ثقافة المقال

الصَّــوْت والصَّــدَى

بقلم/صـــلاح بوســـريف

ليست الثَّقافَة، هي جَمْع المعلومات والمعارف، أو تَراكُمُها في عقل الإنسان، بنوع من الحَشْدِ الذي يَشِي بوضع الأشياءِ بَعْضها فوق بعضٍ، كما لو أنَّها رُكامٌ، لا يَصْلُح للبناء، أو حتَّى لإعادة البناء. ما أعنيه، هنا، أن نَمْلأ رُؤُسَنا، بأفكارٍ، لا نعرف، لا مَتَى، ولا أين، ولا كيف نَسْتَعْمِلُها. وتصبح، بالتالي، هذه المعلومات والمعارف، هي مُجَرَّد اسْتِظهارٍ واسْتِعراض واسْتِعادَةٍ لكلام الآخرين. وبهذا يصير «المثقف»، في مثل هذه الحالة، هو صَدًى للآخرين، أو هو بمثابة خَزَّانٍ للمعارف والمعلومات، ليس أكثر. أن نقرأ، ونبحث، ونستمع للآخَرِين، من كُلّ العُصور والحِقَب، ومن كل الثَّقافَات واللُّغات، ونُحاوِرَهُم بما تُتِيحُه لنا اللُّغات التي نعرفُها، أو بما نَصِل إليه عبر الترجمة، أمْرٌ مُهِمٌّ وضروري، لأنَّنا لا يمكن أن نَبْنِيَ معرفتنا لهذا الآخَر، ولِما يقترحُه علينا من أفكارٍ ومعانِيَ، إذا لم نكن عَرَفْنا كيف يُفَكِّر هذا الآخر، وكيف كان نظام تفكيره، أو كيف كان ينظُر للعالم والأشياء من حوله، أو ما يمكن أن نعتبره هنا، نظام خطابه الذي به كان يبني فِكْرَه، أو رؤيتَه للعالم.

فما نأخُذُه من الكُتُب، وما نجمعُه من مُعطيات ومعلومات، وما تَمُدُّنا به مصادر المعرفة المختلفة من مفاهيم، وأدواتٍ، لا يمكن أن نُقْبِل عليه وكأنَّه حقيقةً نهائية ومُطْلَقَة. فنحن حين نُخْضِع هذه المعطيات للنقد والاختبار، فنحن نحرص على تَفْكِيكِها لِفَهْم طبيعة السياقات التاريخية والاجتماعية والفكرية التي خَرجَتْ منها، وهذا، يسمح لنا أن نكون على بَيِّنَةً بالخلفيات الثَّاوِيَة وراءها، أو ما تسْعَى لترويجه من مَعانٍ وأفكار.

فالمعرفةُ التي تخلو من المُراجَعَة والنقد، تكون استعادةً واجتراراً، ولا تسمح بِتَحَرُّر القاريء من سلطة هذه «النصوص» والمعارف عليه. أو بما يمكن اعتبارُه توظيفاً جديداً لها، أو إعادة بنائها، وفق ما يَطْرأ من تحوُّلات في المفاهيم، وفي ما يَسْتَجِدّ من أفكار ومُعْطَياتٍ، لم تَكُن مُتاحَةً من قبل. فَكُلّ بناءٍ، بهذا المعنى، هو مشروع هَدْم، ليس بمعنى الإلغاء، بل بما يعنيه من تَحْيين، ومن تَكْييفٍ لهذه المفاهيم والمُعطيات، حتَّى لا يصير ما نقرأه، هو ما يحكم فكرنا، وما يُوَجِّهُنا ويقودُنا، وكأنَّه العصا التي تقودُ الأعْمَى، أو بها يَجُسُّ نَبْضَ الطَّريق.

المثقف الذي أعنيه هنا، هو من يأْخُذ من الآخرين، لِيَنْفَرِدَ عنهم، وليصير صوتاً قائماً بذاته، له توقِيعُه الخاصّ به، وله مشروعه الشخصي، الذي يعمل على التأسيس له، بكل ما يمكن أن يَعْتَريه من أخطار ومزالق. أن نحرص على أصواتنا، معناه، أن نُضيفَ، لا أن نكونَ مُجرَّد حجر فوق حَجَر بدون بُنْيانٍ، وأعني هُنا ذلك البُنيان المَرْصُوص، الذي يكون اسْتِحْداثاً، واخْتِلاقاً، أو اختراقاً، بالأحرى.
لا ثقافة، ولا معرفةَ بدون اختراق. وكُلّ اختراق هو مُغامرة، أو تجريب، بالمعنى الذي يجعل من التَّجريب، أفُقاً، وطريقاً، لا سيراً في نفس الطَّريق، وبنفس الخَطْوِ، وهذا، هو ما يغلب على كثير مما نقرأه من كتاباتٍ، خصوصاً في مجال «»الإبداع» والنقد والبحث الأكاديمي، الذي أصبح ضرباً من اسْتِنْساخ المفاهيم والمناهج، دون مُساءلة، ولا مراجعة، أو تَكْييف للمنهج والمفهوم، أو تَبْيِئَتِه، بالتعبير الذي كان الجابري، اعْتَبَرَهُ جوهرياً في كل عَمَلٍ فكري جادٍّ وفريد في رُؤيته.
التَّجْميع، أو القَطْعُ والإلصاقُ، لا يمكنهُما أن يُنْتِجَا فكراً ولا خيالاً، كما أنَّهُما لن يًسْمَحا بوضع هذا «المثقف» المزعوم، في طريق المعرفة، التي تبدأ بالمُساءلَة والمُراجعة، لا بالاستعادة والتكرار، أو إخفاء الصَّوْت في دَبْدَباتِ صَدَى، هي في جوهرها، رَجْعُ أصواتٍ، لا يمكن إخْفاوُها، أو طَمْسُها، إلى الأبد.
٭ شاعر وكاتب مغربي

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق