ثقافة المقال

جدران مجهولة

ابانوب عدلي

ليست حقيقة الإنسان بما يظهره لك , بل بما لا يستطيع أن يظهره لك , لذلك إذا أردت أن تعرفه فلا تصغ إلى ما يقوله بل إلى ما لايقوله. هذا ما قاله جبران خليل جبران حول حقيقة الإنسان وما يخبئه في أعماقه. في الساعة الحادية والنصف صباح يوم الأحد الموافق 29 يوليو 1890 توفى الرسام الهولندي فينسينت فان جوخ بعد ما أخذ مسدساً وأطلق على صدره رصاصة وقبل أن يفارق الحياة بدقائق قليلة قال جملته الشهيرة إلي شقيقه ثيو فان جوغ
“La tristesse durera toujours”
والتي تعني أن الحزن يدوم إلى الأبد ، فينسينت فان جوخ قال هذا بعد حياة بائسة وحزينة جدا فبالرغم من إبداعه وعبقريته في الرسم التي كان يراها الجميع وينبهر بها في لوحاته إلا أنه كان يخفي الكثير والكثير بداخله من حزن وصمت وآلام وأوجاع كثيرة جدا والتي لم يلتفت اليها أحد ولم يعرف أحد حقيقته فلقد كانت روحه الحزينة سجينة تحاوطها جدران مجهولة لايعلم من أين تشكلت حوله ولا متى تزول ويصعب على المرء أن يحارب عدو لا يعرف عنه شيئاً يجهله كلياً فيكون مصيره الوقوع في فخه وهزيمة ساحقة مثلما حدث. ننهزم جميعا عندما نستسلم لأوجاعنا وأحزاننا، هل رأيت يوما شخص قوي ناجح في حياته حزين ؟ لن تجد أبدا لأن الشخص الناجح يعرف حقيقته وحقيقة من حوله يعرف نقاط ضعفه وقوته لا يستسلم أبدا، يسقط في اليوم سبعة مرات ويقوم يدفع أحجار الرحي من طريقه ويسير ولا يدعها تعقوه عن السير إلي الأمام، ولا ينتظر أحد يركل تلك الأحجار له، يشق الصخور يصنع طرقه بنفسه لا يفقد رجائه قط. فإن حقيقة الإنسان تكمن بداخله لا بخارجه. تكمن بالكلام الذي يحذفه من حديثه بالأحاسيس والمشاعر الذي يخبئها في وجدانه ولا يفصح عنها ابدا، بصمته حينما أراد أن يتكلم، بضحكته حينما أراد أن يبكي ويصرخ.
فحقيقة الإنسان يا صديقي تكمن خلف تلك الجدران المجهولة العالق بداخلها والتي لا تُلفت نظر أحد وإن إلتفت لها أحد فلا يكترث بها وإن إكترث فلا يستطيع تجاوزها.
جدران تزداد صلابة بمرور الوقت والحزن، صديق عنيد من سماته الأنانية لا يجلب لنا سوى الآلام والأوجاع دوماً التي تقودنا نحو الإنعزال والوحدة إن خضعنا لها ولم نقاوم، قد تقودنا أيضاً إلى الهلاك مثلما فعل الرسام الهولندي.
ويظل الإنسان عالق ما بين كل هذا تائهاً يبحث عن ذاته وحقيقته طوال حياته دون أن يستريح ومن الممكن أن يدوم الحزن إلى الأبد كما قال فان جوخ ويكون مصيره محتوم مثله.
ولكن هناك بعض المحظوظون من سجناء الجدران المجهولة ينجو ويهرب والذي انا واحد منهم.
دعني أخبرك كيف لعلك تصبح واحد منا أيضاً، إن كان الحزن يقودنا نحو الهلاك فالحب وحده هو سبيلنا الوحيد نحو النجاة فالإنسان يتغير كلياً حينما يجد من يحبه بصدق ودون أي شروط أو مقابل، من يحنو عليه ويقف بجواره ويدعمه ولايرحل عنه أبداً . فلو كان وجد فان جوخ من يحبه ويحتوى العتمة التي بداخله لما كان عاش حياة بائسة وحزينة إنتهت نهاية مأساوية في سن السابع والثلاثون وهو في ريعان شبابه ولكن هذا ليس مبرر على الإطلاق فإن كان الحب وحده القادر علي إنتشال سجناء الجدران المجهولة وإذابة تلك الجدران نهائياً، إلا أنها لا تضاء الشمعة من تلقاء نفسها بل تحتاج من يشعل النار بالفتيلة التي بها وهذا ما لم يفعله.
الحب يجعل الإنسان يعرف جوهره ومعدنه الأصلي ويتقبل نفسه كما هو يجعله يحب الحياة ويجد سبباً للإستيقاظ كل يوم ومواجهة هذا العالم البائس.
يقول المفكر والكاتب اللبناني ميخائيل نعيمة “الحب خلاصة الحياة، فمتى أحب الناس تقلصت عنهم كل ظلال الشناعة فرأوا كل ما فيهم جميلاً، ومتى رأى الناس كل ما فيهم جميلًا عرفوا الحب، ومتى عرفوا الحب عرفوا الحياة”.
ومن المنظور العلمي وبعيداً عن المشاعر فأن الحب يٌعد مسكناً طبيعياً للآلام ويقوي القلب ويطيل العمر ويجعل صحة الانسان في أفضل حال. ولكن ليس من السهل إطلاقا أن نجد الحب‘ لذلك قد تحدثت سابقاً وقد وصفت من يجدوه بالمحظوظين والقليلين جداً، هناك من يبحث عنه طوال حياته ولم يجده. لذلك إن وجدته في طريقك تمسك جيداً به ولا تجعله يفر منك مهما حدث. و هناك من يجد الحب في عائلته التي تدعمه وتراه أفضل الأبناء وهناك من يجد الحب في صديق وفي مخلص يقف بجوار صديقه ويساعده على التقدم والنجاح وهناك من يجد الحب في حبيب يجعله يُضيئ بعدما أطفئتهُ الحياة ولكن يبقى الحب هو الحب بمفعوله السحري القادر على تغيير الأمور شكلاً ومضموناً.
ولكن ياصديقي إن كنت ممن يمكث داخل سجنه المحاط بالجدران المجهولة حزيناً بائساً يبكي على ما فاته وغارقاً في بحر زكرياته الحزينة،
يتقمص دور الضحية مستسلماً لـ أمواج الحزن حتي تطيح به يميناً ويساراً منتظراً الحب، منتظراً أن تتغير حياته في يوم وليلة فالحقيقة أنك لن تجده مطلقاً ولن تتغير حياتك أيضا وستظل سجين إلى المنتهى!
فالأشياء التي تبحث عنها يا صديقي تبحث عنك، والذي تسعى ورائه يهدئ خطواته حتى يجدك هو الأخر، قُم الآن وأشعل مصباحك حتى وإن كان به القليل من الزيت ودمر تلك الجدران وإهدمها وحرر روحك من ذلك السجن وأخرج بلا رجعة، لا تنتظر أن يحبك أحد، أحب أنت الجميع وأنشر الحب والسلام بين الجميع. إستمع إلي الذين لا يستمع لهم أحد، تذكر من ليس لهم أحد أن يتذكرهم، ساعد جيمع السجناء البائسين أيضا حتى يدخل النور في قلوبهم، كن دوما الملجأ والمكان المٌريح الذي يأتي إليه الجميع لكي يستريحوا من أتعابهم، كن الدواء لجميع الجروح المخدوشة بداخل أرواحهم .
حينها فقط ستجد الحب والسعادة وستنجو من متاعب الحياة ومشاكلها وتعبر إلى بر الآمان، سترى عيناك النور فقط في من حولك ستجد حقيقتك.
لأن الإنسان ينجو حينما يعرف قلبه الحب، ومن يعرف الحب يعرف الله، لأن الله محبة ومن يتعلق بالله لايُخزى أبداً ..

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق