قراءات ودراسات

يحدث أن نختار: رواية للدّكتورة سعديّة بن سالم

أرجوحة الواقعيّ والخياليّ

 * قراءة ل: محمّد بوحوش، تونس.

لا تستند هذه القراءة إلى مفاهيم مخصوصة أو منهجيّة أكاديميّة صارمة لاستطلاع سرديّة كبرى موسومة ب:’ يحدث أن نختار’ للدّكتورة سعديّة بن سالم، وقد صدرت في 315 صفحة عن دار الدّيار للنّشر والتّوزيع بتونس سنة 2020، اختارت كاتبتها تقسيمها إلى أربعة وأربعين(44) عنوانا هي بمثابة فصول معنونة.
– وقوفا على العتبة: يحدث أن نختار، كما يحدث ألّا نختار. عنوان يحيل إلى مدلول محدّد،وقد يحيل إلى نقيضه. نجد له تفسيرا عكسيّا في عنوان ‘البحث عن الرّفقة’ بالصّفحة 66 من هذا المتن السّرديّ، تورد الكاتبة مقولة مكسيم غوركي التّالية: ” الحريّة هي أوّل خمس دقائق ولدت فيها، أبكي عاريا بلا اسم، بلا خطيئة، بلا توجّهات ، وبلا حقد بريّ”. ثمّ تفسّرها على هذا النّحو:
“هكذا يولد الإنسان عاريا لا اختيار له في الأمر ولا خصوصيّة، يقلّبه الجميع بحثا عن عاهة محتملة، ينتمي إلى فلان بن فلان من عائلة كذا، ويمكن أن يترك دون اسم، يكفي أن ينسب إلى أبيه، يرث خطايا سابقات، لم يكن له يد فيها. ألم يقل علماء الجينات إنّ ابن المجرم يحمل جينة الإجرام منذ الولادة؟ وتبقى مسألة الحقد نسبيّة في حاجة إلى إثبات، ومحصّلة القول إنّ الإنسان يولد مكبّلا بما لم يقترف هو بالضّرورة …”
هذا هو نقيض العنوان/ العتبة، أمّا دلالته الحقيقيّة فنجدها في متن الرّواية في عنوان’يجب أن تعودي إلى الحياة’ في الصّفحة 109، حيث تغيّر إحدى الشّخصيّات الرّئيسيّة اسمها ونسبها لتصبح: عائدة بن يحي” عوضا عن فاطمة الزّاير أو ‘معيوفة’. تلك هي الدّلالة الحقيقيّة العميقة لعنوان الرّواية عندما يجبر الإنسان على تغيير وجهته تماما، والانقلاب على أحواله وانتمائه، فيغيّر هويّته تماما بسبب واقع القهر والاستلاب.
– خلاصة الحكاية:من الختام تبدأ الحكاية، فإذا هي عود على البدء. بطلا الرّواية: فاطمة الزّاير ومحمّد الجبالي يودعان، من قبل طبيب نفسيّ يدعى عقاب، بجزيرة نائية على ذمّة العلاج النّفسيّ. في تلك الجزيرة أقام محمّد بمساعدة نوتيّ عجوز يسمّى ‘يحي’، يزوره كطيف، ويوفّر له كلّ مستلزمات العيش والرّفاهيّة. يلج بطل الرّواية عالما وهميّا، فتارة تتراءى له أشباح أناس، أو وجوه في المرآة، وتارة أخرى شبح صبيّ يشبهه، فيدخل معه في حوار مسترجعا ماضيه وطفولته ومسيرة حياته تدريجيّا. ويظلّ يتراسل مع شبح امرأة كأنها فاطمة رفيقة صباه التي يهجس باسمها دوما. يقصّ محمّد حياته في الرّيف أو الدوّار ثمّ انتقاله إلى مركز القرية للدّراسة في كفالة عائلة غير أسرته البيولوجيّة. ينجح في دراسته ويسافر إلى ألمانيا ليختصّ في الهندسة المعماريّة بجامعة شتوتغارت، يتزوّج مرّات فيفشل ويطلّق،إلى أن يقيم علاقة حبّ عابرة في انجلترا مع فتاة تسمّى أنجيلا فينجب منها ابنة غير شرعيّة تدعى ‘ستيفي’. يعود محمّد إلى وطنه تونس، ويساهم في تشييد مشروع طريق عبر مقاولته فينهار المشروع ممّا يجعله يشعر بالذّنب الذي ازداد مع تسبّبه في حادث طريق راحت ضحيّته عائلة بكاملها.
أمّا البطلة الثّانية وهي ‘عائدة بن يحي’أو ‘فاطمة بنت خليفة الزّاير’ فهي تمكث على ذمّة العلاج النّفسيّ في الضفّة الأخرى من الجزيرة بعد أن تعرّضت إلى صدمات نفسيّة كبيرة، تتحاور هي الأخرى مع فتاة زائرة تدعى ‘بوح’ فتحكي لها قصّة حياتها في الرّيف وانتقالها إلى المعهد الثّانويّ ثمّ الجامعة في العاصمة التّونسيّة لتتخصّص في العلوم الفلاحيّة رغبة منها في مساعدة والدها على فلاحة الأرض. غير أنّها تشارك في تحرّكات الطّلبة ونضالهم ضدّ النّظام البورقيبيّ آنذاك، فيلقى عليها القبض وتعذّب وتغتصب أو هكذا تتوهّم اغتصابا من قبل عون تحقيق. تنفرها تبعا لذلك عائلتها، وتقيم لها جنازة فتتعرّض إلى هزّات نفسيّة عنيفة تقدم إثرها على تغيير هويّتها لتصبح ‘عائدة بن يحي’. يتمّ مساعدتها من قبل الدّكتور عقاب المعالج النّفسيّ وتتلقّى رعاية من رفيقتها ‘وردة’ ومن والدها غير البيولوجيّ ‘يحي’. تتوهّم أنّها حامل بسبب اغتصابها المزعوم من البوليس لكنّها تكتشف طبيّا أنّ حملها كاذب. تتعرّف في الأثناء إلى شخص يدعى يوسف الذي أمّن لها السّكن في شقّته وأمّن لها مصاريف الدّراسة والعلاج، يتزوّجها صوريّا على أساس صفقة بينه وبين والده. ثمّ تطلّق منه لتستأنف حياتها من جديد وتتوجّه إلى دراسة الطبّ، وبعدها تسافر إلى فرنسا لتتخصّص في جراحة العظام وتقويمها، هناك في باريس تتزوّج من طبيب يسمّى ‘خالد’ مختصّ في القلب تنجب منه ابنيْن: أحمد، ويحي الصّغير ثمّ تطلّق منه لتشتغل في العاصمة تونس بصفة دائمة.
وخلال إقامتها بالجزيرة تتراسل في الضفّة الأخرى مع طيف رجل هو شبيهها في حالته النّفسيّة، وتكتشف في الأخير أنّه لم يكن غير محمّد بن عامر الجبالي. هكذا تكمل عائدة قصّتها مع الطّفلة بوح وهي على أرض الجزيرة النّائيّة في رحلة علاج ونقاهة.
بعد أن تخرج من الجزيرة وتستوفي فترة العلاج النّفسيّ تأخذها القافلة ذات مرّة إلى دوّار أولاد سعد، موطنها الأصليّ، رفقة ابنيها هناك تكتشف والدها أو هو يكتشفها، لكنّها لا تقرّ له بمعرفته.
– شخصيّات الرّواية: إلى جانب محمّد وعائدة، الشّخصيتين المحوريتين في الرّواية، ثمّة شخصيّات رديفة منهم: يحي النّوتيّ الذي يساعد الدّكتور عقاب على تسفير مرضاه إلى الجزيرة النّائية ورعايتهم. يحي بن مصطفى هذا الذي فقد زوجته ‘ قمر’ وابنه ‘ أحمد ‘، وتفرّغ إلى العمل الإنسانيّ، هذا الشّخص الذي يبدو في ذهن العامّة كائنا مجنونا ويضفون عليه هالة من القدسيّة جعلته في مرتبة الوليّ الصّالح، وهو الذي يهيم لائذا بصخرة كبيرة في أطراف القرية صارت بفعله مقدّسة يتبارك النّاس بها.
ثمّة أيضا شخصيّة ‘يوسف’ المنتمي إلى عائلة إقطاعيّة بنابل، هذا الذي تزوّج صوريّا عائدة وأسكنها في شقّته والذي ظلّ يساعد الطّلبة المناضلين على الاختباء بشقّته وتنظيم اجتماعاتهم ومساعدتهم.
إلى جانب الدّكتور ‘عقاب’ المشرف على العلاج النّفسيّ لمرضاه والذي التجأت إليه عائدة ومحمّد تأتي في مقام آخر شخصيّة ‘وردة’ الطّالبة اليساريّة المناضلة الّتي تعرّضت إلى إصابة بالرّصاص خلال الإضراب العام الذي نظّمه الاتّحاد العام التّونسيّ للشّغل سنة 1978، والتي ساعدت عائدة ووقفت إلى جانبها في محنها التي وصلت بها إلى حدّ محاولة الانتحار.
وثمّة أيضا شخصيّة ثانويّة أخرى هي شخصيّة ‘عبد المؤمن’ أو ‘عبدو’ الذي قُبض عليه وحكم بالسّجن في برج الرّومي ببنزرت، هذا الذي تزوره عائدة مرارا لغاية أن يتزوّجها عساه يكفّر عن ذنبه تجاهها لكونه كان السّبب في اعتقالها وتعذيبها من قبل البوليس بتهمة حوز مناشير. غير أنّه بعد مدّة يغادر السّجن إثر عفو خاصّ دون علمها تاركا إيّاها في الفراغ.
كما توجد شخصيّات أخرى لعلّ أبرزها الدّكتور ‘خالد’ الذي تزوّجته عائدة في باريس وطلّقت منه، بالإضافة إلى شخصيّة الدّكتور غانم صديق الطّلبة وكلّ من يحي ووردة ويوسف.
– تقنيّات الرّواية: استعانت الكاتبة سعديّة بن سالم بتقنيّات الاسترجاع والاستشراف، والهذيان والتوهّم، والتّداعيّ الحرّ والمذكّرات، والتّراسل بين الأشخاص الواقعييّن والمتوهّمين لتقدّم حكايتها في قالب سرديّ عكسيّ، يبدأ من الختام أي لحظة إيداع الشّخصيّات الرّئيسيّة في الجزيرة النّائيّة لغاية العلاج النّفسيّ ليشرعوا في قصّ سيرة حياتهم، بلغة الأنا أحيانا والهو أو الهي حينا آخر، وبتدخّل في بعض الحالات من الرّاوي العليم للرّبط بين أحداث الرّواية وكشف مآلات شخوصها. كما اعتمدت الروائيّة الوصف والحوار والمونولوج بلغة متينة عذبة، وبأسلوب مشوّق، وبطريقة التّقطير والجرعات في الكشف عن ملامح شخوص الرّواية وتوالي الأحداث واستشرافها.


– الواقع والخيال: إنّ العمل السّرديّ وإن ظلّ يمتح من الواقع فإنّه في حقيقته إعادة صياغة له بشكل جماليّ وخياليّ فنطازيّ، وهو ما حصل في رواية ‘ يحدث أن نختار’.
* في الواقعيّ: بدت شخصيّات الرّواية أو بالأحرى بدا بطلاها الرّئيسيّان من الكائنات المتقلّبة، القلقة، والمضطربة بحكم انحدارهما من أصول ريفيّة وانتقالهما من بيئة إلى أخرى من القرية إلى المدينة إلى العالم الخارجيّ الأكثر تطوّرا: ألمانيا وانكلترا وفرنسا، وبحكم ترقّيهما المهنيّ عبر التّعليم، وانتمائهما إلى الطّبقة الوسطى النيّرة والطّموحة، الانتهازيّة والمتأرجحة في مواقفها والسّاعية إلى التّغيير والرقيّ بالمجتمع من التّقاليد البالية إلى عالم يسوده العلم والتّنوير والقيم الإنسانيّة المعولمة. نلمح ذلك في شخصيّة عائدة التي تنكّرت لها عائلتها وأقامت لها جنازة لمجرّد توقيفها من قبل البوليس، وفي شخصيّة محمّد الذي تزوّج مرّات عديدة وطلّق وأنجب ابنة غير شرعيّة، فظلّ كائنا منبتّا لا ينتمي إلى أصوله الرّيفيّة القرويّة وقيمها، ولا إلى قيم المدينة والعالم المتقدّم. كما هو شأن يوسف الذي تزوّج عائدة صوريّا ليحقّق صفقة رابحة بزواجه منها.
إنّ ما يجمع بين البطلين الرّئيسيّين الكثير، منه انتماؤهما إلى الرّيف ومجاهدتهما للتعلّم، فالنّجاح، فالسّفر إلى الخارج والتّرقّي المهنيّ. فهما ناجحان مهنيّا وماديّا لكنّهما فاشلان اجتماعيّا. وما يجمع أيضا بينهما هو اليتم من الأمّ لكليهما وتعلّقهما بأرض الآباء وإن بنسب متفاوتة، علاوة على تأزّمهما وتعرّضهما إلى صدمات وخيبات ثمّ التجائهما إلى الطّبيب النّفسيّ وإلى الجزيرة النّائيّة طلبا للرّاحة النّفسيّة والعلاج،فضلا عمّا يجمعهما من حيث التوهّم والهذيان وتخيّل الأشباح والتّراسل مع الأخر. فمحمّد تواصل مع صبيّ أخرس كان يرى فيه شبها له وتراسل مع طيف امرأة، وعائدة تواصلت مع فتاة ظلّت تقصّ عليها مسيرة حياتها، وتراسلت مع شبح رجل.الشّخصيّتان مسكونتان بالوهم والتّوهّم والجنون وفي مخيّلة كلّ واحدة منهما امرأة أو رجل: محمّد مسكون بطيف فاطمة التي غيّرت اسمها إلى عائدة، وعائدة أو فاطمة في الأصل مسكونة بشبح محمّد رفيق صباها.
والظّاهر أيضا أنّ البطلين يكمّل أحدهما الآخر، ويبحثان عن بعضهما بعد فراق الصّبا، وفي زحمة الحياة وصخبها وأحداثها المؤلمة.
– في الخياليّ: من الصّعب أن نجد حدودا فاصلة بين ما هو خياليّ وواقعيّ. فالواقع يتضمّن الخيال أيضا بما فيه من عبث ولا جدوى وأحداث ترتقي إلى مرتبة الأسطوريّ، وبما يحمله من عادات وتقاليد وطقوس وقدسيّة ورمزيّة. فهذا هو الواقع في مفهومه الشّامل. فلا حدّ بينه وبين الخيال سوى أنّ الخيال يبدو غالبا في قالب أحداث لا منطقيّة ومستعصية على الفهم والتّفسير. لذلك فقد عمدت الرّوائيّة سعديّة بن سالم إلى المزج بين الحدّين إلى حدّ التّداخل بما يشي بالوهم أحيانا وخيبة الأمل. فعائدة هي في الأصل فاطمة أو معيوفة، بدت أنّها ماتت في ذهن الشّخصيّة الأخرى محمّد لكنّها لم تمت.كما أنّها اغتصبت من قبل عون تحقيق ليتّضح فيما بعد أنّها لم تغتصب، وما تزال فتاة عذراء مثلما كان حملها وهما إذ اكتشف الطّبيب أنّ حملها كاذب، وأنّ حالتها تتطلّب علاجا نفسيّا لا غير. ثمّ شخصيّة يحي المجنون الذي بدا كائنا لغزا، فلا هو ينتمي إلى الواقعيّ، ولا هو ينتمي إلى الخياليّ أو الأسطوريّ.إضافة إلى ما أوردته الكاتبة من شخصيّات ثانويّة جدّا من قبيل الفتى والفتاة اللّذين يتحدّثان مع الشّخصيتين الرّئيسيتين في الجزيرة، فهما كائنان يراوحان بين الحضور والغياب، بين التّلميح بأنّهما من واقع، وبين الإشارة إلى كونهما من وحي الخيال والتّوهّم. لعلّهما بمثابة مرايا للشّخصيتين المحوريتين، أو هما صنوان لهما في مرحلة الصّبا.
ولعلّ فكرة الأرجوحة التي تتكرّر مع محمّد في جزيرته النّائيّة متّخذا إيّاها وسيلة ترفيه رفقة الصبيّ، لعلّها رمز إلى تأرجح البطل بين ما هو واقعيّ وخياليّ، بين ما هو حاضر وماض، وبين ما هو مأمول ومستطاع، وبين ما هو مستحيل أو صعب المنال.
– خاتمة: لاحظت اعتماد الكاتبة سعديّة بن سالم على طريقة التّناوب في السّرد بين شخصيتين رئيسيتين تقودان الأحداث، وإن غلبت مساحة السّرد المخصّص لعائدة على مساحة السّرد المخصّص لمحمّد، إذ يبدو أنّ مسوّغ ذلك هو أنّ الشّخصيتين تكمّلان بعضهما بعضا. أمّا الزّمكان في هذه السّرديّة فقد كان مفتوحا إذ لا نتبيّن زمن السّرد إلاّ في الصّفحة 213 من الرّواية المعنون بالإضراب العام. بينما تعدّد المكان، فهو الرّيف أو الدّوّار والقرية وتونس العاصمة ونابل وألمانيا وانكلترا وباريس.
تبدو الرّواية طموحة من حيث أنّها سرديّة كبرى، ومن حيث مزجها بين الواقعيّ والخياليّ، ومن حيث أحداثها وحبكتها وشخصيّاتها المتأزّمة وتقنيّاتها وتشويقها ولغتها العذبة وإتقانها بناء ومعنى وحبكة سرديّة، فضلا عن انفتاحها على مستويات متعدّدة من القراءة والتّأويل ممّا يجعلها من أفضل الرّوايات المغايرة للسّائد، ومن السّرد الممتع والمتقن والفاتن.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق