ثقافة المقال

المكتوب أكثر تجرداً!!

مجاهد أحمد علي
 
إن على ناقل المعرفة- أياً كان وصفه (معلم، مدرب، كاتب، مؤرخ…) أن يلتزم بالتجرد والموضوعية فيما يتعلق بنقل الحقائق العلمية والمعرفية، خصوصاً في جانب العلوم الإنسانية.. وبما أن الموضوعية أمر نسبي وصعب التحقق.. فإنني أتوجه ببعض الإشارات إلى متلقي المعرفة- أياً كان وصفه (متعلم، متدرب، باحث،..) بأن يراعي طبيعة الأدوات المستخدمة في عملية التحصيل المعرفي؛ لما لها من قدرة على نقل مؤثرات إضافية إلى المادة المعرفية. إن كثيراً من ناقلي المعرفة لا يلتزمون بالموضوعية والتجرد الكافيين، ويقومون- بقصد او بدونه- بإضافة تأثيرات وانطباعات قد تتعارض مع “المادة المعرفية” المنقولة، مما يحتم على متلقي المعرفة الاهتمام بنوعية الأدوات المستخدمة في تحصيله.. وهنا سؤال يطرح نفسه: ما الأداة الأكثر تجردا في نقل المعرفة؟.. حسناً، قبل أن نحدد “الأداة” لنتعرف على حجم المؤثرات المصاحبة لمختلف الأدوات، ودرجة التجرد المطلوبة في المعرفة المتحصلة.

إذا أخذنا الأدوات الأكثر استخداماً في عمليات التحصيل المعرفي كوسائل التعلم والاتصال (المرئية، والمسموعة، والمكتوبة)، وبأخذ نسبة التأثير التي تنقلها كمؤشر لدرجة تجرد المادة المنقولة، فإننا نجد أن الأدوات المرئية “الفيديو” هي الأكثر تأثيراً؛ وقد أثبت علماء النفس والاتصال أن لغة الجسد ونبرة الصوت تؤثران في المتلقي بنسبة تقارب 70% ، وبذلك تصبح الأقل تجرداً في نقل المادة المعرفية. أما الأدوات السمعية، فإنها أقل تأثيراً من المرئية نسبة لغياب لغة الجسد، وبالتالي تصبح أكثر تجرداً من “المرئية”. أما الأدوات الكتابية، فإنها الأقل تأثيراً لغياب لغة الجسد ونبرة الصوت كليهما، لتصبح الأكثر تجرداً في نقل المعرفة.

إن كنت راغبا في الحصول على معرفة مجردة من المؤثرات الإضافية، فعليك بالقوالب الكتابية. بالطبع لا نستطيع القول أن المكتوب خال تماما ومجرد من التأثيرات. إن للحروف والألفاظ قدرات فائقة في نقل المشاعر والانطباعات الشخصية، حسب مهارة الكاتب، واختيار الكلمات والجمل. إن ما يمكننا تقريره هنا: أن الأدوات الكتابية أكثر تجرداً في نقل المعرفة، لا سيما في عصر سيطرت فيه الصورة على ساحات التواصل والمعرفة وأصبحت صناعة وتجارة، وأدى التنافس “حول الفيديو الأكثر مشاهدة” إلى إهمال كثير من متطلبات نقل المعرفة كالموضوعية والتجرد.
——————-

*طالب طب بشري في جامعة غرب كردفان، السودان

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق