قراءات ودراسات

السرد: السـرعـة والتبطئـة

السعيد بوطاجين

من المسائل التقنية التي يفترض أن يأخذها السرد في الحسبان، التسريع السردي والتبطئة، وهما تقنيتان مهمتان عالجهما علم السرد وفق مقاربات دقيقة جدا، بعيدا عن المواقف النقدية التي تهتم بالتقييمات، ولعلّ ذلك ما انتبه إليه تزيتان تودوروف في كتابه: “الأدب في خطر”، وهو مراجعة لطبيعة المناهج الحداثية وآفاقها، رغم بعض التحفظات التي اتخذت مسافة بينها وبين منظور تودوروف. سيلاحظ علم السرد مستقبلا، إن اكتشف قصور القراءة الواصفة، صدوع الكتابة السردية في بعض جوانبها الاستراتيجية، كالسرعة والتبطئة على سبيل التمثيل، لكن ذلك يتطلب مدوّنة مصطلحية إضافية لاتمام القراءات الراقية التي تميّز الدراسات السردية الحالية، ولو أنّ ذلك يفرض تمثلا للعمل الأدبي وذائقة مبنية على القراءة والتمثل، إضافة إلى قوة الملاحظة، أقصد فرضية ظهور نقد آخر مؤهل ومقنع.

لكنّ الطروحات الجديدة، رغم قيمتها، أسست على عرض هذه التمفصلات من جانبها البنائي، دون الجماليات التي غدت مطلبا ملحا لمعرفة الخيارات السردية، نجاحاتها وإخفاقاتها.

ثمة في نصوصنا العربية، بقضها وقضيضها، ما يجعلنا نطرح هذا السؤال: هل هناك وعي حقيقي بالجملة وطبيعتها؟ يفترض، من الناحية المنطقية، أن تكون هناك علاقة تناغمية بين الحدث والحركة والجملة الناقلة لهما، أمّا إذا ركن السرد إلى الاستراحة أو التراخي، بتعبير جان ريكاردو، فستكون لهذه الاستراحة، سواء كانت مشهدا أم وقفة، وظيفة ما، ولا يمكن للاسترخاء أن يكون اعتباطيا، وإلا غدا زللا وجب ترميمه.

يتفق النقاد والمنظرون على أن هناك عدة أسباب لتسريع السرد، وهناك عدة طرائق متداولة في الآداب العالمية. عادة ما يتمّ تفادي التضخمات النصية المشكلة من الأوصاف عندما تكون الشخصية في حركة مستمرة، ما يجعل التوقف مناقضا للطبيعة، أو ضدّها، لذا يفضل الكاتب تأجيل العرض إلى فترات لاحقة: وصف المكان، الشخصية، اللباس… إلى آخره، ومن ثم التركيز على الأفعال المتلاحقة، وتكون التبطئة جزئية ما دام السرد غير قادر على تجاوزها، أو بتعبير جيرار جينيت: لا يوجد سرد خالص لا تتخلله وقفات أو أفعال واصفة، لأن النص مليء بأفعال مشهدية دالة على العرض، وليس على الحركة، كما يمكن الاعتقاد انطلاقا من تجليات العرض.

وإذا كان التسريع ينطلق من قناعات الكاتب، كالاحتماء بالجملة الطويلة، كما يفعل فوكنر وجيمس جويس ومارسيل بروست وكاتب ياسين ورشيد بوجدرة وغيرهم، أو بتكثيف الأفعال، أو بالتحكم في الترقيم بوضع علامات الوقف تأسيسا على وعي وظيفي بقيمتها الحقيقية في النسق العام، فإن التبطئة بدورها، تنتج عن وعي بمجموعة من القيّم يفترض أن يحيط بها السارد كحرفة لا يمكن تجاهل قيمتها السردية، كصناعة متقنة لها وسائلها الخاصة في تشكيل نسيج وصفي له مقوماته وأهدافه. نقصد ها هنا أن الوصف بأنواعه ليس استراحة لإضاءة بعض العناصر الضرورية فحسب، بل حياكة تخدم الفعل والحالة والمكان والزمان والشخصية والحكاية، أي هذه المكونات السردية قاطبة التي كالموسيقى أو كظلالها المشكلة من لغة مكتوبة.

لكنّ الوصف قد يقصّر أحيانا في تأدية مهامه، وهذي إحدى مشكلات الرواية، بداية من التجارب الأولى: حديث عيسى بن هشام لمحمد المويلحي، سارة لعباس محمود العقاد، زينب لمحمد حسين هيكل، إلى بعض التجارب الأخرى التي قد تشمل حتى أحدث الكتابات التي اغترفت من التقنيات الوافدة إلى النص العربي من التجربتين الأوربية والأمريكية.

يعود الأمر، في اعتقادنا، إلى شيء من الاستخفاف المركب بالكتابة كوعي: تخلي الكاتب عن الانضباط وانسحاب النقد من المشهد الإبداعي، أو قصور مداركه الجمالية والأسلوبية والبلاغية والمعجمية، وربما كان على الكتابة الاستفادة من الصورة والأفلام السينمائية التي اجتهدت في هذا الجانب، سواء عن تجربة شحذتها الممارسة، أو عن مساجلات ونقاشات، أو بمساعدة عناصر سيميولوجية متخصصة ركزت على قضايا غاية في الأهمية، كما فعل فرانسوا تريفو في كتاب أفلام حياتي الذي قمنا بترجمته إلى العربية.

تحدّث فرانسوا تريفو في كتابه أفلام حياتي عن قضايا مثيرة يمكن أن تفيد السارد، ومن أجل التمثيل نورد إحداها: كتب ألفريد هتشكوك برقية عاجلة من هوليوود إلى مساعده بفرنسا بعد إنجاز فيلم مشترك كان على مساعد المخرج أن يكمل بعض اللقطات الثانوية بعد عودة هتشكوك إلى الولايات المتحدة: “تمثيل جيد، عمل رائع، لكن الكاميرا لم توضع في مكانها الحقيقي أثناء تصوير تقاطع سيارة وحافلة في المنعرج”.

تستغرق اللقطة ثانيتين، لكن المخرج لاحظ الخطأ الذي وقع فيه مساعد المخرج، وتم إعادة تصوير المشهد من زاوية أخرى حتى يكون مكان التصوير منسجما مع اللقطة. المتاعب نفسها تعترض التبطئة السردية التي عادة ما تتكئ على الوصف، إذ أنه الوسيلة الوحيدة التي تقدم العناصر غير الحركية، لكن بعض الوصف غير ضروري للحكاية، كما أنّ بعض الصفات تدخل في الدلالة المكررة التي لا تضيف شيئا للمعنى، ولا للقارئ الذي يراها سمجة، أقصد القارئ المنبه المؤهل لاكتشاف ما يبدو غير ضروري للحكاية والصيرورة.

إن قولنا، على سبيل التوضيح، في جملة من نوع: كان يمشي حافي القدمين، لا يمكن أن يكون سوى شيء من المعاودة من حيث إنّ صفة “حافي” تحيل على ما يليها بالنظر إلى العلاقة التلازمية الموجودة بين الصفة والموصوف، في حين تبدو جملة طه حسين، الواردة في كتاب الأيام، أكثر وظيفية وأكثر جمالا. إن قوله “كان يمشي في حذائه حافي القدمين “، تحيل على معنى مضمر مفاده أنه كان بلا جوارب، أو كان فقيرا.

وهكذا بالنسبة إلى قولنا كان يمشي على رجليه، أو كانت الدموع تنزل من عينيه وتسيل على خديه، مع أن جملة قصيرة كفيلة بنقل المعنى كاملا: كان يبكي، وللقارئ أن يتخيل المشهد كما يشاء، في حين أن الصيغة الأولى تحدّ من متخيل المتلقي، أو أنها، بتعبير فيليب هامون، تبذر الوقت والحبر والورق من حيث إنها لا تضيف شيئا للجانب الفني، بقدر ما تسهم في تمطيط المقطع بلا فائدة.

هناك آلاف الأمثلة على شاكلة دمه أحمر والسماء زرقاء والشمس ساطعة، والشمس ساطعة والسماء صافية، ونام في فراشه وغسل وجهه بالماء. الاستثناء هو الذي يمنح قيمة للفعل وليس التواتر، كما أنّ التداول الفظ يقلل من أهمية الوصف والعرض، لأنّ القارئ يستنتج اللاحق من السابق قبل قراءته، ما يقضي على المفارقة التي تعدّ أحد أعمدة المتخيل، كما يقضي على أمر غاية في الأهمية: خيبة أفق الانتظار.

لا يمكن، بطبيعة الحال، نفي الدلالة عن التكرار إن كان ضروريا، لكن المغالاة ليست ذات فائدة، ومن ثم يكون التلميح أجدى لتفادي الاستغراق في الجانب التعليمي الذي قد يلحق ضررا بالجانب البلاغي والاستعاري للنص، كما يمكن أن يسهم في تعريته، دون أن يترك مجالا للمتلقي للكشف عن المضمرات وما فكّر فيه الكاتب ولم يكتبه لأسباب يجليها السياق والعلاقات الجملية، وعلاقة المشبه بالمشبه به، والصفة بالموصوف، وهكذا.

وتكمن المشكلة الأخرى في التبطئة المعيارية القائمة على الحفظ، أو على النقل الذي يكرّس الكيفيات، وهو أمر وعاه كتاب كثيرون أدركوا قيمة التجاوز عن طريق المساءلة والاجتهاد تفاديا لتقنين المرجع وتبديه العقل ومحوه، أي أن الوصف المكرر الذي ينتج حالات التراخي السردي قد لا يكون مبنيا على جهد عقلي، إنما على الجاهز من الاستعمالات.

إن قولنا، في لحظة استراحة السرد: كان سفاحا كالحجاج، هو شكل من أشكال تبرئة الحاضر والقفز عن فساده بإدانة التاريخ، أو بالاختباء وراء الموت من أجل إنتاج وصف خائف من استبدال مرجع بمرجع، أو دلالة ميتة بدلالة حية، أو استعارة ميتة باستعارة حية. كما أن الجملة النقلية تبدو محاكاة ساذجة ومكررة لجهد تواتر قرونا وغدا فظا.

عندما يحدث تشّبع على مستوى الدلالة يتراجع المعنى ويجرّ معه القدرات الفنية للمبدع. ما معنى “مفترس كالذئب” إن لم يتم استبدال المشبه به الذي لم يعد ذا قيمة دلالية واعتبارية؟ أم أنّ للكتابة مشكلة مع الذئب، وليس مع القيم والأفكار والأخيلة وبؤس الإنسان؟ وكم من إنسان أكثر ذئبية من هذا المخلوق الهارب في الغابة بسببنا نحن الذين استولينا على حقه في الحياة من حيث إنه جزء من الطبيعة، ومكمل لنا؟

يفترض الوصف اللجوء إلى الاقتصاد اللغوي إن لاحظ الكاتب أن الإطناب غير وظيفي، أما مراجعة المرجع وأسباب تكريسه فتعود إلى ثقافة الكاتب وفلسفته وأهدافه، مع ذلك فالفكرة قابلة للجدل من حيث إن خلفيات إنتاج المرجع والدلالة لها أيديولوجيتها، أو فكرانيتها، إن نحن استعرنا مصطلح طه عبد الرحمن، ثم إن الوصف تخييل في حالات كثيرة، لكن المسلمات مشتركة وليست حكرا على أحد.

وإذا كانت التبطئة بأنواعها، تقنية ملازمة للنص، فإن لها طرائقها الخاصة التي لا تضع عنصر الإثارة جانبا، لتكتفي بنقل الاستعمالات الجاهزة التي لا تضيف شيئا بقدر ما تقلل من قيمة أدوات الإضاءة، إضاءة الفراغات التي تؤجل أو تعلقّ لأغراض متباينة من كاتب إلى آخر. أما إذا حدث العكس فقد يقع الإبداع في فجوات المسلسلات التجارية التي توقف السرد من أجل تمطيط الحكاية بوقفات ومشاهد لا أهمية لها، وهو أمر لا يمكن نكرانه في الأفلام التجارية المحدودة من حيث الحكاية والأحداث، والأمثلة كثيرة، ومنها ما يسمى في الجزائر مسلسلات الساعة السابعة.

قد يحتاج الموضوع إلى إعادة نظر في حدود النقد الحالي، أو العودة إلى المساجلات الماضية بأدوات نقدية مختلفة، ومتممة للتجربة السابقة التي بلغت ما بلغته بعد جهد وتأمل. أجد الآن في كتابات طه حسين: خصام ونقد، وحديث الأربعاء، ما من شأنه أن يقدم مقاربات أكثر شمولية إن تم تطعيمها بعناصر سيميائية تفي بالغرض. ويشترط، قبل ذلك، تخلي الكاتب عن الألوهية وترقية حدود النقد وثقافته وإمكاناته حتى لا يصبح عائقا أمام الاجتهاد، اجتهاد الكتابة والممكنات.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق