فهل يرغب مالك في قيام ثورة ثقافية على غرار الثورة الثقافية بالصين مثلاً؟ مما يعني إعلان حرب عنيفة ومباشرة لإحلال بنية ثقافية أخرى مكان البنية الثقافية المحلية النابعة من الواقع الاجتماعي في امتداد تاريخه البعيد؟ ربما هذا ما كان يفكر فيه مالك لما رفض أن يكون وارثاً لرحمة رغم كونه الوريث الشرعي الوحيد لها، بحكم ارتباطه بها بصلة دموية. قبل أن يقرر بناء مدرسة ببيتها، وأخذ ما خلفته من أوان إلى معرض الصناعة التقليدية.‏

قال ابن القاضي يخاطب مالكا:‏

“هل فكرت ياسي مالك في بيت العجوز رحمها الله؟‏

فأجاب مالك وقد فهم ما يعنيه:‏

-لست وارثا‏

فقال ابن القاضي:‏

-ولكنك من جهة الصلة الدموية أنت القريب الوحيد، ويجب أن تتولّى ما خلّفته الفقيدة، ولو كان قليلاً.‏

فقال مالك:‏

-الأمر بسيط، نبني في بيتها مدرسة للقرية، والأواني الصالحة نأخذها إلى معرض الصناعة التقليدية. أما باقي الأثاث نوزعه على الفقراء. أليس هذا هو الأنسب؟”(ص196)‏

وما يلفت الانتباه في هذا الجواب/ البرنامج، قوله إنه سيأخذ الأواني إلى معرض الصناعة التقليدية. فهل المقصود بالمعرض هو المتحف؟ بالطبع لا. فالمتحف تتمثل مهمته الأساسية في الحفاظ على الآثار لمدّة زمنية طويلة وغير محدودة. بينما مهمة المعرض محدودة زمنياً، وغرضه العرض من أجل التجارة غالباً، وليس المحافظة.‏

وهذا المسعى ينسجم مع هدف إحلال بنية ثقافية معينة، محلّ البنية الثقافية القائمة. وهو المسعى الذي يحرك شخصيات هذه المجموعة الثانية في تعارضها مع مسعى شخصيات المجموعة الأولى.‏

الجزائر‏

1 عبد الحميد بن هدوقة/ ريح الجنوب/ ط5/ المؤسسة الوطنية للكتاب. الجزائر (د.ت)‏

2 في الأصل “رجلي”.‏

3 وهل أدركت نفيسة ما هي مشكلتها بدقة؟‏

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق