ثقافة السرد

إلى متى يبقى الزّومبي الذي فينا حياّ؟

راضية تومي*

إنه يعيش داخل الكثير منّا، يعشق التراب و رائحة القبور و الظلمة. إنه يتمرّغ بين الأنا و الهو و الأنا العليا. يتلذّذ تحت الظلال الرمادية بالرطوبة العفنة. هو الزّومبي الذي لا نعرف بوجوده أو نعرف لكننا نتناساه أو نتجاهله.
يجري في دمائنا مجرى الدم في العروق، و يتنفس عندما نتنفس، و عندما نقسِم سَعَتنا التنفسية على عشرة أو عشرين ثم نحتفظ لأنفسنا بالعُشُر أو بـ 0.05 منها.
نرضى بخفقان القلب المخنوق على بعد سنتمترات من الحجاب الحاجز.
تغور أعيننا داخل محاجرها. ترتعد أطرافنا. نُسقِط الملاعق التي كُنّا نأكل بها و قد يُغشى علينا…
هذا هو حالنا في كثير من الأحيان و المواقف عندما تتعلق المسألة بحقوقنا كَبَشر…
يستيقظ الزّومبي فينا كُلّما وجدنا أنفسنا في مأزق الحقيقة و الواقع الذي لا مناص منه. يقول الزّومبي لنا إنه لا يشعر بحاجتنا إلى ذلك الحق، إلى ذلك المطلب، إلى تلك الحاجة…
“أنت لا تحتاج إلى مسكن يليق بإنسانيتك..بإمكانك أن تعيش داخل شقة بغرفتين أو بغرفة واحدة في عمارة مغشوشة البناء. الشقة صغيرة كأنها علبة سردين، ضيقة على من فيها و كأنها أنشوطة الإعدام..تطل على شوارع ترابية اللون أو على الزفت القاتم. بعيدة عن المدارس و المستشفى و المَرافق..
شقة مختنقة ترمي بأذرعها المتعرّقة على عنقك كي تمنعك من التنفس أيام الحرّ و الإكتئاب المزمن…لكن، لا بأس…
“أنت لا تحتاج إلى سرير في المستشفى لأنك لا تتألم. لا..، سيزول الألم بالتناسي و بجرعات من التجاهل للنبض الذي ينتفض في الفؤاد. لا تحتاج إلى العلاج الحكومي المُحترم بل إلى تناول جرعة من اللامبالاة و كأسا من مغليّ الزعتر..
“أنت أيها المصاب بالسرطان..تعرف جيدا أن السرطان لن يقتلك قبل ميعادك الأخير مع الحياة، فالموت واحد و المكتوب على الجبين لابد أن تراه العين. و العلاج الكيميائي الذي تقول أنك تحتاجه و لم يوفره المستشفى لك اليوم بل سيأتي به بعد ستة أشهر، عندما يكون الفـأس قد وقع في الرأس و لا فائدة ترجى بعد ذلك الميعاد، لن يُقدّم أو يُؤخر شيئا في مسألة بقائك على قيد الحياة..صدّقني..تقبَّل أنَّ لا سرير شاغرا اليوم لك في المستشفى و لا علاج إلا بعد ستة أشهر، أي بعد موتك..لا فرق..الموت واحد و لو تعدّدت سُبُل العذاب..
يتجول الزّومبي بأريحية في غرفتك الخانقة في شقتك البائسة الإسمنتية في الطابق التاسع حيث لفظ المصعد آخر أنفاسه منذ شهر..يتأمل شرايينك المُزرقّة المائلة إلى اللون الرمادي و أظفارك المُصفرّة. يبتسم و يقول لابأس.
و حينما كدت ذلك اليوم تشعر بالظلم الواقع عليك في العمل من قِبل رئيس المصلحة الجاهل، استيقظَ الزّومبي الذي بداخلك فجأة و قال لك: تقبّل. ما الفائدة من الاعتراض و “تكسير رأسك”..؟ لا شيء سيتغيّر. الظالم يبقى ظالما و المظلوم مظلوما إلى يوم الدين. و أنت مكتوب عليك الظلم فتقبَّلْ.
و حين اكتشفتَ اختلاسه لأموال الدولة، بالكاد تململ ضميرك المغطّى بمعطف الزومبي الأصفر المغبَرّ..لم تنبس ببنت شفة، و مضيت و قلبك نائم في قبو يملؤه الثلج و شبكات العنكبوت.
لاشيء يتغير في عالم الزّومبي..و الزّومبيون تكاثروا اليوم و تناسلوا. الرماد يغطي القلوب الجامدة، و التراب يملأ العقول الماضية في سبات قروسطي.
من هو الحيّ داخلك؟ أنت أم الزّومبي؟
أنت من لا يجرؤ على ردة الفعل..أنت من لا يصرخ ألما حين تدعسه أقدام الظلم دعسا…
الزّومبي حيّ و أنت ميّت. فمتى ستتكلم؟ و متى سيموت الزّومبي الماثل فيك كي تعود إليك الحياة؟

 
مترجمة و قاصّة

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق