قراءات ودراسات

ما عرفه روسو عن العزلة.. عودة المرء إلى نفسه

غافين مَكريا – ترجمة: سارة حبيب.

في كتابه الأخير غير المكتمل، “أحلام يقظة المتجوّل المنعزل”، الذي ألّفه قبل سنتين من موته عام 1778، يعرض جان جاك روسو رؤيته حول حياة الكتابة التي تُعاش بعيدًا عن قيود المجتمع: “ها أنا ذا الآن وحيدٌ في العالم، من غير أخ، أو جار أو صديق، أو أيّ صحبة سوى صحبة ذاتي… منفصلًا عنهم وعن العالم كلّه كما أنا الآن، ماذا أكون أنا؟ لا بدّ لهذا أن يكون الآن موضوع تساؤلاتي”.
بعد فضيحة أُثيرت عام 1762 بسبب المفهوم غير التقليدي للدين في واحد من كتبه، أمضى روسو السنوات الثمانيَ التالية منفيًا عن باريس، متجولًا بين النمسا، إنكلترا، والمقاطعات الفرنسية. وبعد أن كان قد شغل مكانة في قلب المجتمع المتحضّر -سكرتيرًا للسفير الفرنسي في البندقية، صديقًا للفيلسوف ديدرو، محميًّا من قبل مؤيّديه الأغنياء، “مُهلَّلًا له، مرحَّبًا به بأذرع مفتوحة ساهمت في تكوينه”- أصبح روسو أسير اعتقاد ارتيابيّ أنه كان موضع سخرية عامة. “أكثرُ البشر ألفة ومحبة تمّ الإجماع على نبذه من قبل البقية. بكلّ دهاء الكراهية، اختاروا أقسى أنواع العذاب ليلقوه على روحي المرهفة، وقطعوا بكل عنف كل الخيوط التي كانت تربطني بهم”.
عندما عاد روسو إلى باريس عام 1770، كان قد أصبح واحدًا من أكثر الرجال شهرة في أوروبا، معروفًا بين العامة باسمه الأولى ومبجّلًا من العديد من معاصريه. إلا أنه، على الرغم من هذه الشهرة، اختار أن يعيش في هدوء مع صديقته تيريز في شقة متواضعة قرب القصر الملكي (باليه رويال)، شاغلًا وقته بالموسيقى، علم النبات، والنزهات الريفية.
“وحيدًا لبقية حياتي” – في نظر روسو، لا يمكن للرفقة الأنثوية أن تجنّبه عزلته ذات الطبيعة الخاصة- “بما أنني في نفسي فقط أجد العزاء، الأمل وراحة البال، فالواجب الوحيد الذي عليّ أداؤه هو تجاه نفسي وهذا هو كل ما أريده… دعوني أسلّم نفسي بشكل كليّ لمتعة التّحاور مع ذاتي، لأن هذه هي المتعة الوحيدة التي لا يستطيع البشر سلبي إياها”.
مدعيًا أنه لم يعد يبالي بشهرته -“الرغبة بأن أكون أكثر شهرة بين البشر ماتت في قلبي”- قرّر روسو أن مشروعه التالي سيكون بسيطًا: أن يمشي، يفكر، ويدوّن الأفكار التي تخطر في باله. “أحلام يقظته” لن يكون أقل من تسجيل أمين لجولاته الخالية من الرفقة، ولأحلام اليقظة التي تستحوذ عليها. “سوف أطلق العنان لخواطري وأترك لأفكاري أن تتبع هواها، دون قيود أو حواجز. ساعات العزلة والتأمل هذه هي الساعات الوحيدة في اليوم التي أكون فيها ذاتي وسيّد نفسي تمامًا، من غير أن يشتتني أو يعوقني شيء، الساعات الوحيدة التي يمكن فيها أن أقول إنني أصبحت بحق ما قدّرت لي الطبيعة أن أكونه”.

العزلة هي الحالة البشرية الطبيعية
من منظور روسو، العزلة هي الحالة البشرية الطبيعية. بالابتعاد عن المجتمع، بنأي المرء بنفسه عن الأصوات الأخرى، تسهل عودة المرء إلى نفسه. إلا أنّ كون المرء مع نفسه أمر، والكتابة عن كونه مع نفسه أمرٌ آخر تمامًا. يحتوي كتاب روسو “أحلام يقظة المتجول المنعزل” على عشر جولات (“الجولة الأولى”، “الثانية”، إلى آخره). وعلى الرغم من أن بعض هذه الجولات يسجّل بدقة الأفكار التي خطرت لروسو أثناء تجواله حول باريس، إلا أنها تنتهي إلى تأملات محكمة الصوغ حول حياته وكتاباته الأولى. ليست “أحلام اليقظة” هذه خربشات حالمٍ عفوية، كما أنها لا تحاول أن تخلق وهمًا عن وجود مثل تلك العفوية. بالأحرى، هي نتاج عمل جسد ساكن -ظهر محني، رسغ متشنج، عين مجهدة، صدغ متألم- في أثناء عمله على توسيع وتعميق صور عابرة محددة، ومضات بصيرة معيّنة، إلى رؤية ثابتة بيّنة.
“سأكتفي بتسجيل قراءاتي من دون محاولة اختزالها إلى نظام. مشروعي مشابه لمشروع ميشيل دي مونتين، لكن هدفي مختلف تمامًا، إذ أنه كتب مقالاته ليقرأها الآخرون، بينما أكتب أحلام يقظتي لأجل نفسي فقط. إذا احتفظتُ، كما آمل، بذات الميل العقليّ حتى أواخر شيخوختي، عند اقتراب موعد رحيلي، سأتذكر عندها، بقراءة هذه الأحلام، المتعة التي تملّكتني عند كتابتها، فأستعيد بهذا الأوقات الماضية، بما يضاعف امتداد وجودي”.
أجد من السليم أن أعارض روسو في هذا: مثلُ هذا الكلام، على صياغته البليغة، وبداعته، لم يُكتب لأجل منفعة الكاتب وحسب. إذ أنه لم يُخربَش في مذكراته ويوضع جانبًا. لم يبقَ موضع استمتاعه على انفراد قبل أن يحرقه في النار. بالأحرى، لقد تم تدويره، تجزئته، تجميعه، وصياغته. تم التلاعب به والقلق إزاءه، مع التوقع، بل والافتراض، أنه سوف يُنشر ويُستخدم من قبل الآخرين. متطلّبات روسو من هذا الكلام كانت كبيرة، تمامًا بقدر ما كانت متطلباته من جمهوره المتخيَّل. عاجزًا عن إدراك مثاله الأعلى في الصداقة الحقيقية بين البشر، ويائسًا من قدرة البشر على التآلف الاجتماعي، انسحب روسو إلى حالته الطبيعية، تواصلَ مع نفسه في الطبيعة؛ وما وجده هناك، غير منهزم، وحيويًا كعهده دائمًا، كان توقه للمجتمع. كتاب “أحلام اليقظة” هو حصيلة اكتشاف روسو أن حالة الانفصال الجسدي عن الجماعة لا تمحو الجماعة من الذهن؛ أن الانفصال، على العكس، يُعظّم من أهمّية الجماعة في تأمّلات المرء حول الذات، ويعزّز الرغبة بأن يكون المرء معروفًا من قبل الجماعة، حتى لو كان ذلك لمجرد إيصال إدانته لها.
بيد أن هذا لا يعني أن الطبيعة (باعتبارها نقيضًا للمجتمع البشري) لا تلعب دورًا هامًا في كتاب “أحلام اليقظة”. ففي عدة مواضع، يصف روسو المشاعر التي أوحت له بها المناظر الطبيعية التي صادفها. يشعر روسو بالسعادة والسكينة عندما يمشي في الحقول المفتوحة. يعبّر عن بهجته عندما يصادف بعض النباتات النادرة. وعند رؤيته سماءً مليئة بالنجوم، في “الجولة الثانية”، يختبر روسو لحظة لا يمكن وصفها بأقلّ من النشوة: “لم أكن واعيًا بأي شيء آخر. في هذه اللحظة كنت أولد من جديد، وبدا كما لو أن كل ما أراه بات مليئًا بوجودي الواهي. مأخوذًا تمامًا باللحظة الحاضرة، لم أستطع تذكّر أي شيء؛ لم تكن لدي فكرة متمايزة عن ذاتي كشخص، لم أكن أعرف من أنا، أو أين كنت… شعرت بهدوء مذهل يتغلغل في ثنايا كياني كله، لدرجة أنني في كل مرة أتذكر فيها هذا الشعور، لا أجد ما أقارنه به بين كل المتع التي تؤجج حيواتنا”.

“في هذا العام، عام 2020، اتّسع معنى مصطلح “العزلة الذاتية” بالنسبة إلى الكتّاب:
من اعتزال طوعي لأجل حماية عقولنا الكتابية من إلهاءات الجماعة، إلى اعتزال
إلزامي مفروض رسميًا بغرض حماية الصحّة الجسدية للجماعة”

بالإضافة إلى هذا، لا يخفق روسو في كتابة مقاطع فلسفية طويلة. معظم “الجولة الرابعة”، على سبيل المثال، كان مخصّصًا لنقاشٍ حول الحقيقة والزيف. وفي “الجولة السادسة” يعالج روسو مسألة السببية في الأفعال البشرية.
لكن، خلف الهدوء المتوضّع فوق الكآبة، آتيًا بعد النشوة، شاقًا طريقه عبر المنطق الفلسفي، يكمن القلق. في الحديث عن عزلته الجديدة، لا يستطيع روسو إلا أن يرجع مرّة بعد أخرى إلى الجماعة القديمة التي يدّعي أنه تركها وراءه: “التأمّل في عزلة، دراسة الطبيعة والتمعّن في الكون يجعل المنعزل يسعى باستمرار إلى خالق الأشياء كلها، ويبحث بقلق محبّب عن الغاية من كل ما يراه والسبب وراء كل ما يحسّه. عندما أرجعني قدري إلى سيل هذا العالم الجارف، لم أجد هناك ما يرضي قلبي ولو للحظة واحدة. الندم على الحرية العذبة التي خسرتُها لاحقني في كل مكان وألقى حجابًا من اللامبالاة أو النفور على كلّ ما حولي، كلّ ما كان من شأنه أن يجلب لي الشهرة والثروة”.
النفور الذي يعبّر عنه روسو تجاه الشهرة والثروة يخفي في الواقع هوسًا بالذين يعتقد أنهم يمتلكون سلطة تقاسم الشهرة والثروة. استخفافه بآراء الآخرين هو في حقيقة الأمر تأثرٌ بتلك الآراء، تأثرٌ يتّسم بحدّة قد تُعتبر اليوم عصابية. بالنظر إلى نفسه بعيون المجتمع، يرى روسو نفسه “وحشًا”، “مُفسدًا”، “قاتلًا”، “رعبًا للجنس البشري”، و”أضحوكة”. يتخيل روسو المارة يبصقون عليه. يتصوّر معاصريه وهم يدفنونه حيًّا. الإشاعات التي تتناوله، حسب اعتقاده، تدور في أعلى المستويات: “سمعت أنه حتى الملك والملكة كانوا يتحدثون بالأمر كما لو كان غير مشكوك به”. ببساطة، ما من أحد في المجتمع لم يضمر له “عداء خفيًا”، ما من أحد لم “يشترك في المؤامرة الشاملة” ضده.
ردًا على هذه الهجمات المتخيَّلة، وفي سياق تأكيداته على البراءة، يكتشف روسو شيئًا ثانيًا. الأحكام البشرية، يدرك روسو، لا تُطلق حول الشيء بل حول تصوّر المرء عنه: “بدلًا عني سوف لن يروا إلا جان جاك الذي اختلقوه وابتدعوه بأنفسهم بحيث يستطيعون كرهي بما يرضي ضمائرهم. سيكون من الخطأ إذًا أن تزعجني الصورة التي كوّنوها عنّي؛ ينبغي ألا أعيرها أيّ اهتمام، إذ أنه ليس أنا ذاك الذي يرونه”.
هذا هو روسو في أقصى درجات نبوغه. كم هو محقّ! كل من يدّعون أنهم يحكمون عليه، سيكونون بالفعل يحكمون على شخصية مختلقة موجودة في عقولهم، شخصية يعتقدون أنها هو. كيف لهم أن يحكموا على روسو الحقيقي طالما أنه من المستحيل أن يُضمّنوا إنسانًا محسوسًا، بكل مكوناته، في عالم الأفكار اللامحسوس؟ أغلقْ عينيك، مُعذِبتيك، وانظر كيف يختفي روسو الذي صنعتَه! لكن في هذه الفكرة، لروسو نفسه نقطته العمياء. إنه يفشل في ملاحظة أنّ حالة الآخرين تنطبق عليه أيضًا. روسو كذلك، في أحكامه على المجتمع، صنع لنفسه شخصية مختلقة، شخصية اختار أن يكرهها في أرفع شكل ممكن: الازدراء. “استعدتُ سلامي وسكينتي وعشت حياة هادئة وسعيدة في وسطهم، ساخرًا من العذابات الرهيبة التي يبتلي بها مضطهديَّ أنفسهم باستمرار، بينما أعيش أنا في سلام، منشغلًا بأزهاري، بسداة الأزهار، ومثل ذلك من الأفعال الصبيانية، دون أن أعيرهم أي انتباه… معاصريّ سيكونون دومًا كاللاشيء في نظري… أشعر أنني أكثر رفعة حتى من أن أكرههم”.
من الواضح أنّ روسو– الأديب، المنكبّ على كشف الحقائق المعلّلة تعليلًا شخصيًا محاولًا التصدي لافتراضات المجتمع المخادعة– يراوغ هنا. أن يقول المرء إنه لا يفكر في شيء، يعني في الحقيقة أنه يفكر فيه. أن يعتبر المرء أعداءه “لا شيء” هو أن يعتبرهم شيئًا. أن يتحسر المرء على نفسه، أن يعطي لنفسه دور الضحية
-“عندما أصل إلى أماكن لم يطأها البشر أتنفّس بحرية، كما لو أنني في ملاذ لا يستطيع كرههم أن يطالني فيه”- دون التقليل من شأن ذاته، هو العودة من ذات الطريق، الممر السّري إلى أكثر أراضي تغذية النفس وفرة.

صنع حجْرٍ صحي بواسطة الكلمات
بالنسبة إلى روسو، العزلة وعدٌ بالحصانة ضد كراهية الآخرين. “أحلام يقظة المتجول المنعزل” هو محاولة روسو صنع حجْرٍ صحي بواسطة الكلمات. حول روسو تتكوّم أحكامه تجاه المجتمع، تلك التي يعتقد أن أحكام المجتمع لا تستطيع اختراقها. لكن ما يحدث بعد ذلك، أن هذه الجدران التي بناها بنفسه ينتهي بها المطاف بالإطباق عليه، بالتضييق عليه، تمامًا كما فعلت جدران المجتمع من قبل. في قوقعته، بعيدًا عن مُعذّبيه، من ينبغي عليه أن يعاني هو ذاته. “الله عادل؛ إرادته تقتضي أن أعاني، وهو يعرف براءتي… فليفعل البشر والقدر أسوأ ما بوسعهم، يجب أن نتعلم كيف نعاني في صمت، كل شيء سيؤول إلى مكانه الصحيح في النهاية، وعاجلًا أم آجلًا سوف يأتي دوري”.
مطوّقًا بعزلته الذاتية، أخذ روسو على عاتقه مهمّة ابتكار نوع صافٍ من الكتابة، نوع محميّ من كل احتكاك مع المجتمع. كتابة مستقلة عن الآراء المتلقاة. كتابة خالية من “الخفايا الميتافيزيقية المتحذلقة” و”سفسطات البلاغة”، كتابة “أقرّها عقلي، أيّدها قلبي وصادق عليها ضميري غير المنساق للعاطفة”. كتابة صدرت عنه وتتوجّه له وحده. وفي هذا كان مصير روسو الفشل. ليس لأنه لا يحاول بما يكفي؛ ليس لأنه ليس بارعًا بما يكفي، بل لأن المهمة التي أخذها على عاتقه مهمة مستحيلة. كتابته، مثل كل كتابة، محكومة أن تأتي بالضرورة ملوّثة بكتابة الآخرين، وستكون هكذا دائمًا.
من أين تأتي الكتابة؟ الإجابة – بالنسبة إلى روسو، بالنسبة إلي، بالنسبة إليك، بالنسبة إلينا- هي الكتابات الأخرى. هذه هي المشكلة التي يتحاشاها روسو في حقيقة الأمر؛ فشلُه في التخلّص من هذه المشكلة هو ما يفسّر معاناته، أكثر من أي افتراء يمكن أن يقذفه المجتمع به.
مثل روسو، قد يبدو لنا أن كتابتنا تأتي من مجال خبرة منفصل تمامًا عن الكلمات على الورق: من العالم “في الخارج” أو من تجربتنا “في الداخل”. إلا أنّ ذلك محض وهم. ما يحدث في الحياة – ما نفعله، ما يحدث لنا، ما نسمع بحدوثه، ما نشهده، وكيف نختبر كل هذا في داخلنا- لا يأتي إلينا في الحاضر في حالته النقية، بل ممرّرًا عبر عقولنا التي ترتّب المعلومات وتؤولّها (المعلومات التي أصبحت الآن ماضيًا) وفقًا للقصص التي بَنتها سابقًا من أجل الحكم على مثل هذه المعلومات وتفسيرها. أيُّ قصصٍ تلك التي نرويها عن العالم وعن تجربتنا الداخلية؟ إنها العالم وتجربتنا الداخلية كما يعرفهما عقلنا. أيًا تكن هذه القصص، فسنلاحظ، عندما نبدأ بكتابتها -على شكل كتابات أدبية أو غير أدبية- أننا لم نعد نتعامل مع “العالم الخارجي” أو “التجربة الداخلية”، بل إننا بدأنا بالتفاوض مع الطريقة التي تمّت بها رواية هذه القصص سابقًا، مع ما كُتب سابقًا )وهي الطريقة التي نحصل بها على فهمنا للعالم في المقام الأول).
بقراءة ما حدث لنا على شكل نصّ – صور، أحداث، لغة جسد، مشاعر- نبني قصص حياتنا. وبقراءة الكيفية التي ترجم بها الآخرون نصوصهم على الورق، نتعلم كيف نكتب.
ما من لغز في الإبداع. أن تبدع هو أن تتفاعل. السؤال ليس ما الذي أكتب عنه، بل بالأحرى ما الذي أتفاعل معه؟ ما من كتابة ليست ردّ فعل على شيء في الماضي. ينطبق هذا على الكتابة المحددة في ما يسمّى “الحاضر” وفي ما يسمى “المستقبل”، تمامًا كما ينطبق على الكتابة المحددة منذ عقود أو قرون. ما من كتابة ليست محاولة للتواصل: تنفرد الكتابة بين الأشكال الفنية في رغبتها بشكل أساسي باحتواء معنى قابل للنقل؛ معنى، ما إنْ يتم نقله حتّى يولّد معنى جديدًا. ما نتعلّمه من روسو أننا، في فعل الكتابة، نتفاعل ليس مع الشيء بل مع تصوّرنا عنه. وصف شيء ما هو، في أساسه، إدلاء برأي. وكل الآراء – حتى التي تبدو شخصية للغاية مثل “أحبك”- هي تكرار لآراء الآخرين (ليس أننا لا نشعر بالحب، بل أن ما نسمّيه حبًا هو ما عرفناه من القصص).
كل هذا يعني أن الكتابة، كمسعى، أقل تهويلًا مما يصوّرها روسو. بالتخلّي عن فكرة أن كتابتنا يجب أن تكون لنا بشكل كلّي، أنها يجب أن تأتي منّا على وجه الحصر، بمنأى عن التأثيرات الخارجية، نصبح أقرب إلى رؤية الكتابة على حقيقتها، ونتوقف عن الخوف منها إلى هذه الدرجة.
الأمر في الواقع شديد البساطة. إذا كنا قادرين على التفكير في شيء ما، فهذا يعني أنه موجود بالفعل. أناس آخرون، في أماكن أخرى، في أزمنة أخرى، مرّروه إلينا، وهو الآن ملكٌ لنا. كيف نعرف أنه ملكٌ لنا؟ لأننا نفكر فيه. ومن هذه الفكرة تنبثق فكرة أخرى، وهي ملكٌ لنا أيضًا. اجمع الفكرتين معًا. اقلبهما. افصلهما. اربطهما. ونكون قد بدأنا.
لا حاجة بنا لاختراع أي شيء. كل ما علينا فعله هو أن نعرف كيف نبدأ، ومن ثم أن نتحدث، دون تنميق أي شيء، دون إنكار أي شيء، ودون نية التلاعب بأحد. مدى جودة النتيجة سيعتمد، ليس فقط على كمية قراءاتنا، ومدى تعمّقنا في قراءتها، بل كذلك على مدى البراعة والثقة اللتين جعلْنا بهما هذه الكتابة كتابتنا.
يكتب روسو: “لا شيء ممّا يأتي من الخارج يمكن أن يكون ممتدًّا في داخلي”. لكن أي شيء يدخل كتابته من الداخل لا بدّ أيضًا أن يكون قد أتى من الخارج (لأنه لم يولد معه)، وكل ما يدخل كتابته من الخارج لا بدّ أيضًا أن يكون قد أتى من الداخل (لأننا، من أجل فهم كتابة الآخرين، نبحث عن انعكاسهم داخل أنفسنا).

“العزلة الذاتيّة”
في هذا العام، عام 2020، اتّسع معنى مصطلح “العزلة الذاتية” بالنسبة إلى الكتّاب: من اعتزال طوعي لأجل حماية عقولنا الكتابية من إلهاءات الجماعة، إلى اعتزال إلزامي مفروض رسميًا بغرض حماية الصحّة الجسدية للجماعة. في الأحوال العادية، عندما نُبعَد، ككتّاب، عن طاولة الكتابة، نحلم غالبًا بالعودة إليها؛ الآن وقد أصبحنا محتجزين في غرف نومنا، شققنا الصغيرة، وسقائفنا، كيف نشعر في داخلنا؟ هل نتوق، على حين غرة، للجماعة التي كنا، فقط قبل بضعة أيام، نعتبرها عائقًا أمام إبداعنا، مصدر إزعاج ينبغي التخلّص منه؟
أن نكون وحدنا، حتى عندما يكون ذلك بناء على رغبتنا، فذلك ينطوي على خسارة بالضرورة. عندما نكتب، نكتب لأنفسنا من أجل أن تُقرأ أنفسنا، يومًا ما، من قبل الآخرين. هذا التوق للتواصل، التوق للمجتمع البشري، ظاهرٌ في كلّ كلمة نضعها فوق الورق. إنّنا، ككتّاب، في حالة اهتياج دائم للهرب إلى الطبيعة، إلى الصمت، إلى المكان المثالي الذي يمنحنا الحيّز لسماع أنفسنا والوقت لتدوينها على الورق. لكننا، في الوقت نفسه، لن نكون قادرين أبدًا على قهر حنيننا للألفة والتشارك. داخل الكتابة ثمّة ثورة: ضد نظم معينة، ضد أفكار معينة، ضد أشخاص معينين. لكن الكتابة، في الوقت ذاته، هي دعوة للانتماء.
في هذه اللحظة، أتخيل امرأة تلقي الشعر على شرفتها. طفلًا يطلب خطًا هاتفيًا ساخنًا ليسمع قصة ما قبل النوم. رجلًا بكمّامة وقفازات بلاستيكية يسلّم كتابًا عند باب جارتي، تاركًا إياه على السجادة الصغيرة، قارعًا جرس الباب، مبتعدًا خطوتين لأجل السلامة، ومنتظرًا هناك إلى أن تظهر جارتي في رداء النوم وتلتقط الكتاب؛ مئات الصفحات التي كتبها شخص آخر تقبع معقّمة تحت تغليف بلاستيكي.
الآن، مع نزع التغليف، وفتح الكتاب، تصبح تلك الكتابة ملكًا لها؛ سوف تميّز الكثير منها؛ ما سيبدو جديدًا أو غريبًا عليها سيقتصر على الأشياء التي لم تكن تدرك أنها تعرفها.
عندما ننشر كتابتنا، لا نرسل شيئًا بعيدًا عن موطنه؛ بل بالأحرى، نحن نرجعه إلى المكان الذي أتى منه. وما إنْ نعيد إسكانه بين يدي شخص آخر؛ ما إنْ يتمّ إخبارنا أنه سيء، ما إنْ يتم إخبارنا أنه جيد؛ ما إنْ نحصل على الاهتمام الذي طالما أردناه، ما إنْ ندّعي أننا لم نردْ قطّ هذا الاهتمام؛ ما إنْ يحدث كلّ هذا، ونكون راضين وغير راضين في الوقت ذاته، فإننا سوف نكون مستعدّين، مرة أخرى، لكي نعزل أنفسنا، بملء إرادتنا، ونحاول أن نتواصل مع الآخرين عبر الكلمات.

غافين مَكريا: روائي من مواليد دِبلن، إيرلندا، 1978. صدرت له رواية واحدة عام 2015 بعنوان “السيدة إنجلز” التي تتناول ليزي بيرنز، حبيبة فريدريك إنجلز. وستصدر روايته الثانية “الأخوات ماو” في ربيع 2021.

رابط المقال:

https://www.theparisreview.org/blog/2020/04/27/what-rousseau-knew-about-solitude/

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق