ثقافة المقال

أبو عثمان.. عمرو بن بحر الجاحظ المثقف كما يجب أن يكون

حاتم السروي

نحن الآن في سوق المربد الذي هو في أحد أحياء البصرة، إحدى العراقيْن، والتي تشكل مع الكوفة مفهوم العراق في مخيلة عرب الحجاز الذين وفدوا إليهما وبنوا فيهما مساكنهم وكانت لهم في هذه الأرض حضارة زاهرة يتحاكى بها الزمان.
من هذا الذي أراه يقدم إلينا من بعيد؟ إنه فتىً قصير القامة، رث الهيئة، عيناه تودان الخروج من محجريهما، إنه يقترب، ما هذا؟ بشرته تميل إلى السمرة، وعلى الوجه حُفَرٌ من أثر الجدري، ماذا يفعل؟ يحمل خبزًا وسمكًا وهو الآن يبيعهما.. ياله من مسكين.
مسكين؟! في الحقيقة أنا المسكين.. إنه عمرو بن بحر (أبو عثمان) إنه الجاحظ.. هذا الفتى القروي النحيف؟! آه واللهِ، هذا الرائع الذي نشأ بين الدهماء وغمار الناس، بائع السمك الذي كان يجلس على ضفاف نهر سيحان المتفرع من الفرات وينادي على بضاعته.
كان الجاحظ رغم هذا الفقر ذو طموحٍ كبير وهمةٍ عالية، كان ذكيًا سريع الفهم ، وله حافظة قوية، وذاكرة فولاذية، وكان يتمثل قول أبي نواس:
وفاتنةٌ أبصرتُها فهويتُها.. هوى عروة العذري والعاشق النجدي
فلما تمادى هجرها قلت واصلي.. فقالت بهذا الوجه ترجو الهوى عندي؟!
نعم كان يعرف أن له وجهًا لا يلفت إليه الأنظار، إلا أنظار السفهاء ليعيبوا خلق الله، إنه وجه غير عاطفي، لكن خلف هذا القبح، أو ما يراه الناس قبحًا ذهنيةٌ وَقَّادَة ونفسية مرهفة، لذلك اعتزل الناس وتفاهتهم وتَرَهْبَن، ويبدو أن الرهبنة هي قدر العظماء، ولم يترهبن بدخول الدير، ولكنه ترهبن في بيته وبين كتبه، حتى إذا بلغ في العلم أشُدَّه واستوى، عاد إلى نهر الحياة الواسع الذي قامت على ضفتيه في ذلك العهد أرقى وأعظم حضارة عرفتها أمة العرب، إنه العصر العباسي، عصر بلاغة القول وأناقة المعمار وتقدم العلم، عصر هارون الرشيد والمأمون العالم والمعتصم الفاتح، عصر الكلمة الأنيقة، والأبيات الرشيقة، والطرب العربي الأصيل..
أرجعي الأمس الخلي.. ذكرينا واسألي
أين زرياب وأين الشعر أين الموصلي
أين ما كان لنا في الزمان الأَوَّلِ..؟؟
كان الجاحظ بدلًا من النوم في الفنادق ينام في محلات الوراقين، يدخل عند أحدهم فيقول أريد أن أبيت بين الكتب ويعرض عليه دراهمه الذي يتعب في الحصول عليها، وبهذه الطريقة قرأ كاتبنا الكثيرمن المخطوطات، واضطلع على أشعار الجاهليين، وترجمات عربية عن تراث الهند وفلسفة اليونان وحكمة الصين وحضارة فارس، وإن واقعة مبيته في محلات الوراقين أكيدة وموثقة حيث أوردها ابن النديم في الفهرست، وقال: كان يفعل هذا للنظر، يعني للنظر في الكتب.
الجاحظ المولود سنة 159هـ يرد بلسان حاله على أشباه المثقفين الذي جعلوا الثقافة (مسخرة) عند العوام، بعد أن كان المثقف هو (الأستاذ) يتخذه العامة الآن هُزُوًا ويطلقون عليه النكات، والسبب أن الله ابتلانا بنفرٍ من المدعين، الذي يحسبون الثقافة فقط موقفً سياسي وانتماءً يساري؛ فإذا كلمتهم في التاريخ والفلسفة وجدتهم كالحمار يحمل أسفارا، لا يعرفون إلا ما قال ماركس ولينين وعبد الناصر، فإذا قلت في براءة الأطفال أن ماركس واحد من زمرة الفلاسفة وهم كثير وأن ما قاله ليس هو القول الفصل، وأن الفلاسفة من بعده تجاوزوه مرارا، وأن عبد الناصر عليه رحمة الله كان ابن زمانه وزعيم عصره وأوانه، وأن تجربته الآن من الماضي، إذا قلت لهم هذه البدهيات سمعت ما لا ترضى من القول واتهموك بالتطرف والتخلف، وسلقوك بألسنةٍ حداد، ثم ألزموك بيتك لا تزور ولا تُزَار، ولا تفعل شيئًا غير الحسرة، وتقول بلسان حالك: يا أشباه الرجال ولا رجال، حلوم الأطفال، وعقول ربات الحجال، لوددت أني لم أعرفكم، معرفةً جرت سَدَما، وأعقبت ندما، لقد ملأتم قلبي قيحا، وأوريتم صدري غيظا.
لا يعرفون من الفلسفة إلا ما قال ماركس! أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خُلِقَت؟ الإبل تفهم صاحبها، وهم لا يفهمون شيئًا، ثم تراهم يجبرون غيرهم على وصفهم بالمثقفين، فإذا كانت الثقافة هكذا فلعنها الله، ولكنها بالطبع ليست بهذه الصورة المضحكة بل والمؤلمة أيضا.
لقد ظل أبو عثمان رحمه الله يقرأ ويتعلم، وأمضى القسم الأكبر من حياته لا يصنع بجوار القراءة شيئًا آخر، حتى إذا آنس من نفسه العلم والفهم واكتسب ثقةً في ذاته، ارتحل به طموحه نحو بغداد، وفيها أريكة الخلافة، والمأمون بن هارون الذي كان أكثر الخلفاء علما، وأعمقم ثقافة، وكان يحترم العلماء ويكافئهم.
وسبقت الجاحظ شهرته إلى بغداد، على أعتبار أنه إمام النثر الفني، وكان هذا النثر حافلًا بالعلم والحكمة والثقافات المتنوعة، وفيه تجد المتعة والتسلية والمعلومة والعبرة، وطبعًا إذا قارنت هذا الأدب مع ما تقرأه الآن إذا كنت من هواة القراءة، فحاول أن تحتمل لأن صحتك بالدنيا.
وحظي عمرو بن بحر برضا الخليفة، وعينه المأمون رئيسًا لديوان الرسائل، وهو منصبٌ كبير، ويشبه في بعض جوانبه وزارة الإعلام الآن، فصاحب الرسائل هو كاتب الخليفة وقلمه ولسانه، وهو المعبر عن وجهة نظر الدولة، وهو الذي يكتب مراد الخليفة من ولاته وعماله، ومن زملائه الملوك أيضًا، ورغم تلك الحظوة ورغم هذا الجاه، استعفى الجاحظ من منصبه بعد ثلاثة أيام! وعن هذا الموقف العجيب يقول أستاذنا الدكتور شوقي ضيف رحمه الله أن الحاحظ لم يستطع الخضوع لنظم الدواوين وما يستلزمه سير العمل فيها، وهكذا عاد أبو عثمان إلى داره وعادت سيرته الأولى، نهم للقراءة بلا حدود.
وكان الجاحظ رحمه الله ظريفًا وفيه روح ساخرة، وهو بهذه السخرية يصطلح مع الحياة ويتقبل مرارتها، ويستمر في طريقه بعد أن ضحك وأضحك من حوله، وكان يستعين بظرفه حين يكتب؛ فإذا أطنب في كتابة الأمور الفلسفية، تراه يخرج بخفة وينحو إلى النكات المرحة، والأخبار المسلية، ولن تجد في كتبه مصطلحات على شاكلة: الكومبرودارية، والكوزموبوليتانية، والجيوبوليتيكية، إذ لم يخترع الشيطان حينها تلك التعقيدات البائسة ليحزن بها الذين أمنوا، والذين كفروا أيضًا، فلا يوجد إنسان عاقل يعجبه سماع أو قراءة هذه الطلاسم.. وكانت الحياة هادئة والناس في غاية البساطة، أما اليوم فإذا لم تكن ماركسيًا فأنت جاهل!.
وانظر إلى المسعودي رحمه الله في ” مروج الذهب ” حين يصف الجاحظ وكتابته؛ فيقول: ” إنها تجلو صدأ الأذهان، وتكشف واضح البرهان، لأنه نظمها أحسن نظم، ورصفها أحسن رصف، وكساها من كلامه أجزل لفظ، وكان إذا تخوف ملل القارئ وسآمة السامع، خرج من جدٍ إلى هزل، ومن حكمة بليغة إلى نادرةٍ طريفة”.
وكان رحمه الله كما يصفه الأستاذ أحمد أمين أنيسًا محاضرا، وفي كتبه إسهابٌ وإطناب، ولم يكن هذا من قبيل الثرثرة أو اللغو، بل هو استطراد فني تحكمه مقاييس إبداعية، فكلامه إن يكن ثرثرة فهو ثرثرة جميلة بديعة، تعجب القارئ وتأخذ بإذن السامع، وهو يعترف بخطته في الكتابة فيقول أن وجه التدبير في الكتابة إذا طالت أن يداوي المؤلف نشاط قارئه، ويحتال عليه كما تحتال الوالدة على طفلها؛ فيخرجه من شيءٍ إلى شيء، ومن باب إلى باب، وهكذا حتى يطرد الملل.
وبعد أن وصل الجاحظ إلى السادسة والتسعين من عمره الحافل المديد، جاءه الأجل وهو في بيته البسيط وفي مكتبته يقرأ المخطوطات المكدسة من حوله، وهو خائر الجسد، منهك القوى، وكان إلى شيخوخته مصابًا بالفالج أو ما نعرفه اليوم بالشلل النصفي، ونراه الآن يمد يده العليلة المرتعشة نحو كتاب في رفٍ من المكتبة ولكن.. للأسف الكتب وقعت عليه.. ما هذا؟؟؟؟ لقد مات الجاحظ.. عاش للثقافة ومات بين الكتب.. رحم الله أبا عثمان فقد كان بحرا، ورحمنا في زمن أشباه المثقفين، وإن لكم في الأنعام لعبرة.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق