ثقافة المقال

ذٰلِكَ ٱلْغَبَاءُ ٱلْقَهْرِيُّ ٱلْتَّكْرَارِيُّ: طُغَاةُ ٱلْتَّقَدُّمِ أَمْ بُغَاةُ ٱلْتَّهَدُّمِ؟ (7)

غياث المرزوق

إِنَّ بَيْنَ يَدَيِ ٱلْسَّاعَةِ ٱلْهَرْجَ.
قِيلَ: وَمَا ٱلْهَرْجُ؟ قَالَ: ٱلْكَذِبُ وَٱلْقَتْلُ [أَيْضًا].
قَالُوا: أَكْثَرَ مِمَّا نَقْتُلُ ٱلْآنَ؟
قَالَ: إِنَّهُ لَيْسَ بِقَتْلِكُمْ [أَعْدَاءً]، وَلٰكِنَّهُ قَتْلُ بَعْضِكُمْ بَعْضًا!
اَلْرَّسُولُ مُحَمَّدٌ

(7)

كَمَا سَبَقَ لي أَنْ ذَكَرْتُ في القسمِ السَّادسِ من هذا المقالِ، لَمْ يَفْتَأْ فَلُّ الطُّغاةِ العُتَاةِ المُصْطَنَعِينَ من العَرَبِ والعُرْبَانِ والمُسْتَعْرِبِينَ أولئك، على اختلافِ أشكالِهِمْ وأَخْتَالِهِمْ وعلى ائْتِلافِ مَضَامِينِهِمْ و«مَيَامِينِهِمْ» في البلدانِ المعنيَّةِ من هذا الشرقِ الأوسطِ «الكبيرِ» بينَ أواسِطِ «الأرضِ مَا بعدَ الخَرَابِ» The Post-Waste Land (توخِّيًا لِلَفْظِ «الخَرَابِ»، لا «اليَبَابِ»، هُنَا)، لَمْ يَفْتَأُوا يَتَفَنَّنُونَ بِلا رحمةٍ وبِلا هَوَادَةٍ بِمَا يتيسَّرُ لِأَرِبَّائِهِمْ ولأذنابِهِمْ من فنونِ التنكيلِ والتعذيبِ والتزهيقِ من مَحَلِّيِّهَا ومُسْتَوْرَدِهَا، عَلى حَافَّةِ «الصِّرَاطِ المُسْتَقِيمِ»، ولَمْ يَفْتَأُوا يُسَوِّمُونِ بناتِ وأبناءَ سَائرِ الشُّعُوبِ العربيَّةِ الأبيَّةِ، أيْنَمَا حَلَّتْ سَائرَةً بِثَوْرَتِهَا على الطُّغْيَانِ، سُوءَ هذهِ الفُنُونِ كَافَّتِهَا أيَّمَا تَسْوِيمٍ. فَهَا هو الطاغيةُ العَتِيُّ المُصْطَنَعُ، عبد الفتاح السيسي، يتولَّهُ في الفُسْطَاطِ بتجميلِ أحكامِ الإعدامِ التعسُّفيَّةِ القبيحةِ وَفْقًا لِكَوْنِهَا في الاعتقادِ المزيَّفِ «حَقًّا إلٰهِيًّا حَقِيقًا» مُنْزَلاً ومُنَزَّلاً من السَّمَاءِ على «العِقَاقِ» منهنَّ شَابَّاتٍ وعلى «العُقَّقِ» منهُمْ شُبَّانًا (وقد تَمَّ التَّنفيذُ المُريعُ لهكذا أحكامِ إعدامٍ تعسُّفيَّةٍ قبيحةٍ، في النهايةِ بالفعلِ، في آخِرِ تِسْعَةٍ من أولئك الشُّبَّانِ «العُقَّقِ» بالذواتِ قبلَ عَامٍ ونَيِّفٍ، وتلك بدايةُ الجَرَائِرِ النَّكْرَاءِ إيذانًا بأنْكَرَ منها حَسْبَ ذاك الاعتقادِ المزيَّفِ في حدِّ ذاتِهِ). وهَا هو الطاغيةُ العَتِيُّ الأكثرُ اصطناعًا، بشار الأسد، يتولَّعُ في الفَيْحَاءِ بتحطيمِ الأرقامِ القياسيَّةِ المَدْمِيَّةِ الدَّمَوِيَّةِ كلِّهَا في ارتكابِ أفظعِ، بَلْ وأشْنَعِ، ما توصَّلَ إليهِ «العقلُ» الإجراميُّ البهيميُّ، بَلْ مَا دُونَ-البهيميُّ، من جَرائمَ فظيعةٍ شَنْعَاءَ ضدَّ الإنسانيةِ في المطلقِ (وقد قتلَتْ وشرَّدَتْ عِصَاباتُهُ الذَّلُولُ المَأْمُورةُ والدَّخُولُ المَأْجُورَةُ منهنَّ إناثًا ومنهُمْ ذكورًا من كافَّةِ الأعمارِ من الشَّعبِ السُّوريِّ اليتيمِ في غُضُونِ أقلَّ من سبعةٍ من السَّنواتِ العِجَافِ أضعافًا مضاعفةً مِمَّا قد قتلتْهُ وشرَّدَتْهُ عِصَاباتُ الكيانِ الصُّهيونيِّ منهنَّ ومنهُمْ كذاك من الشَّعبِ الفلسطينيِّ اللَّطِيمِ على مَدى أكثرَ من سبعينَ سَنَةً أشدَّ عُجُوفًا حتَّى). ومَا بَيْنَ هٰذَيْنِ الطاغيتَيْنِ العَتِيَّيْنِ عُتُوًّا مُبَاحًا ومُحَلَّلاً بوصَايةٍ أجنبيَّةٍ، علاوةً على ذٰلك، ثَمَّةَ طاغيتَانِ عَتِيَّانِ آخَرَانِ كانا يتخبَّطانِ تخبُّطًا متوتِّرًا متواترًا، أوْ يكادُ بازدواجيَّةٍ رَعْنَاءَ لافتةٍ للعِيَانِ، قدَّامَ مشهدَيْنِ شعبيَّيْنِ ملتهبَيْنِ كلَّ الاِلتهَابِ بعدَمَا طفحَ الكَيْلُ بهما من كلِّ حَدْبٍ وصَوْبٍ، مشهدَيْنِ شعبيَّيْنِ تارةً يبشِّرانِ تورُّدًا بأنباءٍ ثوريَّةٍ «سَارَّةٍ» وطَوْرًا ينذرانِ تَشَوُّكًا بأخبارٍ لاثوريَّةٍ ضَارَّةٍ، في ذاتِ الآنِ والأوانِ، وفي ذاتِ ذاك الجَانبِ الإفريقيِّ من هذا العَالَمِ العربيِّ التَّائِهِ والرَّائِهِ رَيْهًا جَمُوحًا كعادتِهِ في الخَوَالِي من تلك الثَّمَانِي سَنَوَاتٍ، لا بَلْ رَيْهًا حتَّى أشَدَّ جُمُوحًا مِمَّا كانَ عليهِ في ذاتِ هذا الجَانبِ الإفريقيِّ منذُ إرْهَاصَاتِهِ الأولى، وقدْ بانتْ بالفعلِ أولى هذهِ الإرْهَاصَاتِ قبلَ نهايةِ العامِ الشَّاهِدِ والشَّهيدِ 2018 بأسابيعَ معدوداتٍ.

ثَمَّةَ، من طرفٍ أوَّلَ، طاغيةٌ عَتِيٌّ مُصْطَنَعٌ كانَ يمتازُ بالتَّبَجُّحِ استقواءً في «عُقْرِ دَارِهِ»، ليسَ إلاَّ، وكانَ يُحَاوِلُ من ثَمَّ إثْبَاتَ فُحُولَتِهِ العسكريَّةِ قبلَ نظيرتِهَا السياسيَّةِ بنَحْوٍ أو بآخَرَ، كمثلِ طاغيةِ السُّودَانِ المخلوعِ عمر حسن البشير، هذا الطاغيةِ الذي لَمْ يكفَّ حينذاك عن التلميحِ كَامِخًا بهذهِ الفحولةِ العسكريَّةِ على أكثرَ من صَعِيدٍ، وبالأخصِّ عندمَا كانَ على الدَّوَامِ يلوِّحُ شامخًا بِمَدَى سِحْرِيَّةِ تلك «العَصَا الجَوْقَلِيةِ» Airborne Baton، الإنكليزيةِ المنشأِ والوَصِيدِ – كُلُّ ذاك قدْ مَرَّ، وقدِ استمَرَّ قائمًا وسَائرًا على قَدَمٍ وسَاقٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى، على الرَّغمِ من كونِهِ (أي كَوْنِ البشيرِ) الطاغيةَ «العربيَّ» الأوْحَدَ من حيثُ انصياعُهُ العتيدُ لأمرٍ روسيٍّ مباشرٍ و/أوْ إيرانيٍّ غيرِ مباشرٍ بتنفيذِهِ، قبلَ خَلْعِهِ المَحْتُومِ، زيارةً مدروسةً بعنايةٍ فائقةٍ لطاغيةِ سوريا العَتِيِّ، بشار الأسد، وتذكيرِهِ (أي تذكيرِ البشيرِ)، فضلاً عن ذلك، بماضٍ دبلوماسيٍّ «تَقَارُبِيٍّ» و«تَحَابُبِيٍّ» بينَ السُّودَانِ وإيرانَ (أيَّامَ هاشمي رفسنجاني، في التسعينياتِ من القرنِ الفارطِ)، وعلى الأخَصِّ حينما كانتْ أمريكا دُونَ غيرِهَا تمارسُ، وَهْيَ مَشْغُوفَةٌ شَغَفًا سَلِيقِيًّا بغَلْوَاءِ ذلك «القِصَاصِ الازدواجيِّ» الشَّهِيرِ في حَدِّ ذَاتِهِ، حينما كانتْ تمارسُ أشْتَاتَ الضَّغْطِ السياسيِّ والاقتصاديِّ «التَّبَاعُدِيِّ» و«التَّحَاقُدِيِّ» على الدولتَيْنِ المقصُودَتَينِ، في آنٍ واحدٍ، وبحُجَّةِ أنَّهُمَا رَاعِيَتَانِ جِدُّ سَاعِيَتَيْنِ لكُلِّ أشكالِ الإرهابِ وأنَّهُمَا مُنْتَهِكَتَانِ جِدُّ حَيَّاكَتَيْنِ لجُلِّ حُقُوقَ الإنسانِ – وكُلُّ ذاك قدْ مَرَّ، وقدِ استمَرَّ قائمًا وسَائرًا على قَدَمٍ وسَاقٍ إلى أجَلٍ مُسَمًّى كذلك، على الرَّغمِ من قيامِ الشَّعْبِ السُّودَانيِّ الوَاغِرِ صَدْرًا والحَانِقِ نَحْرًا بتحطيمِ سَائرِ جدرانِ الخوفِ المُزْمِنِ قُدَّامَ التغوُّلِ الطغيانيِّ السَّادِيِّ الذُّهَانِيِّ، على اغتراقِ دَرَجَاتِهِ وعلى افتراقِ دَرَكَاتِهِ، وبالرَّغْمِ من هَبِيبِ أطيافٍ ملحوظةٍ من هذا الشَّعْبِ الصَّعْتَرِيِّ الخِنْذِيذِ من ثمَّ، في طُولِ البلادِ وعَرْضِهَا، وهي تَهْتِفُ بالهُتَافِ الوَلِيدِ لحظةَ الانفجارِ الأوَّلِيِّ، كما هَتفَتْ شُعُوبُ «الربيعِ العربيِّ» بادئةً بالمَطْلَبِ اللاهِبِ باتِّقَادِهِ الوَقِيدِ، من قبلُ، هكذا: «الشعب يريد إسقاط النظام!». وثَمَّةَ، من طرفٍ ثانٍ، طاغيةٌ عَتِيٌّ مُصْطَنَعٌ آخَرُ كانَ يمتازُ بالتَّرَنُّحِ استعلاءً من وَرَاءِ «حَدِّ دَارِهِ»، ليسَ سِوَى، وكانَ يُحاولُ من ثمَّ إِنْكَارَ عُنَّتِهِ السياسيَّةِ حتَّى قبلَ مثيلتِهَا العسكريَّةِ بهيئةٍ أو بأخرى، كمثلِ طاغيةِ الجزائرِ العِنِّينِ القَعيدِ عبد العزيز بوتفليقة، هذا الطاغيةِ الذي كانَ يتشدَّقُ بالمِرَارِ بِلِسْنِ مَنْ كانوا يَشْدِقُونَ نِيَابَةً عنهُ بـ«النَّزَاهَةِ المُثْلى» تغاضِيًا متعمَّدًا عنْ آثامِ مَاضي سِجِلِّهِ الاختلاسيِّ المُؤَوَّجِ حتَّى بعشراتِ الملياراتِ من «السنتيماتِ» عندما كانتْ فُرَادَى تيك «السنتيماتِ» تتكلَّمُ آنَذَاك فعليًّا منذُ أكثرَ من أربعينَ عَامًا (ومَا بينَ سنتَيْ 1965-1978، على وجهِ الضَبْطِ)، وهذا الطاغيةِ الذي كانَ يتمنطقُ بالمِرَارِ أيضًا بِلَغْوِ مَنْ كانوا يَنْطِقُونَ وَكَالَةً عنهُ بـ«العَدَالَةِ الحُسْنَى» تعامِيًا متعمَّدًا أيضًا عن شُرُورِ مَاضي مِلَفِّهِ التَّعَسُّفيِّ المُتَوَّجِ، بدورهِ هو الآخَرُ، حتَّى بمَكِيدَةِ اغتيالٍ مدبَّرَةٍ كَادَتْ أنْ تُودِيَ بحياتِهِ كلِّهَا قبلَ حَوالَيْ ثلاثةَ عَشَرَ عَامًا خَلتْ (وفي اليومِ السَّادسِ من شهرِ أيلولَ سَنَةَ 2007، على وجهِ التحديدِ)، حتَّى قبلَ أنْ يشتدَّ بِهِ ذلك الدَّاءُ العُضَالُ مقترنًا بنوعٍ من أنواعِ التَّجَلُّطِ الدِّمَاغِيِّ الذي، صَيَّرَهُ، في آخِرِ المَصِيرِ، طاغيةَ الجزائرِ العِنِّينَ القَعيدَ بكُرْسِيِّهِ المتحرِّكِ الفرنسيِّ بـ«إسْبَاغِهِ الجديدِ». وقد كانَ إبَّانَئِذٍ يتحرَّكُ قاعدًا بكُرْسِيِّهِ المتحرِّكِ هذا وَسْطَ هتافاتِ الشعبِ الجزائريِّ الثائِرِ عن بَكْرَةِ أبيهِ كذلك، ذلك الشَّعْبِ الفِرْنَاسِيِّ الصِّنديدِ الذي كانَ، ولم يزلْ، يَهْتِفُ واقدًا متَّقدًا ومُسَالِمًا بمطالبَ حتَّى أوْقَدَ لهيبًا في منطوقِ لهجةٍ، أو أكثرَ، من لهجاتِ العاميَّةِ الجزائريةِ بِمَا تعنيهِ في جُلِّهَا (وباختلافٍ معجميٍّ طفيفٍ عن النَّظِيرٍ السُّودانيِّ الآنِفِ الذِّكْرِ، لكنَّهُ اختلافٌ لَهُ مدلولُهُ الدَّالُّ، في هذا السياقِ)، يَهْتِفُ واقدًا هكذا: «الشعب يريد رحيل النظام!».

وهكذا، وهذا الرحيلُ الذي يريدُهُ الشعبُ الجزائريُّ هَابًّا أسبوعًا بعدَ أسبوعٍ (بدءًا باليومِ الثاني والعشرينَ من شهرِ شباطَ العامَ الفائتَ 2019)، هابًّاِ من هَبيبِهِ التاريخيِّ العَارمِ إنَّمَا مبتغاهُ رحيلُ نظامِ حُكْمٍ مَافْيَويٍّ قديمٍ عجوزٍ مُتَهَرِّئٍ مُهَرِّبٍ للأموالِ (من تَهَرُّئِهِ) آسِنٍ حتَّى القِحْفِ من الرَّأسِ في مستنقعَاتِ الفسَادِ والرَّذيلةِ والمُحَابَاةِ والمحسوبِيَّاتِ بكلِّ أشكالِهَا، في المقامِ الأوَّلِ، وإنَّمَا مبتغاهُ كذاك من الدستورِ الجزائريِّ، على أقلِّ تقديرٍ جذريٍّ لا لَبْسَ ولا التباسَ فيهِ، تفعيلُ كلٍّ من المادةِ (7) التي تنصُّ على أنَّ «الشعبَ مصدرُ كلِّ سُلْطَةٍ» والمادةِ (8) التي تنصُّ على أنَّ «السُّلْطَةَ التأسيسيَّةَ ملكٌ للشَّعْبِ»، في المقامِ الثاني – فمنْ غَبَنِ «التحليلِ السياسيِّ» أنْ يُعْمَدَ إلى إجْرَاءِ مقارنةٍ وَقَائِعِيَّةٍ إلى حَدِّ التشابُهِ الآليِّ أيَّامَئِذٍ بينَ المشهدَيْنِ الجزائريِّ والمصريِّ، كما فعلَ الباحثُ الجامعيُّ جلبير الأشقر جادًّا في مقالهِ «الجزائر إلى أين؟» (القدس العربي، 12 آذار 2019)، نظرًا للفارقِ البنيويِّ والعقائديِّ الكبيرِ بينَ تركيبَتَيِ المؤسَّسَتَيْنِ العسكريَّتَيْنِ المَعْنِيَّتَيْنِ في الدَّاخِلِ، وخَاصَّةً فيما لهُ رِبَاطٌ بتَسْيَارِ العَمَالةِ والتبعيَّةِ الأمنيَّتَينِ والاقتصادِيَّتَيْنِ، على حسَابِ الإرادَةِ الشَّعْبِيَّةِ، بالمَسَارِ الذي يُرْضِي رَغَبَاتِ الآمِرِ الأجنبيِّ في الخارج (فرنسا بوَصْفِهَا «سَيِّدةً» استعماريةً لِذَاتِهَا في مقابلِ إسرائيلَ بوَصْفِهَا «رَبِيبَةً» استيطانيَّةً لآخَرِهَا، على الترتيبِ، في هذهِ القرينةِ، مثلاً): فالمشهدَانِ المُتَحَدَّثُ عنهُمَا، ها هنا، لا يمكنُ بَتَّةً أنْ يُوَازَيَا ببعضِهِمَا البعضِ بتلك البساطةِ «البنيويةِ» التي تَمَّ اعتمادُهَا في هذا المقالِ، سَواءً استمرَّ الطاغيةُ العِنِّينُ القَعيدُ «مُفْلِحًا» في التجديدِ بإشعارٍ للولايةِ الخامسةِ أمِ استمرَّ «مُخْفِقًا» في التمديدِ دونَمَا أيِّ إشعارٍ للولايةِ الرابعةِ أمِ استمرَّ «أذْرَعَ إخْفَاقًا» في الاحتفاظِ بمقعدٍ دفاعيٍّ في حكومةٍ مَافْيَوِيَّةٍ «جديدةٍ» أمْ حتَّى لَمْ يستمرَّ مُعْلِنًا عن تَنَحِّيهِ (وقد أعلنَ، بالفعلِ، عن تَنَحِّيهِ بعدَ ذاك الهَبيبِ الشعبيِّ التَّاريخيِّ في اليومِ الثاني من شهرِ نيسانَ من ذاتِ العامِ 2019) وإخْلائِهِ السَّبيلَ من ثمَّ لرئيسِ مجلسِ الأمَّةِ وَفْقًا لنصِّ المادةِ (102) من الدستورِ الجزائريِّ، في نهايةِ المَطافِ – ومنْ غَبَنِ «التحليلِ السياسيِّ» كذاك أنْ يُعْمَدَ إلى إجْرَاءِ مقايَسَةٍ شِعَارَاتِيَّةٍ إلى حَدِّ التطابُقِ الإلكترونيِّ أيَّامَئِذٍ أيضًا بينَ المشهدَيْنِ الجزائريِّ والسُّوريِّ، وذلك استئناسًا بالشِّعَارِ الأسديِّ «التَّشْبِيحِيِّ» الغنيِّ عن التعريفِ «الأسد أو نحرق البلد!»، كما فعلَ الباحثُ الجامعيُّ جلبير الأشقر ذاتُهُ كذاك بذاتِ الجِدِّ في مقالهِ الآخَرِ «بوتفليقة أو نحرق البلد!» (القدس العربي، 5 آذار 2019)، نظرًا، والحَالُ هذهِ المَرَّةَ، للفارقِ النفسيِّ والاجتماعيِّ الملحُوظِ للعَيْنِ البَصَرِيَّةِ (حتَّى قبلَ العَيْنِ العَقْلِيَّةِ) بينَ ما تتمخَّضُ عنهُ كلٌّ من صِيَاغتَيِ الشِّعَارَيْنِ «الإحْرَاقِيَّيْنِ» المَعْنِيَّيْنِ على الصَّعيدِ الجَمَاهِيريِّ دونَ أيِّمَا صَعيدٍ آخَرَ، وخُصُوصًا فيما له مِسَاسٌ بمدى وتَمَادِي الانْحِسَارِ والأُفُولِ الفرديَّيْنِ وَ/أوِ الجَمْعِيَّيْنِ لتأثيرِ ذلك الشِّعَارِ البدائيِّ الأوَّلِيِّ بصِيَاغَتِهِ الأسديةِ «التَّشْبِيحِيَّةِ» الوَعِيدِيَّةِ والتَّخْوِيفيَّةِ في أذْهَانِ الشَّعْبِ الجزائريِّ الواعيةِ وما قبلَ الواعيةِ، على حدٍّ سَوَاءٍ، تمامًا كما كانتِ الهَيْئَةُ الاستجابيَّةُ التلقائيَّةُ، وما زالتْ حينَئِذٍ، في أذْهَانِ الشَّعْبِ السُّودانيِّ، من طرفِهِ هو الآخَرُ. وهكذا، على سبيلِ التمثيلِ، يتجلَّى نوعُ المهزلةِ النَّحْوِيَّةِ (ومَا يَسْتَتْبِعُ منها دَلالَةً بالحَرْفِ – ناهيكُمَا عنِ اسْتِتْبَاعِ المَجَازِ)، من هذا الخُصُوصِ عَيْنِهِ، تلك المهزلةِ النَّحْوِيَّةِ التي خَفِيَتْ على الكثيرِ الكثيرِ من المحلِّلينَ والمعلِّقينَ السياسيِّينَ العربِ وغيرِ العربِ، في حقيقةِ الأمرِ، يتجلَّى في مدلولِ ما يُسَمَّى، في علمِ المنطقِ، بـ«الوظيفةِ التَّخْيِيريَّةِ» Disjunctive Function، وبالأخصِّ حينما يدلُّ عليها مَحَلُّ الأداةِ العَاطِفَةِ المُتَوَخَّاةِ «أو» عَيْنِ عَيْنِهَا، هذهِ الوظيفةِ التي تقتضي اقتضاءً فَحْوَاءَ تَخْيِيرِهَا التَّنَافَوِيِّ (التبادُلِيِّ) بينَ طَرَفَيِ المعادَلَةِ التَّخْيِيريَّةِ، «الأسد» و«نحرق البلد»، لكيْمَا تقولَ قَوْلَتَهَا بواحدٍ، وواحدٍ فقط، من هٰذَيْنِ الطَّرَفَيْنِ، لا لكَيْ تقولَهَا بكِلَيْهِمَا مَعًا: فإمَّا «بَقَاءُ الأسدِ» (وليسَ غيرَ) وإمَّا «إحْرَاقُ البلدِ» (وليسَ غيرَ، كذلك).

بَيْدَ أنَّ المهزلةَ النَّحْوِيَّةَ المُتَكّلَّمَ عنها، هنا، قدْ بلغَتْ ذُرْوَتَها الدَّلاليَّةَ لدى القَوْلِ اللاتَخْيِيريِّ النقيضِ (أو، بالحَرِيِّ، لدى ما يُدْعَى كذاك بـ«القَوْلِ التَّعْطِيفِيِّ» Conjunctive Assertion، في المُقَابِلِ)، أي القولِ التَّوْكِيدِيِّ بالطرفَيْنِ كلَيْهِمَا مَعًا، في واقعِ الأمرِ: لقدْ تَمَّ «إحْرَاقُ البلدِ» بالقوَّةِ وبالفعلِ في آناءِ الليلِ وفي أطرَافِ النَّهَارِ، من كلِّ الجهاتِ، ولكنَّ شَخْصَ «الأسدِ» مَا زالَ «بَاقِيًا»، بشكلٍ من أشكالِ «البَقَاءِ» ولا شَكَّ، مَا زالَ «بَاقِيًا» ليسَ لَهُ سوى أنْ يحكمَ بأمرِ اللَّاتِ مَا «تَبَقَّى» من رَمَادٍ لكي يذرَّ مَا يستطيعُ أنْ يغرفَ مِنْ هذا الرَّمَادِ في عُيُونِ مَنْ يسْعَونَ جَاهدينَ بكلِّ مَا أُوتُوا بِهِ مِنْ جَهْدٍ مَادِّيِّ ومَعْنَوِيٍّ إلى إثباتِ، ومِنْ ثَمَّ إلى ترسِيخِ، تلك المَسْألَةِ، مَسْألَةِ «تعدُّديةِ الشَّخْصِيَّةِ الواحدةِ» التي أُشِيرَ إليها في أكثرَ من موضعٍ في أقسامِ هذا المقالِ – الشَّخْصِيَّةِ الواحدةِ التي تتعدَّد أكثرَ فأكثرَ، دونمَا قَيْدٍ أو شَرْطٍ، عندمَا يدافعُ كلُّ أولئك السُّفَهَاءِ والمُرَائِينَ والمتملِّقِينَ والمتزلِّفِينَ كُلِّهِمْ، على اختلافِ مَشَارِبِهِمْ وعلى ائتلافِ مَآرِبِهِمْ، عندمَا يدافعونَ عن شَخْصِ الطاغيةِ العَتيِّ المُصْطَنَعِ المَعْنِيِّ، كمثلِ هذا «الأسدِ» بالذاتِ وكمثلِ شَخْصِهِ «الباقي» كذاك حاكمًا بأمرِ تيك اللَّاتِ مَا «تَبَقَّى» من ذاك الرَّمَادٍ، تشويهًا وتشنيعًا لِوَجْهِ الحَقِيقَةِ!

[انتهى القسم السابع من هذا المقال ويليه القسم الثامن]

*** *** ***

غياث المرزوق
لندن

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق