قراءات ودراسات

“الوأد الجديد”.. تحرير العقل الإسلامي من هيمنة الفهم الأحاديّ

دارين حوماني

أن يكون عنوان كتابك مُحمّلًا بجثث جرائم شرف ووجوه مشوّهة وسبايا جهاد ونكاح وصراخ أطفال انتزعوا من أمّهاتهم وعذابات صرفة تتجلّى في جرعات متنوّعة من الظلم والتمييز الذكوري والنظرة الدونية التي ترفض الاعتراف بالمرأة ككائن إنساني وبكامل حقوقها في دول “إسلامية” وقوانين مبرّرة تبريرًا دينيًا بشكل تامّ، فأنت تتحدّث عن “الوأد الجديد” للباحثة والأكاديمية التونسية زهية جويرو، المتخصصة في الفقه الإسلامي والتي خرجت من مدرسة الطاهر الحدّاد وسعت لاستكمال جهوده وجهود عبد العزيز الثعالبي والفاضل بن عاشور وسالم بو حاجب وآخرين لبعث روح التحرّر والعدالة الإنسانية التي يتضمنها النص القرآني.
زهية جويرو هي واحدة من رائدات تونسيات يسعين باستمرار إلى تجديد قراءة النص الديني وإلى التخلّص من القيود التي كبّلت العقل الإسلامي التشريعي، ومنهن نائلة السليني وبثينة بن حسين وألفة يوسف وحياة عمامو وغيرهن من اللاتي يجتهدن في تغيير العقلية الذكورية التي احتكرت التصرّف في الإسلام واستأثرت بالتشريع والتفسير والتأصيل، وهنّ مؤمنات أن ذلك ضروري لتغيير واقع النساء وجعله أقل بؤسًا، وأن على هذا التغيير أن يتم بنفس الأدوات وبنفس اللغة؛ “إن أسلم طريق يسمح للنساء بأن يدركن حقهنّ في العدالة والمساواة هو إقامة الدليل من داخل نصوص الإسلام التأسيسية نفسها”، وانطلاقًا من أن “الفصل بين النص الإلهي وسائر النصوص البشرية التي تشكّلت حوله ضرورة حيوية إذا أردنا أن نجعل من الإسلام قوّة بناء وتقدّم ومن أن زمن احتكار المؤسسة الفقهية التقليدية حقّ تفسير النص القرآني وسلطة إلزام المسلمين بمفهوم أصحابها وتأويلاتهم قد ولّى”.

“تحاول الكاتبة مرارًا أن تدلنّا على الوجع الأعمق الذي تعمل جاهدةً على رتقه، وهو مسلّمة رفض أي دعوة إلى مراجعة الأحكام التي لم تعد طبيعة المجتمعات الحديثة تسمح بالأخذ بها”

“الوأد الجديد- مقالات في الفتوى وفقه النساء” (2019) الصادر عن دار مسكيلياني ودار الرافدين، يتضمّن مقالات عن “مواريث النساء- النص والتأويل”، “قراءات في أحكام الولاية والقوامة”، “فتاوى النساء أو الوأد الجديد”، و”الفتوى المعاصرة من النظام إلى خرق النظام”، تحاول الباحثة فيها “البرهنة إجرائيًا على أن قراءة أخرى للنص القرآني ستكون ممكنة” وذلك انطلاقًا من كشف الطبيعة الذكورية لنشاطات التأويل والتفسير والتشريع، والتمييز بين القرآن وبين التراث التفسيري والتشريعي والتأصيلي الذي تشكّل حوله “وهو بشري- تاريخي وذكوري”، وكذلك التمييز في القرآن نفسه بين ما هو ثابت وجوهري من أصول العقيدة وما هو عارض يرتبط بالظرف والتاريخ، وهو المكوّن القابل لتعدد التأويلات ومن ثم لتغيّر الأمكنة والأزمنة وأحوالهما، وكذلك متابعة السياق الذي جاء فيه النص وذلك لأهمية السياقات في فهم أي خطاب وبالأخص الخطاب الديني والقرآني. ومن هنا تحاول الكاتبة إعادة تفسير عدد من الآيات القرآنية التي تخصّ النساء من زاوية “البراديغم التوحيدي” فالإنسان هو المقصد الأعلى للتوحيد القرآني ذكرًا وأنثى.

ثلاثة نصوص مسبقة
تنطلق الباحثة في مقدّمة الكتاب مما جاء على لسان أمينة ودود بأن قراءة القرآن تمّت من خلال ثلاثة نصوص مسبقة هي أولًا “النص المسبق للقارئ”، أي خلفيّته الثقافية والمعرفية والإيديولوجية ما ينفي وجود قراءة موضوعية ومحايدة، وثانيًا “نص اللّغة” على اعتبار أن كل لغة تحمل في نظامها الداخلي المعجمي والنحوي والبلاغي وفي ذاكرتها الثقافية نصّها المسبق وعليه ينبغي على القارئ إسقاط نص العربية المسبق من مرجعيّته، وثالثًا “نص الثقافة” وهو السياق الثقافي وقت نزول الوحي حيث حرص القرآن على إبطال ما وجده في سياقه الجاهلي من وأد البنات وحرمان النساء من الميراث لكنه لم يقصد استقصاء كل الجوانب وترك للتاريخ وللزمن مهمّة التغيير. تذكر صاحبة “الإسلام الشعبي” أن الرافضين لإقرار مبدأ المساواة في الميراث يتعلّلون بأن الأحكام الشرعية في مجال مواريث النساء ثابتة وقطعية الدلالة، وهي من الأحكام التي جرى التسليم باستحالة إعادة النظر فيها. تعمد الباحثة إلى تنزيل تلك الأحكام من منظومتها التاريخية- الاجتماعية ودراسة السياق الذي جاءت فيه وتفسيرها بين الوحي والتاريخ. ترى جويرو أنه لا يجوز فصل نظام المواريث عن طبيعة النظام الاقتصادي- الاجتماعي السائد في شبه الجزيرة العربية زمن نزول الوحي، فقد عمد علماء الفقه إلى عزل العوامل التاريخية المباشرة واستبعاد أن الأحكام لم تكن سوى أجوبة على تساؤلات طُرحت على الرسول. أولى الآيات القرآنية التي تذكرها الباحثة: “للذكر مثل حظ الأنثيين”، فالتقسيم المذكور لم يكن حكمًا مستجّدًا على أهل قريش، وقد عرف أهل مكة نظام تقسيم الأموال قبل نزول الوحي على الرسول، ولعلّ أقرب الأمثلة إلى الأذهان وأوثقها تجسّده خديجة بنت خويلد، أما ما جاء من حرمان النساء من الميراث فكان مخصوصًا بمجتمعات البدو والأعراب، حيث يسود اقتصاد الغزو والغنيمة، لذلك لم تكن النساء وحدهنّ من يُحرم من المال بل كان هذا الحرمان يشمل الأولاد و”كلّ من لا يركب فرسًا ولا يحمل كلًا ولا ينكى عدوًا”. لكنه وفي سياق نظرة تمجيدية للإسلام تقوم على اعتباره سبب كل التحوّلات الإيجابية التي شهدها العرب في تلك الفترة، أشاعت المصادر الإسلامية فكرة أن النساء كنّ قبل نزول آيات المواريث محرومات تمامًا من الميراث.

“ثمة استحالة من داخل المنظومة الاسلامية في إنشاء قوانين من خارج المرجعية الشرعية التي وإن وجد لها مدافعون فهي مرفوضة من العقلي الفقهي ومن ممثّليه”

تؤكد صاحبة “الإفتاء بين سياج المذهب وإكراهات التاريخ” أن النص القرآني مليء بالإحتمالات وأحد هذه الأمثلة موضوع حكم الخمر، كما نرى أن الآية القرآنية “للرجال نصيبٌ ممّا ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيبٌ ممّا ترك الوالدان والأقربون ممّا قلّ منه أو كثر نصيبًا معروفًا”، “تُعدّ إقرارًا بالتوازن بين الرجال والنساء في إطاره التنظيمي العام وفي نظامه النحوي حقيقة التسوية بين الرجال والنساء في التمتّع بحق الوراثة ووضعت مبدأ الحق في الإرث على أساس الشخص ذكرًا أو أنثى ومبدأ المساواة بين الرجل والمرأة بصفتهما أشخاصًا”، لكن المشرّعين استندوا إلى الآية الأولى “للذكر مثل حظ الأنثيين” لتحديد الميراث كما نلحظ كيف يعمد الفقهاء إلى استنباط وسائل متعددة للالتفاف على ما جاء في القرآن بهدف شرعنة استيلاء الورثة من الذكور على التركات دون النساء وهو ما حصل ولا يزال يحصل في المجتمعات العربية من الذين يعدّون أنفسهم “مسلمين”.
تنتقل الباحثة إلى التمييز في اللغة بين الحظر والوجوب والإباحة والندب والتخيير وأن علماء أصول الفقه اعتبروا أنه من الصيغ الدالّة على الوجوب صيغة “كُتب عليكم” بينما تفيد صيغة “أوصى” بـ”التخيير والإباحة”، فالآية “يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين” هي حكم إباحة وتخيير، “وإن اختلاف العلامات اللغوية في النص القرآني وفي آيات الأحكام تحديدًا لا يمكن أن يكون اعتباطيًا فالانتقال من صيغة لأخرى مؤشّر على انتقال في مستوى الدلالة يجعل الأحكام أقرب إلى الإرشاد والنصح منها إلى الإلزام”.
لقد عملت المؤسسة الفقهية على استنباط أحكام عديدة “أمعنت في تعطيل العمل ببعض ما ورد في القرآن من أحكام ردّت للنساء بعض الاعتبار”، ومن هذه الأحكام فرض ولاية الأب على ابنته البكر ولاية مطلقة وإباحة تحبيس الأموال على الولد وإخراج البنات منه، تذكر جويرو نقلًا عن عدد من المصادر رواية عن شهادة عائشة بأن المسلمين قد احتالوا لإخراج البنات من الميراث. وثمّة شواهد عديدة تدلّ بوضوح على أن التصرّف البشري في الأحكام القرآنية يتناقض مع النص القرآني، “اتسعت الأحكام الفقهية بواسطة الأقيسة وسائر آليات الاستنباط والتصرّف في النص لتوسّع دائرة المستفيدين من التركات بتفعيل أحد المفاهيم “الجاهلية” التي قاومها الإسلام وهو مفهوم العصبة وهي آليًا إقصاء القرابة بواسطة الأم على أساس أن الأنثى لا تعصب بنفسها”، وقد استدلّوا على ذلك بحديث منسوب إلى الرسول رواه البخاري “ألحقوا الفرائض بأهلها فما بقي فلأولي رجل ذكر”، وشمل ذلك والد الأب والأخوة أما الأنثى ووالدها وإخوتها فلا يكونون عصبة.

المساواة بين الزوجين
في العلاقة بين الزوجين تذكر جويرو الآية القرآنية “وخلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها لتسكن إليها” التي تؤكّد حقيقة المساواة بين الزوجين، أما الآية الوحيدة التي اعتمدها الفقهاء لفرض قوامة الرجال على النساء “الرجال قوّامون على النساء” فإنما هي إخبار ووصف حالة اجتماعية كانت سائدة برأي جويرو، وهنا يتبيّن تلاعب الفقهاء بتحويل الصيغة الخبرية إلى صيغة إنشائية تفيد الأمر، كما أن الآية ستُستكمل “بما فضّل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم”، فالقوامة إذًا معلّلة وظرفية وليست نهائية ولا مطلقة طالما أنها مقيّدة بعلّة، كما أنها مفتوحة على إمكانية تطور المجتمع في اتجاه زوال الأسباب التي اقتضت قوامة الرجال على النساء، وإن عبارة “بعضهم على بعض” تفيد أنه إذا تطوّر المجتمع في الاتجاه المعاكس وأصبحت النساء هنّ اللاتي ينفقن فلا أفضلية للرجال عليهن. لكن اللافت في تفاصيل الأحكام الفقهية أن القوامة تتيح للرجل الاستمتاع بها كلما طلب ذلك وأن تطيعه في كل ما يأمره به وأن تحتجب ولا تخرج إلا بإذنه ولا تضمن القوامة للمرأة إلا النفقة. ما تختم به الكاتبة في مسألة القوامة أن الأصل في العلاقة الزوجية، كما يُستفاد من القرآن، هو المودّة والرحمة وسكون النفس، أما الحالات الطارئة فإن لها حلولًا أخذ القرآن في بعضها من الأعراف والعادات السارية دون أن تكون مقصدًا لكل زمان ومكان.
تنتقل الباحثة إلى تعداد العقوبات التي أنزلها الله على المرأة بسبب إغوائها لآدم، وذلك حسب المتخيّل الإسلامي، وهي الحيض، الحمل، الوضع، نقصان العقل، نقصان الدين، ميراثها وشهادتها نصف ميراث وشهادة الرجل، العدّة، قوامة الرجل عليها، ليس لهنّ حق في الطلاق، حرمانهنّ من الجهاد، ليس منهنّ نبيّ، ليس منهنّ سلطان، لا تسافر إلا مع ذي رحم، لا تنعقد بهنّ الجمعة، ولا يسلّم عليهن، هذه العقوبات التي لم تبهت ملامحها ولم تُمحَ مع مرور الزمن، لا بل أصبحت أحكامًا ثابتة.
ثمّة “تجارة” تجدها الكاتبة في انتقال الإفتاء من الوسيط الشفوي إلى الوسيط السيبارنيتيقي عبر القنوات الفضائية والشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الإجتماعي ما أحال الموضوع إلى إنفلات إفتائي والى ضرب من التجارة الإلكترونية ما يخدم المصالح المادية والرمزية لفئة محددة بسلطة التشريع. تعرض جويرو بعض فتاوى يوسف القرضاوي وعبد الله الفقيه وآخرين في الإجابة على تساؤلات العامّة وتجد أن ثمّة تسوية واضحة بين إجابات المفتين وبين الكفر والانغلاق، فالمفتي يقمع النزوع إلى إيجاد صيغة جديدة ويبدو بوضوح أنه منقطع تمامًا عن عصره، ومن الأسئلة التي طرحها المستفتون توضيح “ما ملكت أيمانكم” فالجواب أنه يحق لمالكهنّ أن يطأهنّ من غير عقد زواج ولا شهود ولا مهر، وينطبق ذلك على نساء الكفار فهنّ سبايا عند الجهاد أي الحرب من أجل نشر الإسلام حيث أباحوا اتخاذ الأسرى سبايا وإماء وينطبق عليهنّ أحكام الرقّ وملك اليمين، وتتساءل الكاتبة هنا عن سبب إعادة إنتاج أحكام الرقّ وملك اليمين في الإفتاء المعاصر وتستحضر بورديو: “أليست البنى الإجتماعية اليوم سوى بنى الأمس الرمزية وقد أعيد إنتاجها؟”. تنظر جويرو إلى فتاوى الوسيط السيبارنيتيقي بأنها، وإن كانت لا تملك صلاحية صنع الواقع التشريعي، فهي ذات سلطة واسعة في صنع الوعي التشريعي، وما يقوم به إنما هو بصدد عملية خرق فاضحة عبر إعادة إنتاج نظام زالت مقوّماته الاجتماعية وهذا الخرق إنما يحافظ على وجوده. وإن أسئلة المستفتين، والتي ذكرت الباحثة أمثلة عديدة عنها، إنما تشير فقط إلى أن الأحكام الشرعية التي يحصلون عليها تزيدهم قلقًا وتشتتًا فالفقيه يرفع بوجههم حكم التكفير عند مجادلته بمسائل عصرية وسيظل المستفتي ضائعًا بين عالمين، فثمّة أسئلة عن قدرة الفنون على أن تشبع الحاجات الروحية للإنسان التي كان يشبعها الإيمان الديني لكن أجوبة المفتي تنحو منحى يسيّج تعاطي الفنون بالمحرّمات الدينية الأخلاقية فينكر على المسلم الاستماع إلى الموسيقى ومشاهدة الأفلام السينمائية وما تحثّ عليه من مجون فاحش.

“الوأد هو مصطلح قديم جرى تطبيقه على البنات في العصر الجاهلي وتمّ تجديده في العصر الحديث بنُسخ أخرى على أيدي فقهاء يجرّبون الموت على فتيات ونساء وأطفال بطرق متعدّدة وبالتفاف حقيقي وملموس على نصوص قرآنية”

أنموذج الخضوع والوأد الجديد
تستشهد جويرو بما برهن عليه ماكس فيبر عندما بيّن أن تطور الفكر التشريعي في أوروبا في أواخر العصر الوسيط في اتجاه عقلنة القانون وفصله عن الدين وتحريره من هيمنة الكنيسة، قد ساهم في تسهيل مسار انتقال المجتمعات الأوروبية من مجتمعات إقطاعية إلى مجتمعات رأسمالية. وتضع جويرو أمامنا أنموذج الخضوع الذي حدّده م. آليوت حيث تتفرّع عن قاعدة خضوع المخلوق للخالق مستويات خضوع أخرى، خضوع المرئي للامرئي، خضوع كل أطوار الزمن لزمن واحد هو زمن البدايات والتأسيس، خضوع الفرد للمجموعة، خضوع العبد للسيّد والفقير للغنيّ وهكذا.. وقد أدرج آليوت التشريع الإسلامي ضمن هذا الأنموذج والذي شمل التشريع المسيحي في طور من أطوار تاريخه، فكلاهما انطلق من نفس القاعدة العقائدية وأنشأ من الأحكام ما ينسجم مع تلك القاعدة وما يثبت مبدأ الخضوع، ولكن الفكر التشريعي المسيحي تطوّر في اتجاه أتاح إمكانية نشوء مؤسسة تنوب عن الله في المحافظة على نظام خلقه وفسح المجال أمام تخلي الأفراد والمجموعات عن وظيفة النيابة عن الله في النهوض بوظيفة التنظيم لصالح الدولة، أما الفكر التشريعي الإسلامي فإنّه ظلّ برأيها متشبثًا بفكرة استحالة غياب الله عن العالم المرئي وأبرز شواهد حضوره الأزلي كلامه المنزّل رسالة تحتاج باستمرار إلى من يفكّ أسرارها، وبما أن هذا التشريع غير معلوم من الجميع وخاصة من العوامّ فقد ظهر الفقيه المفتي وسيطًا موقّعًا لأحكام رب العالمين والذي تمّ تأليهه وإضفاء القداسة على إستفتاءاته كي يظلّ صاحب سلطة غير قابلة لأن ينازع بها، فهو يشرّع باسمه ما يقدّمه بهيئة أحكام إلهية بينما هي في الحقيقة أحكام صادرة عن فهمه ولمصالحه، وهكذا يصبح الإفتاء بفضل سلطة الفتوى وبغطاء الشرعية الإلهية ضربًا من “الوأد الجديد” يرمي إلى قتل المرأة رمزيًا من عدم مساواتها وحرمانها من حقوقها الإنسانية وصولًا إلى شرعنة ما يسمى جريمة شرف “وكأن الشرف لا وجود له إلا بين فخذيّ المرأة”، كما تصف جويرو.

بناء على ذلك ثمة استحالة من داخل المنظومة الاسلامية في إنشاء قوانين من خارج المرجعية الشرعية التي وإن وجد لها مدافعون فهي مرفوضة من العقل الفقهي ومن ممثّليه. وتطرح الكاتبة ما يؤكّده طوماس لوكمان أن الروابط الإجتماعية يمكن أن تنحو منحى الإنحلال في غياب الدين لكنها تعتبر أنه لا يمكن أن يُتّخذ ذلك حجّة للمطالبة بجعل القانون تابعًا للدين ما قد يؤدّي إلى تحويل الدين من فرصة لصالح تحرّر الإنسان ومن قوة روحية متولّدة عن حاجة الإنسان إلى إقامة صلات دائمة مع المطلق المتعالي إلى مؤسسة سلطوية متحالفة مع السلطة السياسية أو مستبدّة بها.

“ثمّة “تجارة” تجدها الكاتبة في انتقال الإفتاء من الوسيط الشفوي إلى الوسيط السيبارنيتيقي عبر القنوات الفضائية والشبكة العنكبوتية ومواقع التواصل الإجتماعي ما أحال الموضوع إلى إنفلات إفتائي والى ضرب من التجارة الإلكترونية”

تحاول الكاتبة مرارًا أن تدلنّا على الوجع الأعمق الذي تعمل جاهدةً على رتقه، وهو مسلّمة رفض أي دعوة إلى مراجعة الأحكام التي لم تعد طبيعة المجتمعات الحديثة تسمح بالأخذ بها، والادّعاء بصلاحيّة الكلام الإلهي لكل زمان ومكان، وغاية الكاتبة ليس إلغاء الكلام الإلهي ولا النيل منه بل هي تطلب الوعي بأن النص المقدّس تعبدّي في المقام الأول وبأن الصالح لكل زمان ومكان إنما هو أصول عقيدة التوحيد فقط. ولقد جرى الأمر على اعتبار التشريع الإسلامي منظومة مكتملة لا يُميّز فيها بين ما هو من التشريع القرآني وما هو من التشاريع الوضعية البشرية التي أصبحت مقدّسة أيضًا، وهنا تكمن الحاجة إلى تأويلية جديدة للنص الديني.
الوأد هو مصطلح قديم جرى تطبيقه على البنات في العصر الجاهلي وتمّ تجديده في العصر الحديث بنُسخ أخرى على أيدي فقهاء يجرّبون الموت على فتيات ونساء وأطفال بطرق متعدّدة وبالتفاف حقيقي وملموس على نصوص قرآنية كُتب معظمها في زمن محدّد مراعيًا ذلك الزمن ومفتوحًا على احتمالات تناسب الأزمنة اللاحقة، نحن هنا أمام موؤدات جديدات أراد لهن المشرّعون أن يدفعن باستمرار فواتير باهظة من أجسادهن وحقوقهن لصالح مذكّر يستأثر بالتشريع ليؤكّد لنا شقاء العقل الإسلامي وشقاء الإنسانية. اختارت زهية جويرو أن تكتب من نفس المكان الذي يستند عليه المشرّعون والقرّاء وهي إذ أرادت التحرّر للمرأة من داخل النص القرآني أرادت أيضًا تحرير هذا النصّ من تفسيراته الحرفية الأحاديّة المثقلة بالموت.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق