قراءات ودراسات

“الجريمة والعقاب”.. عالم دوستويفسكي وعالمنا

حسام أبو حامد

في القرن التاسع عشر، ابتعد العالم الغربي عن الرومانسية الموجودة في أعمال بوشكين في روسيا؛ جوته في ألمانيا؛ وردزورث في إنكلترا، وغيرهم، واتجه نحو نهج واقعي حديث للأدب. بينما كان العالم لا يزال يقرأ الروايات والقصائد الرومانسية الشعبية، كانت روسيا تقود حركة نحو النهج الواقعي الجديد للأدب «كان دوستويفسكي أحد رواد هذه الحركة، إلى جانب غوستاف فلوبير في فرنسا ومارك توين في أميركا. لم يكن دوستويفسكي مؤرِّخًا للمحيط المادي الدقيق فحسب، بل كان يكتب أيضًا موضوعات ذات أهمية حديثة… أنشأ دوستويفسكي أحد مبادئ الواقعية الحديثة ليقدم الحياة كما هي عليه في الواقع. هذا هو بالضبط ما فعله دوستويفسكي من رواياته الأولى إلى تحفته النهائية، الأخوة كرامازوف»[1]
في عام 1865، وفي معرض تقديمه لمخطوط روايته الجديدة، كتب فيودور دوستويفسكي لميخائيل كاتكوف، محرر صحيفة هيرالد (الرسول) الروسية: «إنها سرد نفسي لجريمة… طالب شاب من الطبقة المتوسطة الدنيا، طُرد من الجامعة، ويعيش في فقر مدقع، يستسلم، من خلال عدم التفكير وقلة القناعات الراسخة، لأفكار معينة، غريبة وغير مكتملة، تطفو في الهواء، ويقرر الخروج من بؤسه مرة وإلى الأبد»[2]. كانت تلك روايته “الجريمة والعقاب”، التي كتبها دوستويفسكي تحت ضغط الحاجة، بعد أن فقد كل ثروته في لعب القمار (كما أشار إلى ذلك في روايته “المقامر”)، ليبقى تحت رحمة مالك منزله في فيسبادن بألمانيا، الذي هدده بالطرد إن لم يدفع أجرة المنزل. عرض دوستويفسكي على المحرر 300 روبل لقاء الرواية التي أصبحت أشهر رواياته. “الطافية في الهواء” تعبير أشار به دوستويفسكي إلى حزمة من الأفكار الغربية المستوردة التي ستحدد مبادئ الفكر الراديكالي الروسي في ستينيات القرن التاسع عشر، التي تأثر بها الطلاب الروس، أمثال راسكولنيكوف (23 عامًا) بطل الرواية، وهي نسخ مشوّهة من النفعية الإنكليزية والاشتراكية اليوتوبية الفرنسية والداروينية مجتمعة [3]. خلقت تلك الأفكار مناخًا فكريًا، حفز دوستويفسكي على محاولة شرح أثرها البالغ في السلوك البشري. وبدت روايته “الجريمة والعقاب” معركة حقيقية ضد أي عدمية. تم نشر الرواية، أولا، بشكل متسلسل في مجلة الرسول قبل ظهورها في كتاب مستقل عام 1867.
طرحت الرواية أسئلة كبرى عن الخطيئة، والإرادة الحرة، والتسامح، وحول ما يعنيه خرق القانون. والمعروف أن دوستويفسكي نفسه قد مر بهذه التجربة حين حوكم عام 1849 وأدين بجرائم ضد الدولة، تمثلت في انضمامه إلى حلقة “Petrashevsky” الفكرية المتأثرة بالمثالية الاشتراكية عند شارل فورييه، التي اتخذت موقفا ضد نظام القنانة. حكم على دوستويفسكي وغيره من أعضاء الحلقة بالإعدام رميًا بالرصاص. قبل دقائق فقط من توقعهم للموت، علموا أن عقوباتهم قد خُففت إلى الأشغال الشاقة بأمر من القيصر. أمضى دوستويفسكي السنوات الأربع التالية في معسكر احتجاز كاتورغا في أومسك بسيبيريا. ويبدو أن ظلال تلك التجربة طالت مختلف رواياته، حيث غالبا ما يكون القتلة مضللين ومليئين بالعواطف المتداخلة، والأفكار المشوشة عن العالم[4].

لم تعد ستينيات القرن التاسع عشر راديكالية، في أعقاب “الإصلاحات الكبيرة” التي قام بها القيصر ألكسندر الثاني، والتي تضمنت إلغاء القنانة، وإنشاء أشكال محلية من الحكم الذاتي، كما حدث تحول في التركيبة المتطرفة، إذ تم استبدال الاشتراكية الطوباوية التي سادت في شباب دوستويفسكي بعقيدة جديدة تعرف باسم “الأنانية العقلانية” أو “العدمية” التي روّجها نيكولاي تشيرنيشيفسكي، في روايته “ما العمل؟”[5] (1863) وقامت على فكرة أن البشر، مسترشدين بالمصلحة الذاتية المستنيرة، سيختارون في نهاية المطاف العيش في مجتمع عادل ومتساوٍ. ألهمت الفكرة جيلًا من الروس الشباب الذين بلغوا سن الرشد، وأرادوا دفع المجتمع الروسي إلى الأمام، وبسرعة أكبر، من خلال ثورة اعتقدوا أنها بدأت حين أعادت تشكيل ذواتهم واستنطاق رغباتهم الخاصة. دوستويفسكي اعتقد أن الناس في النهاية لا يدركون سبب رغبتهم في الأشياء التي يريدونها، وظن أن البشر غير عقلانيين ويدمرون أنفسهم بعمق، مدفوعين بنزعتهم إلى المقامرة والتسويف وغيرها من أشكال يومية لتدمير الذات. ورأى في نظرية تشيرنيشيفسكي، التي اعتبرت جميع الإجراءات المتخذة من أجل مجتمع أفضل هي جيدة بالضرورة، مبررا محتملا للعنف. الخطر نفسه أدركه دوستويفسكي في العدميين والفوضويين، الذين تحولوا بالفعل في سبعينيات القرن التاسع عشر وثمانينياته إلى الإرهاب لتحقيق أهدافهم. تسبب اغتيال ألكسندر الثاني عام 1881 في أن يرى العديد من القراء اللاحقين في رواية دوستويفسكي شيئًا من النبوة[6]
يبدو أن تجربة دوستويفسكي خيبت رجاءه بالإصلاح الاجتماعي، ليصبح أكثر تدينا، بعد أن اقتنع أن أيا من الفلسفات الغربية لن تشفي جراح الروح البشرية، ولعل سونيا في “الجريمة والعقاب” تمثل إيمانه المسيحي النقي، حين تدفع بالصليب إلى راسكولنيكوف وهو في طريقه إلى قسم الشرطة ليعترف بجريمته.

أحداث الرواية وشخصياتها الرئيسية
راسكولنيكوف، طالب قانون في سانت بطرسبرغ، يعيش في فقر مدقع، تنفد أمواله ولم تعد عائلته قادرة على دعمه ماديا ليواصل دراسته. يزداد بؤسه، بعد أن يبيع آخر ما يملك لمرابية فاسدة تستغل سكان المدينة، هي أليونا إيفانوفنا، فيقرر مدفوعا بأخلاق المنفعة، قتلها وسرقة أموالها، مقتنعا أنه يحق للشخص الاستثنائي أن يمارس الشر لتحقيق غايات إنسانية. بعد قتلها يضطر إلى قتل أختها غير الشقيقة التي تفاجئه وهو يسرق ممتلكات أليونا. وستكون آثار هذا الفعل أكثر مما كان راسكولنيكوف مستعدا لها. في غضون ذلك، يصادق راسكولينكوف سكّيرا يدعى مارميلادوف، اضطرت ابنته سونيا، تحت ضغط زوجة أبيها، إلى العمل في الدعارة لإنقاذ الأسرة من الفقر. بعد أن اضطرت شقيقته دونيا لترك عملها كمربية أطفال، تغادر ووالدته الريف وتأتيان إلى سانت بطرسبرغ، وتعتزم الزواج من رجل يدعى لوزين من أجل تحسين وضعهما المالي والاجتماعي.
يصور السرد القصصي التقلبات في عواطف راسكولنيكوف وصراعه مع ضميره. إنه مريض على طول الرواية، ويرفض بغضب محاولات عائلته وصديقه رازوميخين مساعدته. وعندما يدهس مارميلادوف بواسطة عربة ويموت، يمنح راسكولنيكوف سونيا وعائلتها أموالا من أجل جنازته، ويعارض أن تضحي دونيا بنفسها بزواجها من لوزين. وعندما يوشك بورفيري، الذي يحقق في جريمة القتل، على توجيه الاتهام رسميا لراسكولنيكوف، بتهمة القتل يعترف رجل آخر بقتل أليونا وشقيقتها.
يزور راسكولنيكوف سونيا بشكل دوري، لكن سلوكه الذي يغدو أكثر اضطرابا يخيفها منه، لكنها تبدأ تهتم به بعمق، وبعد أن تدفعه الفوضى والصراع الداخليان إلى الاعتراف لها بارتكابه جريمة قتل المرأتين، لا تشعر بالرعب من جرائمه، بل بالقلق من روحه وسلامته العقلية، وتحثه على الاعتراف، وتنجح في إقناعه بتسليم نفسه. في النهاية يسلم راسكولنيكوف نفسه، ويحكم عليه بالسجن ثماني سنوات مع الأشغال الشاقة في سيبيريا. إلى هناك، تتبعه سونيا وتزوره في كل فرصة. تتزوج دونيا من صديقه رازوميخين. أثناء قضائه مدة عقوبته، يدرك راسكولنيكوف أن السعادة لا تتحقق من خلال خطة منطقية للوجود بل تكتسب من خلال المعاناة، لذلك يصبح قادرا على قبول حب سونيا له ومبادلتها المشاعر ذاتها.

في سيكولوجيا الجريمة والعقاب
كان دوستويفسكي على دراية جيدة بأحدث الأفكار والمفاهيم الفلسفية في عصره. شخصياته مدفوعة بالعواطف الداخلية الكثيفة. ولم يتم نشر تحقيقات سيجموند فرويد عن الحالات النفسية للعقل إلا بعد أن كتب دوستويفسكي العديد من دراساته عن القوى العقلية التي تدفع الشخص إلى ارتكاب أعمال معينة. تحقيقات بورفيري في الدوافع الكامنة وراء الجريمة، والحالة العقلية للمجرم، لن تصبح طريقة مقبولة للتحقيق حتى وقت قريب في القرن العشرين. كطبيب نفسي، كان دوستويفسكي متقدمًا على فرويد. إن وصفه للمشاعر الداخلية واقعية وحقيقية من الناحية النفسية، فبعد أن حكم عليه بالإعدام، كان دوستويفسكي غالبًا يكتب عن يأس الإنسان المطلق[7].
الطريقة التي تعالج بها الرواية الجريمة والعقاب ليست بالضبط ما يتوقعه المرء. تم ارتكاب الجريمة في الفصل الأول، والعقاب يأتي بعد مئات الصفحات؛ في الخاتمة. لا ينصبّ التركيز الحقيقي للرواية على هاتين النقطتين النهائيتين (الجريمة والعقاب) بل على ما بينهما، عبر “علم نفس جنائي” مبكر. إن العالم الداخلي لـ راسكولنيكوف، مع كل شكوكه؛ الهذيان؛ الحدس والترقب؛ الخوف واليأس، هو قلب القصة. لا يهتم دوستويفسكي بالتداعيات الفعلية للقتل، ولكن بالطريقة التي تجبر فيها جريمة القتل راسكولنيكوف على التعامل مع الشعور بالذنب ووخز الضمير. لذا، لم يركز إلا قليلا على سجن راسكولنيكوف، إذ يبدو أن العقوبة الفعلية، بحسب دوستويفسكي، أقل فظاعة بكثير من الضغط والقلق من محاولة تجنب العقوبة، وهو ما يدركه المحقق بورفيري، فالمجرم الذي يعاني من عذاب الضمير يجب أن يعاني بالضرورة من عذاب التفكير، ويحاول دفع راسكولنيكوف إلى الغضب والاعتراف.
إحدى السمات المميزة للجريمة والعقاب هي أنها تركز على البحث ليس عن القاتل، ولكن عن الدافع. هكذا يدخل دوستويفسكي تعديلا هاما في جانب أساسي من القصة البوليسية بإلغائه مسألة من ارتكب الجريمة، والتركيز بدلًا من ذلك على الدافع، أو على «حل اللغز: سر دافع راسكولنيكوف»، وفق تعبير جوزيف فرانك[8]. حتى المحقق بورفيري، تصرّف من خلال قناعته برغبة راسكولنيكوف في الاعتراف. وعلى طول فصول الرواية يقدم دوستويفسكي مقاربة للجريمة والعقاب من منظور سيكولوجي عبر شخصية البطل، لكن هذا البعد السيكولوجي لم يكن معزولا عن التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع الروسي في حينه، لا سيما مجتمع سانت بطرسبرغ.

رموز الفقر والمدينة
تُظهر الرواية سانت بطرسبرغ مدينة قذرة، تزدحم شوارعها وشققها الصغير بالمعدمين، يسير السكارى في شوارعها في وضح النهار، ويكثر فيها البغي، والمتسولون والمتسولات. تحاكي فوضى المدينة فوضى المجتمع الروسي وما فيه من عدم مساواة وفقر وحرمان، وتعبّر أيضا عن فوضى راسكولينكوف الداخلية، واضطرابه النفسي الذي يدور طوال الرواية حول نقطة الاعتراف، قبل أن يصل إلى الخلاص. يبدو البطل هنا سجين فوضى المدينة، وسجين عقله المشوش في الوقت نفسه، فلم يستطع أن يعود إلى توازنه النفسي إلا وهو يقضي مدة عقوبته في سجن بلدة صغيرة في سيبيريا.
ما عدا بعض الشخصيات من الطبقة الوسطى والأرستقراطية، ينتشر الفقر في كل زاوية من زوايا سانت بطرسبرغ، ويجبر العائلات الفقيرة على الترابط معا. الفقر يبدو في الرواية مشكلة اجتماعية، يحاول الفقراء الخلاص منها بالتضحية بالنفس، كما هي حال دونيا التي سعت للزواج من ثري لمساعدته أخيها ماليا، لكن أيضا يمكن لبعض الشخصيات رغم الفقر أن يظهرن قوتهن وتعاطفهن كما هي حال سونيا ودونيا. يبين دوستويفسكي الفارق بين الفقر والبؤس؛ ففي الفقر يستطيع المرء أن يحافظ على نبل عواطفه، أما في البؤس فلن يستطيع ذلك يوما. في هذه البيئة اليائسة، فإن راسكولنيكوف ليس مدفوعًا للعنف بسبب الفقر، ولكن بفكرة مستهلكة، تقرر أن قتل شخص يتسبب في إفقار الناس، سيعود بالنفع العظيم على كل المجتمع.

السوبرمان والاغتراب الاجتماعي
الاغتراب موضوع رئيس للرواية، فاعتداد راسكولينيكوف المبالغ به بنفسه يجعله يعتقد أنه سوبرمان فوق أي قواعد أخلاقية؛ شخص استثنائي قادر على تحمل المسؤولية الروحية لاستخدام وسائل الشر لتحقيق غايات إنسانية. أطروحته الرئيسية هي أن هناك نوعين من الناس: “العادي” و”الاستثنائي”. المجموعة الأولى هي القطيع الذي يضم من يقبلون كل ما يمليه النظام الاجتماعي، ويلتزمون بالقواعد والقوانين السائدة. أما الثانية فتضم العباقرة نحو: إسحاق نيوتن، والنبي محمد، ونابليون… لكي يتمكن هؤلاء من إخراج أعمالهم العظيمة إلى الوجود، وفتح آفاق جديدة، يجب السماح لهم بتجاوز القانون. وبقتله للمرابية وشقيقتها يحاول أن يثبت أنه ينتمي إلى هذه المجموعة من الرجال الاستثنائيين.
رؤيته لنفسه متفوقا دائما على الآخرين تفصله عن المجتمع، وتجعله غير قادر على التواصل مع أي شخص، في فلسفته الشخصية يحوز إيمانا بأن الآخرين هم وسائل لتحقيق غايته. واعتقاده أنه فوق القانون يدفعه إلى ارتكاب الجريمة، لتنمو بعدها عزلته، وليولد الإحساس بالذنب لديه شعورا بالهذيان. يرفض المساعدة، ويبعد من حاولوا مساعدته، ليعاني من عواقب الاغتراب التام الذي جلبه لنفسه. عجزه عن قمع مشاعر الذنب التي تعذبه بعد أن قتل أليونا إيفانوفنا وليزافيتا، وإغماؤه المتكرر عند ذكر جرائم القتل، بديا بالنسبة له دليلا على أنه ليس “سوبرمان” كما اعتقد. ورغم فشله في الارتقاء إلى مستوى الصورة التي رسمها عن نفسه، يرفض تفكيك تلك الهوية المزورة، ويقاوم التصديق بأنه شخص اعتيادي من خلال إقناع نفسه أن قتل المرأة له ما يبرره.
عدمية راسكولنيكوف ترتبط بالنفعية التي تقوم على أن القرارات الأخلاقية يجب أن تحقق أعظم قدر من السعادة لأكبر عدد من الناس. يبرر راسكولنيكوف في الأصل قتل أليونا لأسباب نفعية، مدعيا أنه تم إزالة “قملة” من المجتمع. سواء كان القتل فعلًا منفعيًا أم لا، فإن راسكولنيكوف عدمي؛ يبدو سلبيا على مدار الرواية؛ غير مبال بمشاعر الآخرين؛ متجاهلا الأعراف الاجتماعية، وما يقربه من سونيا هو اعتباره لها شخصا متجاوزا للمعايير الاجتماعية من خلال عملها في الدعارة، لكنه يفشل في إدراك أن خطيئتها مختلفة، فبينما تضحي هي بنفسها من أجل الآخرين، يرتكب هو جريمته من أجله وحده. يبدو راسكولنيكوف كارها للطبيعة البشرية، ويرى أن التضحيات البشرية مثيرة للشفقة وبغيضة، وعلى الرغم من أنه يظهر كرمًا نادرًا وشفقة تجاه أفراد معينين طوال القصة، إلا أنه يفعل ذلك من موقف منفرد وساخر.
فقط في استسلامه لحب سونيا، وإحساسه بالسعادة نتيجة هذا الاستسلام، يستطيع التحرر من تصوره لنفسه سوبرمانًا، ومن عزلته التي جلبها له هذا الاعتقاد. بالحب وحده يخترق جدار الكبرياء والتمركز حول الذات اللذين فصلاه عن المجتمع، ويتخلّص من عدميته. التحول الحاسم يحدث في نهاية الرواية، حين يعتنق بطلها طبيعته البشرية ويسمح لنفسه بقبول وتجربة مشاعره الخاصة، ويصل الى نوع من الصفاء الداخلي، بعد أن يرمي نفسه «على أقدام سونيا ويقبل إيمانها المسيحي بديلا لمزيجه من النفعية العقلانية، والعدمية الرومانسية والإنسانوية الاشتراكية»[9]
في الرواية، تغدو الجريمة طريقة لفهرسة مراحل التدهور الأخلاقي للشخصية، وعدسة مُكَبّرة لفهم قدرة الإنسان على التدمير والفداء في الوقت نفسه. وبعد انتظار الكشف عن العقوبة الفعلية، يدرك القارئ أن العدالة، وفقًا للقانون، لا تحمل وزنًا كبيرًا، وأن عقوبة قتل شخص ما تتجاوز بكثير الاعتقال الجسدي، لأن العقوبة الحقيقية هي الألم النفسي الذي يعاني منه المرء. الجريمة والعقاب لا يتعلقان بالجريمة، ولا بالعقوبة، بل بنفسية المجرم، ورحلتها غير المريحة في سماء الشعور بالذنب.

“الرواية قد تكون أيضا راهنة عربيا، حين تطرح تساؤلات تتقاطع مع واقع مجتمعاتنا العربية،
وما تعيشه من أزمة أخلاقية، والتي تشكل إحدى حلقات انهياراتٍ متلاحقةٍ
تفاقم أزمتنا الوجودية في غياب دولة الحق والقانون”

من العدمية الى الكانطية
يذهب جوزيف فرانك، كاتب سيرة دوستويفسكي الأكثر شهرة، إلى أنه لا توجد فترة من حياة دوستويفسكي أكثر غموضًا من السنوات الأربع الطويلة التي قضاها في السجن ما بين 1850 و1854. فقد أنتجت هذه السنوات، باعتراف دوستويفسكي نفسه، تحولًا عميقًا في قناعاته، وأعادت تشكيل أفكاره وقيمه لبقية حياته. لقد ذهب إلى المنفى باعتباره معارضا حازما لنظام نيكولاس الأول، الذي حكم عليه لمشاركته في مؤامرة ثورية تهدف إلى القضاء على القنانة. لكن دوستويفسكي ما بعد سيبيريا، بعد بضع سنوات فقط من عودته من المنفى، أصبح لبقية حياته أحد أكثر المعارضين تصميمًا وفعالية للأيديولوجية الراديكالية الروسية. وكانت هذه المعارضة – التي تحولت إلى مستوى ميتافيزيقي، واستكشاف الأسس الأخلاقية النهائية للثقافة الحديثة – هي التي قدمت الإلهام لأعظم أعماله[10]
كتب دوستويفسكي “الجريمة والعقاب” وسط تصاعد غير مسبوق في الجرائم العنيفة التي كانت تجتاح سانت بطرسبرغ بعد إلغاء القنانة عام 1861، إذ شهدت العاصمة الروسية آنذاك تدفقًا هائلًا من الأشخاص الباحثين عن عمل. ترك الاكتظاظ الشديد والبطالة الكثيرين في حالة من اليأس. صوّرت الرواية الفساد والبؤس الذي تعاني منه العاصمة الروسية، لكنها وجّهت عناية خاصة لأولئك المستغلين لضحايا هذه الظروف اليائسة، أمثال المرابية أليونا إيفانوفنا[11]
لكن الرواية تدين العدمية وتحاول اثبات أنها فارغة، ورسالة دوستويفسكي إلى الإصلاحيين تتلخص في حثهم على أن يركزوا تفكيرهم، لا على رؤيتهم الطوباوية لمجتمع تم إصلاحه، بل على أسلوبهم الفعلي لتحقيق الإصلاح. إنها فلسفة كانطية تبين أنه لا يمكن للإنسان فعل الشيء الخطأ لسبب صحيح، أو الشيء الصحيح لسبب خطأ، بل ينبغي فعل الشيء الصحيح للسبب الصحيح. ولا تعتمد صحة أو خطأ الأفعال على نتائجها المادية، حتى عندما يتسبب الإجراء في سعادة أكثر، بل بالإرادة الخيرة التي تطيع الواجب الأخلاقي الذي يفرضه العقل. إنه نقد عميق للنفعية، إذ يتحمل البشر مسؤوليات فردية لا تأخذها النفعية بعين الاعتبار. وعند كانط لا شيء يبرر الرذيلة، والقتل يبقى جريمة دائما في كل الظروف والأحوال، “فلو كانت سعادة البشرية تتوقف على قتل طفل واحد فإن قتله عمل غير أخلاقي” وفق مقولة شهيرة لهذا الفيلسوف الألماني.
يشير راسكولنيكوف إلى أن التقدم التاريخي ينبع من العنف. غالبًا ما يحصل الرجال العظماء في الماضي على الشهرة بكونهم “مدمرين رائعين”. راسكولنيكوف يبني قضية دقيقة للأهداف التي تبرر الوسائل، بما في ذلك قتل الأبرياء طالما استفاد المجتمع من تلك الوفيات، وأصبحت هذه الحجة اليوم، على حد تعبير الفيلسوف جوناثان غلوفر، “افتراضًا خلفيًا” للحياة الحديثة، وأساسًا لفكرة أن الأميركيين يخوضون “حروبًا جيدة” من أجل تعزيز الحرية. لذلك يمكن شطب وفيات المدنيين العرضية على أنها “أضرار جانبية”[12]. تبدو تلك الحجة اليوم في زمن كورونا أساسا أيضا لمناعة القطيع، التي تطلب منا ألا نعير انتباها لمن يموتون كي يستمر آخرون في العيش.
الرواية قد تكون أيضا راهنة عربيا، حين تطرح تساؤلات تتقاطع مع واقع مجتمعاتنا العربية، وما تعيشه من أزمة أخلاقية، والتي تشكل إحدى حلقات انهياراتٍ متلاحقةٍ تفاقم أزمتنا الوجودية، في غياب دولة الحق والقانون، وفي حضور هيمنة الاستبداد، وفساد السلطة بدل أن تكون السلطة “مبدأ كل فضيلة”، وفق ما ذهب إليه برتراند راسل. هل ينقصنا عدميون عصابيون يمعنون فينا قتلا وتنكيلا من أجل التقدم نحو مصالحهم الخاصة؟

في وضعيتنا هذه، وكون الأخلاق لا تنجب الحق بل الحق ينجب الأخلاق، أصبح العنف مصدرا لكل فسادٍ أخلاقي ممكن، وتحولت القيم الغايات إلى قيم وسائل، وخضعت أخلاقنا لتجريبية مزمنة، فغدت متبدلة بتبدل المردود والنتائج. انتهت التجريبية بنا إلى أخلاقٍ مختزلة وانتقائية، لا يربطها مبدأ عام، فيبلغ التناقض ذروته، حين يثأر لـ”شرف” مرتش أو مختلس للمال العام، فيقتل أختا أو ابنة، من دون أن تشكل الرشوة والاختلاس تهديدا لمفهوم الشرف. وبتنا غارقين في الرياء الاجتماعي، تحت عنوان العمل الخيري، أو نمارس الطيبة من الأعلى إلى الأدنى، مع أن الطيبة والعطاء ليستا رأفة بل مشاركة، وفي غياب العدالة، لا يزال العطاء سيطرةً، وبالتالي إذلالا، وبما يحق لنيتشه (على لسان زرادشت) أن يكره أولئك الرحماء السعداء بشفقتهم، لكن الحياء ينقصهم.
تذكرنا “الجريمة والعقاب” أن الأخلاق ليست دائما وسيلةً للسعادة، بقدر ما هي منهجٌ يكفل لنا أن نكون جديرين بها، وهي «تُبْطِل إصرارنا على الوسائل المُبَرِّرة للغايات، ولهذا هي مهمة أكثر من أي وقت مضى»[13]..

المراجع والحواشي:
[2] Jennifer Wilson, Floating in the Air: The world that made Dostoyevsky’s Crime and Punishment, The Nation, MARCH 22, 2018: https://bit.ly/31jl8XF

[5] Leo Robson, Dostoevsky’s Crime and Punishment refashioned the idea of what a novel could be, New Statesman, 3 MARCH 2018: https://bit.ly/3gv4kTQ

[6] Jennifer Wilson, Ibid.

[7] From the introduction of Crime and Punishment by Fyodor Dostoevsky, Ibid

[8] Jennifer Wilson, Ibid

[11] Jennifer Wilson, Ibid

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق