حوارات المجلة

الدكتورة كريمة نور عيساوي: كوفيد -19 استطاعت توحيد العالم تحت مظلة واحدة

  أجرى الحوار الدكتور سالم بن رزيق بن عوض

نقطة البداية نريد التعريف بالأستاذة الدكتورة شيئاً من السيرة الذاتية:

الأستاذة الدكتورة كريمة نور عيساوي: كريمة نور عيساوي باحثة في علم مقارنة الأديان من مواليد مدينة فاس المغرب، حاصلة على شهادة دكتوراه في علم مقارنة الأديان من جامعة سيدي محمد بن عبد الله فاس، أستاذة تاريخ الأديان وحوار الحضارات بكلية أصول الدين جامعة عبد المالك السعدي تطوان، لها العديد من الإصدارات حول تاريخ الأديان، تهتم بقضايا المرأة، شاعرة وكاتبة قصة، تشغل حاليا رئيسة مركز تنوير لتحالف الحضارات والتنمية الاجتماعية والثقافية. تنتسب إلى عدد من المراكز البحثية الدولية والعربية، أصدرت مجموعة من الدراسات والبحوث في الحقول الفكرية والإبداعية المذكورة أعلاه والمنشورة في مجلاّت علمية محكّمة وعامة، شاركت بها في مؤتمرات عربية ودولية، و حصلت على شهادات تدريبية وتكريمية في حقول الأديان والمرأة والشعر.

المجلة الثقافية: أستاذة تاريخ الأديان وحوار الحضارات بكلية أصول الدين جامعة عبد المالك السعدي تطوان…ماذا نعني بتاريخ الأديان ؟ وما أهمية هذا التخصص اليوم ؟

الأستاذة الدكتورة كريمة نور عيساوي: نقصد بتاريخ الأديان حسبJordan, Loues ذلك « النشاط العقلي المنظم المعتمي بدراسة الأديان نشأة وتاريخا وتطورا، وعقائد ومذاهب وطوائف، و بدراسة أثرها وتأثيرها على الواقع الإنساني في جميع أبعاده، وكافة جوانبه دراسة تقوم على مناهج علمية وتعتمد على مصادر أساسية وتهدف إلى الفهم والمعرفة قبل النقد والمقارنة». علم الأديان أو تاريخ الأديان أو مقارنة الأديان هو إذن علم يجعل من الأديان الأخرى موضوعا للدراسة، وذلك باعتبارها حقائق علمية وظواهر تستحق البحث اعتمادا على منهجٍ علميٍّ رصينٍ، يصنف مادَّتها ويصفها بحياديَّةٍ تامةٍ ويستخلص معانيها. إن علم تاريخ الأديان علم جديد، لا يتعدى عمره في الغرب مائة سنة وربما أقل، وقد نشأ هذا العلم بوصفه حقلا معرفيا مستقلاً وعلماً غير طائفي ولا ديني،وتراوحت الأسماء التي تُطلق عليه ما بين علم مقارنة الأديان وعلم الأديان وعلم تاريخ الأديان.
إنَّ هذا العلم، على اختلاف مسمياتِه، يدور حول وصفِ الأديان وصفا علميا دقيقا متسما بالموضوعية، وإلى جانب اهتمامه بمسيرة الأديان في التاريخ، يَعمدُ أيضا إلى مقارنة ظواهرها الأساسيَّة دون إغفال أي عنصر من العناصر المكونة لهذه التجربة الدينية أو تلك. وفي هذا السياق يرى محمد خليفة حسن في كاتبه تاريخ الأديان دراسة وصفية مقارنة إن علم الأديان علم أصيل في التراث العلمي الإسلامي. غير أنه لم يحض بعناية الباحثين المعاصرين، لاسيما في الجانب المنهجي. وبسبب جهل الغرب أو تعصبه لم يكن غريبا أن يُعتبر هذا العلم علما غربيا. لذلك فمحمد خليفة حسن يرى أن« علم تاريخ الأديان من العلوم الأساسية في التراث العلمي الإسلامي، بل هو علم إسلامي مهمل إذ لم يلق عناية كافية من الباحثين المعاصرين، خاصة فيما يتعلق بالجانب المنهجي الذي طوره علماء تاريخ الأديان في القرون الأولى للهجرة، ..ونظرا لجهل الغرب أو تعصبه فقد اعتبر هذا العلم علما غربيا في منهجه ومضمونه حيث تجاهل مؤرخو هذا العلم في الغرب الجهود الإسلامية في مجال دراسة الأديان ومقارنتها بالرغم من معرفتهم الجيدة بالكثير من الأعمال الإسلامية في هذا المجال». من خلال استقرائنا لعدد من المصنفات التي تزخر بها المكتبة العربية الإسلامية ككتاب أبي الريحان البيروني (ت 440 هـ) صاحب كتاب “حقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة ” وكتاب أبي محمد علي بن حزم الأندلسي(ت456هـ) صاحب كتاب “الفصل في الملل والأهواء والنحل”. وكذا كتاب السموأل بن يحيى المغربي (ت570ه) صاحب كتاب “غاية المقصود في الرد على النصارى واليهود.
يُمكننا الجزم بأن علم تاريخ الأديان علم أصيلٌ في التراث العربي الإسلامي، ويكفي أن نُشير إلى بعض الأسماء لنَدحض أصوات بعض المستشرقين الذين لا يرون في الإسلام غير ما يُملِيه عليهم حِقدهم التاريخي المتوارث على هذا الدِّين، وليس غريبا ومن غير المستبعد أن يكون تاريخ الأديان، في صورته الغربية قد تأسس على كتابات هؤلاء العلماء المسلمين أو معاصريهم من اليهود أو النصارى سواء في الشرق العربي أو الغرب الإسلامي التي ترجمت منذ وقت مبكر إلى العديد من اللغات الأوروبية، مما شرع الباب واسعا أمام علماء الغرب المتخصصين، الذين اهتموا بدراسة المادة الدينية والفرق والمذاهب، الاطلاع على مناهج المسلمين في دراسة الأديان والملل الأخرى.
لقد اهتم الغرب بهذا العلم نظرا لاقتناعه وتقديره بأهمية التدين، ومكانة الدين في حياة الفرد والجماعة في كل الأزمنة والأمكنة، وزاد الاهتمام به في النصف الثاني من القرن العشرين، نظرا لما يؤديه الدين من دور جوهري في المحافظة على قيم التعايش، وفي استقرار المجتمعات وتعميق إحساسه بفشل كل النظم الوضعية، فأسست الجامعات ومراكز البحث المتخصصة في هذا المجال. وجندوا لذلك طاقات مهمة ووظفوا كل المعارف والعلوم من أجل السير به قدما نحو الريادة وقد تحقق لهم ذلك .

المجلة الثقافية : مركز تنوير لتحالف الحضارات والتنمية الاجتماعية والثقافية ما أدواره وأهميته؟. وما أهم الإنجازات التي صدرت له ؟ وهل له فروع في المملكة المغربية ؟

الأستاذة الدكتورة كريمة نور عيساوي: مركز تنوير لتحالف الحضارات والتنمية الاجتماعية والثقافية جمعية عالمة تأسست منذ ثلاث سنوات فقط. إلا أنها استطاعت تنظيم مجموعة من الأنشطة الثقافية والعلمية، الأمر الذي بوأها في فترة قياسية مكانة محترمة بين الجمعيات. والدليل على ذلك تلقي طلبات الانخراط فيها من خارج فاس ومن خارج المغرب من لدن باحثين وأكاديميين. ومن أهداف المركز ما يلي:
-إنجاز أبحاث ودراسات أكاديمية ودوريات محكمة مرتبطة بالعلوم الإنسانية، وبشكل خاص بعلم الأديان.
– نشر وإصدار دوريات وكتب ومجلات.
– تنظيم ندوات ومؤتمرات وطنية ودولية وأيام دراسية.
– عقد شراكات واتفاقيات على المستوى الوطني والدولي مع القطاعات الحكومية والهيئات المدنية والمؤسسات العلمية.
– ترجمة الكتب والمراجع العلمية
– تنظيم أنشطة ثقافية وفنية وأدبية تكرس قيم التعدد اللغوي وتعايش ألأديان وتحالف الحضارات والتسامح والتفاهم
– تنظيم أنشطة ذات بعد اجتماعي (حملات تحسيسية- قوافل طبية – جمع تبرعات وتوزيعها على مستحقيها – رحلات….).
– جلب دعم ومساعدات لفائدة الفئات الهشة.
والجمعية الآن بصدد إصدار مجموعة من المصنفات حول الأديان واللغات والأدب. ويكمن السبب وراء تأخر إصدارها في الظروف التي يمر بها العالم، كما أن مركز تنوير شارك ونظم العديد من اللقاءات والندوات والمؤتمرات عن بعد في شخص رئيسته أو أعضائه الذين كان لهم دور مهم في ظل هذه الجائحة حيث قدموا بحوثا مستفيضة ومهمة حول موقف الأديان من الأوبئة، والتي ستصدر قريبا في مؤلف جماعي، بالنسبة لانفتاح المركز على جمعيات أخرى، وتوسعه داخل وخارج الوطن، تلقينا طلبات من بعض الأساتذة لفتح فروع داخل المملكة. وقريبا سيكون لنا فرع في مدينة مكناس بشراكة مع الدكتور ياسين عمان، أما الشراكات والفروع الدولية فقد تلقينا طلبات من مراكز مهمة في مجال الأديان لكننا لا زلنا نتريث في هذا الأمر نظرا للظرفية التي يمر بها العالم، لكن هذا لا يمنع من أننا كمكتب مسير للمركز ندرس ملفات شراكات مع جمعيات في كل من إيطاليا وهولندا وسويسرا،

المجلة الثقافية: علم تاريخ الأديان وحوار الحضارات. هل توجد له كليات مستقلة في الوطن العربي ؟ وهل لكم علاقة وتواصل معها ؟ وكذلك في الكليات الغربية هل هناك منتديات أو ملتقيات لتبادل الخبرات؟

الأستاذة الدكتورة كريمة نور عيساوي:  حسب علمي لا توجد كليات متخصصة للأديان في العالم العربي على غرار الكليات في الغرب، هناك كليات للشريعة وأصول الدين أو كليات للاهوت التي قد تكون لها شُعب أو ومسالك مستقلة، وهناك ماسترات أو وحدات في مراكز الدكتوراه. نحن في المغرب لنا وضع خاص. إذ لا تفصلنا عن أوروبا إلا بضعة كيلومترات (14 كلم ما بين طنجة والجزيرة الخضراء)، وبلدنا يحتضن أعرق جامعة في العالم هي جامعة القرويين. لهذه الأسباب كلها فإن التعاون على أشده بين الجامعة المغربية والجامعات الغربية، ويتمثل ذلك في إبرام مجموعة من الاتفاقيات والبرامج التي تتيح من الجهتين حركية الطلبة والأساتذة. وإقامة الندوات والمؤتمرات المشتركة.

المجلة الثقافية : الدراسات والبحوث في هذا الحقل تغذي النواحي الفكرية والإبداعية فهل كانت لكم مشاركات وإصدارات في علم مقارنة الأديان ؟.وكيف ترون إقبال الشباب عامة على هذا العلم والتخصص فيها ؟ وهل يمكن أن يكون له مستقبل مع الأيام ؟

الأستاذة الدكتورة كريمة نور عيساوي: علم الأديان هو حقل بكر والبحث فيه غني ومفيد جدا خاصة إذا كان الباحث يتقن اللغات الأجنبية (خاصة اللغة الإنجليزية)، وعلى علم باللغات الشرقية القديمة، فإن ذلك سيفتح أمامه عالما شاسعا للبحث والدراسة، وقد أسهمت من جهتي في تقديم بعض الدراسات خاصة في مجال تخصصي الدقيق وهو الدراسات التوراتية. كما قدمت بحوثا مشتركة نُشرت على شكل مؤلفات جماعية ضمن فريق البحث في علم مقارنة الأديان، وقد شاركت وأشرفت على تنظيم العشرات من اللقاءات العلمية في هذا المجال إلى جانب أستاذي الدكتور سعيد كفايتي. وقد كان لنا قصب السبق في تنظيم أول ملتقى دولي للطلبة الباحثين في علم مقارنة الأديان ونحن في هذه السنة على أعتاب الدورة السابعة التي لم يُكتب لها الانعقاد بسبب بسبب جائحة كوفيد 19.
أما تفاعل الطلبة مع هذا التخصص فإننا نلاحظ إقبالا كبيرا في الآونة الأخيرة على الانخراط في بحوث حول الأديان نظرا للطفرة الإعلامية التي يعرفها العالم، وكذلك الرغبة في اكتشاف الآخر، و كذلك لفهم السياق الذي يجتازه العالم. لكن لا ننسى أن هذا الإقبال يتوقف على أمرين اثنين: الأمر الأول يجعلنا نتساءل عن المعارف التي يتلقاها التلميذ أو الطالب في مساره الدراسي. ومن المؤسف أن الكتاب المدرسي في كثير من الدول العربية لا يساعد كثيرا في إعطاء صورة موضوعية عن الأديان الأخرى، و لا يستلهم للأسف الشديد أمثلة حية من التاريخ الإسلامي التي كانت في وقتها نموذجا في التسامح والحوار والتعايش. الأمر الثاني هو الدور الذي يضطلع به الباحث من أجل تصحيح بعض الأفكار المترسبة في ذهن الطالب، و الباحث في علم مقارنة الأديان هو الذي يملك الأدوات المناسبة للقيام بهذا الدور.

المجلة الثقافية: مهتمة بقضايا المرأة، شاعرة وكاتبة قصة …مع تخصصكم في علم مقارنة الأديان كيف تجتمع هذه الشخصية ؟ ومتى اكتشفت الشاعرة القاصة ؟ وهل هناك من شجعكم على الكتابة ؟

الأستاذة الدكتورة كريمة نور عيساوي: لم تكن رحلتي مع الكتابة رحلة عادية فأنا لم أخطط للوجهة ولا ولم أحدد التاريخ… سافرت دون جواز سفر …على امتداد رحلتي القصيرة كنت أحاول لف الحروف بالورد، وسقيها بعبق الياسمين لعلها تستطيع يوما ما رتق ما هرب من درج الذاكرة التي شاخت، ولم تعد تتوانى عن تمرير الممحاة بسرعة على أجمل اللحظات.
قد تكون هنيهتي هذه نواة لأوجاع مشتعلة لا تخبو إلا بعد طي سنوات ضوئية، لكنني أحاول دائما تلوينها بشهقات فرح هاربة لخلق توازن داخلي كاد أن يُسقط إحدى كفتي ميزان الروح. فقد صُمت منذ زمن ليس بالقريب عن اجترار ما هضمته الأيام الخوالي من وجع مرير. لم تكن الكتابة الإبداعية إلا تلك الفسحة التي ألجها وحدي لإخراج الصوت المخنوق في داخلي، وتحرير الروح من سلطة القيد الصدأ الذي يُطبق على أفكارها، إذ أنه من السهل انعتاق الجسد من مختلف أنواع الأغلال لكن من الصعب تحرير العقول والأفكار وإطلاقها في سماء الحرية. الشعر والقصة بالنسبة لي هما الكوة الوحيدة التي أُطل منها وأنا مرتاحة البال، هو العالم الفسيح الذي أرفل في جنباته، وأتسربل بين حدائقه، وأحلق في سمائه الرحبة، هو مشيٌ بأقدام حافية في الحديقة الخلفية لا يتقنه إلا من تربى على التحليق فوق قطن السماء يلفه الصفاء والنقاء، هو الملجأ الذي ألوذ إليه لأحتمي من السيوف المهندة التي تقطع كل مورق يانع لا يَروق للبعض لاعتبارات إيديولوجية أو سياسية أو اجتماعية أو طابوهات مغلقة لم يتجرأ البعض على طرق بابها، أو ربما طرقها فزُج به في جحيم اللعنات، واحترقت القصيدة في طقس احتفالي مهيب. لقد كانت القصائد والنصوص القصصية دائما فسحة لمحبرة الحرف المتعب الملون بألوان الأنين، المصلوب على عمود الإقصاء، هي رحلة في الدقائق الهاربة من الذاكرة الماكرة… أو هي هروب من الصور المتناثرة أمام ركح الحياة… هي الرغبة في تمزيق صفحة الماضي، والارتماء في حضن المستقبل المبهم، إنها الغوص في هذيان الحروف. قصيدتي غضة وطرية عمرها عمر طفل داخلي بدأ يشاكسني بشقاوته منذ أربع سنوات فقط. لكن أعتقد هي قديمة قدم قدومي لهذا العالم، هذه الذاكرة تتمنع علي، تخونني كثيرا وتهرب مني عندما أرغب في مداعبتها، ودغدغتها لأنتزع منها اعترافا متى بدأت علاقتي بالقصيدة… ربما الشعر كان يكتبني دون علمي ودون حروف مشتهاة… فهو لم يترك لي المجال لأكتشفه بل هو كشفني للعيان دون إذن مني، بسطني في صورة دون إطار وعلقني في الهواء… كان زوجي ورفيق دربي الدكتور سعيد كفايتي هو مشجعي الأول، والذي كان يحثني دائما على تأريخ حروفي التي كانت مبعثرة هنا وهناك في ملف خاص، وذات يوم أتفاجئ به يفتح لي حسابا في الفيس بوك ويطلب مني وضع تدويناتي هناك وفعلا هكذا كانت البداية، أما في مجال الشعر فالفضل كله يرجع لشاعر يمني أكن له كل الاحترام والتقدير، فقد كان أول من بادر إلى جمع نصوصي ونشرها تباعا في مواقع متعددة سنة2016. ولما لقيت صدى طيبا، ونالت استحسان القراء والنقاد أخذت الأمر بجدية، وعدت لدراسة الأدب من جديد خاصة وأنني خريجة شعبة اللغة العربية وآدابها، وكان بحث التخرج حول المسرح الاحتفالي في المغرب. فأصدرت ديواني الأول سنة 2017 صهيل من فلوات الأرواح وهو ديوان مشترك مع الشاعر والصحفي المغترب خالد ديريك، من هنا كانت الانطلاقة. اليوم وفي ظل هذه الكارثة… كانت العودة إلى البيت والقصيدة والقصة بمثابة العودة لذاك الأنين المغيب على السطح أو المتجاهل من طرف الكثيرين. فقد كانت تُغطيه مباهج الحياة المصطنعة، أو الرغبة في تيسير الأمور لاستكمال المسير في سفينة الحياة.  فبعد تفاقم الوضع في الواقع المعيش وفي وسائل الإعلام من جراء الحجر الصحي في ظل جائحة كوفيد19 التي غزت العالم دون سابق إنذار، وجدنا أنفسنا فجأة في سفينة واحدة تلاطمها أمواج عاتية تثير في أنفسنا الرهبة والخوف من اللقاء، والتجمع، فكان البعد أمنا وحياة، و كان اللقاء موتا محققا. لذا كان الشعر والإبداع هو شراع المبدعين والكتاب يحاولون من خلاله توجيه السفينةـ والرسو ولو مؤقتا في بر الأمان، لذلك وجدتني أرغب في رفع النقاب المسدل، في برجي البعيد الذي كان يحجبني، وأخرج لألوح بديواني الثاني« بقايا امرأة» كما أنني للتو أغلقت نافذتي وأغلقت معها دفتي ديواني الأخير «خلف النافذة». وهي تجربة عشتها في ظل الحجر الصحي، وحاليا أرتب ألبوما للصور وهو تجربة جديدة أخوضها في الكتابة الإبداعية.
.
المجلة الثقافية: تنوع وسائل التواصل الاجتماعي وسهولتها في إيصال الفكرة والقصيدة والمقالة وأثرها على المتلقي كيف ترى ذلك الدكتورة ؟ وهل ساهمت في صناعات متلقي جديد ووسعت دائرة التأثير ؟
الأستاذة الدكتورة كريمة نور عيساوي: إن مواقع التواصل الاجتماعي سيف ذو حدين. من الممكن أن تصنع نجما في بضعة أشهر، ومن الممكن الإطاحة به في أقل من يوم واحد. هي صوت من لا صوت له. هي صحيفة خاصة يُطل من خلالها المبدع على متتبعيه، ينشر عبرها إبداعاته، صورا من أنشطته، ونتفا من حياته الشخصية. لذلك يجب التعامل معها بذكاء وبرقي كبير. فهي ترجمة فورية وأمينة لذات المبدع. والمبدع الحقيقي ينبغي في نظري أن ينأى بنفسه عن سفاسف الأمور. وأنا أومن أن البقاء للأصلح والأجود سواء في الإبداع أو في غيره. ولابد من الإشارة إلى أن بعض كبار المبدعين الذين كان لهم موقف رافض لمواقع التواصل الاجتماعي نجدهم مؤخرا ينخرطون فيها بقوة لإحساسهم بأن أسماءهم قد تفقد بعض توهجها إذا ما ظلوا في الخفاء. وربما قد يمسحون من الذاكرة لأن التردد على هذه المواقع يفوق بكثير قراءة الصحف والمجلات وأنا أرى بأنها حاليا هي المنبر الأول لتسويق الأدب بمختلف مظاهره سواء العلمية أو الإبداعية، وتكمن أهميتها في اللقاء المباشر مع القارئ والتفاعل الحي معه، واعتبرها وسيلة مهمة للتوعية والتغيير وهي بمثابة أرضية خصبة لاستنبات وعي جديد ورؤى مستقبلية، وقد لاحظنا في الآونة الأخيرة ارتفاع مستوى الوعي لدى بعض النساء من خلال هذه المواقع خاصة فيما يتعلق بالحقوق والواجبات،كما فتحت آفاقا واسعة أمام المتلقي لينهل من المعين الذي لا ينضب، فهذه الوسيلة متاحة للجميع، وحققت نوعا من المساواة في التواصل الذي كان حكرا في الماضي على الطبقة المثقفة داخل قاعات المؤتمرات والمهرجانات والكتب والصحف والمجلات، وهي بمثابة مؤشر للكاتب عن مدى تفاعل الناس مع إبداعاته وهل هو في الطريق الصحيح، لكن هذا لا يمنع من وجود بعض الانزلاقات التي يكون من ورائها بعض مرضى القلوب. وهذه ظاهرة لا يخلو منها أي مجتمع إنساني. إلا أنها تتخذ أبعادا أخرى في العالم الافتراضي لأن الكثيرين يتخفون تحت أسماء مستعارة أو يتمترسون أحيانا ضمن ما يسمى بالذباب الإلكتروني.

المجلة الثقافية: العالم كله اليوم يعيش ويتعايش مع جائحة (كوفيد 19) كورونا وقد تركت أثراً كبيراً في سكان الأرض ..فهل لها من إيجابيات على علم مقارنة الأديان ؟ وكذلك هل لها آثار إيجابية على المجتمعات؟ والمنتجات الثقافية ؟ وكيف ترين المستقبل ؟

الأستاذة الدكتورة كريمة نور عيساوي: لقد أشرت في حوارات سابقة أن جائحة كوفيد -19 استطاعت توحيد العالم كله تحت مظلة واحدة. ومن أهم إيجابياتها (إن كانت لها من إيجابيات) أنها أضاءت شعاع العمل عن بعد، وتجاوز كل المعيقات التي كانت سبباً في خفوته، وعملت على قهر الظرف الاستثنائي الذي عاشه العالم، وما أبعدته جائحة كوفيد-19 قربته التكنولوجيا، وجعلت العالم كله في كفة واحدة دون تحديد الشرق أو الغرب، بل عالم اتحد للبحث عن السبل الكفيلة لمواجهة هذه الآفة الخطيرة، فألغيت كل الحدود، وتوقفت أغلب النقاشات البيزنطية التي كانت دائرة، حتى الإرهاب توقف في هذه الفترة، وأغلب الحروب التي كانت مندلعة خفتت وطئتها في بداية الجائحة، وجعلت الإنسان بمفهومه العام يبحث عن الحلول، ويصارع الزمن من أجل إنقاذ الإنسانية جمعاء، فالجائحة لم تفرق بين إنسان غربي أو شرقي ولا بين أتباع الديانات التوحيدية أو الديانات الوضعية أو تيارات علمانية أو راديكالية…، واعتقد أنه حان الوقت لنستفيد من الدرس، وأن نكثف الجهود لمواجهة الحروب البيولوجية، وهي أشد ضراوة من غيرها من أنواع الحروب، ربما نجد بعض الإجراءات الاستباقية من لدن الحكومات في بعض الدول للتسلح لمواجهة الأزمة عن طريق بناء الاحترازات المضادة السباقة، وليس البحث عن الحلول اللاحقة كردات فعل..،. كما نبهت الدول وحرضتها على الاهتمام بالعلماء، ومراكز البحث العلمي خاصة في دول العالم الثالث، وتخصيص ميزانيات مهمة لذلك، ورب ضارة نافعة. قد تكون هذه الجائحة سببا في إنشاء مراكز للأبحاث والدراسات الاستشرافية. عوض مراكز اليقظة ومواجهة الكوارث. وقد تكون فرصة لتغيير الرؤية السائدة للثنائية القديمة الحديثة الشرق والغرب. اعتقد أن الجائحة كانت بمثابة امتحان حقيقي في مدرسة الحياة في مواجهة الخطر المحدق بنا، خطر غير مرئي يتربص بالإنسان أينما كان وكيفما كان، وقد كانت فرصة لجعل الشخص، بغض النظر عن لغته أو ديانته أو انتمائه الإيديولوجي، يعمل على إدارة حياته سواء في العالم الغربي أو العالم الشرقي في ظل ظروف ليست عادية. ويعمل على إيجاد البدائل في كل شيء. هذا فضلا عن التكاثف والتضامن والتطوع، والعمل بروح المجتمع الواحد أو لنقل العالم الواحد. من عادتي دائما أنني متفائلة بالحياة وأحبها وأرى أن هناك أملا مادام فينا عرق ينبض بهذه الحياة، أومن أن المستقبل سيكون جميلا بحول الله وأجمل ما فيه هي الدروس التي استخلصنها من هذه الجائحة، وهي أن الإنسان أعظم ثروة والاستثمار فيه هو أنجع السبل للوصول إلى بر الأمان، مع الجائحة تعلمنا أننا كنا نزهد في مجموعة من الأمور التي كانت بين أيدينا، وكنا نتركها تنفلت من بين أصابعنا، مثل اللقاءات الأسرية والعائلية مثل إهدار اللحظات الجميلة في المشاحات اللفظية والفكرية في الوقت الذي كان من الممكن أن نهتم بأمور أهم، مثل إهمالنا الطبيعة وتغولها علينا ورفضها مصالحتنا.
 

المجلة الثقافية: ما الطموحات والمشاريع التى تعمل عليها الدكتورة في مجال التخصص والأدب سوف ترى النور قريباً ؟

الأستاذة الدكتورة كريمة نور عيساوي:  كما أصرح دائما لا أحب الحديث عن أعمالي إلا إذا كانت قد تحققت فعلا، لكن أنا الآن بصدد الاشتغال على عمل تأسيسي كبير لعلم الأديان، يشارك فيه أكثر من عشرين باحثا متخصصا في علم الأديان بالعالم العربي، وهم من كبار المؤسسين لهذا العلم في الجامعات العربية والغربية، سيكون بمثابة تأريخ لهذه الفترة، ويمتد جغرافيا من المغرب إلى حدود لبنان، هي تجربة فريدة وقد لقيت استحسان كل الأسماء التي تشتغل في هذا الحقل المعرفي، المشروع يحتاج إلى بعض الوقت ليخرج في صورة تليق به. كما أنني بصدد انتظار الإفراج عن مجموعة من الكتب حول علم الأديان كطبعة ثانية مزيدة منقحة من كتاب التوراة رؤية من الداخل وإصدار جديد قراءات انطباعية لقضايا دينية ومجتمعية ،إلى جانب مجموعة من الأعمال الإبداعية التي ذكرتها سابقا.

المجلة الثقافية: ونحن نصل إلى أعذب لحظات المقابلة معكم وقد رحلنا في عوالم العالمة

الدكتورة الشاعرة الأديبة كريمة نور عيساوي ترغب المجلة الثقافية في كلمة ختامية لكم .

الأستاذة الدكتورة كريمة نور عيساوي: كإنسانة أتمنى أن تشيع ثقافة السلم والسلام والأمن والأمان وتعم كل العالم، وأن تعود حياتنا إلى سابق عهدها فتجربة الحجر الصحي علمتنا الشيء الكثير، أشكركم على هذه الفسحة في مجلتكم الغراء وسعيدة أنني كنتم معكم أشارككم هواجسي وهمومي كإنسان وكامرأة، وفي الأخير لا يسعني إلا أن أقدم لكم آيات الشكر والتقدير فضيلة الشاعر الدكتور سالم بن رزيق بن عوض، تحياتي والعبير.
 

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأيان على “الدكتورة كريمة نور عيساوي: كوفيد -19 استطاعت توحيد العالم تحت مظلة واحدة”

  1. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته…
    صبحكم الله تعالى بالخيرات والمسرات
    والفل والكاذي والياسمين
    كل الشكر والتقدير للبروفسورة كريمة عيساوي
    على هذه المقابلة الممتعةوالشيقة والتي رحلت بنا
    في سيرتها الذاتية الملهمة للشباب والشابات والشغف في
    طلب العلم والحرص عليه والتطلع الى الدرجات العلمية .
    وكذلك في علوم مقارنة الأديان والجهود المبذولة في المجال
    والإنتاج الأدبي لها وتطلعاتها في المستقبل .
    كل الشكر والتقدير للدكتورة كريمة نور عيساوي
    وكل الشكر والتقدير لمجلتنا الثقافية الجزائرية.

    1. بالفعل، انها انسانة ملهمة، وباحثة جادة. كيف لا تتاثر بالعلم، والمعرفة، والبحث، وزوجها من اهم الباحثين في مقارنة الاديان. تحية تقدير واحترام للدكتورة، ولزوجها الدكتور، سعيد كفايتي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق