قراءات ودراسات

لغم أرضي تحت صورة الديكتاتور في مدينة تحتضر

حامد العظم

في رواية “موزاييك الحصار”، الصادرة عن بيت المواطن للنشر والتوزيع، يرسم عبدالوهاب عزّاوي تقاسيم مدينة تحتضر بفعل نظام غاشم، في مغامرة لتدوين يوميات الحصار الثاني الذي شهدته محافظة دير الزور السورية وذلك خلال النصف الثاني من شهر يونيو عام 2012، في محاولة لرصد التغيرات التي ترسمها قبضة القمع والصراع على الذات والآخر وتحديد بنية العلاقات الجديدة التي يفرضها الحصار. “هناك مزايا خفيفة تأتي لاحقا -للحصار- مثل عدم القدرة على تصدير بعض الفواكه عالية الجودة، مما جعلها متوافرة كثيرا كالرمان” هي تفاصيل جديدة يعيد توليفها من يعيش في ظل الحصار، فما هو يومي ومهمّش من الإدراك يعود ليطفو على الساحة ليكتسب قيمة جديدة، قيمة ليست جوهرية، بل مضافة نتيجة التضييق والاختناقات المادية والمجازية التي تراود أولئك الذين يعيشون في ظل الحصار، ليندفع العقل بعدها في ساحاته بعيدا في التأويل والمماحكة العقلية، ليغوص الكاتب إثرها في تأملات حول الثورة وجدواها ثم استحضار للدون كيشوت ومغامراته والحلم الذي ورّط نفسه به ثم تحضر التأويلات المتعلقة باللانهاية وما يحدث من حوله من تفاصيل عبثية.

تفاصيل جديدة

عزاوي يوثّق سواء قاصدا أم لا ما شهدته دير الزور في حصارها، ويستدعي تفاصيل بسيطة ترسم وحشية جيش النظام إلى جانب الانقسامات والتشتت الذي يحصل في صفوف الجيش الحر، والفساد المستشري بين كلا الخطابين المتنازعين، بدءا من الحوادث اليومية المرتبطة بسرقة الطحين، وختاما بالقنص العشوائي من قبل جيش النظام، بالإضافة إلى الوضع الطبي والصعوبات الطبية التي شهدتها مدينة دير الزور بحكم أن العزاوي طبيب وقد عمل في مشافي المدينة المنكوبة.
الشكل الذي يقدم فيه عزاوي روايته “موزاييك الحصار” يتلاءم مع طبيعة الحصار، فالكتاب مؤلف من فقرات مرقمة، وكأنها تسلسل لما شهده الكاتب، وانعكاس مجازي لحالة اليقظة والحلم التي يعيشها، فالمقاطع أشبه بدفقات توثق لما يخطر على بال العزاوي سواء من أفكار تتعلق بالثورة والنظام، أم أحاديث دارت بينه وبين ابنته وزوجته، وكأننا أمام شروخ في الذاكرة يدون الكاتب فيها ما يبرز أمامه على السطح، بالرغم من أننا قد نرصد عدم الترابط في الفقرات إلا أن الكاتب نفسه يرى أن اللغة عاجزة أمام هول ما يحدث، ويرى اللجوء للكتابة ملاذا وأسلوبا “لتفكيك الحصار، وهروبا من هول كتلته، مرافعة طويلة أمام القذائف الصمّاء”، وكأننا نقرأ محاكمة طويلة لما يحصل، مونولج طويل يعيد العزاوي فيه اكتشاف نفسه وإضفاء قيم جديدة على ما حوله، تغيّر من تركيب الأشياء لإعادة تكوين العلاقات فيما بينها من منظور ذاتي لنفس تخضع للتشوه بعد أن اعتادت أصوات الرصاص والقذائف.
شعور الخوف

الخوف يحفر معالمه في السرد الذي يؤسس له العزاوي، فهو يتسلل إلى التفاصيل اليومية ونرى انعكاساته على عوالم الكاتب الداخلية وعلى إدراكه، فتهديدات الكيميائي تسكن أحلام المحاصر، والخوف على أسرته من الرصاص الطائش يبدو واضحا في انطباعات الكاتب عن ابنته التي اعتادت صوت القذائف والرصاص ويظهر أيضا في الأحلام والكوابيس التي تراوده.

في موزاييك الحصار نحن نقف أمام شهادة حيّة، تستدعي ما هو غائب في العقل في ظل الحصار والاغتيال الذي يمارسه على الخاضعين له، حيث تبرز عادات جديدة لهم في محاولة للقضاء على الفراغ والخوف القاتلين، فمشاهدة الأفلام من منتصفها وعادات الكتابة الجديدة بسبب انقطاع الكهرباء، تؤثر على لغة النص وشكله بل وعلى طول المقاطع التي يدونها الكاتب فنحن أمام نص عضوي ينمو تحت تأثير الحصار والمتغيرات المحيطة بالجسد والعقل.
تناقضات الثورة

يذكر العزّاوي العديد من القصص والمرويات الشعبية المرتبطة بالمنطقة وبالتفاصيل الحميمية التي تميز أحياءها، فقصص المجاذيب والمجانين تجد طريقها ضمن سرد الكاتب لترسم حالة سوداوية لكنها مشبعة بالكوميديا لدرجة الشلل، فقارئها يحاول الضحك إلا أن الظروف التي خلقت مفارقة الإضحاك تدعو للبكاء.

فاللغم الموجود تحت صورة بشار الأسد في الشارع تسبب في أذيّة أحدهم، صورة تراجوكوميدية يلتقطها العزواي ضمن سيل من الأحداث المشابهة التي تمثل قسوة النظام من جانب والفساد الذي تشهده الثورة من جانب آخر، ويطرح عزّاوي التساؤل المرتبط بعلاقة المثقفين مع الثورة، و كيف تجاوزهم الحراك الثوري لأنه لم يقوموا بدورهم في انتقاد الفعل الثوري، إلا أنه لا يفقد الأمل من دورهم فواجبهم يأتي لاحقاً.
ويبرز أيضا التناقضات التي تحملها الثورة ويطرح التساؤلات حولها وبالأخص حول مفهومي الانشقاق والشهداء، فكيف يمكن للثورة أن تغفر لشخص بعد انشقاقه تاريخه الأسود في ظل حكم نظام الأسد، وكيف يمكن للزعران أن يتحولوا فجأة إلى أبطال ثوريين. كل هذه التفاصيل تلتقي في صفحات الكتاب لينتهي بانتقال العزاوي إلى الرقة والمشاحنات المناطقية التي تشهدها بين “ديري ورقاوي”، ثم عودته إلى دير الزور وقراره مغادرة سوريا بعيدا عن الحصار والموت ليبدأ ملحمة جديدة في الشتات مثيرا التساؤلات حول جدوى نشر الكتاب الذي يرى فيه وثيقة للهزيمة ليصرّح في أخر صفحة بأن “الانتفاضة لم تساهم في خلق وعي جديد، فكانت سرقتها أسهل”.

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق