ثقافة المقال

الشّعب العربيّ ـ ضدّ الحكومة!

محمد عرفات حجازي

أمام هول المصائب التي نزلت على منطقتنا العربيّة، مُؤخّرًا، كان لجوئي إلى السينما بحثًا وتنقيبًا، فوقع اختياري على الفيلم المصريّ “ضدّ الحكومة” (1992م) لمخرجه عاطف الطّيب؛ ربّما، كحلٍّ جذريّ لبؤسنا، وما نُعانيه من أحداثٍ دامية أبت أن تنتهي..
وكأنّي بالمُخرج القدير عاطف الطّيب قد سابق الزمن بهذا العمل الفريد، وصدّر لنا (النمر الأسود/ أحمد زكي) ليقف بكلّ شجاعة وحزم ضدّ الحكومة، مُعلنًا، دون أدنى خوف: كلّنا فاسدون؛ ومُطالبًا بمُحاكمة رؤوس الفساد من أعضاء الحكومة.
عمل مصطفى خلف (أحمد زكي)، في فيلمه “ضدّ الحكومة” كوكيل للنّائب العام لمدّة سنة، ثمّ فُصِل من النّيابة بتهمة الرِّشوة المُلفّقة، ليلتحق بسلك المُحاماة، وهناك، لم يجد حرجًا في استغلال براعته في الإلمام بثغرات القانون؛ لتبرئة ساحة المُتورّطين في قضايا المُخدِّرات والدّعارة، بل والمُتاجرة بآلام ومصائب الفقراء واستغلال سذاجتهم ومُصابهم، من خلال الانضمام إلى “مافيا التّعويضات”. ولم ينس، خلال ذلك، حظّه من تناول المُخدّرات ومُرافقة بائعات الهوى، بعدما انفصلت عنه زوجته، لنجد أنفسنا أمام مجموعة من الذّئاب البشريّة الّذين أصبحوا يمرحون في حياتنا مُحطّمين كافّة القيم وضاربين عرض الحائط جلّ المُقدّسات..
وتأتي الّلحظة الفارقة في حياة خلف، حينما ذهب لمُعاينة أتوبيس رحلات أطفال بعد أن اصطدم، في حادثةٍ بشعة، بأحد القطارات؛ ساعيًا بذلك وراء توكيلات أولياء الأطفال لرفع قضايا والحصول على تعويضات يستأثر بها مُنفردًا.. لتتجلّى له الحقيقة الصّادمة المُرعبة: ابنه ـ الذي لا يعلم عنه شيئًا؛ بسبب إخفاء طليقته الدكتورة فاطمة (عفاف شعيب) الأمر عنه ـ أحد مُصابي تلك الحادثة؛ وتنقلب حياة المُحامي رأسًا على عقب، ويستيقظ ضميره على وجعه الخاص.. إنّها صحوة الموت.
وبدل أن يرفع مصطفى خلف قضايا تعويضات تصبّ في مصلحته، بات الأمر مسألةً شخصيّةً، وبرغم كافّة التهديدات التي وقفت حائلًا في طريقه لمُساءلة الحكومة: بدءًا من تاريخه المهنيّ القذر الذي يُلاحقه، وزوج طليقته الدكتور إبراهيم (أحمد خليل) ـ ذلك الطّبيب الذي امتاز بحصانة الحزب الحاكم، وتعرُّضه للتّعذيب المُفرط من قِبل رجال الشّرطة وتهديده بتهمة حيازة منشورات وتنظيم إرهابيّ هدفه قلب نظام الحُكم، وصولًا إلى تهديد أستاذه في القانون الدكتور عبد النور (أبو بكر عزت) والذي يعمل كمحامٍ لرئيس الوزراء ولعددٍ منهم، إلا أنّ خلف لم يتراجع عن موقفه، بل ازداد إصرارًا في موقفه تجاه قضيّة ليست شخصيّة، بل في المقام الأوّل، غدت قضيّة بلدٍ بأكمله نخر السوس أعمدته وأوشك بُنيانه على السقوط، فإمّا أن تمتدّ الأيادي وتتشابك لتعمل معًا أو فالمصير غريب ومُوحش..
لقد تحدّى مصطفى خلف جميع قوى الشرّ والطّغيان لأجل قضيةٍ آمن بها، ووقف في ساحة القضاء، في مشهدٍ أسطوريّ، مُعلنًا بكلّ وضوح: كلّنا فاسدون.. لا أستثني أحدًا حتى بالصّمت العاجز الموافق قليل الحيلة.. ليستيقظ أمام صرخته الحقيقيّة شطر الضّمير: فها هو وفدٌ من نقابة المُحامين ولجنة الدّفاع عن الحريّات وجمعيّة حقوق الإنسان والأحزاب تنضمّ إليه، داعمةً له ولموقفه الإنسانيّ النبيل، ويتمّ الحُكم باستدعاء الوزراء المعنيّين ومثولهم أمام القضاء..
رسالة عاطف الطيب واضحة: حارب الفساد، حتى وإن كان لك من الماضي السّيء، خيرٌ لك من الرّضوخ والاستسلام. ومُجتمعيًّا نتساءل: إلى متى سنبقى نُسبّح بحمد الوزير والمُحافظ والمسئول الكبير في ظلّ انهيار التعليم، تردّي الخدمات الصحيّة، تخبُّط الإعلام وانقطاع الكهرباء أغلب اليوم، النقص الحاد لمياه الشُّرب.. التّناحر والنّزاعات المُسلّحة، التّفجيرات والعمليّات الإرهابية، الاغتيالات والتصفيات الجسديّة، الاعتقالات، الخطف والإخفاء القسريّ، عبثيّة وفوضى الانتخابات وما يتولّد عنها، البطالة، الفقر، التّخلُّف وتدنّي مستوى الوعي!
إذا كان قد اختفى الجميع من ساحتنا: غاب المُحامي الذي يطلب وزيرًا في المحكمة لمُساءلته، وغاب الإعلام الذي يقف خلف المُحامي ويُسانده، وغاب القاضي الذي يجرؤ على استدعاء وزيرٍ إلى ساحة القضاء.. فهل وقع الضّمير الجمعيّ بين مطرقة الإخصاء وسندان الإقصاء!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق