قراءات ودراسات

الدكتور محمد أحمد أبو الفضل… المؤرخ العصامي

بقلم/ أبو الحسن الجمال*

عالم جليل من أعلام تاريخ المغرب والأندلس، وأحد روافد مدرسة جامعة الإسكندرية التاريخية وإن لم يعمل أستاذاً بها، فقد ارتبط وجدانياً بها ولم ينقطع عنها حتى رحيله، فقد واصل فيها دراساته العليا للماجستير والدكتوراه. وقد ترك إرثاً عظيما في كتبه وأبحاثه وتلامذته المنتشرون في الجامعات المصرية..
كان لزاما علينا أن نتذكره، ونقدمه نموذجاً للقدوة والمثل أمام شباب الباحثين، خصوصاً وقد عرف عنه المثابرة ومخاصمة اليأس رغم أنه لم يعين في الجامعة فور تخرجه بعد حصوله على تقدير “جديد جداً”. وقد عمل في مدارس التربية والتعليم على مدار 14 عاماً إلا أنه لم يفقد الأمل، وعين معيداً في كلية التربية جامعة طنطا وبعدها واصل طريقه في البحث العلمي حتى صار أستاذاً قديراً.
ولد محمد أحمد عبده أبو الفضل في الرابع والعشرين من شهر يناير سنة 1939 بمحافظة البحيرة، وتعلم في مدارس دمنهور حتى حصل على شهادة الثانوية من مدرسة دمنهور الثانوية، والتحق بكلية الآداب جامعة الإسكندرية قسم التاريخ والآثار المصرية والإسلامية، ليتلقى العلم مباشرة على أيدي نخبة من الأعلام من أمثال: جمال الدين الشيال، ومحمد محمود السروجي، والسيد عبد العزيز سالم، وسعد زغلول عبد الحميد وغيرهم.. ثم تخرج بتقدير “جيد جدا”، وعين في مدارس التربية والتعليم حتى عين معيداً للتاريخ الإسلامي بقسم المواد الاجتماعية بكلية التربية جامعة طنطا اعتباراً من 29/10/1974، ثم واصل دراساته العليا في كليته الأثيرة كلية الآداب بالإسكندرية وعلى أستاذه وقدوته الأستاذ الدكتور السيد عبد العزيز سالم (1928- 2003) وحصل بإشرافه على درجة الماجستير في الآداب شعبة التاريخ الإسلامي في رسالة بعنوان “تاريخ مدينة المرية الإسلامية حتى دخول المرابطين الأندلس” بتقدير ممتاز 1977، ثم واصل معه رحلة الدكتوراه وفي تلك الأثناء حصل على منحة إلى إسبانيا لجمع مواد الدكتوراه في الفترة من 16/12/1977 حتى يناير 1980، وهناك استفاد من منهج المستعربين في دراستهم التي تتسم بالدقة في الدراسة والتحليل، كما استطلع عن قرب المواقع التاريخية والتاريخية التي درات في رحاها الأحداث، واشتم عبق الأندلس الذي مازال يسري في كل مكان، ولم تفلح الوسائل الرهيبة التي مارسها المتعصبون في إزالتها… فمازالت تحيا في وجدان الناس بتأثيرها القوي، ولما عاد ناقش الرسالة وحصل على درجة الدكتوراه في الآداب في موضوع: “شرق الأندلس في عصر الموحدين”. بمرتبة الشرف الأولى في 30/12/1980.

وقد تدرج الدكتور محمد أحمد أبو الفضل في الدرجات العلمية والوظائف فقد عين معيداً في قسم المواد الاجتماعية بكلية التربية سنة 1974، كما سبق أن ذكرنا، ثم مدرساً مساعداً للتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية في نفس القسم اعتباراً من 6/11/1977، ثم مدرساً في 25/2/1981، وأستاذاً مساعداً في 31/7/1985، ثم انتقل إلى قسم التاريخ في كلية الآداب جامعة طنطا على نفس الدرجة في 3/3/1987.ثم أستاذاً للتاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بقسم التاريخ بكلية الآداب – جامعة طنطا اعتباراً من 23/12/1989. ثم تولى رئاسة القسم اعتباراً من 21/1/1992 حتى أواخر عام 1999، وفي تلك الأثناء أشرف على قسم التاريخ بكلية الآداب بكفر الشيخ – فرع جامعة طنطا من سبتمبر 1993 حتى 1999.

الدكتور محمد أحمد أبو الفضل

مؤلفاته:
وقد أثرى الدكتور أبو الفضل المكتبة العربية بالعديد من الكتب والأبحاث العلمية التي دلت على امتلاكه لأدوات بحثه وتوظيفها بدقه، وتمكنه من اللغات الأجنبية وأهمها الإسبانية التي تعلمها أثناء رحلته الأولى التي استمرت قرابة الثلاثة أعوام أثناء جمع المادة العلمية لرسالة الدكتوراه، ثم في رحلاته العلمية الأخرى بعد ذلك.. ومؤلفاته هي:
1- شرق الأندلس في العصر الإسلامي (515 – 686هـ / 1121 – 1287م) ، دراسة في التاريخ السياسي والحضاري ، دار المعرفة الجامعية الإسكندرية ، 1996 .
2- تاريخ المرية الأندلسية في العصر الإسلامي، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية ، 1996 .
3- دراسات في تاريخ وحضارة الأندلس، دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1996.
4- تاريخ العلوم والحضارة الإسلامية، بالاشتراك مع مجموعة من الأساتذة، جامعة الإمارات العربية المتحدة، 1989.
5- كتب فقه النوازل وأهميتها في كتابه تاريخ الأندلس الاجتماعي والاقتصادي (تحت الطبع).

أما أبحاثه فكثيرة ومتناثرة في بطون المجلات والدوريات: “مغيث الرومي وبنوه : دورهم السياسي والحضاري في المغرب والأندلس”، منشور بمجلة كلية الآداب جامعة الإسكندرية، العدد 30 لسنة 1981، مطبعة جامعة الإسكندرية 1983، و”أبو عبيد الله البكري والبكريون في ولبه وشلطيش”، منشور في كلية الآداب جامعة الإسكندرية، العدد 31 لسنة 1982 / 1983 مطبعة جامعة الإسكندرية، 1984، و”حول السفارات الأندلسية إلى دول أوروبا (138 – 366 هـ / 755 – 976م)” منشور بمجلة كلية آداب الإسكندرية المجلد 32 لسنة 83/1984 ، مطبعة جامعة الإسكندرية 1985، و”غزوة البيازنة والقطلان لجزيرتي يابسة وميورقة الإسلاميتين (508 – 509هـ/ 1114-1116م)” نشر دار المعرفة الجامعة – الإسكندرية 1988، و”أضواء على العلاقات الحفصية الأرغوانية 628 – 684هـ / 1230 – 1285م”، نشر مجلة كلية الآداب – جامعة الإمارات العربية المتحدة، 1988، و”أضواء على النشاط العلمي في الأندلس”، بحث منشور بكلية الآداب، جامعة الإسكندرية، و”ملاحظات حول ألبسة المدجنين في إسبانيا، نشر بدار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1989، و”قضاة الجماعة بالأندلس في عصر الإمارة الأموية 138 – 300هـ / 756 – 929م”، نشر مجلة بكلية الآداب، جامعة الإمارات، العدد الخامس 1409هـ / 1989م، و”قضاة ثوار في الأندلس”، نشر مجلة التاريخ الإسلامي والوسيط، 1984، و”سيف الدولة بن هود، محاولة للحفاظ على ما بقي من دولة الإسلام في الأندلس (614 – 635هـ/ 1217 – 1238م)”، منشور بمجلة كلية الآداب جامعة طنطا، العدد السابع، 5 يناير 1994، و”الحملة النصرانية على مدينة المرية الإسلامية وسيادة القشتاليين عليها (542- 522هـ/ 1147 – 1157م)”، نشر دار المعرفة الجامعية، الإسكندرية، 1989، و”التأثيرات الشامية في حضارة الأندلس على عهد الأمير عبدالرحمن الداخل(138- 172هـ/ 756 – 929م)”، بحث ألقي في دمشق بمناسبة رحيل الأمير عبدالرحمن الداخل، أبريل 1986ومنشور في وزارة الثقافة السورية، وقد جمعت هذه الأبحاث في كتاب طبع مؤخراً..

قالوا عنه:
وقد قال عنه تلميذه الأستاذ الدكتور محمد فهمي إمبابي أستاذ التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية بآداب طنطا وهو الذي أمدني بالمعلومات الأساسية التي جاءت في متن المقال: “لأستاذي الكبير محمد أبو الفضل فضل كبير، هو من جيل الرواد الذي تتلمذ على الجيل الأول الذي سافر إلى إسبانيا عندما أنشيء المعهد المصري للدراسات الإسلامية في مدريد، الذي افتتحه وزير المعارف طه حسين باشا سنة 1950، وذهب الرعيل الأول من أمثال: أحمد هيكل، وأحمد مختار العبادي، ومحمود علي مكي، والسيد عبد العزيز سالم لدراسة تاريخ وحضارة وآداب الأندلس ومعاينة المواقع التي جرت عليها الأحداث، وعندما عاد هؤلاء أنشأوا مدرسة أندلسية جديدة ، وتعلم فيها طلاباً كثير من أمثال الدكتور محمد أحمد أبو الفضل، فقد تعلم على أهم أعلام هذه المدرسة الدكتور السيد عبد العزيز سالم الذي أشرف عليه على رسالته للماجستير والدكتوراه وسافر أبو الفضل إلى إسبانيا والدكتور سالم يتولى إدارة المعهد المصري، وقد ساعده كثيرا، ولما عاد الدكتور أبو الفضل من البعثة وحصل على الدكتوراه، تعلم على يديه جيلا جديداً في جامعة طنطا وفي الجامعات المصرية الأخرى.. “.
ويضيف د. إمبابي “.. وقد تتلمذت على يديه وقدم لي يد العون وكان نعم الأستاذ، لم يبخل علي بأي شيء..”.

وتقول تلميذته الدكتورة عبير زكريا سليمان وكيل كلية الآداب جامعة بورسعيد: “بالنسبة لأستاذنا المرحوم الدكتور محمد أبو الفضل فكان بالنسبة لي نعم الأب والأستاذ، فقد أغدق علينا من علمه الكثير، وأحسن استقبالنا، وعاملنا معاملة طيبة كأبنائه، وكان – رحمه الله- دمث الخلق، ودودا محباً لأسرته، مرتبطا بزوجته ارتباطاً كبيراً وحزن على وفاتها حزناً شديدا.
وعن جهوده العلمية تقول د. عبير: “بالنسبة لإسهاماته العلمية افتخر أنني متتلمذه على يديه، ومتخرجه من مدرسته العلمية.. ومن أهم مؤلفاته كتابه عن “شرق الأندلس في عصر الموحدين”؛ فهي دراسة جادة وعميقة، استفاد منها الباحثون؛ لأنها أول دراسة ألقت الضوء على شرق الأندلس في هذه الفترة، كذلك البحث الرائع بعنوان “قضاه ثوار في الأندلس”، فهو أول من سلط الضوء على القاضي ابن جحاف ودوره السياسي في بلنسية خلال فترة ملوك الطوائف وحرقه على أيدي القمبيطور بعد الثورة التي قادها ضد القشتاليين ومحاولة الاستقلال بمدينة بلنسية”.

أما الدكتور إبراهيم سلامة، أستاذ التاريخ والحضارة الإسلامية ورئيس قسم التاريخ بآداب الإسكندرية فيقول: “عالم جليل من العصاميين أبناء محافظة البحيرة، وقد شرفت بالتتلمذ على مؤلفاته العلمية القيمة.. وتعد دراسته عن شرق الأندلس في عصر الموحدين من الدراسات المهمة جدا .. وقد توصل فيها الى نتائج قيمة، وتعد مرجعا أصيلاً في تاريخ تلك المنطقة .. وقد شرفت بمناقشته لي في رسالتي للماجستير بآداب الإسكندرية سنة 1993م .. وقد أعير سيادته الى جامعة الامارات العربية بالعين، ولم تنقطع الصلة به حتى وافته المنية، ويتبوأ كثير من تلاميذه مناصب علمية مرموقة بمختلف الجامعات المصرية والعربية . جعل الله علمه في ميزان حسناته .. وأجزل مثوبته”.

ويقول عنه تلميذه الأستاذ الدكتور عطية الويشي، الأستاذ الزائر بجامعات تايلاند “كان رضي الله عنه والدًا فاضلاً وأستاذًا جليلاً، تتلمذت عليه في تمهيدي الماجستير بآداب طنطا، وعندما رجعت إلى مصر لمناقشة الماجستير من آداب بنها، كان حريصًا على مشاركتي بأبوية حانية فكان رئيس لجنة المناقشة، وقد توثقت علاقتنا بصورة عميقة، لدرجة أنني كنت وفاءً بحقه أسافر إلى مصر خصيصًا لرؤيته وأعود، خاصة بعد معاناته الأخيرة مع الكلى، كان فصيح اللسان عذب البيان ماهرًا في الصنعة التاريخية وفلسفتها… كان مخلصًا لطلابه بصورة مدهشة… برغم كوني تلميذه، لكن ولكن دراستي للتاريخ مع سن الأربعين، بعد بكالوريوس التجارة، كان ذلك يشعره بقربي من سنه، وكان لا يخفي إعجابه بي بعطف لافت… وكان يعرض علي مؤلفاته، وكان آخر ما أعطانيه مخطوطًا، كتاب في فلسفة التاريخ عنوانه : كتب فقه النوازل وأهميتها في تاريخ الأندلس الاجتماعية والاقتصادي… تأسفت كثيرًا لرحيله دون وداعه! رحمه الله ورضي عنه، وأحسن الله إليكم الدكتور الجمّال على لفتة الوفاء..”.

وقد توفي الدكتور محمد أحمد أبو الفضل يوم 23 أبريل سنة 2016 عن عمر ناهز 76 عاماً ..

*كاتب ومؤرخ من مصر

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، غير ربحية تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

رأي واحد على “الدكتور محمد أحمد أبو الفضل… المؤرخ العصامي”

  1. استاذي وأبي في العلم رحمك الله رحمة واسعة وسكنك الفردوس الاعلى من الجنة
    خذ الصبرلك خصلة تفوز في العلم والطلب
    ومن كان ابا الفضل استاذه حاز مفاتيح العلم والكتب
    رحمك الله أيها العلم الجليل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق