ثقافة السرد

أشياء منسية

بقلم : محمد صالح رجب”

كان غريبا أن تجلس تلك السيدة وحدها في ذلك المكان المخصص للعشاق ، أسندت ظهرها لتلك الأريكة الخشبية في مواجهة النهر ، فردت رجليها ، وأغمضت عينيها في استرخاء تنشد راحة جسدها المنهك  وتنفض عن كاهلها بعضا من ركام السنين .. شعرت بنسمة طرية تلفح وجهها ، استنشقت الهواء بعمق ، وكأنها تستبدل ذلك المخزون التالف بداخلها.. انتشاءه تسيطر عليها تستدعي إلى شفتيها بسمة غائرة بأعماقها .. إنها لم تبتسم منذ زمن بعيد .. فتحت عينيها تطالع النهر ، ترقب العشاق ، لمحت بائع الفل وهو ينادي على بضاعته  ، هفت نفسها إلى عقد من الفل .. آثارَها أن يمر أمامها دون أن يعرض عليها الشراء مثل الأخريات ..  هدأت من نفسها وهي تحاول أن تجد له مبررا .. امرأة  في عقدها الرابع ترتدي عباءة سوداء بالية و تجلس وحيدة وسط هؤلاء الشباب والشابات بملابسهن الغالية وعطورهن الفواحة وأجسادهن الفوارة وأنفاسهن اللاهثة .. معه كل الحق ..هكذا حدثت نفسها .. ومع ذلك قررت أن تستجيب لنداء بداخلها قد ألح عليها .. دعته ، و دون أن تفكر في قيمته اشترت عقدا من الفل.. راحت تستنشق رائحته ، تشعر بخدر جميل  .. شعرت أنها عادت سنوات طويلة إلى الوراء ، تذكرت يوم أن اشترى لها ذات مرة عقدا من الفل ، كان ذلك أيام الخطوبة .. كانا يمشيان سويا على الكورنيش كهؤلاء ، تترك إذنيها لكلماته الهامسة ، تحلق بها إلى عنان السماء .. هناك بالقرب من النجوم ، يرسمان سويا كيف يدخلان الجنة وماذا يفعلان ، يومها كانت ترى خضرة الجنة وتستنشق عطرها .. رائحة الفل تنعشها ، يومها اشترى لها عقدا من الفل وطوق به عنقها ، واسمعها كلمات ليست كالكلمات ،  لكنه لم يفعل ذلك مرة أخرى ، بل انه رحل عنها بعد سنوات قليلة من الزواج ،  وتركها وحدها مع ثلاثة من الأبناء  تصارع أمواج الحياة .. عَلِقت في ترس الدنيا  تدور دون توقف .. وأفنت شبابها في الدروب والطرقات ، تتنقل  من مهنة لأخرى حتى استقرت على العمل في البيوت ،ووزعت وقتها بعناية .. اليوم كان موعدها مع الست” فيفي ” التي تقطن في تلك البناية الشاهقة المطلة على النيل ، ذهبت في الموعد لكنها لم تجدها .. اتصلت عليها ، قالت : إنها سوف تتأخر نصف ساعة .. وقت غير كاف لأذهب إلى بيتي وأعود “هكذا همست لنفسها ” .. مشت باتجاه الكورنيش ، جلست على تلك الأريكة  الخشبية في مواجهة النهر ، تريح جسدها هذه الدقائق وتنفض عنها غبار السنين  ..

انتبهت إلى أن الوقت قد مر سريعا ، هبت مهرولة إلى عملها ، ونسيت عقد الفل على الأريكة .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق