الموقع

متمردو الوحدة 8200

بقلم/ توفيق أبو شومر

إن تمرُّد وانتفاضة ثلاثة وأربعين جندي احتياط في وحدة الاستخبارات المعلوماتية العسكرية في هرتسيليا من أخطر الانتفاضات في الوحدات الخاصة الإسرائيلية! فوحدة 8200 التابعة لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان) هي التي تُقرر معظم عمليات الجيش الإسرائيلي، فهي تجمع المعلومات وترصد الأهداف وتحدد المواقع، وتسجل المكالمات وكل الاتصالات! فكل اتصالات محطة (أورانيم) في النقب يجري تحليلها في الوحدة 8200، وهي من أكبر مراكز الرصد المعلوماتية في العالم، حيث يتم تصنيفها وقراءتها استخباريا، وهذه المحطة تجمع وترصد كل المكالمات العالمية، وسبق لها أن رصدت في بدايات تكوينها، مكالمة الرئيس جمال عبد الناصر للملك حسين عام 1967، ومكالمة الرئيس ياسر عرفات لأبي العباس، أمين عام جبهة التحرير الفلسطينية، عندما اختُطفت سفينة أكيلي لاورو 1985 .

إن اعترافات جنود الاحتياط الثلاثة والأربعين، هي وثائق مهمة لفضح الوجه المستتر للمؤسسة الاحتلالية العسكرية، وهي تعتبر وثائق قانونية، لملاحقة مجرمي الحرب!

للأسف فإن هذه الوثيقة لم تحظَ في الصحف الفلسطينية إلا بأخبار صغيرة، وتجاهلتها كثيرٌ من المواقع بقصد وبسوء نيَّة، أما عن الصحف العالمية والعربية، فقد أوردتها كأخبار ضمن مسلسل الأخبار!

إن المحتجين هؤلاء أرسلوا رسالة إلى رئيس الوزراء نتنياهو، ورئيس هيئة الأركان بني غانتس، ومسؤولهم المباشر رئيس الاستخبارات العسكرية ، أفيف كوخابي، ومما جاء في رسالتهم يوم 11/9/2014:

عندما انضممنا إلى الوحدة 8200 كنا ننوي الدفاع عن أمن إسرائيل وحمايتها، غير أننا اكتشفنا اختلافا في الهدف، فاكتشفنا من خلال عملنا، أن الهدف الرئيس هو ترسيخ الاحتلال للفلسطينيين، وليس للدفاع عن أمن إسرائيل، إن جمع المعلومات عن الفلسطينيين مؤذٍ للأبرياء، يُستخدم وسيلة لابتزازهم، وينتهك خصوصيتهم، لذا، فإننا، نحن الموقعين أدناه، غير قادرين على مواصلة هذا العمل”

طالبتُ مؤسسات وجمعيات إسرائيلية، بطرد هؤلاء المحتجين من العمل، وجرى إيقافهم بالفعل.

انبرتُ جوقة المكارثيين في إسرائيل ضد هذه المجموعة، وعلى رأس هؤلاء، عاموس يادلين، رئيس جهاز الاستخبارات السابق، ورئيس مركز الأبحاث في جامعة تل أبيب، وقال:

إنها ظاهرة هامشية، فهم قلة!

شبَّه أحد الجنود المتمردين ما يجري في الوحدة، بما جرى في ألمانيا الشرقية، في غرف البوليس السري الألماني، الذي كان يتنصت على كل المكالمات الخاصة للسكان!

قالت إحدى المتمردات:

” كنتُ شاهدةً على عملية اغتيال خاطئة، فقد جرى تشخيص الهدف بصورة غير دقيقة، مما أدى إلى قتل طفل بريء”

وقال آخر:

” أثناء عملية الرصاص المصبوب عام 2008، تغيَّر فكري في العمل في وحدة 8200 ، فبدلا من مهاجمة مطلقي الصواريخ في غزة، استُهدف مركز الشرطة، فقتل 89 شخصا، كنتُ جنديا حينئذ، وخلال العملية هاجمت الطائرات منزل نزار ريان، وقتلت عائلته كلها، وشعرتُ بأن هذه العملية غير أخلاقية”

قال آخر:

” في شهر يناير عام 2003 وقعت عملية انتحارية في تل أبيب، وطلبوا منا مراقبة مبنى لحركة فتح، والتأكد من وجود عدد من ساكنيه، وليس مهما مَن يكونون، وجرى قصفه”!

قال آخر:

“إن ما نجمعه من معلومات غير أخلاقي، مثل، المعلومات المتعلقة بالأزمة المالية للشخص، ومغامراته الجنسية والعاطفية، ومرضه، وعلاجه، كل هذه المعلومات تحولهم إلى عملاء.

سمعتُ تسجيلا بين ضابط مخابرات ، وبين فلسطينيٍ يعتزم ضابطُُ المخابرات الإسرائيلي تجنيده، ويقول له الضابط:

إن أخ زوجتك مصابٌ بالسرطان، ولدينا مستشفيات كبيرة يمكنها علاجه، ويمكن استخدام المعلومات الخاصة عن الأفراد لتجنيدهم، فإذا عُرف بأن هذا الشخص شاذٌ جنسيا، يمكن مساومته وتجنيده ، نظير تزويدنا بمعلومات عن ابن عمه المطلوب للتصفية والقتل”!!

ويشير آخر إلى عمل غير أخلاقي في وحدة 8200 يقول:”يستخدم ضباط الوحدة الأشرطة المسجلة بينهم وبين العملاء ويعرضونها على المتدربين الجدد كجزء من منهج الدراسة، وفي الأشرطة المسجلة لقطات غير أخلاقية، وإساءات جنسية“!

هؤلاء الجنود المتمردون يرون في تمردهم ضوءا تحذيريا للمجتمع الإسرائيلي، وهم يقولون:

” لن نعود للوحدة، ما دام الهدف هو إعلاء العسكرتاريا على الأخلاق”!

اخيرا:

متى سيسدل الستار على هذا التمرد إعلاميا؟!! ومتى سينسى المسؤولون الفلسطينيون توثيق هذا الملف؟!!

لقد نسي الفلسطينيون عام 2000 تيار التمرُّد في الجيش الإسرائيلي (رافضو الخدمة العسكرية) ووقَّع عددٌ كبير من الجنود على اعترافاتٍ صريحةً، وأشكُّ أننا وثَّقنا ذلك في ملفاتٍ قضائية، ومما جاء في إعلانهم:

نحن ضباط وجنود جيش الدفاع ممن نشأنا على القيم الصهيونية، التي تنص على التضحية والعطاء لإسرائيل ، لقد خدمنا الوطن في الخنادق الأمامية ، وكنا نتحمل مسؤولية الرسالة الملقاة على عاتقنا ، سواء كانت سهلة أم صعبة لحماية دولة إسرائيل وتقويتها. نحن المحاربين من الضباط والجنود، ممن خدمنا أسابيع طويلة كجنود احتياط في كل عام، في المناطق المحتلة، نرى أن الأوامر الصادرة لنا لا علاقة لها بأمن الوطن، بل تهدف لزيادة وطأة احتلالنا للفلسطينيين، نحن الذين رأينا بأم أعيننا الدم المراق من الطرفين أحسسنا بأن الأوامر الصادرة لنا تقضي على القيم التي شببنا عليها في هذا الوطن .

نحن نؤمن بأن ثمن الاحتلال لا يكون إلا بخسارة القيم الإنسانية ، وهو يخرب المجتمع الإسرائيلي من الداخل. نحن الذين نؤمن بأن الإرهاب لا يجب أن يكون من إسرائيل،وأن المستوطنات ستُخلى في النهاية.

لذلك نعلن أننا لن نستمر في خوض حرب المستوطنات، ولسنا مستعدين للاستمرار في حرب المناطق المحتلة منذ عام 1967 لكي نذلّ شعبها”             (كتاب الصراع في إسرائيل 2004)

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق