قراءات ودراسات

تونس الحُبُّ

إعداد الدكتورة زهرة سعدلاّوي كحولي

1. يا طاغيا ما جبت في أرضي و لن *** فــالــعز فــي أرضــي لــها طــول الــزَّمنْ
2. والــمَجْدُ يـَـسْري فــي دِمـَـاء شُعُوبِنَا *** نـَـأبــَى الــهـَـوَان ولا يـُـنــاجينا الــشجنْ
3. مــن أيــن جئت لتستبيح مَدَامِعِي *** كــالــنَّصْلِ فـــي قــلبي يــَخْضِبُه الــدَّرَنْ
4. ســتــعود أوردتـــي تـُـعَانِقُ عــزّها *** وتــَــثـُـور ألــحـَانـِـي يــُــرَدِّدُهــا الــزَّمـَـنْ
5. وتسيح أشعاري على طول المَدَى *** فــَــخــرًا بــأمـْـجـَـادِي بـَـسـْـرِي والــعَــلنْ
6. فــبـَـيَارِقُ الــعِزِّ الــتي رُفـِـعَت هــنا *** سَــيَصُونُها الأبــطال مــن فـَـتْك الــمحنْ
7. سنعيش في كنَفِ الحُمَاة وعِزِّهم *** لا لـــَنْ نــَخـُـونَ وشَــعْــبَنَا يــَأبَى الــفِتَــــنْ
8. والــعَابثون نـُـذِيقُهم طــعْمَ الرَّدى *** نــبـْـني قــصـُـورَ الــمـَـجْدِ نـَـجـْـتَاحُ الــمدنْ
9. والــظـّـالمون نــردّهم أدْنـَـى الــدّنى *** والــحــاقـِـدون نـُـذيــقُهم مـــاءً أسـَــنْ
10. يــا زهــرة الأوْطان يا بدْر الدُّجَى *** يـــا تــونسَ الــخَضْرَاء يــا أغْــلى وَطــن
11. سَــتهابُك الأوْغادُ يا أرْض الهُدَى *** فــالــدِّين أصــلا فــي حـُـشَاشَتِنَا سـَـكنْ
12. والأمـْــنُ يــرْعــَاك الــحَنِينُ يـَـشُدُّه *** فــي أرْضــنَا كَــمْ مـِـن شَــهِيدٍ قــَدْ دُفِنْ
13. مــِنْهُمْ رُعـَـاةُ الــحَقِّ لا مـَـا هـَـمُّهُم *** إلا الـــبــِـلاَدُ وحــُكـْـمُــهَا والــمُــؤْتـَـمَنْ
14. أهْــدِي دِمـَـائي فــي سَبيل رَخَائِها *** كـُـلُّ الــدُّرُوبِ بـِـعِطْرِهَا نـَـبْضِي كـَـمَنْ
طـــــــــاهـــــــر مـــــــشـــــــي

البحر الكامل
“تونس الحبُّ”، دراسة تحليليّة نقديّة، للشاعر التونسي، الدكتور، طاهر مشي
إعداد الدكتورة زهرة سعدلاّوي كحولي

المدخل
لا يَخلُو خطابٌ أدبيٌّ نثريٌّ أم شعريٌّ مْن حِوارٍ يُعانِق مُسْتوِيَات أخرى مُتعدّدة، وهي تقنية سمّاها النُّقادُ عُمُومًا بـالتّناصّ، أقرَّها “باختين” عندما تحدّث عن “تعدّد الأصْوات في النّصّ. ذلك أنّ الرّاوي في روايته، أو الشّاعر في نصّه الشّعري يسْتخدم تَعَدّد الأصواتِ، شَعَرَ بذلك أم لم يشعر (Polyphone)، وهذا ما تمَّ وقوعُه في قصيدة “تونس الحبّ” للشّاعر التّونسي “طاهر مشي”، خِطاب شعريّ، يَتوفّر على مُقوّم فنيّ تتفاعل معه النّفوسُ وتستطيب فيه مَواطنُ الجمالِ، وتسْمُو به من سطحيّة بنية الكلام إلى عُمقه بلاغةً وصُوَرًا، وتمثّلا في التنَاصّ، ألمْ يكن القوْل الرّفيعُ عند الجاحظ مُرتبطًا بكيفيّته: لا بِمَضمُونه؟ “المَعاني مُلقاة في الطّريق يَعرِفُها العربيّ والأعجميُّ…وإنّما الشّأن في إقامة الوَزْنِ وتخيّر اللفظ وسُهولة التَّخرُّج وجَوْدة السّبك، فإنّما الشِّعرُ صِنَاعة وضرْب من النّسِيج وجنْس من التَّصوير”(الجاحظ، الحيوان3،:131-132)
اشتمل قصيد “تونس الحبُّ” على أربعةَ عشر بيتا من البحر الكامل ، ويُعدّ هذا البحر من البحور “الصّافية”، وهو دليل على خفّة النّظم فيه، وطلاقته. والقصيد نُونِيَّة، انتهت قافيتها بحرفٍ يَخرج من قرع طرف اللّسان، ويُصاحب هذا القرع غُنّة من الخيشوم. فهو حرف مَجهور مُنفتح، بين الرَّخْوِ والشّديد، فإيقاع القَصِيد يُترجم حقيقة عن مَعَاني البَحر الكامِل، التي يدور حولها القصيد مثل مَفهُوم “الزّمَن”، ومعاني “الشّجن”، وأحزان “المِحن”، وخطورة “الفتن”،إلى آخره من المَعَاني الحَافَّة، ولكن ما يَهُمُّنا في بَحثنا هذا هو مَدى تحْقيق القصيد لشِعْريّة القول اللاّفت على مُستوى الدِّلالاَتِ الحَافّة بسَطح القوْل وعُمْقه. تدورُ مَعاني القَصيد حول ثَلاثة مَحَاور أسَاسيّة، وهي كالتّالي:

1- بنية القصيد القائمة على تعدّد الضّمائر، والتَّكثيف من الاسْتعَارَات
2- التناصُّ
3- المعجم اللغوي، شعريّة القصيد، دلالاتها، ثم الخاتمة.
سوف نتوخّى في تحليلنا للقصيد المَنْهَجَ البنيَوِي، ونستعين بالمنْهج السّيمْيائي في مُلامَسَة الدِّلالات الحَافة بمُعْجَمها اللّغوي.

1-بنية القصيد القائمة على تعدّد الضّمائر، والتكثيف من الاستعارات

تتصدّر ضمائر الــ”أنا”/ والـ”نحن”، والــ”أنت” مِحورَ الخطاب في هذه القصيد المَوْسُومَة بعنوان “تونس الحبّ”، والتي تدُورُ مَعانيهَا حوْل النّقاط التالية:

– عزّة الوَطن من عزّة أهله، وعلوّ شأنه مَسْؤوليّة شعبه، وبقاء ذكره رسالة يَحمِلها كلّ وطنيّ صادق.

– فداء الوطن بالرّوح واجب على كلّ فرْد نشأ وتَرَعْرَع بين أحضان بلاده، فحُبّ الوطن والوَفاء له، وعدم الغدر به قيمة باقية خالدة، فالوَطن لا يباع ولا يُشترى، فهو تِيمَة تُزيَّنُ بها الجِبَاه، وينبوعُ حُبٍّ يسْكن النّفوسَ ويَرْوِي القلوبَ ولا يَنْضبُ.

– أنا أحبّ وطني فأنا موجود، أنا وفيٌّ لوطني، لا أخونه، ولا أبيعه، فأنا والوطن باقيان، يقول ابن الرّومي:

“ولي وطن آليت ألاّ أبيعه ++ وألاّ أرى غيري له الدّهر مالكا)، لذلك يُضحّي الوطنيّ الصّادق بنفْسِه فداءً للوطن، ولن يكون هذا إلا شُعُورًا جامعا مُنغرسًا في حبِّ الجماعة.

ومن هنا خلدَت قصائدُ مَنْ تغنّى بحُبّ الوطن:

“ومن يَظلم الأوْطانَ أو يَنس حقّـها

تحبّه فنونُ الحادثات بأظلــَــــــــم”

“سَلمْت يا مَوْطنَ الأمْجاد والكَرَم”

“سلمْت حامٍ لهذا الدّين يا وَطَنًا

سَمَا به المًجْدُ حتّى حَلّ في القِمَم”

إلى آخره مِمّا قيل في حُبّ الوَطَن والتَّغنّي به.

ثمّ إنّ القصيد يَرْزَحُ بزَخَم هائل من العبارات التي تتكثَّف لتُبْرز المُسْتوى البلاغي والدّلالي للنّص الشّعْرِي، فتتفرّع مثلا عن الوطن قائمة متنَوِّعة من الكلمات مثل:” العزّ والمَجْد، والرّفعة، والوفاء…” يكون هذا في حالات الإيجاب، أمَّا إذا حصل التّضادُّ فإنّ جُملة أخرى من الأضْداد تكون مُعبّرَة عن مَعاني الخيانَة، والوَضاعَة، والظّلم والاستبداد، والحِقد والعَبث بمصْلحَة تونس.

وخصّ الشَّاعر المَقطع الأخير بأبيات تتغنّى بِجمَال الوطن، وتقديسِه إلى حدّ السُّموِّ به إلى أعْلى مَراتب الرِّفْعَة والعُلوّ فأطلق عليه تعبيرا استعاريّا شامِلا هو “زهرة الأوطان”. وذلك كناية عن الذِّكر الحسَن، والبروز البَاذخ، وما هذا التغنّي إلا تعبيرا على وطنيّة الشّاعر، وصدقه في حبّه له. فالأرْضُ ترجمة عن الوطن الذي من سماته العزّ والمَجْد، والأنَفة بلا هَوَانٍ، ولا شَجن. سِمَات ضارِبَة في التّاريخ، مُتمَرْكزة فيه.

بُنِي القصيد على كثير من الصُّور الاسْتعاريّة، والمَقاطع ذات الشّجن المُستمدّ من النّون الخيشوميّة، ذات الغُنّة اللافتة، مِمَّا يُقوِّي في إيقاع القصيد، وصوره الشّعريّة، أمّا التنَاصّ الخارجي فلقد اخترنا منه التّناصّ الأدبي، والمرجع التّارِيخي.

و تُعتبر الاستعارة في هذا القصيد بالذّات جزْءا من الخطاب البلاغي، وهي على حدّ تعبير جاك دريدا (Jacques Derrida) مًجازٌ يقوم على نَقل المَعْنى من إطار مُشخّص إلى آخر مُجرّد.وقد سبقَه إلى ذلك عبد القاهر الجرجاني عندما يقول:”ليست الاستعارة نقل اسم عن شيء، ولكنّها ادّعاء معنى الاسم لشيء، فالاستعارة إذن تشبيه حذفت كُلّ أرْكانه ما عدا المُشبّه به” (عبد القاهر الجرجاني، دلائل الإعجاز، ص 114-115، انظر أساطير الصحراء، ونداء الحرية م. س. ص.207، ) واتخذها في العصر الحديث كثير من الأدباء والشّعراء أسلوبا يطبع كتاباتهم، مثل الرّوائي إبراهيم الكوني الذي أطنب في استعمالها لغة تعبير لرواياته، والاستعارة طريقة فنّية تحضر بقوة في الأعمال الأدبيّة مثلما الأمر بالنسبة إلى القصيد موضوع بحثنا، ويضاف إلى الاستعارة تعابيرُ أخرى مَجازيّة، ورَمْزيّة.

نستنتج أن القصيد قد سيطرت عليه ظاهرة الاستعارة، ممّا عمّق البُنَى التي تفجّرها مَعاني القصيد، إضافة إلى الأبعاد الظّاهر منها والخفيّ، ثمّ إنّ الاستعارة في النّهاية تصنّف حسب صاحب كتاب “الصّورة الفنّية” بــ”الاستعارة الحيّة التي تقدّم للمُتلقّي علاقة مُتبَادِلَة ، تقوم على التفاعُل الدّائم بين طرفين، خلافا لما سمّاه بالاستعارة الميّتة (التي) تجْمُد فيها العلاقة وينعدم داخلها التّفاعل”.(جابر عصفور،الصّورة الفنّية في التراث النقدي والبلاغي عند العرب المركز الثقافي العربي،ط.,2 1993 ص.247) .

وليست هذه القصيد إلاّ فنّا آخر من فنُون القول في الوطن، لذلك نقف على عديد المَحاور التي تتعالق فيما بينها حول كثير من المَسائل، وذلك ما سنتناوله في محور التناصّ، ومدى تأثيره في معنى القصيد وشعريّته.

2-التّناصّ

يَحْتكم الإبداع، أيُّ إبداع إلى سلطة المُؤلّف المَعْرفيّة، والتي تستدعي عندما تكتب أصواتٍ سواء علمت بذلك أم لم تعلم فتتداخل وتتقاطع مع النّصّ المَتن. وتسَاهِمُ بالتّالي مُسَاهمَة فاعلة في إنتاجيته. فليس هناك نَصّ مَخلُوق من عدم، فأليْس النّصُّ في نظر “باختين”، تنوّعا للّغات، وأحيانا للّغات والأصوات الفرديّة، تنوّعا مُنظّما أدبيّا.هذا في الإنتاج الرّوائي، ويحسب كذلك في القول الشّعري. كما أنّ النَّاقدة البلغاريّة “جوليا كريستيفا” تعتبر هذا النصَّ “أداة تتوسّل اللّغة وَتعيد ترْتيبَها كي تقيم عَلاقة بين ما هو كلام إبلاغي مُباشر وأقوال مُختلفة سابقة له، أو مُعاصِرَة.”

نتناول في قصيدنا هذا نوعا من التنَاصّ، نعني به التنَاصّ الخَارِجي، فقد كان يُمكن للشّاعر أن يترك قصيده بلا عنوان ليشدّ انتباه القارئ أكثر، وليُعمّق البحث لديه على أنّ غياب عنوان للقصيد جاء قصدا وأنّ المُترادِفَات الحافّة بعبارة وطن، تَتناصّ مُباشرة مع المُركّب الإضافي ” يا زهرة الأوطان” الذي ورد ضمن الخمسة أبيات الأخيرة ، ولكنّ الذي حصل أنّ الشّاعر فضّل اختيار المُركّب “تونس الحبّ” عنوانا لقصيده، وهو عنوان شامل يجمع بين الأرض، وفيحاء الزّهر، وبين بدر الدّجى، وتونس الخضراء، وهي ثلاث صور مُتكاملة شَكلا ومَعْنًى، أي جمالا وقيمة. ولعلّه لذلك أضاف صيغة التفضيل “أغْلَى وطَن”، وهذا يُوضّح قيمة الوَطَنِ ومَنزلته الرّاقية ما بين الأوطان. فليس هناك تعبيرٌ أكثرَ شمُولا، وأعمَقَ من أن يَجمع الشَّاعر في قصيده بين الأرض، وجودًا مَادّيًّا والحبِّ قيمَة ونبلا لا يُقاس بمقياس مادّيٍّ مَحسوس. هذا هو الوطن في عناق أبدي لميزان الحبّ، والقيمة.
أمّا في البيت الحادي عشر، فقد أورد الشّاعر جملة جواب النِّداء مُرَكّبا فعليَّا مُقترنا “بالسين”، قرينة لفظيّة تفيد قرب وقوع الحدث “ستهابك الأوغاد”، أي أنّ الوَطن سيكون بمَنْأى عن أيّ اعتداء يُفكّر في اقترافه ضدّه التّافهون واللّئام، والسّفلة، والوُضعاء، ومن لا ضمير لهم، وإن عمّقنا المَعْنَى قلنا هم المُنْحَطُّون، صفات تدلّ على صفاقة المَوْصُوف، ومع ذلك فهؤلاء برغم ما أوتوا من ضمير مَيِّت فإنّهم يهَابون هذا الوطن ويخشوْنه. وهكذا وضع الشّاعر الوطن في مرتبة عالية جعلته مُهَابًا على الدّوَام.

وبعْدها يُكثف الشّاعِر من الاسْتعارات فيَجعل من تونس “أرض الهُدَى”، وهذا يُحسب على التناص الديني إذ يُفيد المُركَّب الإضافي ماضي تونس الدّيني، أَلَمْ يَكن هذا البلد مَزَارَ العبادلة السّبعة ! والفتوحات الإسلاميّة،(643-709) ومَنبَت الإمَام مالك بن أنس(تــ795) صاحب المَذهب المُعْتدل، والذي غايَتُه النّظر في القضايا الخلافيّة بالتَّفَاهم بين النّاس جميعا باللّينِ، وفضّ النِّزَاعات بينهم بالحَقِّ، والعدل. وما إيراد الشّاعِر المُركّب الإضافي “أرض الهدى” إلا دليل على التشبّع بهذه الحقيقة التي كانت مَحَلَّ رضىً من قبَل كثير من العلماء، ومثالنا على ذلك ما ورد في كتاب “ذكريات علي الطنطاوي” عندما قال في الحلقة 225 بعنوان: “لبيك اللَّهُمَّ لبيك”:

“فتيقّنوا أن قد رأوا أرْضَ الهُدَى ++ ودَنَا الوُصولُ فهَلّلُوا وتَضرّعُوا

وتجاوبَت تلك البطاحُ بقوْلهم ++ لبَّيْك ربِّي أنصِتوا وتسمّعوا”

إذن هناك تناصّ بين المَرْجعين، صاحب قصيد “تونس الحبّ”، وما ورد في كتاب “ذكريات علي الطنطاوي”، وهذا دَليلٌ على أنّ الدّينَ مُترسّخ في هذه البِقاع منذ أمدٍ بعيدٍ.

أمّا التّناصّ الأدبي، فهو تداخُل النّصّ الشّعْري على مُستوى مُعْجَمِه اللّفظي مع قصائد أخرى يُمْكن استدعاؤها عبر شواهد من تاريخ الأدَب العربي قديمه وحديثه، فمَن من القرّاء مَنْ لم يَهتزَّ لشعر “المُتنبي” الذي “ملأ الدُّنيَا وشغل النَّاسّ” واشتهر بمعجم لغوي رَدّد فيه كلمات عميقة ولافتة مثل “المجد”، “العزّ”، الكرم، تعابير أخرى عاند بها الدَّهْرَ، وحارب المَصَاعب ليثبت بأنًا قويّة مُتضخّمة أنّه المتنبي “الذي نظر الأعمى إلى أدبه، وأسمعت كلماته من به صممُ”، إضافة إلى نَمَاذِجَ أخرى من شعراء العصر الحديث، فقد يبدو شاعر “تونس الحبّ” قريبا جدًّا من “أبي القاسم الشّابّي”، بل هو مُتأثّر به خصوصا عندما يتعلّق الأمْرُ بالردّ على الظالمين والمُستبدّين، فإن تغنّى الشّابّي في الأمس البعيد بــ”تونس الجميلة” فإنّ شاعرنا اليوم يتغنّى بــ”تونس الحبّ” مُتعَمّقا في القيم المُطْلقَة التي تسْمو بالوَطن وترتقي به إلى المَعالِي إلى حدّ معه يُصبح “زهرة الأوطان” و”أغلاها”، صورة جَمَالية مُكتَمِلة، وصيغة تفضيل تسْطعُ بنَجْم تُونس إلى أعلى المَراتب، وأفْضَلِها.

ويتقاطعُ المُركّب الإضافي “زهرة الأوطان”، مَقطعا لفظيّا مع ما ورد في أغنية مَشهورة للصوت الملائكي، والكلام المُلتزم بحبّ الوطن، إنّها “فيروز” الأيْقونَة بغنائها عن القُدْس، ومن ورائها الأخوان الرّحباني عندما وصفوا القدس استعاريّا بـــ “زهرة المدائن”، نفس المضاف “زهرة” مُكرّر في المَقطَعَين، إلاَّ أنّ “فيروز” ربطت الزّهرة بالمدينة ومن ورائها يوجد وطنٌ مَسلوبٌ مَجرُوحٌ نعني به فلسطين، وارتبطت الزّهرة عند شاعر تونس بسمتين اللّون، والقيمة، فتونس “الخضراء”، تصبح “أوطانا”، وهي ليست مدينة، فقط، ولا وطنا مفردا، بل هي جمع في صيغة المفرد.

تتكرّر ياء النّداء خمس مرّات، وهو”إنشاءٌ طلبيٌّ يُسْتَعمَلُ في الأصل لطلب إِقْبَال السّامعِ أو تنبيهه بحَرْفٍ يقومُ مقامَ “أَدْعُو”، ويفيد مدى قيمة المنادى وهو الوطن عند الشاعر، ومن ينشد إليهم القصيد. كما أنّ الشّاعرَ أحبّ أن يُظهِر تونس في صور حافلة وعديدة، هي بدر ينير الكون، (الإضاءة)، وهي خضراء (اللّون) تزيّنه بأشجارها وأزهارها وشذَى عطرٍ يَمْلأ الكوْن حبّا وجمالا. ويَتسَامَي بصورة تونس مُستعملا صيغة التفضيل كي يعلن أنّها غاليَة عليه، وهي باستعمال “بل”(أغلى وطن) تفيد تقوية المعنى، وتأكيده.
هذه هي تونس في عيني شاعرها المعاصر الذي يبدو مَشحُونا بثقافة لا بأس بها، كما أنّ لغته جاءَت سلسِلَة، مِمَّا مَكّنه من مُعالجة ما يُخالج صدره بأرْيحيّة وعُمْق. فهو يَملك العديدَ من المَرجِعيّات ، مُعجما وأعلاما استدعاهم من مرجع ديني، وأدبي، ومن التّاريخ والسّياسة. فالشّاعر مُتأثر بمن سبقه من شعراء تونس الذين تغنّوا بها أثناء الحركة الوطنية، ودافعوا عن حرمتها وعزّتها، وعن شعبها، أمثال الشاذلي خزندار الذي يقول في الأبيات الموالية:”

يا أيّها الشّعب الكريم تيَقظا
هبت رياحك والزمان مواسي
كن في المبادئ صادقا وافتح لها نهج الثبات وأعين الحرس

وإن توسّعنا في المعاني قلنا إنّ تونس عرفت عبر التاريخ علماء مثل عبد الرّحمان بن خلدون (العدل أساس العمران البشري)، سبق في علم الاجتماع العالمين،Auguste Comte(تــ1857) Durkheim Emilé(تــ1917) وكذلك تفتخر بتونس على امتداد التاريخ بقوادَ حرْبٍ باذخين يُحْتذى بهم أمثال “حنبعل” الذي حقّق مكانة فريدة في الاستراتيجيات الحربيّة، طريقة تدرّس في الجامعات العالميّة؟

وإن واصلنا قراءة التاريخ قلنا إنّه يُحسب لــ”مالك بن أنس” التضلّعَ في الفقه الديني المُعتدل. فهؤلاء لم يجعلوا من تونس “زهرة الأوطان”، فقط، بل مصدر فخر، وعِزّ وتباهٍ. فكلّما أصاب الزّمن تونس وأجْبَرتْها مكائِدُ الدّهر وجَوائِحه على أن تُطئْطِئ الرّأس، إلاّ ووجدت في ماضيها ما يَرْتقُ الصَّدْعَ، ويُداوي الجُرْحَ. فيكون للحاضر بلْسما وللمُسْتقبَل دليلا.

3-معجم القصيد، اللغة وأهمّ الدلالات

يقوم مُعجم القصيد اللّغوي على التَّعدّد، وعلى التَّكثيف من المَجاز مُمَثلا في تراكيب استعاريّة جاءت مُتفرّقة في كامِل القصيد، و”المجاز لغة هو التّجاوز والتّعدّي” والمجاز اصطلاحا هو استعمال اللّفظ في غير ما وضع له”.والاستعارة في النّهاية هي “مجاز لغويٌّ علاقته المُشابَهة”، وكأنّ التَّكثيف من الاستعارات في هذه القصيد جاء ردّة فعل لما نعيشه اليوم شعبا ووطنا من أحداثٍ وصراعاتٍ ، وتجاذباتٍ سِياسيّةً، وانفلاتا في ضبط النّفس، وجهْلا بمسْك أمور الدَّولة، والقدرة في التعامل معها، ومُعالجَتها في إطار مُرَاعَاة الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة، مِمّا أدّى إلى اختلافٍ في المَواقف، ولعلّ هذا الظرف يُحفّز السّاحة الأدبيّة والفكريّة ويجعلها ترزح بفيض من خصوبة القول، وتنوّع المَواضيع، أليست المَعَاني كما قال الجَاحِظ من قبلُ مطروحَة على الطّريق والمُبدع يَتخيّر منهَا ما يَسْتجِيب إلى اختياراته، ويُشْبِع نهمه في التعبير وتصوير الرّؤى والمَواقف !.

عرفت تونس رجالا عظماء، لمعوا في سمائها، بل هم شخصيّات عزّزوا التراث الإنساني عندما اقترن اسمهم بحبّ الوَطن، وهاهو شاعرنا يأبى إلاّ أن يضيف اسمه إلى هذه القائمة لما تجلبه من انتباهٍ للباحث الذي يعيش الإحْساس نفسه، والحبَّ ذاته.
نذكر مثالا على ذلك شاعرنا الفذّ أبا القاسم الشابّي الذي انتصر للثورة يتغنّى بكُلّ القيَم التي تَبْنِي وطنا وترسم صورة شعْب فذٍّ، يبدو ذلك واضحا من خلال تلك اللوَاعِجِ التي يَبُثُّها لتونسه مُعبِّرا تُجاهَهَا عن حبِّه وعمق أحاسيسه:
أنا يَا تونس الجميلة في لجّ الهَوى +++ قد سَبَحْت أيّ سبَاحه
شِرْعَتي حُبُّك العمــــــــــــــــــيقُ +++ وإنّي قد تَذوّقت مُرّه وقَرَاحَه
ولعل المُركّب النعتي “تونس الحبّ” يتقاطع مع ما جاء في الأبيات ( 10-11-12) من معان تخلق تناصًّا بين ما في “زهرة الأوطان” الحافلة بالمَجْد والعزّ ماضيا، والتي تشْكو حَاضِرًا مُتصَدّعا ومُهَدّدا بالإرْهاب والفتنة، والانشِقاق. وما يُجَسّمه القَصيد من حُلمِ الشّاعر بأمْنٍ يسودُ وجرْحٍ يندملُ، فالتّناصّ الخارِجِي أورده الشّاعر رِغبَة منه في تحْقيق السُّموّ بـــ”زهرة الأوْطان” إلى أعْلَى المَراتب.

“فالعزّ في أرضي لها طول الزّمن”…

والمجْدُ يسْرِي في دِماء شعُوبنا

نأبى الهَوانَ ولا يُناجينَا الشَّجنْ.”

يُشير الشّاعر في هذا المَقطع بالذَّات إلى العدوّ، أيّ عدوٍّ يقوم بأعْمال تُسَاهِم في إضعاف الوَطن والمسّ من مَجْده الذي يحمله الشَّعب في دمه ولا يستغني عنه، أليس لهذا الوطن تاريخ مَجيدٌ ورجال عملوا على إعلاء صورته بين الأمَمِ !، ولذلك اكتسبت حركة القصيد نوعا من الهدوء الذي يَسبق العاصفة، فالحركة تبدو هادئَة وفي نفس الوقت فَإنّها في العمْق ثائرة ومُتمرّدة على الظلم والهوان، وخيانَة الوطن، معان عميقة تترجمها غُنَّة نون القافية، متجلّية في كلمتي محن- فتن- ماء أسن على سبيل المثال… كذلك نسْتشف من خبايا القصيد جدليّة بين الموت والحياة، فالوطن باق، والخونة مصيرُهم الموت والانتهاء (بــ9…)

جاءت القصيدة في علاقة توضيحية مُباشرة للعنوان الأصل فتَضخَّمت “الأنا” ولعَلَّ ذلك نتيجة الصَّدْمَة التي أصيب بها الشّاعر، نظرا للحالة التي يعيشها الشَّعْب، ووصلت إليها البلاد اليوم، فهناك إيحَاءات إلى الوَضع الاقتصادي الهَشّ الذي تدَهْور إلى درجة معها أصبحت البلاد مُهدّدة بالإفلاس، ثم إنّ الانْفلات في الوَضع في وقت من الأوقات مثل غياب الأمْن، والإرْهاب الذي طالت يدُه الأبرياء من أبناء الوطن، وسدّدت ضربات مُوجِعة ومُؤلمة لسِلكَي الجيش والحرس الوطني، ممّا جعل الدّوْلة العَميقة تضعف وتظهَر مُوازاة لها دولة أخرى تتمتع بقوة اقتصادها ونفاذ السّاهرين عليها والمُسَيّرين لها، ويعود الشَّاعر إلى أناه المُتألّمة فيحْصر الاستفهام لمخاطب عدوٍّ (بــ3…) مصوّرا في نفس الوقت “أناه” المتألّمة والرّافضة والثائرة في نهاية الأمر:
“من أين جئت لتستبيح مدامعي
كالنصل في قلبي يخضبه الدّرن؟
ولكن سرعان ما يجتاحه شعور دافق بالأمَل في مُستقبل مُشرق، ومَجد باق، وتاريخ عظيم:
ستعود أوردتي تعانق عزّها+++وتثور ألحاني يردّدها الزّمن
وتسيح أشعاري على طول المدى+++ فخرا بأمجادي بسرّي والعلن…
وما يُمكن الإشارة إليه أن يحضر في القصيد إضافة إلى لغة الحرْف، لغة أخرى نعني بها لغة الألوان، فقد كتبت القصيدة باللّون الأسود وغابت عنها ألوان قد يَسْتشفُّها المُتلقّي عندما يَغوصُ في عُمْق ما بين الكلمات ليقف على ما يشي بلون هنا ولون هناك، فيستحضر اللَّون الأحمر في كلمة “دماء” وقد تكرّرت مرتين (بـ3-14)، ثمّ إنّ اللّون الأخضر خصيصة من الخصائص التي عرفت بها تونس على الدّوام، “يا تونس الخضراء” (بــ10). كناية على الرّخاء وازدهار الحياة.
ولتدقيق هذه الصُّوَرِ تحضر طبعا في القصيد حواسّ كثيرة مثل العين (رؤية الألوان)، والأذن سماع الأصوات (بــ2= ولا يناجينا الشَّجَنْ)، والشمّ (شم الرّوائح، “ماء أسن” بمعنى مُتغيّر اللّون، بمعنى رديء فاسد، راكد. ولعلّ هذه الصّور من شأنها أن تعمّق أنّ الوضع في تونس قد تعفّن، وصار مَريضا خلال هذه المرحلة الانتقاليّة ما بين الدكتاتوريّة والديموقراطيّة، فليتهم يفهمون، معنى آخر نستجليه من “الدرن (بــ6) وهو مرض السلّ، المُعد والقاتل…
إذن جاء المُعجم اللغوي ليعمّق الوضع المَأسَوي الذي يُهدّد البلاد بالتَّهاوِي والسُّقوط، مستعملا قائمة من الألوان القاتمة، وما يحيط بالأفعال من دلالات حافة توحي بالخطورة والحزن. توزّعت أدوات الربط في قرائن لفطية وأخرى معنوية، الواو، والفاء، والسين ولام النفي، ولام النهي، وكاف التشبيه، وياء النّداء، والمقاطع المبدوءة بجمل فعلية تقريريّة، وأخرى اسمية بدئت باسم فاعل(العابثون-الظالمون-الحاقدون).
تصوّر الأفعال حركة الذات الشّاعرة، مِمَّا يَجعلها تكتسب صفات البطولة، بطولة الشخصيّة المناضلة مُقترنة بضمير “نحن” ليصبح الوعي والنضال عملا جماعيّا، وهكذا يكتسب الزّمن بعْدَ المستقبل، فالفعل في صيغة المضارع خال من قرينة لفظيّة، أو مقترن بالسين الدّالّة على قرب وقوع الحدث، والتي تخبر عن تطلّع الذات الشَّاعرة إلى آت أفضل.
إذن يتعالق زمن الكتابة مع زمن القراءة ليخلِقَ في المُتلقّي أملا في المستقبل وانفراجا في الذات المُفرد والجمع(أنا/نحن) ولعلّ هذه الأجواء تؤسّس لمستقبل الوطن الذي نعته الشاعر بــ”زهرة الأوطان”.
تسيطر على القصيد ظاهرة التّكْرَار فلقد تكرّر النّداء خمس مرّات الأبيات:1-10(2= صدر+ عجز)، كما تكرّرت الأفعال المَنفيّة بلا ولن (البيت 2-7)، و”قد يدعّم (هذا) سرعة نسق الأداء الصّوتي، انبناء الخطاب على المؤالفة بين أصوات مكرّرة ومتشابهة أو مُتجانسة.” نعم هناك حركة زمنيّة للأفعال، وللأقوال تتكرّر في هذا القصيد بكلّ أريحيّة وتمكّن من القول.
تعمل المرجعيّات الدلاليّة في القصيد على إثارة قوّة الانتماء والافتخار بمجد الأوطان وعزّتها (يا زهرة الأوطان)، جمالا في المظهر، وعمْقا فيما بين براعمها ؟ عبر التاريخ، والحضارة، والثقافة الخالدة مِمّا يبوّئ “زهرة الأوطان” بعدا كونيّا، يرتفع بأعلامها إلى مَصافِّ الشّخصيّات الإنسانيّة الخالدة: ابن خلدون، وحنبعل، وعلّيسة، وعزيزة عثمانة، فمَن مِن المؤرخين يقدر أن يبخس “زهرة الأوطان” هذا الحقَّ المُطرّز في تاريخها بنقش الحجارة، وعُمْق السّطور المكتوبَة على رُفوف أرشيفها الخالد الذكر.

الذّات الشاعرة
كما أنّ صوت الشّاعر تتجاذبه مَوْجتان، مَوْجَة الفخر التي تلتقي ونفسيّة المُتلقي فمن مِن قرّاء هذا القصيد من أبناء تونس لا يستهويه الحديث عن الماضي التليد، مَجْدًا، وعزّا، إنَّها هويّة وطن، وتراث شعب، وحرص على السّموّ بكلّ ما هو جميل يَشي به ذلك الماضي الجميل، ثم ينتصب صوت الشّاعر ليطلق موجة أخرى قويّة شديدة نعني بها موجة تهديد الخونة والإرهابيين، والحاقدين والمُدمّرين لتونس فيتوعّدهم بالعذاب والموت الزّعاف (نذيقهم طعم الرّدى، بــ9).

تترسّخ إذن هذه الصّور لا عبر المُعجم اللغوي الزّاخر بتراكم المترادفات الحافة بكلمة “وطن”، فقط، بل عبر الأنا الشّاعرة يليها الشّعب المنشد لقيمٍ خالدة مثل العزَّ والمَجد تحويه قصائد خالدة، ثمّ إنّ الصّور تسْري في جماليّة مُتفرّدة يستدعيها الشاعرُ من تاريخ شعراء تونس الأوفياء، وهم كثر مثل الشّابي في قصيده الشّهيرة حول “تونس الجميلة”.

“أنا يا تونس الجميلة في لجـــ+ الهوى قد سبحت أيّ سباحَة

شِرْعَتي حُبّك العَمِيق وإنّي ++ قد تذوّقت مُرّه وقراحَه

إنَّ ذا عصْر ظلمة غَيرَ أني ++ من ورَاء الظلام شِمت صَباحَه

ضَيّع الدّهر مجد شعبي ولكن ++ ستردّ الحياة يوما وشاحه

هذا ما قاله الشّابّي يوما، وهذه ” زهرة الأوطان”، اليوم في القرن الواحد والعشرين وعلى لسان إعلامي وليس زيتونيّا، هو الحفيد ينصهر انصهار بحميميّة العاشق للوطن يتحاور معه ماضيا وحاضرا في اتّصال عميق دافق الوفاء. قد يكون لامس بقليل من سطحيّة المعاني في هذا المشهد، ولكنّه قد غاص وبعمق عندما نسج من وطنه صورا استعاريّة يحاور بها الخطاب الإنساني الحديث، فظهرت تونس “بدر الدّجى”، وهي المُكنّاة بــ”الخَضراء”، ويُنهي استعاراتِه بأن يرْقى بها إلى المُفاضلة ويجعل منها “الوطن الأغلى” قيمة ،والأقْدرَ حضورا، ويصل الشّاعر بِتُونَسِهِ إلى مرتبة عالية لن تخاف فيها الأوغادَ، وهذا ما يؤكّد أنّ لهذا البلد تاريخًا مجيدَا في “الهدْيِ الدِّيني” اقترن اسم بعض مُدُنهَا بشَخْصيّات دِينيّة فتَح”عقبة بن نافع”، عاصمة جنوبها القيروان وبنى مَسجدها الخالد الذِّكر، والذي ظلّ وإلى اليوم يحمل اسمه علامة مميّزة. وهي التي أقبل عليها “العبادلة السَّبعة” في مُهمّة دينيّة راقية، تمهيدا للفتح الإسْلامي واستعدادا لنشْره بين أهل إفريقيّة في ذلك الزَّمن البعيد.

جاءت القصيد إذن غنيّا بالعبارات والصّور مِمّا فجّر فيه كونا شعريًّا مُتماسِكا يلْعَب فيه التناص الخارجي دورا يُعمّق بنى النَّصّ ويُساهم في توهّج الدّلالات. ولعلّنا “نتوسّل بمصطلح “الدّلالة الحافّة” وهو مُصطلح لسانيّ يتنزّل في إطار علم الدّلالة. فالدّلالة مَفهوم أُدخِل حديثا في اللّسانيات المعاصرة على يد بلومفيلد، Bloomield) (Léonard والذي أشار فيه إلى مسألتين في مفهوم الدّلالة الحافّة من المنطق إلى الحقل اللّساني…وهو يشمل في المنطق الغربي مصطلحين في اللّسانيات المعاصرة.

وكانت أدوات الرّبط إلى جانب ما تطرقنا إليه من آليات وسيلة ينسج الشَّاعر خيوطها مُرتبطة بأفعال تفيد قرْب وقوع الأحداث فحرف السين المستعمل أكثر من خمس مرَّات (الأبيات: 7- 10-) يفيد قرب وقوع الحدث، ثم إنّ اللام النّافية والنّاهية، تؤكدان على نفي وقوع الفعل (في الزمن الحاضر)، ونهي حدوثه (في المستقبل) هناك رؤية استباقيّة تنفتح على مستقبل زاهر سوف تتجلّى فيه صورة تونس الجديدة.

كما أنّ نون الجماعة المثبتة في المُركّب الاسمي”شعبنا يأبى الفتن”(بــ7)، تؤكّد ما يتميّز به الشّعْب التونسيّ من خصائصَ رفيعة الشأنٍ.أليست نزعة الإبداع عند “الشعراء اليوم هي تحميل الشّعر وظيفة الإيحاء… !”

بنَي الشّاعِر مُعجم قصيده اللّغوي على التأكيد على القيم المُطلقة الضّائعة، فبدا وكأنّه في بحث مُستمرّ عن الشَّيء وضدّه (الوفاء≠ الخيانة- حبّ≠ كره/حقد ≠ تسامح/ عزّ≠ مذلّة/هوان…)، مِمّا يوَلّد صراعا من أجل الإبقاء على الأفضل.

وفي نفس الرّؤية نلاحظ أنّ هناك قطبين زَمَنيَّين يتجاذبان القصيد ونعني بهما ماضي “زهرة الأوطان”، وحاضرها، وما بينهما يضع الشّاعر نفسه بين مُؤيد ورافض، إنّ الشّاعر يطرّز قصيده من نبراس الكلمة، فهْي كما تبعث على الأمل فإنّها تُحْدث الصَّدمَة، وهَكذا يُدْلِي الشَّاعر بدلْوه في التّعاطي ببساطة الكلمة، وعمْق المًعْنى، إضافة إلى وجود حوار ليس بين الكلمات فقط، بل بين المعاني والصّور والشّخصيّات، هناك حوار بين دلالات القصيد الغاية منه العبرة والبحث عن حلّ، حلّ لواقع “زهرة الأوطان” المُهدّد في مَجده وعزّه. فوظيفة الشّاعر والأديب أن يحيي الوَعي لدى الشّعب، ويوضّح له مسؤوليّته بالمُحافظة على الوطن، وهي وظيفة راقية يتّسم بها المُخلصون من هذه الطّبقة النّبيلة.

يركّز الشَّاعر في قصيده على التعبير الاسْتعاري، وهو في حدّ ذاته قريب من الصورة الشعريّة التي يقول عنها مصطفى ناصف”…إنّ لفظ الاستعارة إذا حسن إدراكه، يكون أهدى من لفظ الصّورة”.(هنا)، ثم إنّ الصّور، المستمدّ من عبارة “حشاشة” هي أكثر المفردات تعبيرا عن رهافة حسّ الشاعر، وصدقه في التعامل مع الوضع لفظا وصورة.

ومن الدّلالات الحافّة بالقصيد يُمكن الحديث عن مسألة الالتزام، فعندما يكتب الشّاعر في القضايا الاجتماعيّة، والسّياسيّة والوطنيّة ناكرا ذاته مُسْتَعِدّا للتّضحية بالنَّفس، والنَّفيس في سبيل الدّفاع عن الوطن بصدق الكلمة، وشجاعة الموقف، ذلك هو الالتزام بالدّفاع عن الوطن، مسؤوليّة أخلاقيّة، قبل أي مسؤولية أخرى.
فقول الشّعر في الوطن والالتزام به مشاعرٌ نقلَها إلينا تاريخ تونس ونمّاها، تجربَة عاشَها الطاهر الحدّاد الذي التزم بالدِّفاع عن وطنه، والعمل على النَّهضة به، وحمايته من الطغاة والمستعمرين، فذاق الأمرّين بسبب أفكاره التّقدميّة التي تتعلّق خصوصا بتحرير المرأة التونسيّة، ولكنّه لم ينس كذلك أن يَتوَجّه للشّعب بالنَّصيحة والحفاظ على استقلاليّة الوطن وحرمته.
“أيّها الشّعب قم للمًجد مُقتحِمًا+++حرْبُ الحياة فلا عزّ بلا نَصَبِ
هذا زَمَانٌ يمُوت الجَاهِلونَ بِه+++ والخَانِعُون بلا حَدٍ لمُغتصَب”.
يفيض البعد الوطني ألقا مأتاه كلمات الشّاعِر الذي عاش ظلم الاستعمار، وشنّها حربا كلاميَّة يُلهِب بها مشاعر شَعْبٍ كان لا بدّ له أن يُنَاضل بشدَّة من أجل المَجْد والعزّة. هذا الشاعر، وهذه القصائد يتخذها صاحب “تونس الحُبّ” مثالا يستأنس به، بل أنموذجا يَقتدي به في غرض حبّ الأوطان، والتغنّي بها، والحثّ على صيانتها، وتطويرها.
لقد حقّق هذا القصيد تميّزا “[انبنى] على ظواهر لغَويّة تمثّل دوالّ حافّة مُختلفة المُستويات ومُولّدة للدّلالة الحافّة الجماليّة. ولئن تأسّست جماليّة النّصّ الشِّعري لدى شعريين معاصرين من أمثال كوهين( (Jean Cohenوجاكبسون ( Roman Jacobson) على مستويين أساسيين هما المستوى الصوتي والمستوى التركيبي، فإنّنا قد ارتأينا إضافة مستوى ثالث تعتبره من المحدّدات الهامة لجماليّة النص الشّعري…(الدلالة الإيحائيّة، م.ن.ص.302).
على سبيل الخاتمة

هذا هو الشّاعرُ الإنسانُ الذي لا يأتي إلى السّاحة الإبداعيّة من فراغ، بل هو الذي يكون قد عاش تجربته الخاصّة، وغرف من مَعين مَرْجِعِيّ تاريخي وأدبيّ وسياسيّ، واجتماعي، ودينيّ غنيّ وشاسِع المَعَاني، والإيحاءات، لذلك يسْهل علينا أن نقول بأنّ شَاعِر “تونس الحبّ” يَمتلك إضافة إلى المَوهبَة، والحسّ الأدَبِي اللافت، مَرْجعيّة ثقافيّةً تجمع بين القديم والجديد، بين الدّيني والأدبي، وبين التّاريخ والتّراث، ولعلّ هذا ما جعله يَتفاعَلُ مع مُخْتلف القضايَا، ويرسُم لنفسه مَسَارا واضحًا قويًّا وجَريئًا، فهو يُندّد بالإرْهاب والإرْهابيين أعداء الحياة، كما أنّه يرْفض وجودَ الطّغاة، والمُندسّين، والخَوَنَة بين صفوف شعب يرْنو إلى حياة كريمة.

ولن تكون هذه الأبياتُ إلا التزاما من الشّاعر في حبِّ الوطن والحفاظ على وحدته، وتقدّمه لأنّها أرض تتميّز بالعَراقة والانفتاح، وقبول الآخر، والتّعايش معه، كما أنّ أحرارا كُثْرا ببلاده لا يتخلّون عن خِدمَتها ورِعايَتها، ولن يكون الشَّاعر إلاَّ نبْضا من بين قلوب أخرى تنبُضُ بــ”حبّ تونس”، وتتغنى بجَمَالِها وتسْتعِدّ في أيِّ لحظة للتضحيَة في سبيل، تقدّمها الاقتصادي، وعزّتها بين الأمم، وديمومة بقائها، ولعلّه بفضل هذه السّمات حقّق للقصيد جماليّة شعريّة عميقة وإن بدت في ظاهرها بسيطة.

جاءت لغة القصيد مُكثفة في مستواها الشكلي وإن بدت بسيطة، ولكنّها عميقة في مستواها الدلالي، قابلة لدراسة تأويليّة تثبت أنّ “القراءة وسيلة لإنتاج المعنى.”

يُحسن الشَّاعر انتقاء الكلمات المُعبّرة عن أحاسيسِه، ولعلّه لذلك نجَح في أن يكون له أسلوب شعريٌّ مُتكاملٌ على المستوى التركيبي والدّلالي.( عبد الله إبراهيم، المتخيّل السردي، المركز الثقافي العربي، بيروت، الدار البيضاء، 1990، ص.172).

انتهى …
الدكتورة زهرة سعدلاّوي حرم كحولي، جويلية 2020

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق