ثقافة المقال

ذٰلِكَ ٱلْغَبَاءُ ٱلْقَهْرِيُّ ٱلْتَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ ٱلْتَّقَدُّمِ أَمْ بُغَاةُ ٱلْتَّهَدُّمِ؟ (6)

غياث المرزوق

إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ ٱلْسَّاعَةِ ٱلْهَرْجَ.
قِيلَ: وَمَا ٱلْهَرْجُ؟ قَالَ: ٱلْكَذِبُ وَٱلْقَتْلُ [أَيْضًا].
قَالُوا: أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ ٱلْآنَ؟
قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ [أَعْدَاءً]، وَلٰكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا!
اَلْرَّسُولُ مُحَمَّدٌ

(6)

كما تقدَّمَ لي أَنْ كتبتُ في القسمِ الخَامسِ من هذا المقالِ، إنَّ مَا يزعزعُ هؤلاءِ البَنَاتِ والأبناءَ طُرًّا في منطقةِ الشرقِ الأوسطِ هذهِ، دونَ سِوَاهَا من مناطقِ هذا الشرقِ الغرائبيِّ الفسيحِ منظورًا إليهِ بمنظارِ «الهَيْمَنَةِ الاستشراقيَّةِ» Orientalist Hegemony، بالمفهومِ السَّعيديِّ، إنَّمَا يَكْمُنُ في خَدِيعةِ ذلك الإجرَاءِ العدوانيِّ المُمَوَّهِ تحتَ لِثَامِ مَا كانَ يُسَمَّى أيّامَئِذٍ بـ«التحالفِ الإستيراتيجيِّ الشرق-أوسطيِّ» MESA، ذلك التحالفِ الذي يقتضي، بجوهرهِ، مزيدًا من المَدِّ العسكريِّ الأمريكيِّ (ومن ورائهِ، بالطبعِ، مزيدٌ من المَدِّ العسكريِّ البريطانيِّ وَ/أوِ الفرنسيِّ، وهَلُمَّ جَرًّا). وهكذا، وحتَّى بدونِ تنفيذِ ذلك الإجرَاءِ العدوانيِّ المُمَوَّهِ في حدِّ ذاتِهِ، فقد صَارَ هذا المدُّ العسكريُّ الغربيُّ يزدادُ أكثرَ فأكثرَ، بالقوةِ وبالفِعْلِ، من سَبِيلِ الاتِّكَاءِ والاتِّكَالِ الكُلِّيَّيْنِ، أو بالكادِ، على كافَّةِ أشكالِ الطُّغاةِ العُتَاةِ المُصْطَنَعِينَ من العُرْبَانِ والعَرَبِ والمُسْتَعْرِبِينَ، في المملكاتِ والإماراتِ و«الجمهورياتِ»، أوِ «الاشتراكيَّاتِ»، المعنيَّةِ من قريبٍ أوْ من بعيدٍ. وهكذا أيضًا، وقد صَارَ هٰذانِ الاتِّكَاءُ والاتِّكَالُ الكُلِّيَّانِ يَسْتَبِيئَانِ حَيِّزَ الأولويَّةِ والأهميَّةِ في مُحْتَوَيَاتِ، وفي جَدَاوِلِ أعْمَالِ، ما سُمِّيَ حينَئِذٍ بـ«القمَّةِ العربيَّةِ-الأورُبِّيَّةِ» تسميةً جدَّ مَدْرُوسَةٍ، تلك القمَّةِ التي حَلَّ انعقادُهَا بفارقٍ فاقعٍ بينَ الجَانبَيْنِ المَعْنِيَّيْنِ في شرم الشيخِ في الثالثِ والعشرينَ من شباطَ من العامِ الفائتِ 2019، والتي اقتصرَ الحُضُورُ فيها على عَشْرَةٍ، أو يزيدُ وحَسْبُ، من أولئك الطُّغاةِ العُتَاةِ المُصْطَنَعِينَ من العُرْبَانِ والعَرَبِ والمُسْتَعْرِبِينَ مُقَابِلَ سَبْعَةٍ وعِشْرِينَ، أو يزيدُ كذلك، من أسيادِهِمْ من الأورُوبِّيِّينَ بمثابةِ داعمينَ «أوفياءَ» لَهُمْ مَادِّيًّا ومعنويًّا – وعلى الأخَصِّ في ظلِّ تَصَاعُدِ شتَّى نَبَرَاتِ اليمينِ المتطرِّفِ (العنصريِّ الشَّعْبَوِيِّ) في ثَنَايَا شتَّى نُصُوصِ الخطابِ السياسيِّ الأورُوبِّيِّ في تلك الأحيانِ ومَا تلاها، وعلى الأشَدِّ خُصُوصًا في ظلِّ صُعُودِ هذا اليمينِ المتطرِّفِ (العنصريِّ الشَّعْبَوِيِّ) إلى مَرَاتبِ السُّلْطةِ ذاتِهَا في عددٍ من «الديمقراطياتِ» الأورُوبِّيَّةِ، مِنْ مثلِ: النمسا وإيطاليا وهنغاريا، وغيرِهَا، وغيرِهَا. وكلٌّ من عصابةِ «القيصرِ» الرُّوسيِّ وعصابةِ «الإمبراطورِ» الأمريكيِّ، في الجَانبِ المُعْلَنِ، أوِ في الجَانبِ المُسَرِّ، من ذلك الإجراءِ العدوانيِّ المُمَوَّهِ تحتَ ذلك اللِّثَامِ يومَهَا، كلٌّ منهما كانتْ، وما بَرِحَتْ، تنتقدُ الأُخرى بذريعةِ الصَّدِّ والحَدِّ التحالفيَّيْنِ العَالَمِيَّينِ من أيِّمَا خطرٍ إرهابيٍّ «داعشيٍّ» أوْ إيرانيٍّ أوْ حتى تركيٍّ، من طرفٍ أوَّلَ، وتسعى لاهثةً وراءَ أطماعِهَا «الهَيْمَنِيَّةِ الاستشراقيَّةِ» الخاصَّةِ بِهَا من جَرَّاءِ حَشْدِهَا مَا تَتَشَاهَمُ بِهِ (أو، بالحَرِيِّ، ما تَتَنَطَّعُ بالتَّشَاهُمِ بِهِ) من دعمٍ مَادِّيٍّ ومعنويٍّ للكيانِ الصُّهيونيِّ الإسرائيليِّ الذي يتمادى في التطرُّفِ اليمينيِّ والعنصريِّ والشَّعْبَوِيِّ يومًا عَنْ يومٍ، من طرفٍ آخَرَ. ففي حينِ أنَّ عصابةَ «القيصرِ» الرُّوسيِّ كانتْ تَسْخَرُ، من حَيْثِيَّتِهَا، ناطقةً سَخْرَهَا بلسانِ وزيرِ خارجيَّتِهَا، سيرغي لاڤروڤ، مِمَّا سوفَ يترتَّبُ عليهِ المشروعُ الأمريكيُّ المُسَمَّى إبَّانَها بـ«التحالفِ الإستيراتيجيِّ الشرق-أوسطيِّ» MESA، الآنِفِ الذِّكْرِ، هذا المشروعُ المُفْتَعَلُ الذي لا يخدمُ إلاَّ في مصلحةِ أمريكا في احتواءِ دولِ الشرقِ الأوسطِ المقصُودةِ ذاتِهَا في آخِرِ المطافِ (مَثَلُهُ كَمَثلِ أيٍّ مِنْ تلك المشاريعِ المُفْتَعَلَةِ التي تبتغي أمريكا تفعيلَهَا في نَحْوٍ قصيٍّ، أوْ في نَحْوٍ دَنِيِّ، مِنْ أنْحَاءِ هذا العالَمِ الحَديثِ، كالمشروعِ المَدْعُوِّ بـ«التحالفِ الإستيراتيجيِّ الهنديِّ-الهاديِّ» IPSA، مُفْتَعَلاً، بدَوْرِهِ هو الآخَرُ، مِنْ أجلِ احتواءِ دولةِ الصينِ عَيْنِهَا بالمثابةِ عَيْنِ عَيْنِهَا، حتى قبلَ تَفَشِّي الوَبَاءِ الكورُونيِّ المُمِيتِ)، فإنَّ عصابةَ «الإمبراطورِ» الأمريكيِّ كانت تَهْزَأُ، من حَيْثِيَّتِهَا هي الأُخرى، لافظةً هَزْءَهَا بلسانِ وزيرِ خارجيَّتِهَا كذلك، مايك ݒومݒيو، مِمَّا أَسْفَرَ، ومِمَّا سوفَ يُسْفِرُ، عنهُ المشروعُ الرُّوسِيُّ المُتَقَرِّي فَحْواءَهُ في انعقادِ مُتَتَالِيَةٍ من القِمَمِ الثُّلاثيةِ بينَ رؤوسِ عصاباتِ الحُكْمِ في روسيا ڤلاديمير ݒوتين وإيرانَ حسن روحاني وتركيا رجب طيب أردوغان، هذهِ القِمَمِ الثُّلاثيةِ التي اخْتُلِقَتْ كذاك تِبَاعًا في كلٍّ من المدائنِ، سوتشي (في الثاني والعشرينَ من تشرين الثاني عامَ 2017) وأنقرةَ (في الرَّابعِ من نيسانَ عامَ 2018) وطهرانَ (في السَّابعِ من أيلولَ عامَ 2018) وسوتشي أيضًا (في الرابعَ عشرَ من شباطَ عامَ 2019)، وذلك بُغْيَةَ الحُصُولِ من تركيا، تحديدًا، على اعترافٍ رَسْمِيٍّ مَمْنُونٍ بـ«شَرْعِيَّةِ» النظامِ الطائفيِّ الفاشيِّ المتوحِّشِ في سوريا (بعد الاعترافِ الرَّسْمِيٍّ المَمْجُوجِ بـ«شَرْعِيَّةِ» نظيرِهِ في مصرَ، تِبَاعًا عاجلاً أو آجلاً) – ولا غَرْوَ، مرةً أخرى، أن تكونَ الأحْبُولةُ الوَضِيعةُ هي ذاتُهَا، منذُ البدايةِ: «التَّعَاضُدُ الأمْنِيُّ مِنْ أجْلِ مُحَارَبَةِ الإرْهَابِ المُتَمَثِّلِ في تنظيمِ «الدولةِ الإسلاميةِ» ISIS، ومشتقَّاتِهِ، في حَالِ كلٍّ من الدولتَيْنِ عَدَا تركيا نفسِهَا، أو في «حزبِ العمالِ الكردستانيِّ» PKK، ومشتقَّاتِهِ كذلك، في حَالِ تركيا دُونَ غيرِهَا».

غَيْرَ أنَّ الطاغيةَ العَتِيَّ المُصْطَنَعَ، عبد الفتاح السيسي رأسَ عصابةِ النظامِ الثاني، والطاغيةَ العَتِيَّ الأكثرَ اصطناعًا، بشار الأسد رأسَ عصابةِ النظامِ الأوَّلِ، كَانَا ومَا زَالا يقفانِ إلى جانبِ بعضِهِمَا البعضِ وقوفًا حَميميًّا «بطوليًّا» و«أسطوريًّا» حَاسِمًا، عَلى الصَّعِيدِ العسكريِّ بِسَائِرِ أنواعِهِ الخفيفةِ والثقيلةِ، منذُ حوالَيْ خمسةٍ كَفِيلَةٍ «جَلِيلَةٍ» من الأَحْوَالِ، رغمَ اكتظاظِهَا المُسْتَمِرِّ، وإلى حَدِّ طُفُوحِ الكَيْلِ، بكلِّ أشْتَاتِ المَخَاوفِ والأَهْوَالِ. وكلاهُمَا يَتَفَنَّنَانِ بِلا رحمةٍ وبِلا هَوَادَةٍ بما يتيسَّرُ لِأَرِبَّائِهِمَا ولأذنابِهِمَا من فنونِ التنكيلِ والتعذيبِ والتزهيقِ من مَحَلِّيِّهَا ومُسْتَوْرَدِهَا، عَلى حَافَّةِ «الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ»، وكلاهُمَا يُسَوِّمَانِ بناتِ وأبناءَ الشَّعبَيْنِ المِصْريِّ والسُّوريِّ سُوءَ هذهِ الفُنُونِ كَافَّتِهَا أيَّمَا تَسْوِيمٍ. فذاك هو النِّيرُ الفَرِيُّ أبو الهَوْلِ القَاهِرِيُّ مُجَسَّدًا، من جَانِبٍ أوَّلَ، في جَسَدٍ «فِرْعَوْنِيٍّ» ذَمِيمٍ يتولَّهُ في الفُسْطَاطِ بتجميلِ أحكامِ الإعدامِ التعسُّفيَّةِ والهمجيَّةِ كَوْنِهَا في الاعتقادِ المزيَّفِ «حَقًّا إلٰهِيًّا حَقِيقًا» مُنْزَلاً ومُنَزَّلاً من السَّمَاءِ بـ«الحَقِّ» على «العِقَاقِ» منهنَّ شَابَّاتٍ وعلى «العُقَّقِ» منهُمْ شُبَّانًا (وقد تَمَّ التَّنفيذُ المُريعُ لهكذا حُكْمِ إعدامٍ تعسُّفيِّ وهمجيِّ، فعليًّا، في آخِرِ تِسْعَةٍ من هؤلاءِ الشُّبَّانِ «العُقَّقِ» قبلَ عَامٍ ونَيِّفٍ، وتلك الجَرِيرَةُ النَّكْرَاءُ لا تعدو أنْ تكونَ، في ذلك الاعتقادِ المزيَّفِ بالذاتِ، بدايةَ البداياتِ المُدَمَّاةِ الدَّامِيَةِ، وعَلى الأخصِّ بعدَ استتبابِ ذاك الانقلابِ العسكريِّ الذي قِيمَ بِهِ بدعمٍ مملكاتيٍّ وإماراتيٍّ، وبإيعازٍ أمريكيِّ وَ/أَوْ بريطانيٍّ خفيٍّ أو جَليٍّ، على الرئيسِ المِصْريِّ المَحْبُوسِ وقتَها حتَّى إشعارٍ آخَرَ، محمد مرسي (قبلَ أن يرحلَ عن هذا العَالَمِ)، وهو الرئيسُ المِصْريُّ الوحيدُ مُنْتَخَبًا، رَغْمَ «إِخْوَانِيَّتِهِ»، انتخابًا ديمقراطيًّا حقيقيًّا في تاريخِ مِصْرَ السياسيِّ بِأَسْرِهِ). وهذا هو العِيرُ الرَّحِيُّ ابنُ الغُولِ القِرْدَاحِيُّ مُجَسَّمًا، من جَانِبٍ ثَانٍ، في جِسْمٍ «قِرْدَوْنِيٍّ» دَمِيمٍ يتولَّعُ في الفَيْحَاءِ بتحطيمِ الأرقامِ القياسيَّةِ المَدْمِيَّةِ الدَّمَوِيَّةِ كلِّهَا في ارتكابِ أفظعِ، لا بَلْ في اقترافِ أشْنَعِ، ما توصَّلَ إليهِ «العقلُ» الإجراميُّ البهيميُّ، لا بَلْ مَا دُونَ-البهيميُّ، من جَرائمَ فظيعةٍ شَنْعَاءَ ضدَّ الإنسانيةِ في المطلقِ (وقد قتلَتْ وشرَّدَتْ عِصَاباتُهُ وكتائبُهُ الذَّلُولُ المَأْمُورةُ والدَّخُولُ المَأْجُورَةُ، قادمةً من كلِّ صُقْع من أَصْقَاعِ هذهِ الدنيا، وقد قتلَتْ وشرَّدَتْ منهنَّ إناثًا ومنهُمْ ذكورًا من كافَّةِ الأعمارِ من الشَّعبِ السُّوريِّ اليتيمِ في غُضُونِ أقلَّ من سَبْعَةٍ من السَّنواتِ العِجَافِ أضعافًا مضاعفةً مِمَّا قد قتلتْهُ وشرَّدَتْهُ عِصَاباتُ وكتائبُ الكيانِ الصُّهيونيِّ الإسرائيليِّ منهنَّ إناثًا ومنهُمْ ذكورًا كذاك من الشَّعبِ الفلسطينيِّ اللَّطِيمِ على مَدى أكثرَ من سبعينَ سَنَةً أشدَّ عُجُوفًا حتَّى). وهذا هو الرَّجُلُ السَّفَّاحُ الذَّبَّاحُ المَهِيضُ المَرِيضُ بنصفِ عَقْلٍ، أو بدونِ هذا النصفِ بالأَحْرَى، مُبَدَّنًا، من جَانِبٍ ثالثٍ، في بَدَنٍ «عثمانيٍّ» رَمِيمٍ يترنَّمُ أيَّمَا ترنيمٍ بعَتَاهَةٍ وبَلاهَةٍ سَرِيرِيَّتَيْنِ، هَا هُنَا، ويتألَّهُ في الأنَاضولِ، أو في أرجَاءِ آسيا الصُّغْرَى، هَا هُنَاكَ، شامخًا شَامِسًا بتأليهِ ذلك الحزبِ الذي يُسَمِّيهِ بـ«حزبِ العدالةِ والتنميةِ» AKP، بصيغتِهِ التركيةِ (أو JDP، بصيغتِهِ الإنكليزيةِ) لِكَيْمَا يظهرَ، من خلالِ تَشَوُّفِهِ الافتعاليِّ والافترائيِّ الجَمُوحِ، قدَّامَ المَغْبُونِينَ وغيرِ المَغْبُونِينَ من الأكرادِ والعَرَبِ قاطِبَةً، لِكَيْمَا يظهرَ بمظهرِ ذلك السياسيِّ «النظيفِ» و«النزيهِ» و«المُشْبَعِ إشباعًا بمَنَاقِبِ الأخلاقِ الإسلاميةِ النقيَّةِ»، حِينَمَا يُجْلِيهَا ومنْ ثمَّ يُجَلِّيهَا، قاصِدًا ومُتَعَمِّدًا، كلَّ الإجْلاءِ والتَّجْلِيَةِ «الجَلِيلَيْنِ» في «أسْمَى» مَعَانِيهَا. كلُّ هذا الشُّمُوخِ وكلُّ هذا الشُّمُوسِ الجَارِفَيْنِ الكَاشِفَيْنِ، في حَقيقةِ الأمْرِ، إنَّمَا مَرَدُّهُمَا إلى عُقْدَتَيْنِ نفسيَّتَينِ مُزْمِنَتَيْنِ تُشَرِّشَانِ في عَقْلِ هذا الرَّجُلِ المَرِيضِ بنصفِ عَقْلٍ، أو بدونِ هذا النصفِ بالحَرِيِّ، ألا وهُمَا: العُقْدَةُ الكُرْدِيَّةُ، في المَقامِ الأوَّلِ، والعُقْدَةُ العَرَبِيَّةُ، في المَقَامِ الثَّانِي. هذا على الرَّغْمِ من أنَّ عددَ الأعضاءِ الكُرْدِيَّاتِ والأكرادِ المنتمينَ إلى حزبِهِ التركيِّ المُؤَلَّهِ، «حزبِ العدالةِ والتنميةِ» AKP، المذكورِ للتَّوِ، يَفُوقُ فَوَاقًا لافِتًا عددَ الأعضاءِ الكُرْدِيَّاتِ والأكرادِ المنتمينَ إلى ذاتِ الحزبِ التركيِّ «اللامُؤَلَّهِ» الآخَرِ والمُؤَيِّدِ والمُسَانِدِ للشَّعبِ الكُرْدِيِّ بالذاتِ المُسَمَّى بـ«حزبِ الشعوبِ الديمقراطيِّ» HDP، باختصارِهِ التركيِّ (أو PDP، باختصارِهِ الإنكليزيِّ)، من حَيْثِيَّةِ العُقْدَةِ الكُرْدِيَّةِ الأُولى، وهذا على الرَّغْمِ من أنَّ ثَمَّةَ قُرَابَةَ أربعةِ ملايينَ من اللاجئاتِ واللاجئينَ السُّوريِّينَ، بأغلبيَّةٍ عربيةٍ سَاحقةٍ بالفعلِ، يعيشُونَ الآنَ عيشًا «كريمًا» في أنْحَاءٍ مختلفةٍ من تركيَّا، ويفضِّلونَ هذا العيشَ «الكريمَ»، بنسبةٍ ملحوظةٍ تقربُ من ثلاثةِ أرباعٍ، تحتَ جَناحِ سُلْطَةِ ذلك الحزبِ التركيِّ المُؤَلَّهِ، لا تحتَ جَناحِ سُلْطَةِ «حزبِ البعثِ الأسديِّ الطائفيِّ الفاشيِّ المتوحِّشِ»، حَسْبَمَا جاء مَوْثُوقًا ومُوَثَّقًا في آخِرِ استفتاءٍ ليسَ تركيًّا ولا كرديًّا ولا حتى عربيًّا، من حَيْثِيَّةِ العُقْدَةِ العَرَبِيَّةِ الثَّانِيَةِ. ولكنْ، والسُّؤَالُ الأهمُّ يطرحُ نفسَهُ بإلحَاحٍ وتَرَقُّبٍ، في هذهِ القرينةِ: كيفَ يجيءُ مَوْثُوقًا ومُوَثَّقًا أكثرَ فأكثرَ، في واقع الأمرِ، عَصْفٌ «مَلِيحٌ» من «التَّصَادُقِ» السِّرِّيِّ مَا بينَ الرَّجُلِ السَّفَّاحِ الذَّبَّاحِ «العثمانيِّ» والرَّجُلِ الرَّحِيِّ ابنِ الغُولِ «القِرْدَاحِيِّ»، من جهةٍ، وكيفَ يجيءُ بالغِرَارِ ذاتِهِ عَصْفٌ «قَبِيحٌ» من «التَّعَادِي» الجَهْرِيِّ مَا بينَ الرَّجُلِ السَّفَّاحِ الذَّبَّاحِ «العثمانيِّ» والرَّجُلِ الفَرِيِّ أبي الهَوْلِ «القَاهِرِيِّ» في كلِّ هذا الحَيْصِ وكلِّ هذا البَيْصِ، من جهةٍ أُخرى؟

في كلِّ هكذا حَيْصٍ وهكذا بَيْصٍ، في سُوقِ السِّيَاسَةِ، فَنِّ الكَذِبِ والخِدَاعِ بامتيازٍ، وبامتيازِ فَنِّ الكَذِبِ والخِدَاعِ ذاتِهِ، في سُوقِ النِّخَاسَةِ، ليسَ ثَمَّةَ «أصدقاءُ» وليسَ ثَمَّةَ «أعداءٌ» بَتَّةً، لا بالمعنى الحرفيِّ ولا حتَّى بالمعنى المجازيِّ لأيٍّ من هٰتَيْنِ المفردتَيْن، بَتَّةً أُخرى – بلْ ثَمَّةَ، على خلافِ ذلك، فَلٌّ من «المَصْلَحِيِّينَ» و«الوُصُولِيِّينَ» و«الانتهازيِّينَ» بالمعنى الحرفيِّ الصَّريحِ لهذهِ المفرداتِ، على وجهِ التحديدِ. وثَمَّةَ ثَمَّةَ الكثيرُ الكثيرُ من معشرِ الكُتَبَاءِ الصِّحَافِيِّنَ ومعشرِ البُحَثَاءِ الجَامِعِيِّينَ، في هذا المَسَاقِ السِّيَاسِيِّ بالذاتِ، ثَمَّةَ الكثيرُ منهُمْ يتبدَّوْنَ مُغْرَمِينَ غَرَامًا شَدِيدًا باستعمالِ عباراتٍ عُبُوديَّةٍ أكَلَتْ عَلَيْهَا الدُّهُورُ وشَرِبَتْ إلى حَدِّ التُّخْمَةِ، من مثلِ العبارةِ: «قَدَّمَتْ دولةٌ مَا دولةً مَا لدولةٍ مَا عَلى طَبَقٍ من ذَهَبٍ أو من فِضَّةٍ»، ويقعونَ من ثمَّ، شَائينَ أوْ آبينَ، في أشراكِ نوعَيْنِ من التناقضِ التعبيريِّ، على أقلِّ تقديرٍ، ألا وهُمَا: التناقضُ التعبيريُّ الواعي والتناقضُ التعبيريُّ اللاواعي. مَا يهمَّنا، في هذا المَسَاقِ السِّيَاسِيِّ (النفسيِّ) بالذاتِ، هو النوعُ الأوَّلُ من هذا التناقضِ التعبيريِّ دونَ غيرهِ، لماذا؟ – لأنَّ الكاتبَ المعنيَّ يتكشَّفُ، عادةً، عن وعيٍ وإدراكٍ تامَّيْنِ بمَا يقع فيهِ من تناقضٍ تعبيريٍّ صَارخٍ وسَافرٍ دونَ أنْ يتجشَّمَ، ولا حتَّى أنْ يحاولَ أنْ يتجشَّمَ، عناءَ تقديمِ حَلٍّ نَجِيعٍ أو حتى رأيٍ بَدِيعٍ لِمَا يكتبُ في نصِّهِ من تناقضٍ تعبيريٍ واعٍ، كما يكتبُ البَاحثُ الجَامعيُّ جلبير الأشقر في نَصِّهِ «التحليليِّ السِّيَاسِيِّ» من مقالٍ من مقالاتِهِ الصِّحَافيةِ الأكاديميةِ، «المعادلة الخطيرة بين إسرائيل وأمريكا وإيران»، كما يكتبُ هكذا: «وأرادتْ [إسرائيلُ] بالتالي أنْ تنتهزَ فرصةَ السنةِ الأخيرةِ من وجودِ إدارةٍ [أمريكيةٍ] منحازةٍ بقوةٍ [لها، أي] لإسرائيلَ ومعاديةٍ بشدّةٍ لإيرانَ (ولو أنها في الحقيقةِ قد أسدتْ إلى طهرانَ خدمةً جليلةً بتقديمِ حكمِ العراقِ لها على طبقٍ من فضَّةٍ) كي تقومَ ضدَّ إيرانَ بتكرارِ ما قامتْ بهِ ضدَّ العراقِ» (القدس العربي، 26 شباط 2019). بصَريحِ العبارةِ، هَا هُنا، هذا ليسَ تحليلاً سياسيًّا بالمُتَعَارَفِ من بَاحثٍ جَامعيٍّ متخصِّصٍ بما يكتبُ في هذا المَسَاقِ السِّيَاسِيِّ ذاتِهِ، خاصَّةً وأنَّ الدولةَ المعنيَّةَ التي «تعادي بشدَّةٍ» دولةَ إيرانَ (أي أمريكا، والحالُ هذهِ) لا يمكنُ لَهَا أنَ تُسْدِيَ «إلى طهرانَ خدمةً جليلةً بتقديمِ حكمِ العراقِ لها على طبقٍ من فضَّةٍ» سوى لِمآرِبَ لاأخلاقيةٍ ولاإنسانيةٍ في نفسِ كلٍّ من أولئك «المَصْلَحِيِّينَ» و«الوُصُولِيِّينَ» و«الانتهازيِّينَ» الأمريكيِّينَ والإيرانيِّينَ، على حَدٍّ سَوَاءٍ: هذا بصَريحِ العبارةِ، هَا هُنا، توصيفٌ سياسيٌّ تلفيقيٌّ (أو «توفيقيٌّ»، بعبارةٍ ألطفَ تعبيرًا) لتلك الأحداثِ المَرِيرَةِ قدْ جَاءَ في نصِّ البَاحثِ الجَامعيِّ المَعْنِيِّ عنوةً، وكيفما اتَّفَقَ. وعلى غِرارٍ مُشَابِهٍ، في كلِّ ذلك الحَيْصِ وكلِّ ذلك البَيْصِ الآنِفَيِ الذكر، لا يهبُّ عَصْفٌ «مَلِيحٌ» من «التَّصَادُقِ» السِّرِّيِّ مَا بينَ الرَّجُلِ السَّفَّاحِ الذَّبَّاحِ «العثمانيِّ» والرَّجُلِ الرَّحِيِّ ابنِ الغُولِ «القِرْدَاحِيِّ»، من ناحيةٍ أولى، ولا يهبُّ عَصْفٌ «قَبِيحٌ» من «التَّعَادِي» الجَهْرِيِّ مَا بينَ الرَّجُلِ السَّفَّاحِ الذَّبَّاحِ «العثمانيِّ» والرَّجُلِ الفَرِيِّ أبي الهَوْلِ «القَاهِرِيِّ»، من ناحيةٍ أُخرى، إلاَّ لِمآرِبَ لاأخلاقيةٍ ولاإنسانيةٍ في نفسِ كلٍّ مِنْ هؤلاءِ الرِّجَالِ «الشَّرقِيِّنَ» الثلاثةِ وفي نفسِ كلٍّ مِنْ أسْيَادِهِمْ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ «الغربيِّينَ»، كذلك!

[انتهى القسم السادس من هذا المقال ويليه القسم السابع]

*** *** ***

غياث المرزوق
لندن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق