قراءات ودراسات

مع الشاعر يحيى السماوي ( ديوان لماذا تأخّرتِ دهراً ؟ )*

بقلم: عدنان الظاهر

مقدمة غير قصيرة وغير مُمِلّة !أعترفُ بادئ ذي بدء أني لستُ مختصّاً بنقد شعر العمود العربي ، شعر عروض الخليل بن أحمد الفراهيدي ، شعر الوزن والقافية ، والأستاذ السماوي هو أحد فحول وفرسان هذا الميدان . وكتمهيد لما سأقول لاحقاً حضرتني مواقف لنقاشات قديمة حول شعر العمود والشعر الحر أو شعر التفعلية الواحدة أو خليط التفعيلات القريبة إيقاعياً من بعضها … كان ذلك في عامي 1956 ـ 1957 حين كنت أمارس قول الشعر العمودي حسب موازين الشعر التي درستها آنذاك في كتاب المرحوم معروف الرصافي [ ميزان الشعر ] . كنت أقرأ للصديق عبد الوهاب ، وكان يدرس الأدب العربي في دار المعلمين العالية ، أقرأ عليه ما كنت أنظمُ وكان الصديق يُصغي لي بكل أدب وصبر وهدوء . وحين أنتهي من قراءة قصيدتي الجديدة يسألني ( خَلّصتْ ؟ أي إنتهيتَ ؟ ) أجيبه إي . يبادر على الفور للقول : لم تقلْ في قصيدتك جديداً ! لماذا يا صديق ؟ يقول ما دمتَ تنهجُ هذا النهج ، نهج الشعر العمودي ، فلن تُبدع شيئاً جديداً على الإطلاق ! تكرر ما قال قبلك الأوّلون  مع بعض التحويرات والإضافات والتزويقات لا غير . كنت أكتمُ غضبي وغيظي منه وحرجي وخجلي فأصمت ولا أُعلّق أو أدافع عن نفسي وشعري . مُذّاك تركتُ شعر البحور وانصرفت لدراسة وقول الشعر الحر بعد أنْ إقتنعتُ بصواب حجة ومنطق عبد الوهاب . الشعراء يكررون أنفسهم ويقلّدون غيرهم ما داموا أسارى جادة البحر وللبحر جادّات معروفة معدودة خرج عليها بعض الشعراء حيناً من الزمن كما كان الحال مع موشّحات الأندلس مثلاً . إقتنعتُ ولم أزل محافظاً على قناعتي تلك أنَّ الوزن أو البحر الشعري هو طريق أو جادة يسير الشاعر عليها ولا يحيد لأنه ليس حرّاً في أنْ يحيد أبداً . يظلُّ أسيرها وتظلُّ الآسرة المسيطرة على الشاعر فكراً وإحساساً ولغةً فهو بهذا المعنى عبد هذا الطريق أو  كالعبد . البحرُ سكّة قطار لا مجال للقاطرة أنْ تختار سواها فإتجاه مسارها محكوم ومحدد سَلَفاً ومعروف وكذلك هدفها ومنتهاها المرسوم . أو مثال آخر يصوّر هذا الأمر بملموسية حسّية أقرب وأصدق : مثال السفينة ، عملاقةً أو ضئيلةً ، قائدها الموجّه هو دفتها [ السُكّان كما نسميه في العراق ] . البحر الشعري هو هذا السُكّان . مشكلة الإلتزام بالبحر العروضي مشكلة خطيرة متعددة الوجوه أكثرها خطورةً خضوع الشاعر لسياقات فكرية ـ لغوية معينة يقتضيها العروض وزناً وقافيةً . الحركة والسكون في عالم الوزن تضطران الشاعر إلى اختيار كلماتِ وتعبيرات لغوية تستجيبُ  لشروط طبيعة الذبذبات الصوتية الخالقة لموسيقى الشعر وترادفهما إختلافاً واتفاقاً . الحركة والسكون هما بلغة علم العروض [ – / 0 ] أي خط يمثّل الحركة ودائرة  تمثلُ السكون المضاد للحركة . هل يتقبل عقل وفكر الإنسان الحر هذه القيود الصارمة التي تنفي توقه الطبيعي للحرية والتحرر ؟ هل يقبلُ الإنسان المعاصر أنْ يضعَ أو أنْ توضع في معصميه كبولاً [ كلبجات ] خارجية تنشط وتؤثّر بطريقة موضوعية  ، مثل قوانين الفيزياء ، لا سيطرة للشاعر عليها وليس له إلاّ القبول بها والخضوع عبداً لها وليس أمامه من خيارات غير ذلك . تفرضُ هذه القوالب الفولاذية الصارمة … تفرض على الشاعر لا السير في طريق واحد لا غيره بل وتفرض عليه نمطاً من التفكير وضرباً من الألفاظ يُضطرُ إلى قبولها والإستسلام لها ثم إستخدامها من أجل أنْ يستقيمَ الوزن وتنتصب منتصرةً القافية ورويّها البطل . القافية هي القيد الآخر الأقل جبروتاً من طغيان التفعيلة واستعبادها المطلق للشاعر . إنها بوليس [ شرطي أو دَرَكي أو جندرمة ] تساعد التفعيلة في أنْ تستكمل تنفيد شروطها ومطلق طغواها على الشاعر وفكره وعواطفه ثم لغته . نعم ، الشعراء متفاوتون في مبلغ ما يتمتعون به من حرية ضيقة نسبية في وجه دكتاتورية قوالب التفعيلات . إنهم وهم سائرون سادرون في طريقهم المحدد عرضاً وطولاً يستطيعون ممارسة درجات من حرية إختيار الكلمات الشعرية ولكن ذلك يتوقف على الفروقات الفردية بين الشعراء ولا سيّما التفاوت في عمق وسعة القاموس أو المعجم اللغوي الذي بحوزاتهم . فأكثرهم حريّةً وأوسعهم حظاً هو ذاك الذي يمتلك ثروة لغوية كبيرة من حيث الألفاظ وقواعد اللغة ونحوها وصرفها واشتقاقها . هذا ـ كما أحسبُ ـ كل ما يستطيع فعله وإنجازه شاعر البحور . هذه الثروة وهذه القدرة على توظيفها واستثمارها في سوق الشعر لا تحرره في نهاية المطاف من القيود التي ارتضاها لنفسه لحظةَ أنْ قرر الإلتزام ببحور الخليلي . يبقى ذاك العبد مشروم شحمة أذنه وأرنبة أنفه مهما تكابر وتعالى وادعى وانتفخَ طاووساً نرجسياً كأغلب الشعراء (( أمْ أُذنه في يد النخّاسِ داميةً / المتنبي )) . التفعيلة هي السيدة ولا من سيادة للشاعر إلاّ على ما يدّعي زوراً وكذباً. أدرسوا يا أصدقاء شعر البحور وتمعّنوا فيه وتعمّقوا في دراسته فلسوف تجدون أنفسكم تقفون معي في صفّي وليس في خندقي لأنني لست مقاتلاً ولا عدوّاً لزملائي الشعراء وإنْ اختلفنا في تنظيراتنا وزايدنا كلٌّ في [ علوة مخضراته ]  ومهما علت أصواتُ البعض منّا يوماً وخفتت يوماً آخر .

لكل هذه الأسباب هجرت شعر بحور الخليلي وانصرفت بكامل إمكانياتي الشديدة التواضع لما يُسّمى بالشعر الحر وهو ترجمة حرفية عن الإنكليزية :

Free Verses

وتذكّروا … عنوان كتاب سلمان رشدي [ الآيات الشيطانية ] هو

Satanic Verses

مع يحيى السماوي وصبر الدهور :

الآن أواجه شاعرنا السماوي فأدخل عوالم ديوانه الأخير الذي حمله لي بريدي من أقاصي

كرتنا الأرضية ، أستراليا بلاد القناغر وكلاب الدنكو آكلة الأطفال التي كان أهلونا يخوّفوننا بها زمان طفولتنا بقولهم [ سيأكلك الغريري ] ! ما هو هذا الغريري ؟ لا أحد يعرف حتى سمعنا بكلاب الدنكو الأسترالية . لقد ورد ذكر الغريري في بيت المتنبي التالي :

ألفتُ ترحّلي وجعلتُ أرضي

قتودي والغُريريَّ الجُلالا

وفي شرح معنى الغُريريّ في حاشية قصيدة ومنْ يكُ ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ ((  الغُريري : منسوب إلى غُرير وهو فحلٌ كريم ، الجُلال : العظيم )) .

بمَ يمتاز الشاعر يحيى السماوي ؟

أولاً /  إنه شاعر مطبوع ، موهوب بالطبع والجبلّة لكنه فقد الكثير من تجليات هذه الموهبة وكرّس جهده الشعري في تعبئة قوالب كونكريتية ندعوها تفعيلات صممها الفراهيدي اللغوي والنحوي الزاهد . لا أذكر القوافي لأنها تحصيل حاصل وذنب تابع للأوزان الشعرية .

ثانياً / إنه متين اللغة سليمها بارع في توظيفاتها حسب مقتضى الحال والمناسبة … لكنَّ اللغة لا تصنع أو تخلق شعراء وإلاّ لكان علماء اللغة من أعاظم الشعراء . اللغة علم وقواعد ومنظومة قوانين اما الإبداع فلا ، لا هو بالعلم ولا عَلاقة له بالقوانين وصرامة القوانين وهيبة حكّامها وأحكامها . إنه لحظات نادرة تأتي الشاعرَ الموهوبَ إلهاماً خاطفاً كما البرق في لحظة تحوّل الفكرة في رأس الشاعر إلى كلمات على لسانه ولا تُعمَّر إلا للحظات فإنْ لم يهتبلها الشاعر فاتته ، ضؤل البرق البارق … خَفتَ سناه الوهّاج  ثم اختفى . لا مجال للتفكير في مقاسات ومواصفات ومساحات القوالب التفعيلية وتوابعها الرتيبة الحروف [ القوافي ورويّها ] والمتطابقة الأصوات والنغم والدرجة اللحنية . هنا المشكلة بل معضلة الشعر العمودي ، إنها معضلة الزمن والتوقيت العاجل فمَنْ تَفُتْهُ لحظة إصطياد الإلهام البرقي فاته الإبداع . التوقيت ثم التوقيت يا شعراء !

إستدراك هام : اللغة ركن خطير وهام في قول الشعر . اللغة في نظري هي من أكثر مستلزمات الإبداع أهمية وبدونها يضيع الإبداع وتتبعثر مجهودات الشاعر ويفوته زمانه . لا شاعرَ مبدعاً بدون لغة راقية وعالية المستوى لكنها وحدها لا تكفي ولا تصنع إبداعاً .

ثالثاً / إنه مسيطر على بحور الشعر ويُجيد إستخدامها إجادة تامّة وإنه بارع في إختيار البحر الذي يناسب حالاته النفسية والإنفعالية ، فموسيقى إيقاعات التفعيلات الشعرية لها تأثيرٌ خاص ووقع خاص في تركيبة الشاعر الروحية والثقافية والتراثية .

رابعاً /  إنه يلتزم بصرامة بقواعد وقوانين علم العروض ومتطلبات تتابع الحركة والسكون.

خامساً /  إنه لا يختار من قوافي أعجاز أبياته الشعرية إلاّ ما يوافق وينسجم مع روح البيت الشعري كاملاً ويجعله بقدرة قادر مقتدر ركناً من أركان بيته الشعري فلا نشوز ولا خروج ولا نبوّ ولا إقحام وإعضال وإفتعال . إنه يُقنع القارئ أنَّ قوافيه نهايات منطقية ضرورية لا بدَّ منها . إنها الحلقة الأخيرة في سلسلة من الترتيبات اللغوية والمنطقية فللغة منطقها الخاص وفقهها الخاص وضروراتها الحيوية الأخرى .

سادساً / وجدته يتصرّف بشكل غير مسبوق في بعض الكلمات . أمثلة :

قال في قصيدة ” صوفية النيران ” وفي الصفحة 107 ، وهذا العنوان يُذكّرني بعناوين العديد من قصائد نزار قباني ،

إنْ ضحكتْ دثّرني صوتها

ببردةٍ أشذى من الأقحوان

لا أعرف ـ على حد علمي ـ شاعراً إستخدم لفظة ” أشذى ”  قبل السماوي ! إنها بالطبع مُشتقّة من الشذى والشذى لا يعرف تصريفاً . بلى ، أعرف أندى من الندى وأجدى من الجداية والجدوى وأنقى من النقاوة والنقاء . المثال الآخر … في قصيدة ” هوامش من كتاب الحزن العراقي ، في الصفحة 139 ( لاحظ التشابه بين هذا العنوان وعنوان قصيدة نزار المعروفة : هوامش على دفتر النكسة ” … قال الشاعر :

أصبحَ فيه الصبحُ

أدجى من عباءات الدراويشِ

وأحداقِ المداخنْ

أدجى من الدجى والداجي ولكنْ ، هل يجوز تصريف الدجى وإشتقاق صيغة مقارنة تفضيلية منه ؟ بالطبع جائز ولكنّ الوقع ثقيل على سمع المتلقي كما أحسبُ سيّما أنَّ تتابع حرفي الدال والجيم في ” أدجى ” ثقيل على اللسان .

وما دمتُ قد ذكرتُ اسمَ نزار قباني فمن المناسب أنْ أقولَ إنَّ القباني قال شيئاً مماثلاً لما قال الصديق السماوي . قال القباني في قصيدة [ ثوب النوم الوردي / الأعمال الشعرية الكاملة في الصفحة 232 ] :

أغوى فساتينكِ

هذي البُردةُ المُطيّبةْ

أغوى ، من الغواية ، شبيهة بأشذى وأدجى السماويتين … لكنَّ هذه الصيغ نادرة ولا أراها مستحبّة مهما كانت ظروف القصيدة وأحوال الشاعر .

ثمّةَ مثال آخر خرج فيه السماوي على قواعد اللغة العربية فأخذ بنهج أبي الطيب المتنبي في قوله الذي أقام الدنيا على رأسه ورأس جدّته في الكوفة :

أنا الذي نظرَ الأعمى إلى أدبي

وأسمعت كلماتي مَنْ به صممُ

فقال السماوي في قصيدة ” نذور ” في الصفحة 87 :

أنا لا أعرفني ..

أين أُقيمُ الآنَ ؟

لا عنوانَ لي

كيف اهتديتْ ؟

[ أنا لا أعرفني ] تماماً كما قال المتنبي قبله [ أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي ] . ثم … ألا تذكّرنا هذه القصيدة ـ لو قرأها القارئ حتى نهايتها ـ بقصيدة إيليا أبي ماضي :

جئتُ لا أدري ولكّني أتيتْ

حيثُ أبصرتُ قدّامي طريقاً فمشيتْ

… لا أحفظ هذه القصيدة للأسف علماً أنَّ محمد عبد الوهاب كان قد لحّنها وغنّاها .

سابعاً /  وجدتُ في بعض قصائده الغزلية آثاراً من بعض قصائد نزار قباني الأمر الذي أرى فيه عمق تأثر السماوي بشعر القباني في الحب والغزل . لم يستعمل شاعرٌ بعد نزار قباني لفظة ” وجاق ” وهي تركية إلاّ يحيى السماوي في قصيدة [ مقاطع من قصيدة ضائعة ] وفي الصفحة 127 حيث قال :

دثّريني بالترابِ …

البردُ وحشيٌّ

وليس سوى رمادٍ في الوجاقِ

ولم يعُدْ

ثوبُ الزبُرجُدِ مطمعي !

ثمّةَ خروجٌ آخرُ لم أجدْ له من مسوّغ عدا سلطان سيف الوزن … أعني تشديده حرف الواو في كلمة ” طُوفان ” فإنه كتبها مرتين مشددة فجاءت على ” طُوّفان ” . قال في قصيدة سيّدة النساء / في الصفحة 145 :

عصايَ لم تلقفْ سوى أضلعي

والدربُ أفعى والمدى ” طوّفانْ “

وكررها في نفس القصيدة في الصفحة 147 :

من قصبِ الأهوارِ ( نوحُ ) ابتنى

سفينَهُ .. واقتحمَ الطوّفانْ

لا عيبَ في وضعها هذا سوى أنه خروجٌ لا لزومَ له كما إخالُ ! إنه الوزن ! إنه الكلبجة.

ربما وجد الشاعر هذه اللفظة هكذا في بعض قواميس أو كتب اللغة غير أني ـ كقارئ ـ لا أسيغها بل لا أتقبّلها . إنه عندي قادر على العثور على بدائل مستساغة دون اللجوء إلى ليّ اللغة وتطويعها لمقتضيات الوزن والقافية . معجمه اللغوي غير قاصر ولديه ذخائر وثروات هائلة من مفردات اللغة العربية . كما يبدو لي أنه يستعين في نظمه الشعر بعدد من قواميس اللغة العربية وقد أشار إلى ذلك في العديد من حواشـي قصائده  (( أنظرْ الصفحات

50 و 84 و 116 … وعلى الصفحة 95 من ديوانه الآخر ” نقوش على جذع نخلة ” وفي هذا الديوان هوامش وإحالات كثيرة لتفسيرات قاموسية للبعض مما وظّف في قصائده من كلمات . كما فيها جميعاً في كلا الكتابين تفاسير وإحالات لآيات القرآن … لذا استنتجتُ وقلتُ إنه شاعر متديّن أو ينحو للتدين )) .

كما أثار إنتباهي توظيفه للفظة لم أجدها فيما قرأتُ من أشعار العرب ولم أجد في توظيفها ضرورة قصوى إذ كان في مقدوره إستخدام بديل شبيه لها أو أكثر . أقصد ما يلي :

يا ناسجاً كفني بمِغزلِ غدرهِ

بعثَ الهوى قلبي فعادَ بَلولا

[ الصفحة 82 ] .

هذا بيت ضعيف واضح الصنعة والإفتعال رتّبه شاعره بعد جهد ومماطلة ومساومات مع اللغة ومقتضيات الوزن الشعري ثم القافية . قال السماوي عن بلولا : شفيَ وتعافى . بلولا تصريف فاشل وربما لا نجده إلاّ في معاجم اللغة العربية وهذه مصيبة ! إنها مصيبة أنْ يترك الشاعر ميدانه وحقل حرثه وبذاره أو أخيراً حصاده ليُغرق نفسه متفحصّاً صفحات المعاجم باحثاً عن إشتقاق لكلمة يناسب وزن قصيدته وقافيتها . سبقه الشاعر إبن زيدون فأبدع في توظيف فعل يحمل نفس المعنى ولكن شتّان ! يا ألف سلام على بيت إبن زيدون يناجي به حبيبته ولاّدة بنت المستكفي :

بِنتمْ وبنّا فما ابتلّتِ جوانحُنا

شوقاً إليكمْ ولا جفّتْ مآقينا

[ فما إبتّلت جوانحُنا ] أي ما شفيت الجوانح . إبتلّت … ألا ما أروعه من فعل وما أجمل وقعه على أُذني فلله درّك يا ابنَ زيدون . الفعل الشائع هو أبلَّ من مرضه لكنَّ إبن زيدون عدّاه بتشديد حرف التاء إلى إبتلَّ وهو فعل أقوى من سابقه ، أبلَّ . تقرأه فتُحسُّ بعمق لوعة الشاعر ومعاناته من الفراق ، البين ، وكان وقع هذا البين عليه قوياً صاعقاً أمرضه وأضناه حتى إنه بالغ في يأسه من المعافاة والشفاء من ألام الفراق المُبرّحة [ فما ابتلّتْ جوانحنا ] . إنه يائس من الشفاء .

ثامناُ / وجدته أساساً شاعر غزل من الطبقة العالية ووجدته في عين الوقت شاعراً وطنياً من أعلى الطبقات . وإذا تكّلم في الخمريات وكؤوس الطلا فإنه يقترب من أبي نؤاس لكنه يُقصّرُ عنه ولا يستطيع تجاوزه والتفوّق عليه . إذا اقتربَ من هذا وتأثر قليلاً بغزليات و

{ نسوانيات } نزار قباني فإنه احتفظَ بمسافات واضحة للعيان تفصله عن فحول الشعراء الغابرين كالمتنبي والبحتري وأبي تمّام والمعري .

(( حين تصفّحتُ ديوان السماوي ” نقوش على جذع نخلة / 2007 ” وجدت فيه قصيدة حاكى فيها ، لا الوزن والقافية حسبُ ، إنما وغير القليل من تعابير وصور ومجازات الرصافي في قصيدته بعد النزوح ، والجواهري في قصيدته الذائعة الصيت : يا دجلة

الخير )) .

تاسعاً : إكتشفته متدينّاً أو مسلماً إلى حدود معينة محسوبة لكنه يُبيحُ لنفسه معاقرة الخمرة تماماً كما كان الحالُ مع أبي نواس : الصلاة والخمرة معاً / جمع دنياه وآخرته تحت سقف واحد أو لحاف واحد .

عاشراً /  خرج السماوي في أغلب قصائد هذا الديوان على نظام  كتابة صدر البيت الشعري وعجزه على خط مستقيم واحد ، فوّزع تفعيلاته على عدة سطور متتالية لكنّه كان خروجاً ناجحاً مقبولاً وحافظ على الإيقاع العام لموسيقى التفعيلات . أمثلة : قصيدة ” أين شطآنك هذي ” و قصيدة ” أنا سوطي وجلاّدي ” و قصيدة ” جفاف ” .  هذا هو أساس قصائد الشعر الحر لكنَّ السماوي ألزم نفسه بقوافٍ معينة موّحدّة إلا في القليل من الحالات.

قصائدُ هذا الديوان المنظومة حسب النهج العروضي الصارم قصائد طويلة تتعب القارئ كما أجهدت شاعرها . أمثلة : قصيدة على مشارف السنين ( 52 بيتاً /  11 صفحة ) وقصيدة  يا ناسجاً كفني بالغزل غدرهْ ( 46 بيتاً ) وقصيدة صوفية النيران ( 26 بيتاً ) وقصيدة سيّدة النساء ( 34 بيتاً ) وقصيدة عتّقتُ أشواقي ( 25 بيتاً ) واختتم ديوانه بقصيدة إسألي الصبرَ ـ أمثلي عاشقٌ ؟ ( 30 بيتاً ) . لفت نظري وانتباهي ميل الشاعر القوي لركوب بحر أو قارب تفعيلة ” مُستَفعِلنٌ ” فما أكثر ما نظم من أشعار تعلو فيها رنّة أو نغمة  وتر ربابة هذه التفعيلة حتى لكأنه أراد عن قصد وتصميم معاندَين مشاكسيَن أنْ يُخالف قول نقاد الشعر القدماء من أنَّ بحر الخبب هو مطيّة الشعراء [ فعلنْ فعلنْ فعلٌ فعلُ ] … قصيدة نزار : مطرٌ مطرٌ وصديقتُها // معها ولتشرينَ نواحُ // والبابُ تئنُّ مفاصلُهُ // ويعربدُ فيهِ المفتاحُ … القصيدة الشريرة .

هذه أبرز معالم شعر يحيى السماوي كما أراها من زاوية محايدة رغم إني ضد عمود الشعر العربي للأسباب التي بيّنتُ سلفاً . طبيعي أنْ لا يوافقني أخي السماوي وأنْ يدافع عن نفسه وشعره ومنهجه وله في ذلك كل الحق . شعر العمود لا يتمخض عن أي إبداع شعري لأنه محكوم مقيّد اليدين والرجلين والرأس والقلب وإنه حلقة متأخّرة في سلسلة طويلة بدأت مع إمرئ القيس الكندي [ حسبما رأى الأصمعي ] منذُ حوالي أو أكثر من قرنين قبل الإسلام . وقائله عاجزٌ عن إجتراح أيِّ نوعٍ من الإبداع في عالم الشعر . الشكل ، نعم الشكل ، هو الذي يتحكم بالمضمون الشعري رغم إدّعاء الكثيرين للعكس . هياكل وهندسة بحور الشعر العربي قديمة أكلَ الدهرُ عليها وشرب ثمَّ تجأشأَ وأغفى ، وعليه فلا نتوقع مضموناً  جديدا منه أبداً أبداً عدا بعض الإستثناءات النادرة تومض بين حين وآخر مثل خطف البرق في سماء مُلبّدة بسواد الغيوم . الزمن يمرُّ سريعاً ومَنْ لم يسايره ويُجاريه يتخلف وتأكله الثعالب والعناكب والغربان . اللغة الجيدة والفصاحة لا تخلق شاعراً أبداً ، ربّما تساعده على قول بعض النظم المسبوق والمطروق آلاف المرّات [[ أكلُّ فصيحٍ قالَ شعراً مُتيّمُ / المتنبي ]] . قال قبلي العديد من نقّاد الشعر إنَّ لغة الشعر لغة خاصة تفرضُ نفسها على الشاعر لا أنْ يفرضَ الشاعرُ نفسه ولغته عليها. فإنْ نهجَ الشاعرُ هذا النهج خسر نفسه وفقد جِدّة قوله الشعري وافتقر النصُ للإبداع المطلوب والمُرتجى . أرى في شعر العمود العربي إرادة جبروتية من قبل الشاعر لفرض لغته الخاصة أو تلك التي يرتأيها على سياقه الشعري فيغيبُ الإبداع ويتبخر الإلهام الآني غير المرئي وهو أساساً الذي فجّرَ لحظة التوهج ثم الإتقاد الشعري في رأس وقلب وروح الشاعر . للإلهام منطقه الخاص وصوره الخاصة وتصوراته الخاصة لكنه للأسف لا يمتلك سلطة تنفيذية خاصة به وقوة بوليسية كافية يفرضها على الشاعر ويفرض معها اللغة الشعرية التي يتطلبها النص المفترض . إنه دولة ومملكة ولكن بدون علمٍ وجيشٍ وسلطةٍ ومالٍ وآبار نفط !

برزت شخصية وبعض خصوصيات الشاعر السماوي في ديوانه الأخير هذا فلم يتردد في توظيف مفردات عراقية صميمة لا يعرفها إلاّ العراقيون من قبيل الزيق ( صفحة 67 ) والشيص ، بل وسار خطوة أبعد فصٍرّف الشيص واشتق منه بجرأة سماوية وركاوية سومرية فعلَ مضارع هو يَشيّصُ ( صفحة 112 ) . غير أني لا أرى في هذا قفزةً أو تجديداً أو تطويراً للمضمون وإنْ أضفى عليه طابعاً عراقياً محلياً لا يخلو من طرافة يفهمها العراقيون .

قبل الخِتام وسلام الختام /

رُبَّ أخٍ من القرّاء يتساءلُ ومعه كل الحق في أنْ يسأل : أفلمْ تجدْ في أشعار هذا الديوان

( لماذا تأخّرتِ دهراً ) قصيدة أعجبتك ؟ سؤال وجيه لكني بيّنت رأيي ومجمل إنطباعاتي عن أشعار هذا الديوان تحت عنوان خصائص شعر السماوي وسلسلتها في عشر نقاط بدون تفصيلات مُسهبة وإنما بإختصار وتركيز كافيين لتوضيح مقاصدي . ردّي على سؤال الأخ المُفترض أوالمُتوقع أنْ بلى … بلى ، أعجبتني وأعجبتني كثيراً مرثية السماوي للفقيد كامل شياع . يُعجبني أساساً رثاء هذا الشاعر وإنْ رثى الشعراء أعزَّتَهم أجادوا وأمام ناظري رثاء إبن الرومي لولديه ورثاء المتنبي لجَدّته ورثاء الجواهري لوالدته وأخيه جعفر وللحسين بن علي بن أبي طالب ورثاء نزار القباني لوالده . لقد نحج السماوي وأفلح في دمج مرثيته هذه بأجواء وطقوس وعادات عراقية صميمة بدءاً بمراسم العرس والمهر العاجل والآجل والفروض الإسلامية المستحب منها والواجب ثم نوافل الصلاة . الحب والشهادة في عقيدة كامل وفي سبيلها فروض واجبة وليست فضلاً أو بطراً مُستحّباً . كما وضع أمامنا قَسَم القرآنِ بالتينِ والزيتون ( سورة التين ) وإحالاته لسور القرآن منثورة في هوامش قصائد الديوان . أعجبني تنويعه في القوافي وما متّع به نفسه من حرية التنقّل بين أفضلها في مقام ومواقف الرثاء ولا سيّما حرف اللام الساكن ( كاملْ …آجلْ … نوافلْ … ) ثم حرف النون الساكن . حرف اللام متعلق ودّال على العويل والويل والولولة وحرف النون واضح التعلّق بالأنين . وهل أفضل في هذه المناسبة من ذكر إسم الحسين وكلاهما شهيدان وإنْ إختلفت أزمان ووسائل وغايات وأهداف الشهادة ؟ ففي إسم الحُسين أفضل قافية للنعي : حرف النون … فلم يهمل السماوي هذا الإسم فأقسم به ودمجه في صلب ونسيج خامة القصيدة . أخطأ السماوي ـ على ما أظن ـ إذْ جمع الفقيد كامل شياع مع الحسين وعيسى وموسى لماذا ؟ يبدو أنَّ الشاعر يحيى السماوي لا يدري أنَّ الفقيد مندائي الأصل والديانة ونبّيهُ يحيى المعمدان إبن زكريا لا موسى ولا عيسى ولا مُحمّد . نقرأ بعض ما قال السماوي في المرحوم كامل شياع :

النعشُ هودَجهُ …

لقد عقدَ القِرانَ على الشهادةِ

قلبهُ كان المُقدّمَ …

والمؤخّرُ ؟

لا مؤخّرَ ..

إنَّ ” كاملَ ” لا يُفكّرُ بالطلاقِ

ولا بآجلْ .

للحبِّ في فقهِ الفتى العربيِّ ” كاملْ “

فرضُ الوجوبِ

وليسَ فرضُ المُستَحَبِّ

أو النوافلْ

فعلامَ أمطارُ الدموعِ

على عريسٍ

زفّهُ للخُلدِ ” مجدائيلُ “

” كاملُ ” عائدٌ

ما مات ” كاملُ ” ..

” كاملُ ” انتدبتهُ دجلةُ للخلودِ

مُمثلاً نخلَ العراقِ

وناطقاً باسمِ الطفولةِ

باسمِ حُلمِ الكادحينْ …

والناهضينَ إلى الصباحِ

وناسجي ثوبَ المحبّةِ

من حريرِ الياسمينْ

باسم الُحسينِ ..

وباسم موسى ..

وابنِ مريمَ

باسمِ كلِّ الطيّبينِ

باسمِ البنفسجِ

والقرنفلِ …

باسم زيتونٍ وتينْ

ما ماتَ كاملُ

إنَّ كاملَ لا يموتُ :

ما دارَ ناعورٌ

وفاضت بالهديلِ حمامةٌ

وتوضّأت بالشمسِ أبوابُ البيوتْ !

في يقينية ورفض الشاعر يحيى لموت كامل وإمكانية أنْ يموتَ [[ إنَّ كاملَ لا يموتْ ]] شَبَهٌ بيقين نزار قباني أنَّ أباهُ خالدٌ لا يموت . قال نزارُ في رثائه لأبيه في قصيدة ” أبي ” :

أماتَ أبوكَ ؟

ضلالٌ .. أنا لا يموتُ أبي

ففي البيتِ منهُ …

روائحُ ربٍّ ، وذكرى  نبي

[ إنَّ كاملَ لا يموت ) تساوي [ أنا لا يموتُ أبي ]  وتعادلها قوّةً ويقيناً بنفي الموت عنهما .

أكّدَ الشاعر السماوي على إنتماء الفقيد القتيل كامل شياع الطبقي والعقائدي بذكره لفئات الشعب التي تُمثّلُ هذا الإنتماء وأنَّ حاملي عقيدتهم الطبقية يضحون بأرواحهم دفاعاً عن حقوق ومصالح هذه الفئات المسحوقة المظلومة . قال السماوي في مكان آخر من هذه القصيدة :

فاختارَ كاملُ أنْ يُقاتلْ

بالنورِ لا بالسيفِ ، بالنعناعِ والريحانِ بالحرفِ المناضلْ

وبعُشبِ فلاّحٍ وريشِ حمامةٍ وبصبرِ عاملْ

وبسعفِ بٌستانِ الجَنوبِ ووردِ كردستانَ بالمحراثِ يرقصُ والمناجلْ .

{ راق لي أنْ أكتبَ هذا المقطع بهذا الترتيب للتكثيف وتجنّب الإطالة فليعذرِ وليسمحْ أخي السماوي … وللضرورة حالٌ  … كما قال إبن زُريق البغدادي في قصيدته اليتيمة المعروفة  لا تعذليهِ …} .

لاحظْ عزيزي القارئ كيف جمع الشاعرُ في هذا المقطع نضال المثقفين السلمي لا بالعنف والدم إنما بالنور وجمال الطبيعة وورودها ورياحينها … بالحرية التي تنعمُ بها الطيور الوديعة المسالمة ثم ذكر صراحةً هدف المناضلين العقائديين التاريخي العريق وهو تحرير الفلاحين والعمّال [ وبعُشبِ فلاّحٍ وريشٍ حمامةٍ وبصبرِ عاملْ ولم ينسَ كردستان ومراث المزارعين ومناجلهم والمنجلُ رفيقُ وتوأم المطرقة ] . لقد وضع السماوي الشهيد كامل في إطاره السياسي والإيماني فأُستشهد في بغداد حين كان يحاول الوصول من خلال وظيفته هناك إلى ما كان يصبو إليه من أهداف إنسانية سامية يعرفها كل من حمل إيديولوجية سياسية معقّدة طريقها وعرٌ تكتنفه المخاطرُ من كل جهةٍ وحَدبٍ وصوب .

إسم هذه القصيدة ” كامل ” قدّمها للفقيد بالصيغة التالية ( إلى روح الغائب الحاضر شهيد الثقافة المناضل كامل شياع ) . قُتل في بغداد أثناء أدائه لبعض المهمات الوظيفية خارج مكتبه في وزارة الثقافة العراقية .

لم يُخفِ العزيز الشاعر يحيى السماوي إلتزاماته الوطنية تجاه عراقه وعراق أجداده وأجداد أجداده فإنه عَلَناَ وصراحةً ضدَّ الإحتلال وضدَّ مَنْ أحتلَّ فدمر العراق … في وقت يتبارى فيه بعض المحسوبين على المثقفين العراقيين في شتّى عواصم الدنيا … يتبارون في كيل المديح وحرق البخور وهزّ الأعطاف والأرداف  ويفلسفون وينظّرون لإحتلال العراق وإقامة القواعد العسكرية على أراضيه وإبرام الإتفاقيات العسكرية والأمنية بل وهزأ أحدهم بمبدأي الإستقلال والسيادة الوطنية ونشر غسيله الوسخ هذا في بعض المواقع . إنَّ العزيز يحيى يحافظ على شرفه العراقي الوطني ويرفعُ رأسَه وصوته مندداً بالمحتل الأمريكي الجديد ويقارنه بهولاكو فكلاهما غزا العراق وكلاهما دمّر بغداد وسبى أهاليها وقتل وأحرق ونهب ودمّر . هذا ما قال الرجل الإنسان يحيى السماوي في نفس قصيدة رثاء كامل ( سأُكثّف وأجمع أجزاء الأبيات الشعرية التي وزّعها على عدة أسطرمع بعض إقتصاداً بالمساحة … فليسمح لي يحيى ) :

قد كان يعلمُ أنَّ هولاكو الجديدَ أتى

ليحرثَ حقلَ دجلةَ بالقنابلْ

ويدُكَّ أعشاشَ الحمامِ وأنْ يُطيلَ الليلَ في وطن الأراملْ

طَمَعاً بتبرِ الرافدين ونقمةً من سبيِّ بابلْ

لكنَّ كامل َ كان كاملْ

فأبى الوقوفَ على رصيفِ الإنتظارِ

أبى التخاذُلْ

فاختارَ كاملُ أنْ يُقاتلْ .

أخيراً لا بدَّ لي أنْ أعتذر من أخي العزيز الشاعر عزيز السماوي أني قلت فيه وفي شعره ما أعرف عن شعر العمود العربي ( وهو لا ريبَ ينطبقُ على جميع شعراء العروض الخليلي بدون إستثناء ) وأوضحت وجهات نظري وقناعاتي وما علّمتني تجاربي الخاصة في قول الشعر وكثرة ما تابعتُ وما قرأتُ من دواوين الشعر العمودي والشعر الحر ثم قصيدة شعر النثر التي اعتلت مسرح الشعر اليوم وحققت نجاحات مُذهلة غير مسبوقة والفضلُ كل الفضل لشواعرها وشعرائها من أجيال الشباب المثابر الصابر المكافح والمعاند بحق . لأخي يحيى الحق في الرد ومحاججتي . كما أتوقع أنْ يساهم بعض الأخوة من شعراء العروض في مناقشتي وعرض وجهات نظرهم وسأكون ممتّناً لهم وشاكراً فالحياة والأفكار تفاعلات متسلسلة لا تستقيم الحياة ولا تدوم صحيحةً معافاة إلاّ بها .

  • * (( لماذا تأخّرتِ دهراً ؟ ديوان شعري للأستاذ يحيى السماوي . دار الينابيع ،  دمشق ، الطبعة الأولى 2010 )) .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق