قراءات ودراسات

الإشراق وانزياحات المتخيل في قصيدة ” حتما ستأتي” للشاعر : رابح بلطرش

قراءة : أ / فضيلة عبدالكريم

تمهيد : تجربة رائدة في المشهد الشعري المعاصر لشاعرنا،ومن دون شك ليس أفضل من النص ممثلا للشاعر كاشفا عن خباياه، فقد يريد الشاعر شيئا ويرى القارئ شيئا آخر، في حين قد يكشف النص عن شيء مختلف تماما. والأمر ليس غريبا، فما ينتجه النص قد يكون دلالة مرشحة ناتجة عن تفاعل أفقين: النص والقارئ بعد أن يتوارى الشاعر بينهما، وعليه صعب أن نقرأ تفاصيل ما كًتب في لحظة لشاعر له آلياته الخاصة في تلك اللحظة الراهنة للنص والأصعب أن نقف على انزياحات وتأويلات قد نقترب فيها من حقيقة النص أو نبتعد عنها. والنص الذي وقفت اثناء اطلاعي على تفاصيله له حفريات تجعلك تقف معه طويلا  فيه الكثير من الدهشة بعنوان “حتما ستأتي”

نص القصيدة:

حتـْمًـــــا ستــأتي التي مازلتُ أرقبـُهــــَــا
رغْـم انتظـــــاري ورغم اليـَـــأسٍ والمَــللٍ

حتمًـــــا ستَأتي التي صَـدَّقت ُ موعدَها
وغَادرتني كطيْــــفٍ مَـــرَّ في عجــــــــــلِ

لمَّــــا التقيتكُ كيف اللفظ طاوعنــــــي ؟
ماذا كتبتُ لها ؟ ما قلتُ في جُـمَـلـــي ؟

يَـــا وجْههـَا هَــالةً مــن نُــوره أقتَبست ْ
كُــــل – المليحَـاتِ – ســرًّا ، غير مُكْتمـلِ


كيْــــف استفقتُ أنَــــــا من غفوةٍ حملتْ
روحي إلَـى عالَـــــــــم الإشراق والمثــُـلِ

هل ْ كُان طبعـي أرى الأوهام من خبَــل
هل ْ كنتُ فعْــلاً مع- السمــراء- يا خبلي

هل كنت أحلُـــــــم ؟ كـــلاَّ ،إنهــــا تركت
رسائــــــــــلأ خُتمت ْ ، بالطٍّـيب والقُبـــَل ِ

حتمًا ستأتي التي في سرٍّها أختصرتْ
كل المــــــــواسم بالديبـــــاج ٍ والحـــللٍ

مازلتُ مضطربًـا من وعدها قلقـًـــــــــا
عني وعن قلقي المحْمــوم ، لا تسَـــل

فـَكيف أعتبُ عنها كيفَ – إنْ – رجَعـتْ
ونحن لم نستفــــقْ، من رجفَـةٍ الخجلِ


حتـْمًـــــا ستــأتي التي مازلتُ أرقبـُهــــَــا
رغْـم انتظـــــاري ورغم اليـَـــأسٍ والمَــللٍ

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

سأسعى إلى تفكيك النص من داخل  الذات المنتجة  نحو معرفة ولادة النص الشعري في زمن الكتابة والظروف التي تكون أجزاء من منطق النص ومساهمتها في اعادة هيكلة الوعي الذاتي الشعري و تكوينه , رغم أن المسألة تبقى نسبية لأن ما يبدعة  الكاتب عموما و الشاعر على الخصوص فيه مساحات تبقى غامضة و لا يعرفها الا من كتب تلك العبارات في لحظة ميلاد النص .

يقول في مطلعها :

حتـْمًـــــا ستــأتي التي مازلتُ أرقبـُهــــَــا
رغْـم انتظـــــاري ورغم اليـَـــأسٍ والمَــللٍ


يدهشك بانتقائيته اللامية وفق نسق وتفصيلات حياتية في الحراك اللفظي و  التي تأخذ بتلابيب المتلقي، لما لها من وقع على الألم  وكما يقال -ينزل على الجرح-وهي المنطقة الشديدة الاحساس والملازمة للرغبة الانسانية ودواخلها، وقد ابدع  شاعرنا في تركيبته الشعرية بما فيها من دقة القول وعمقه وملازمته لبساطة الفهم وعمق التداعي بمفهومه الشعري، و هو القول المنبعث من فم الناس والمليء من شارعهم البسيط، وبذلك فهو قريب من احلامهم المنتظرة، هذه الاحلام المتشاكلة مع جراحهم…, و أحاسيسهم  والمنكسرة عند عتبات صباحاتهم و مساءاتهم  اليومية ،وهي كل ما نلمسه في البساطة العميقة لهذا النص الشعري . و لكل النصوص التي و قع عليها ناظري  و أدركها فهمي لشاعرنا الرائع دائما .

هذا الحس  المصاحب شعريا ً للحزن والألم الطويل  و الأمل فيه آهات طويلة الامد إنها تمثيل جميل ورائع للأحاسيس الجميلة المشتركة بين الناس . فلا يخاطب بنص له تركيبة ميتافيزيقية  والتي لا يفهما الا هو كما هو سائد لدى أغلب شعراء الحداثة ,

بل تأخذك الكلمات من قراءة أول رسم لها بصورة عجيبة .

مع  حتمية التواصل مع الكلمات و المخيال الجامح و المنكسر أحيانا على عتبات بوح فيها من اللامتناهي و الذي لا حدود له .

كلمة “حتما ” لها أبعاد تدل على الثقة و الأنفة و الاعتزاز بموعده و بوعده , و بين الموعد و الوعد ودَ أقواه الوعد الذي نقطعه على أنفسنا .

“مازلت ” ديمومة في حركة الزمن النفسي لا الفيزيقي الذي نعيشه

و نقدره بالأيام و الساعات , هو لحظة تجلي في النفس نجدها في فلسفات صوفية غامرة للوجدان صادقة في الوعــــــــــــد و الكلام. ويواصل شاعرنا بتكراره لكلمة “حتما ” و هي حالة موغلة في الثقة و صدق المشاعـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر.

حتمًـــــا ستَأتي التي صَـدَّقت ُ موعدَها
وغَادرتني كطيْــــفٍ مَـــرَّ في عجــــــــــلِ

لمَّــــا التقيتكُ كيف اللفظ طاوعنــــــي ؟
ماذا كتبتُ لها ؟ ما قلتُ في جُـمَـلـــي ؟

هذا التساؤل جوهري في مشهد القصيدة يزيدها رونقا فنيا رائعا

” ماذا كتبت ؟ ماذا قلت ؟ “و بين الكتابة و القول جدل في عتاب للنفس و بوح يعكس الصدق. هي حالة مع ذاته ووقفة فيها ملامح المخيلة التي ترتبط بالتفكير الراقي بالتعبير المختصر و الجميل .

ليدخل بعدها في حالة تقترب من الصوفية في قولة :

يَـــا وجْههـَا هَــالةً مــن نُــوره أقتَبست ْ
كُــــل – المليحَـاتِ – ســرًّا ، غير مُكْتمـلِ

كيْــــف استفقتُ أنَــــــا من غفوةٍ حملتْ
روحي إلَـى عالَـــــــــم الإشراق والمثــُـلِ

_إن عالم الاشراق و المثل هو محراب في لحظة صفاء و تجلي ليس للجمال فقط بل للجـــــــــــــلال , فيه مرتبة العارفين بصدق صدقهم و نبل مشاعرهم  و الأبيات الأولى فيها حالة قرب لكنها في البيت الأخير اصبحت صوفية رائعة تجعلك تلمس النجوم و السحـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــاب .

و يستمر المشهد في طرح الأسئلة الانفعالية الصادقة في قوله :

هل ْ كُان طبعـي أرى الأوهام من خبَــل
هل ْ كنتُ فعْــلاً مع- السمــراء- يا خبلي

هل كنت أحلُـــــــم ؟ كـــلاَّ ،إنهــــا تركت
رسائــــــــــلأ خُتمت ْ ، بالطٍّـيب والقُبـــَل

و يجيب بثقة و يضع أيقونة فكرية حدسية للربط بين الحلم و الواقع ,

هي مسلمة للمتلقى تعيده لأول حرف من القصيدة ليعيد القراءة مرة أخرى و يتمعن جيدا في تلك الأسئلة الجمالية اللامتناهية .

أما وصف _السمراء_ جرت عليه العادة  لدى الشعراء في عشقهم , له ايقاع نفسي و حسي و يشدَ الفكر الى مشهد حالم يضعك أمام أمنيات لإسقاطه على الواقع الذي تعيشه الحواس  . و بين هذا و ذاك جاء لفظ ” يا خبلي ” .

يعود مرة أخرى للحتمية التي تترجم عتبة التحقق و الاستقراء الذاتي في قوله :

حتمًا ستأتي التي في سرٍّها أختصرتْ
كل المــــــــواسم بالديبـــــاج ٍ والحـــللٍ

مازلتُ مضطربًـا من وعدها قلقـًـــــــــا
عني وعن قلقي المحْمــوم ، لا تسَـــل

من ينتظر و عدها اختصرت كل المواسم بالديباج و الحلل , و هي صورة شعرية مزينة بعبارات الشعر القديم الذي يستعصي على  الكثير من شعراء اليوم . هي لا تسأل رغم صدق وعودها ووعدها ربما هي حالة عابرة و تمر أو ربما فيها تختصر المواعيد و هي أنموذجا تبحث عنه مشاعر قلقة في عالم ساده الزيغ و الكذب و لا حديث فيه لدقة المواعيد .

_هذه الصورة الشعرية يختمها بحالة هي بين الشك و اليقين  يقول  فيها:

فـَكيف أعتبُ عنها كيفَ – إنْ – رجَعـتْ
ونحن لم نستفــــقْ، من رجفَـةٍ الخجلِ

حتـْمًـــــا ستــأتي التي مازلتُ أرقبـُهــــَــا
رغْـم انتظـــــاري ورغم اليـَـــأسٍ والمَــللٍ

الشك هنا فيه جزم و حتمية مرة أخرى , رغم  القلق محاولا تجاوز الحالة الراهنة و رسم معالم خريطة مشاعر يتجاوز فيها الأخذ و الرد , بمساحة من سؤال العتاب و الذي لا يكون الا لمن نحب … العتاب لمن يعود … و لكن ان رجعت …تعود حالة الاستفهام و الشك . و في الانتقال بين دائرة الشك و اليقين سلاسة و تحكم

لفظي في العبارة , كما لا أنسى القيمة الجمالية للفظ ” الخجل ” حيث نتابع من خلاله مقياس العلاقة بين البوح و مراقبة الذات في و ضع معايير للقوانيين و الإكراهات التي يفرضها الآخر على سلوكيات المبدع , و التي لا يمكنه الخروج منها بل في قسريتها  احترام اللفظ لها بأبعاد انسانية رائعة .

خاتمة هذه القراءة :

قد انبرت تجربته الشعرية  في نص هذه القصيدة  الى ميلها المعتني والمعتمد على الأنيق اللغوي بدءاً من التعبيرية اللغوية حتى انتقاء المفردة من خلال واقعية  القول والتصريحية اللغوية الشجاعة في انتقاء العبارة و فق المتداول على لسان عامة الناس والقريب من لغتهم . فكان بين الواقع و حالة التجلي . كيف لا ؟ وهو من اقترب من المشهد الثقافي بكل حميمية و أخذ على عاتقه إخراج المهمش و الغائب في المدن الداخلية و ذلك بإدارته للمجلة الالكترونية أصوات الشمال ذات الصيت المغاربي و العربي .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق