ثقافة النثر والقصيد

أميرة الماء..!

شِعر: أ.د/ عبدالله بن أحمد الفَيْفي

مَـوْجٌ  على  مَـوْجِ  الهَوَى  يَـتَـكَــسَّـرُ

ومَدًى  يُســافِـرُ  فـي  مَدَاهُ  ويُبْحِــرُ‍

والبَحْــرُ أيـَّامِــيْ ، تُخِـبُّ خُــيُولَهـا،

أسَــفًــا يَــرُوحُ ، وبَهْـجَــةً تَـتَمَطَّـرُ‍

كُلُّ  الذينَ  رَأَوْكَ في حَــدَقِ الصُّـوَى

بَصُــرُوا  بِعِشْقِــكَ ،  إنَّما  لم يُبْصِـروا‍

بَصُــرُوا  بـأنَّ  أَمِـيْـرَةَ   الـمَــاءِ  التي

وهَبَـتْـكَ  نَوْأَكَ  أَمْـرُهـا  لا  يُـقْـهَـرُ!

* *   *

الَمــغْرِبُ  الأَقْصـَى  علـى  أَهْدابِهــا

شَــرْقٌ ،  يَزُفُّ  جَـنَاهُ طَرْفٌ أَحْــوَرُ!

مِن  صَقْرِ  فَوْدَيْها  إلـى  عُشْبِ  الفَـلا

خِشْفانِ ،  حَفَّهُما  الفُــتُـوْنُ  الأَكْــبَـرُ

وعلى  نَـوارسِ  رُكْبَـتَـيْها  رَفْـرَفَــتْ

أشــواقُ  أَيـَّامــيْ،  ومـَـارَ  المَـرْمَـرُ!

ولهــا  علـى  أُفـُـقِ  الزَّمــانِ  تَـوَقُّـدٌ

ولهــا  علـى  أُفـُـقِ  المكــانِ  تَعَـثُّــرُ

يَـتَـبَــدَّدُ  التَّــاريــخُ  فـي  بَـيدائهــا

وإذا  أرادتْ ،  فَهْوَ  عَــبْدٌ  مُحْــضَـرُ!

* *   *

أَيْنَعْتُ  مِن  رُغْمِ  الثَّـرَى  بِمَفازَتــي،

هَتَفَتْ  بِـهِ ،  فَحَواهُ  فَجْــرٌ  أَخْضَـرُ!

لِتَــلُــفَّـهُ  مِن  دِفـئــهـا  بِمُطَـهَّــمٍ-

سَــعَـفُ  الأصائلِ  ساعِداهُ- وتَـبْذُرُ

تَسْهُوْ  علـى  وَلَـهٍ  مَشاعِلُ  وَجْدِهــا

الصُّوْفيِّ، أو يَصْحُو الحُضُـورُ المُزْهِــرُ

عَرَفَ  انهمارَ  الدَّهْــرِ  مِن  أعطافِهــا

فَسَقَتـْـهُ، لا يَصْحُــو ولا هُوَ يَسْكَـرُ!

* *   *

يا  أَيـُّها  الأُنثى  التي  حَمَلَــتْ  «زمــا

نَ  الوَصْلِ»  طِفْــلًا، أينَ مِنْكِ تَنَكُّرُ؟‍

غادَرْتـِنـِيْ  نَهْـبَ  القصائــدِ والرُّؤَى

مُـتَجــاذَبٌ ،  مُــتَداوَلٌ ،  مُـتَبـَعْـثِـرُ

أَهْـمِـيْ حَنِـيْـنًا  في  ثَراكِ ، وأَنْـثَـنِـي،

مِن  فَـرْطِ  ما  بـِيْ ،  هائـمًا  يَـتَـفَكَّــرُ

تلكَ التي ظَمِئَـتْكَ قد أَظْمَتْكَ ،  والــ

أَبـَـدُ انْـتَهَى ، والماءُ  مَعْنًى  مُضْمَــرُ!

أ فَهكذا  عِشْقِـيْكِ  يَـبْـقَــى  جَــذْوَةً

في  الرُّوْحِ ،  تَخْـبُو  تـارةً  أو  تَظْهَـرُ؟!

* *   *

كَمْ  قُلْتُ  يومــًا ، والهــواءُ  غَلائــلٌ

بِيْــضٌ ،  وطــارَ  بِنا  جَـنَاحٌ  أَشْقَـرُ:

يـا  نَخْــلَــةَ  اللهِ  التي  أثــداؤهــــا

رُطَــبُ  الحَيــاةِ  وظِلُّهـا  المُتَهَـصِّـرُ!

هُزِّيْ  بِجِذْعِـيْ ،  إِنَّــنِيْ  لَكِ  جائـعٌ،

وتَســاقَطِـيْ  كَمَــجَــرَّةٍ  تَـتَـكَـوَّرُ!

أُهْدِيْــكِ  راياتِـيْ ،  شِراعـًا مِنْ دَمِيْ،

وخُيُوطُهـا  مِن  مُهْجَــتِيْ  تَـتَحَــدَّرُ!

يَهْـنِـيْكِ  منهــا  خامَـةٌ  مِن  غَـيْمِهــا

لِيَعِـيْثَ  فيهــا  ذا  البَهــاءُ  المُـبْهِــرُ!

وخُــذِيْ  بِأَعْنَـاقِ  الشِّعــاراتِ  التي

قَضَمَتْ  بِجِسمــيْ أُمـَّـةً  لا  تَشْعُـرُ!

هذي  فِلَسْطِـــيْنُ  كَأَطْــوَلِ  كِذْبَـــةٍ

تاريخُهــا  عَــرَبٌ  تَقُــوْلُ  وتَـكْفُـرُ!

والمُسْلِمُــــوْنَ  مَسَـابِــحٌ  ومَــبَاخِـرٌ

أُمَمٌ  هنــالِكَ  كَـمْ  تَنَـــامُ  وتَجْـــأَرُ!

* *   *

بغــدادُ في «فِــلْمِ العُـرُوْبَـةِ» أُحْرِقَتْ

والمُخرجــانِ «تَأَمْــرُكٌ» و«تَدَوْلُــرُ»!

هُــزِّيْ إليكِ بِجِذْعِهــا، يَلِدِ الضُّحَى

طِفْـــلَيْنِ: طِفْــلًا بِالأَرُوْمَــةِ يَجْــدُرُ

والآخَــرُ الطِّفْــلُ الذي في خاطِــري

مِنْ  أَلْــفِ  عــامٍ  فِكْــرَةً  لا تَكْــبُرُ!

* *   *

يا أنــتِ.. يا نحــنُ.. وما يَبْقَـى على

كَــفِّ الزَّمــانِ بطَقْسِــنا، يا بَيْـــدَرُ!

أَدري بأَنَّــكِ في مَـخاضِــكِ، بينمــا

أَهْلُوكِ حَوْلَكِ، هازِئٌ، أو مُنْكِـــــرُ!

أَدري بأَنَّــكِ حُــرَّةٌ، وأَسِـــــــيْرَةٌ،

ولَـكِ الجُمــوعُ بأَسْــرِها تَسْتَأْسِــرُ!

أَدري بــإِطْــراقِ الجَـوادِ إذا كَـبَــــا

أو بِاخْـتِلاجِ القَلْــبِ إِمَــّا يُكْــسَـرُ!

* *   *

ولقــد عَلِـمْــتِ بِأَنَّ قَلْــبَكِ دَانَـــةٌ،

أَغْلــَى مِنَ الأَغْلــَى عَلَـيَّ، وأَنْضَـرُ!

لكــنَّ عُنْــوَانَ الأُنوثــةِ مُشْـمِــسٌ،

أَبَــدًا، وعُنْــوَانَ الذُّكــورةِ مُقْمِــرُ!

عُنْــوَانُ لَحـْظَـيْكِ مَقاتِـلُ مُهْجَــتِيْ،

لَــوْ كانَ بِـيْ غَـيْرِيْ، وبِـئْسَ تَعَـذُّرُ!

* *   *

تِــلْكَ التي قَـتَلَتْ فُــؤادَكَ أَبْدَعَــتْ

قَـتَّــالَهــا ،  ولِكُــلِّ آتٍ مَــصْــدَرُ!

فَتَحَــرَّرِيْ مِــنِّيْ، فَمِــنْكِ بِدايَـتِـيْ،

ولْتَغْفِــرِيْ حُــبِّيْ، فَمِثْلُــكِ يَغْفِــرُ!

لا يَقْــرأُ اللُّغَــةَ الوَلُــوْدَ سِوَى الذي

يَحْــيَـا الأُمـُـوْمَــةَ، كُــلُّ أُمٍّ تَصْــبِرُ!

وأنــا  هُــنا  بِبَياضِهــا  مُــتَــوَسِّــمٌ

وَجْـهَ الشُّرُوْقِ، بِـسِفْـرِهِ مُسْتَـبْـصِــرُ

لا تَنْدَمِـيْ، لا تَحْلُمِــيْ، واسْتَقْــبِلِـيْ

أَمْسِـيْ، وبــابُ الوَعْدِ صُبْحٌ مُثْمِــرُ!

* *   *

تَــدْرِيْنَ ما قَــرَأَتْ أَنامِــلُ ساعَـتِـيْ

في وَجْهِكِ الذَّاوِيْ، وبَـرْدٌ  يَصْــفِـرُ؟

بَـيْـتَـيْنِ لَفَّهُــما الغُمُــوْضُ بِهامَـتِـيْ،

نَعَــبَا، وهذا الكَــوْنُ لَــيْلٌ مُغْـــدِرُ:

إنْ لم يَكُنْ لَكَ مِنْكَ طِـبٌّ في الَهــوَى،

فَطَـبِـيْـبُكَ المَـــوْتُ الذي لا تَحْــذَرُ!

لــولا دِمــاءُ الَمــوْتِ في مُهَجِ الحَــيَا

ما أَخْصَــبَ المــاءَ المــواتُ المُقْفِــرُ!

* *   *

يا غَيْمَــةَ الفَصْــلِ الأَخـيرِ، تَـمَهَّلِـيْ

فَشِفاهُـنا مِنْ حَلْمَتَـيْــكِ الكَــوْثَـرُ!

تَتَفَــتَّتُ الذِّكْــرَى الحَــرُوْنُ بِراحَتِيْ

فأَشُــمُّ مِــنْهـا أَنْجُــمًــا تَتَـحَــرَّرُ!

غَــزَلَــتْ بُــرَادَةَ ذِكْـرَياتــيْ غَــادَةً

ضَوْئِـيَّـةً، تَنْهــارُ فيهــا الأَعْــصُـرُ!

تَنْـتَابـُنِـيْ  رَيَّــانَــةً  بِجُــمُــوْحِهــا

لِــتَرُوْحَ مِــنِّــيْ ثَــوْرَةً أو تُــبْـكِــرُ

سأَظَـلُّ أَرْنُــوْ ظامِــئًا لِـجَهَــامِهــا،

لا مُقْشِعًــا عَــنِّيْ، ولا هُـوَ يُمْطِــرُ!

* *   *
قَــدَرِيْ أُحِــبُّكِ أَنْتِ، يـا فَتَّانَــتِـيْ،

مَــن ذا على قَـدَرِ المَحَــبَّـةِ يَــقْــدِرُ!

كَمْ- كالفَراشِ- نَمُـوْتُ في أَضْدادِنا!

والحُـبُّ بَعْدَ عَــدَاوةٍ هُــوَ أَشْــعَـرُ!

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق