قراءات ودراسات

“دمشقيَ” لسعاد العامري.. البدايات الهانئة والنهايات الفاجعة

صقر أبو فخر

الرواية هي سيرة البشر في مكان محدد. والمكان في رواية دمشقيَ هو البيت أو بيت جد الراوية “نعمان البارودي”. أما نطاقه الحضري فهو دمشق القديمة. إنها، إذاً، أبعد من رواية، بل سيرة عائلة وسيرة مكان وسيرة وجود، وسيرة الزمان الذي يفنينا ويحوّلنا هباء كغبار الطلع. ما السر في أننا نقرأ بشغف رواية عن مكان اندثر، وعن أشخاص ماتوا من دون أن نعرفهم؟ ولماذا نستمتع بقراءة سِيَر هؤلاء الناس، خصوصاً سير الأمكنة وسير الأشخاص، ونعيد إحياءهم من غير أن تكون لنا وشيجة مباشرة بهم؟ هل هي الشحنة الإنسانية التي يغمرنا المكان بها؟ هل هي التجربة البشرية التي نتسربل بها ونتماثل معها لترفعنا من عادية الخاص إلى سمو العام؟ هل هي براعة الروائي في إدماجنا بالمكان الواقعي أو المتخيّل وبالزمان الذي مضى؟ أم أن ذلك كله معاً؟

المكان الذي لا يشبهه مكان
لعل مدينة دمشق تمثل ذلك المكان الأليف والفريد بروعته المميزة؛ مدينة تجسد حركة الناس التي لم تنقطع في نطاقهم التاريخي المألوف. إنها دمشق التي قيل فيها: حصباؤها جوهر ونسيمها عنبر وماؤها رحيق وترابها عقيق. إنها مدينة الياسمين والورد المعرّش على حوائط المدينة القديمة، والبيلسان الذي يطرز بأشجاره شوارعها البهية. دمشق هي المدينة العربية الوحيدة التي تستقبل زائرها من الغرب بساحة الأمويين، وتودعه من الشرق بساحة العباسيين. دمشق هي جامع بني أمية وكنيسة حنانيا ومزار يوحنا المعمدان ومقام الشيخ محيي الدين وقصر العظم وقصر النعسان وقصر الشيخ تاج ومكتب عنبر والشارع المستقيم الذي نزلت البشارة فيه على القديس بولس. دمشق هي سوق “تفضّلي” ومقهى “خبيني” وحمام “السبع زوام” ونيران الأميمي. دمشق هي شراب التوت الشامي وأباريق “الخشاف” وصناجات التمر هندي والبوظة المدقوقة بالعصي في محلات بكداش في سوق الحميدية، وعرانيس الذرة في برج الروس وصبار المزة في أبو رمانة والفول النابت في باب توما وأغمار الحمص الأخضر (طقّش فقّش) في بوابة الصالحية.

“لم تجعل الرواية الفلسطينية المنفى مكاناً للأمل، وعجزت عن تحويل التيه الفلسطيني إلى ملحمة تاريخية، أو إلى نشيد إنساني يتطلع إلى الحرية المفقودة بألقها المضيء. لكن رواية دمشقيَ لسعاد العامري (ميلانو: منشورات المتوسط، 2019) خلخلت ذلك التكرار، وعصفت بالنمطية التي باتت محمولاتها ثقيلة ومتباطئة”

تقول سعاد العامري على لسان أخت جدها نعمان: “معظم الناس يعتقدون أن الكباب والبُرك والشوربة واللبن والبوز والبابا غنوج والشيشبرك هي أطباق شامية، في حين أنها كلها في الواقع تركية” (ص38). وهذا الكلام ليس علمياً البتة، فالأتراك، في الأصل، شعوب رعوية محاربة، وطعام الراعي هو طعام القِدْر الواحد: إما الثريد (الفتة) أو القديد (اللحم المجفف)، ومعهما اللبن المخيض. وحلوى الراعي مقصورة على التمر أو دبس التمر أو ما في عداده. أما طعام أهل حلب والشام فهو نتاج التنعم والدعة والتمدن والتفنن والتراكم، وهو ما لم تعرفه قبائل الأوغوز التركية المتنقلة إلا في عصور لاحقة. والمعروف أن السلطان سليم الأول حين احتل الشام ومصر استاق جميع حرفيي حلب ودمشق والقاهرة إلى إسطمبول، فانحطت المدائن الثلاث، وازدهرت إسطمبول، ومع ذلك فكل شيء عند الأتراك “دولمة” أي محاشٍ. والمعروف أن بغداد، وقبلها الشام وحلب، كانت تتقن صنع 400 نوع من الأشربة في ذروة تألقها الحضاري. وما الأتراك إلا وارثون لفن الطبخ الحلبي والشامي والأرمني، وربما طوروه قليلاً. فأهل الشام وحلب يعرفون اليوم 27 نوعاً من الفتة و14 نوعاً من الفطائر و51 نوعاً من العجّة و12 نوعاً من الباذنجان (بيض الجان) و11 نوعاً من المكدوس و51 نوعاً من الجبنة و28 نوعاً من المحشي و37 نوعاً من الحلاوة و116 نوعاً من السَلَطَة و27 نوعاً من الكنافة و 32 نوعاً من الشرحات و228 نوعاً من الكبة و 80 نوعاً من الشوربة و84 نوعاً من الكباب (راجع: سمير طحان ومروان طحان، الغسطرنوم، بيروت: الدار العربية للعلوم، 2011)، وهو ما لا يعرفه حتى أتراك اليوم.


ومن المستحب، في هذا المقام، أن أذكّر الصديقة سعاد العامري ببعض الأصناف التي ربما اختبرتْها في بيت جدها “نعمان البارودي” في دمشق مثل: مُص وكِب (أرضي شوكي مسلوقة)، معلاق الأرملة (سلق وفول أخضر مقلي)، يهودي مسافر (مسقعة باذنجان بايتة على برغل)، محنّي دقنو، أدنين عرصات، أدنين الميت (شيشبرك)، جَز مَز (بيض وبندورة)، حرّاق إصبعو (بصل ولبن وخبز)، شلباطو (مسقعة ملفوف بايتة على برغل)، شلِكّات (قطايف بالقشطة والقطر – عصافيري)، شيخ وجماعتو (كبة بشيشبرك)، شيخ ولفتو (يقطينة محشوة)، صاصيجو (فوارغ محشوة)، طَطَق بَطَق (نقولات مالحة وحامضة وحلوة)، علي دليّ (برغل بسبانخ)، علّي دلّي (كوسا مقلية ومغمورة بالخل والبهار والثوم)، حكاك دبرو (خبز بفليفلة حارّة)، خوازيق الجنة (محشي القرع)، زباب عبيد (خراطيم سوس)، زب القاضي (حلاوة طحينية على شكل قضبان لينة)، زبّو بعبّو (بيض ومصارين)، سلطة شراميط (دجاج متبل بالكمون والليمون والزيت)، سيقان الميتة (رشتة)، شفايف الست (طحين وعسل أو دبس)، فتوش كلاب (بندورة وبصل وخبز بايت وزيت وسماق)، قسيس مشطح (باذنجان محشو)، قصاقيص الخيّاطة (رشتة). ولا ريب في أن ثمة اشتراكاً وافتراقاً بين المطبخ السوري والمطبخ التركي خصوصاً في أيامنا هذه التي صارت القهوة فيها تركية، وما هي بتركية. فالقهوة إما عدنية أو حبشية، وهي دخلت بلاد الترك بعد فتح الشام، وقد أدخلها إلى إسطمبول شابان حلبيان، وصارت بعد طول الدهر تركية.

السبع دوخات
دوّختنا سعاد العامري في هذه الرواية، مثلما دوّخت صديقنا سليم تماري في الحياة، فوقع في غرامها، وجُنت به، فتزوجا. ومصدر الدوخة أنها، في رواية دمشقيَ، لم تستخدم الأسماء الأصلية لشخصيات روايتها كما فعلت في شارون وحماتي (بيروت: دار الآداب 2007)، أو الأسماء الأولى كما في غولدا نامت هنا (الدوحة: دار بلومزبري، 2015).

“لا تكشف الرواية عن مصير الوالدة الأصلية لنورما، ولا تفصح عما حل بوالدها “وسيم” ابن الست زهوة التي أقامت في بيروت بعد أن هُجّرت من الطالبية في القدس في سنة 1948″

ففي غولدا نامت هنا عرفتُ فوراً، أن نهيل هي نهيل عويضة زوجة صديقي الراحل أسامة الهندي ووالدة مغير وهلا، وأن سمير هو شقيقها سمير عويضة، وأن هدى هي هدى الإمام، وحتى روشيل، فهي روشيل دايفيس الصديقة الأميركية التي كان يحلو لها أن تعرّف نفسها على طريقة بدو فلسطين بالقول: أنا من تشاليفورنيا، وكذلك إيلي، فهو صديقي إيلي صنبر الذي عمد القيّم على أملاك الغائبين في إسرائيل إلى بيع الهواء فوق سطح بيته في حيفا نكاية به لأنه أصرّ بعناد وكبرياء على عدم يبع منزله. والمؤكد أن سعاد العامري شقلبت الأسماء قصداً وجعلتنا نتوه في جغرافية أقدم مدينة مأهولة في العالم. فتقول سعاد إن جدها يدعى “نعمان البارودي”، وإن أصول عائلته تعود إلى المدينة (يثرب)، وإن بيته الكبير في دمشق (بيت جدي) يدعى قصر البارودي، وإن خالها “حكيم” صار وزيراً في حكومة الانفصال في سورية، أي في سنة 1961 وما بعد، وإن موقع قصر البارودي في زقاق الصواف. وعلى هذا الأساس بدأنا الرحلة مع الأمكنة والشخصيات فوجدنا أن هناك شخصاً يدعى مصطفى البارودي كان بالفعل وزيراً للدعاية والأنباء في حكومة مأمون الكزبري الانفصالية، وعُين في الحقيبة نفسها ثانية في حكومة عزت النص. إذاً خالها يدعى مصطفى البارودي، وهو شقيق مسلّم البارودي (خالها الثاني) الذي استشهد إبان القصف الفرنسي على دمشق في 29/5/1945 وهو ما لم تذكره في الرواية. وآل البارودي مشهورون جداً في دمشق ومنهم فخري البارودي، وكذلك شمس الملوك البارودي التي عُرفت باسم شمس البارودي (الممثلة التي صارت مصرية بعد زواجها من الممثل المصري حسن يوسف وانتقالها إلى مصر).

وترجّحَ لدينا أن نعمان البارودي هو نفسه ربما عارف أبو السعود البارودي عم فخري البارودي، وربما كان هو نفسه حسن آغا البارودي. غير أن منزل آل البارودي في دمشق لا يقع في زقاق الصواف الموازي لشارع مدحت باشا المعروف في الإنجيل بالشارع المستقيم الذي نزلت فيه البشارة على القديس بولس، وإنما في حي القنوات. ثم إن أصول آل البارودي لا تعود إلى المدينة بل إلى عكا وصفد؛ فهم وآل ضاهر العمر الزيداني نسل واحد. إذاً تبلبلنا وتناقضت الأماكن والأسماء.

“رواية دمشقيَ مفعمة بالماضي ورائحته، لكنها ليست رواية تاريخية. والمؤكد أنها تتكئ على الواقع من غير أن تكون واقعية تماماً، وهي، في أي حال، ليست واقعية سحرية على غرار رواية مئة عام من العزلة لغابرييل غارسيا ماركيز”

قادتنا سعاد العامري بنفسها إلى خريطة ضبط سلالة جدها “نعمان البارودي”. ففي غولدا نامت هنا تقول إن والدتها تدعى سهام جبري (ص15). إذاً جدها وأخوالها من آل جبري الدمشقيين لا من آل البارودي، واسم البارودي مجرد اسم روائي. لكن، لا يوجد أحد من آل جبري كان وزيراً في فترة الانفصال في سورية. وهكذا، كلما دخلنا حارة وجدناها مقفلة، فنعود أدراجنا، على غرار “حارة محل مَ القرد ضيّع إبنو” في دمشق. وكما استقصت سعاد تفصيلات حياة عائلتها، بما في ذلك أسرارها الجنسية اللاهبة، استقصينا أسماء هؤلاء بالتفصيل ليستقيم لنا معرفة الناس والأماكن معاً؛ فرواية دمشقيَ ستكتسب نضارة أبهى، في ظني، لو كانت مطابقة للواقع، وستكون شاحبة ولو قليلاً إذا تنافرت الأسماء أو تاهت في ذاكرة مَن يعرف دمشق ويتعشقها. وبعد لأي أمكننا أن نعرف اليقين؛ فجدها من آل جبري وقد أسمته سعاد “نعمان البارودي”. ورشاد جبري كان نائباً في البرلمان السوري (لا وزيراً) في عهد الانفصال، وشقيقه هو شاعر الشام شفيق جبري. ورشاد جبري كان بالفعل وزيراً للزراعة، لكن لا في عهد الانفصال، بل في عام 1956، واشتُهر بالوقوف ضد الوحدة السورية – المصرية. و “بيت جدي” بُني في عام 1737 في زقاق الصواف بالقرب من مكتب عنبر وصار اليوم مطعماً تراثياً باسم “بيت جبري”. وفي زقاق الصواف وُلد الشاعر السوري المعروف جورج صيدح، والمحقق المعروف صلاح الدين المنجد. وتقول سعاد العامري إن جدها “نعمان البارودي” اشترى القصر في سنة 1905، وهو ما ينطبق على “بيت جبري” لا على بيت البارودي الواقع في حي القنوات لا في زقاق الصواف. ولمزيد من الواقعية التاريخية تضيف أن “عائلة البارودي [أي جبري في الحقيقة] هم أنسباء عائلات القباني والجمّال والمحيسن والإنكليزي [المليحي]، وهي الأسر الدمشقية الأكثر نفوذاً ليس في دمشق وحسب، بل في المنطقة بأكملها من جدة في الحجاز إلى بيروت والقدس وحتى إسطمبول” (ص25). وهذا الكلام صحيح جزئياً، وليس بكماله، وتمامه، فماذا تركتِ إذاً يا سعاد لآل المرادي وآل العظم وآل اليوسف والأيوبي ومردم بك والبخاري وبوظو وأغريبوز والعابد والعظمة والقوتلي والشمعة والعجلاني والغزي والكيلاني والحسيبي والجزائري والبكري والعمري والأسطواني والميداني والنوري وسكر والركابي والحفار والمالكي والعسلي والعطار والدواليبي والقاسمي والحصني والمحاسني والحكيم والدالاتي والشطي والطرزي والخطيب والقضماني والإيبش والطباع والجلاد وحمزة والعمادي وغيرهم؟ ومهما يكن الأمر، فقد تلعّبت بنا سعاد العامري كيفما شاءت، فجعلت خالها رشاد يصبح “حكيم” (المعنى نفسه)، ووالدها محمد أديب العامري يصبح “عمر” أو أبو مروة (ص64)، وأختها أروى دعتها “مروة”، وأختها الثانية عنان تحولت إلى “نانا”، ومنحت جميل فرعون اسم “وسيم الجمل”، وأمها سهام صارت “سامية”، وأم صبحي وسمير غوشة صارت “أم علاء”… وهكذا على طريقة الجِناس وقليل من الطِباق. أما سعاد فوالدها من يافا حقاً، ووالدتها من دمشق، وقد حملت بها أمها في القدس، وكان نصيبها أن تولد في الشام، وتنشأ في عمان، وتدرس في بيروت، وتُدرّس في بير زيت، وتتزوج في رام الله، وتكتب هذه الرواية الجميلة والممتعة والمميزة.

نورما والعشق السري
لا يظهر محمد أديب العامري، والد سعاد، إلا قليلاً في سيرة العائلة هذه، فهو يكبر والدتها بخمس عشرة سنة، وقد “عاشا حياة معذّبة” (ص13). فوالدتها سامية [سهام] قليلة الصبر، ربما لأنها دمشقية لم تتأقلم مع حياة الأرياف الفلسطينية، وكانت لها في دمشق في صباها الأول علاقة بالشاعر نزار قباني (ص71)، ودأبت، من باب التفكهة، على إطعام والد سهام الجبن النابلسي المملح الذي ربما أدى إلى وفاته بأزمة قلبية (ص76). وتُفصح الرواية عن أن والدتها كانت ذات شخصية ملتوية كأزقة دمشق (ص66)، وأن علاقة حب سرية نشأت في الأساس بين الوالد “عُمر” وخالتها “ليلى” (ص71)، لكن الزواج رسا أخيراً عند “سامية”. أما جدها “نعمان” فلم يحتمل غياب زوجته “بسيمة” عند أهلها في عرابة بفلسطين، فضاجع الجارية “ساجدة” التي اشتراها بجملين من الحجاز، وأحبلها فولدت له “سامي”. وفي وصف الليلة الأولى تلك (ص31-33) برعت سعاد العامري في عرض مشاهد السرير وجماره المتوحشة وتفصيلاته الشبقية ولذائذه الوصفية كأنها تصمم احتفالاً وثنياً في أحد المعابد القديمة حيث اختلاج الشفتين وارتعاش النهدين وانفراج الجذعين وانغلاق الفخذين وانفلاق الشهوة واشتعال قناديل المرافئ والأنين الشجي قبل إغفاءة النشوة.

“رواية دمشقيَ ستكتسب نضارة أبهى، في ظني، لو كانت مطابقة للواقع، وستكون شاحبة ولو قليلاً إذا تنافرت الأسماء أو تاهت في ذاكرة مَن يعرف دمشق ويتعشقها”

بطلة هذه الرواية هي “نورما”، الفتاة التي وُلدت في مستشفى الدجاني في القدس كثمرة لعلاقة “غير شرعية” بين لمياء الحمصي من حيفا، والدمشقي وسيم الجمل [جميل فرعون]. وستراً للفضيحة حُملت الرضيعة إلى دمشق لتتبناها “كريمة” إبنة نعمان البارودي العزباء. وبعد ثمانية شهور جاءت الأم الأصلية من حيفا إلى منزل “نعمان البارودي” في دمشق لتسأل عن ابنتها، لكن العائلة تواطأت على القول إن الرضيعة مرضت وماتت. فبكت الأم كثيراً، ولما لم يكن في يديها ما تفعله عادت إلى حيفا لينقطع التواصل نهائياً بعد عام النكبة. وقد كشفت ذلك السر لنورما الخادمة الحورانية فاطمة التي هربت من زوجها وهي في الثامنة عشرة، وعاشت في منزل آل البارودي [جبري] في دمشق مع الجارية ساجدة التي صارت زوجة للجد نعمان، ومع الجارية السوداء غالية. وبسبب افتضاح السر عاشت نورما مضطربة، وكتبت مسرحيات، ثم غادرت إلى برلين لتعمل في دار الأوبرا، وتزوجت، وبنت قصراً مثل قصر جدها، ثم جاءت إلى برمانا في لبنان لتهجع بعد رحلة متقلقلة كانت تجاهد في أثنائها عبثاً لإعادة الالتحام إلى ذاتها المكسورة وإلى روحها المنكسرة.
كانت متلهفة للعثور على أمها البيولوجية خصوصاً بعد وفاة أمها بالتبني في سنة 1998. وزادت لوعتها حين عادت زهوة الجمل في أثناء احتضارها في بيروت لتؤكد لها قصة أمها الحيفاوية. لكن الوصول إلى حيفا صار من المحال. والبحث عن الأم الأصلية لا يشفي الجروح، مع أنه ربما يُهمد نيران الطفولة المنتَهكة، ويُخمد أُوارها. ونورما التي ذاقت الحب كما لم تذقه أي فتاة مثلها، وعاشت كالإمبراطورات مع أمها كريمة، ظلت، مع ذلك، تاعسة إلى حد الموت. كانت تريد أن تعرف والدتها الحقيقية، لأن ثمة ما يتوهج في داخلها ولا يخبو البتة. فكم هو حارق أن تعرف نورما أن والدتها جاءت إلى دمشق للبحث عنها واسترجاعها، لكن العائلة الثرية الدمشقية التي أحبتها كثيراً، كذبت على الأم كي تحتفظ بالابنة.

تراجيديا المصائر الانسانية
نورما هي الوحيدة من آل “البارودي” التي أحبت، حباً فريداً، المنزل الكبير في زقاق الصواف بدمشق العتيقة، ولذلك لم تتردد في بناء قصر على طراز قصر جدها الدمشقي.

“برعت سعاد العامري في عرض مشاهد السرير وجماره المتوحشة وتفصيلاته الشبقية ولذائذه الوصفية كأنها تصمم احتفالاً وثنياً في أحد المعابد القديمة”

لكن، مِن أين تأتي بالعائلة التي مات معظم أفرادها، وتناثر الباقون في كل مكان؟ كانت طاولة الطعام في المنزل الدمشقي تضم خمسين كرسياً يجتمع حولها الأبناء والبنات والأحفاد والأزواج، وها هي غرفة الطعام في منزل نورما لا تجد غير شخصين (نورما وسعاد العامري) ليتذكرا بالحسرات مدينة دمشق. ماتت أمها كريمة، ولم يمشِ في جنازتها غير ثلاثة فقط. ومات “نعمان البارودي” في سنة 1960، فتفرقت العائلة أيدي سبأ، وكان آخر عهد لآل جبري في البيت، قبل أن يتحول إلى مطعم شرقي، سعاد ونهيدة، علاوة على نوال وعائدة التي تزوجت عبد العزيز الرواس وزير الاعلام العُماني، وهذه هي الأسماء الحقيقية لهن، لا بحسب رواية سعاد العامري هذه، بل بحسب ما أمكن التقاطه من تواريخ الشام.
لا تكشف الرواية عن مصير الوالدة الأصلية لنورما، ولا تفصح عما حل بوالدها “وسيم” ابن الست زهوة التي أقامت في بيروت بعد أن هُجّرت من الطالبية في القدس في سنة 1948. ولا تخبرنا هل التقت نورما والدها لقاء باح لها فيه بكل ما مضى؟ ومهما تكن الخواتيم التراجيدية والمصائر القهرية لهذه العائلة، فإن في البال بيتين من الشعر لأحمد شوقي لا يكفّان عن الرنين كلما تذكرنا دمشق القديمة هما:

قُمْ ناجِ جُلّقَ وانشدْ رسِمَ مَن بانوا

مشتْ على الرسمِ أحداثٌ وأزمانُ

لولا دمشقُ لما كانت طليطلة

ولا زَهَتْ ببني العباسِ بغدانُ

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق