قراءات ودراسات

الفقيه بين البراءة والاتهام: قراءة في قصة “هو الذي رأى”

إنجاز: د المصطفى سلام

تقديم : تنتمي قصة ” هو الذي رأى ” إلى المجموعة القصصية : “هو الذي رأى” للكاتب المغربي حسن البقالي والتي تتضمن اثنين وستين قصة قصيرة . وقد ورد النص موضوع التحليل في الصفحة 93- 94. فماهي خصوصية الإخراج السردي لهذا النص؟ وما هي أبعاده الدلالية؟
في المتن :
“بالسماق رسم قرصا على كف الطفل المبسوطة، وقال له : أنظر جيدا . هو لم ير غير بقعة سماق على الكف، لكن الفقيه ينتظر منه أن يرى الشهباء مربوعة القد التي تؤذي أمه…لا تقل إنك لا تراها، أنت تراها دون شك، أنظر جيدا، ماذا ترى ؟
كان لا بد أن يرى، الشهباء مربوعة القد، الشهباء البغيضة، المؤذية، التي تتوسل بالسحر كي تخطف أباه من أمه. ثم رأى كل ما أوحى له الفقيه برؤيته، وشط به الخيال أبعد من ذلك، رأى السحر نفسه مدفونا تحت العتبة، ينبض كقلب دافئ يغري بالاحتضان، رأى الدرب الضيق، والفضاءات البعيدة حيث تركض أحصنة بيضاء لم يمتطها أحد، رأى مباني أثرية في مصر الفرعونية ، رأى موسى و السحرة ، و صيحات قتال تند عن أودية التاريخ…ثم رأى أمه يلتمع في عينيها بريق، و تخرج من صرتها ما تمنحه للفقيه: شكرا أيها الفقيه ، لقد عرفت الآن غريمتي. ثم لم يعد يرى شيئا حتى مر عليه وقت ليس يدري عدده. قال له : أنت ولد طيب. وفتح لهما باب الخروج.”

في البناء السردي :
من خلال التأمل في طبيعة التماسك البنائي لأحداث الحكاية في هذا النص، يمكن لنا أن نستكشف طريقة إخراجها وتمثيلها سرديا ، وبالتالي منحها شكلا تدرك من خلاله .فبدون الشكل لا قيمة للحكاية كحكاية . هكذا يمكن أن نرصد المسار السردي وفق ما يلي :
1 – الأمر بالنظر: في بداية النص، يأمر فقيه طفلا أن ينظر في يده بعد أن خطط فيها راسما دائرة بمادة كيماوية خاصة ، ويكشف ملفوظ النص ذلك: ” أنظر جيدا “
2- الاستجابة : حيث يستجيب الطفل لأمر الفقيه ، إذ نظر إلى يده وأعرب عما يراه ؛ رأى يده فارغة إلا مما خطه الفقيه سابقا. وهذا رد غير مرض للفقيه. وقد عبر السارد عن ذلك قائلا: ” هو لم ير ” .
3 -الإلزام بالمنظور : لقد ألزم الفقيه الصبي أن يرى ما يريده أو يرغب في أن يراه . والإلزام هنا ليس مساعدة للطفل على تخطي المباشر والمادي أو المرئي من أجل الولوج إلى عالم غير مرئي. عالم غيبي. وإنما هو رسالة من الفقيه إلى الأم التي تراقب عملية الخروج من عالم الشهادة إلى عالم الغيب. بما يوحي به من آثار أو يثيره من دهشة أو اندهاش عند الأم. هنا ألزم الفقيه الطفل أن يرى من تسعى إلى خطف والده من أمه وفصله عنها. الفقيه هنا يسعى إلى إقناع الأم باعتبارها زبونة تقصده لحل مشكلة أو علاج مسالة لديها. وبالتالي التأثير فيها. ومن جهة ثانية التأكيد على أهليته وقدرته على حل معضلة الأم.
4 – رؤية ما لا يرى: هنا امتدت رؤية الطفل في الغيب، واتسعت عينه لترى في الماضي السحيق عوالم وفضاءات عجيبة غريبة. لقد تنوعت منظوراته: سحر مدفون وفضاءات غريبة وأحصنة بيضاء ومباني فرعونية ثم موسى والسحرة …
5 – رؤية ما يرى : الطفل هنا أصبح موزعا بين الحضور والغياب ، بين المرئي و اللامرئي ، بين الفقيه والأم ، وقد انشدت عينه إلى أمه ليرى اندهاشها والبريق في عينيها وفرحتها من معرفة عدوتها …
6 – الانقطاع عن الرؤية : أو انطفاء العين ، إذ في هذه المرحلة انقطع الطفل عن رؤية الفقيه والام معا، واصبح في حضرة الغياب ، إما بتأثير عوالم الغيب والسحر أو تأثير الفقيه عليه أو عدم قدرة الطفل على ذلك …يقول السارد: ثم لم يعد يرى شيئا ، حتى مر عليه وقت ليس يدري عدده….
لقد انبنى هذا النص سرديا على مشهد أو رؤية ، حيث مساحة الحكاية هي مساحة الرؤية ، وعمق الحكاية هو عمق الرؤية ، وإطار الحكاية هو إطار الرؤية . و موضوعات الحكاية هي موضوعات الرؤية …و وتيرة سرد الحكاية هي دينامية الرؤية …و يكشف النص عن ذلك من خلال ملفوظاته:
– هو لم ير …..أنت تراها ……كان لا بد أن يرى ……
– ثم رأى ……ثم رأى ……….ثم لم يعد يرى شيئا ….
هذا التقطيع في الرؤية هو سبب تمفصل الحكاية إلى مشاهد أو متواليات .
مسار الرؤية/ مسار الحكاية :
تأسست الحكاية في هذا النص على برنامج ثلاثي ، يمثل الطفل فيه الفاعل الرائي من الدرجة الثانية أو الرائي الوسيط . بينما الفقيه فهو الفاعل الرائي من الدرجة الأولى، ويمكن اعتبار الأم رائيا من الدرجة صفر، ولكل فاعل هنا مسار رؤيوي من حيث موقعه في بنية الحكاية.
أ – برنامج الفقيه أو رؤيته :
تتأسس رؤية الفقيه على المسار التالي :
1 – الادعاء : حيث يدعي معرفة عوالم السحر وأسرار الغيب ، يزعم أن له فقها وعلما ودراية بها ، أي بأسرار السحر وقوانينه ، بناء وهدما ، تركيبا و تفكيكا …
2 – الاحتمال : حضور المرأة لديه شاكية ومدعية أن امرأة ثانية قد تخطف منها زوجها هو احتمال من بين احتمالات كثيرة . وهذه الشكوى تؤكد ما يدعيه الفقيه من جهة، كما قد تكون مناسبة لاختبار معرفته بالسحر وعوالمه.
3 – التوسط: إذا كان من الصعب جعل الادعاء والاحتمال ينتقلان من حالة الشك إلى حالة اليقين، وجبت الاستعانة بدليل توسطي أو تسخير طرف ثان وفق شروط معينة من أجل إضفاء طابع اليقين والحقيقة على الادعاء والاحتمال. وهنا يستعين الفقيه بالطفل كسند مادي وروحي ربما توفرت فيه بعض الشروط التي تسمح بذلك أو يجيزها الولوج إلى عوالم الغيب والسحر. إضافة إلى شكل الكتابة ومادتها على الكف. هذه الإجراءات هي التي ستنقل الفقيه من حالة الادعاء والشك إلى حالة اليقين والحقيقة، أي نقل ما يقوله ويدعيه من الشك إلى اليقين.
4 – اليقين: حيث عندما يخبر الوسيط ويعبر عما يراه في كفه بوحي من الفقيه أو إيعاز منه: تأويل علامات وأشياء وأحداث ترى في الكف التي أصبحت مرآة ، يتحقق اليقين عند الأم / المرأة بأن ما كان لديها من وهم أو شك هو حقيقة وأن ما كان الفقيه يدعيه قبلا من معرفة وخبرة هو يقين كذلك .
5 – الجزاء: يشكل الجزاء هنا نهاية البرنامج الخاص بالفقيه من جهة أولى . حيث سينال جزاءه أي أجرا ماديا أو معنويا مقابل ما أنجزه من عمل: كشف ما يهدد حياة المرأة أو ما يمكن أن يكون شرا لها أو ضررا محتملا يتمثل في امرأة شهباء قد تكون تخطط لخطف زوجها منها وبالتالي تركها في حكم المطلقة. وهنا الفقيه لم يحدد نوع الجزاء الذي سيناله لأنه لم يتفق قبلا مع المرأة حوله بل ظل غامضا و مبهما. إنه في النهاية هو الذي سيفرض نوع الجزاء. و بالعودة إلى النص نلاحظ أن القصة أسفرت عن نوع و أعرضت عن آخر:
شكرا أيها الفقيه ، لقد عرفت الآن غريمتي …”
فماذا أخرجت المرأة للفقيه من صرتها ؟ نقودا ؟ ذهبا ؟ شرفها ؟ ؟ و بماذا توحي الصرة هنا ؟ ألا تكون قد منحت الفقيه ذاتها أو عرضها أو شرفها ؟ بعد أن كشفت عنه ؟ مادام ليس هناك ما يمنع الفقيه من أن ينال جزاءه بالصورة والصيغة التي يريد ؟ وما دام ليس هناك من يمنع المرأة من أن تكشف عن عرضها للفقيه ؟ والذي يوحي بذلك ما ورد في النص :
ثم لم يعد يرى شيئا ، حتى مر عليه وقت ليس يدري عدده ؟
الطفل هنا هو المانع من أن ينال الفقيه جزاءه من عرض المرأة و شرفها ، لكنه اصبح في حالة غياب أو عطالة ، أي أن الفقيه ألغى دليل تهمته ” الطفل” و الذي يؤكد ذلك قوله في النص :
أنت ولد طيب ؟؟
ب- برنامج الطفل أو رؤيته :
يتأسس برنامج الطفل هنا من خمس مراحل تتوالى في الزمن وتختلف في الموضوعات :
1- الرؤية في الدرجة صفر : حيث في هذه المرحلة تتحدد رؤية الطفل بالإطار المادي للرؤية أوالنظر ، إذ رأى ما خطه الفقيه على كفه : ” هو لم ير غير بقعة سماق على الكف …”
2- الإكراه على الرؤية : الطفل هنا لا يملك سلطة على الفقيه أو على أمه ، بأن يعلن بكل حرية عن موضوع رؤيته ، لكنه مرغم هنا أن يرى ما يريده غيره ان يراه و الفقيه هنا اتخذ من الطفل وسيطا لأن يعلن عما يراه . و اكد ذلك النص : كان لا بد أن يرى …
3- الرؤية بالوحي أو الإيحاء: يفيد الوحي معاني مثل الإشارة و الكتابة والرسالة والإلهام والكلام الخفي و السرعة و العجلة و الإلقاء في الروع إلهاما و بشدة ليبقى أثره في النفس …كما يفيد وجود طرف أول أو قوة أولى تكون مصدر الكلام او الخطاب ، بينما يكون الطرف الثاني الموحى له الناقل فقط أو الوسيط الذي يوصل الرسالة فقط دون تغيير أو تبديل . ثم هناك الطرف الثالث الموحى به أي إنه مضمون خطاب او كلام الطرف الأول الذي يرغب في أن يوصل رسالته إلى غيره عبر وسيط، ويمكن أن نضيف الموحى إليه أي الجهة التي ستستقبل الرسالة وتكون معنية بها أو تخصها. وهنا في النص يمثل الطفل وسيطا وجب عليه أن يبلغ أو يعلن ما أوحي له به، وهذا يكشف خضوعه للفقيه الذي ألزمه بتبليغ ما رأى من أشياء لأمه. يكشف ما أوحى به الفقيه للطفل تجاوز الحاضر والولوج إلى عالم الغيب، كما أن الطفل هنا لم يعد يرى ما يدركه بصره أو إحساسه ، بل فقط يعكس ما يراه غيره .
4- الرؤية بالأثر: أو رؤية تأثير ما رآه على غيره، أي كيف استقبلت الأم ما رآه طفلها وما أخبر عنه من أشياء وأحداث ليست في الحاضر وإنما هي في الغيب، لقد اثرت الموضوعات الموحى بها والتي كشف عنها الطفل في المرأة وأثارت استغرابها واندهاشها. كما أحدثت فيها انفعالات خاصة وجعلتها تستجيب لأمر الفقيه بأن تسرع إلى مكافاته على كشفه أو عمله.” ثم رأى أمه يلتمع في عينيها بريق وتخرج صرتها ….”
5- الرؤية في الدرجة تحت الصفر: بعد أن أعلن الطفل عما أوحى به الفقيه من مضامين وموضوعات غريبة عن الحاضر ويسعى من خلالها الفقيه إلى التأثير في الأم كي ينال مراضه أو يحقق غايته ، انقطع الطفل عن عالم الشهود وانفصل عن عالم الحضور، أي عالم المرأة والفقيه ولم يعد يدرك ما يفعلان أو يمارسان من افعال أو انفعالات ،انفصل عنهما زمنا ليس بالقصير أو المديد ” ثم لم يعد يرى شيئا …”
هكذا كان برنامج الرؤية عند الطفل برنامجا متحكما فيه ، و موجها لغاية أو غرض من يملك سلطة النظر والرؤية و التأثير، اي الفقيه. كما أن الإرغام والإيحاء يكشفان عن هيمنة قوة / طرف على طرف آخر.
ج- برنامج المرأة أو رؤيتها :
يتأسس برنامج الرؤية لدى المرأة على ما يلي :
1- أن تسمع / أن ترى :
عند حضور المرأة رفقة طفلها عند الفقيه، علها تجد حلا لمعضلتها، والمتمثلة في توهمها أن امرأة ثانية تخطط لخطف زوجها منها، اعتمادا على تأويلها لمجموعة من التصرفات والمواقف التي أصبحت تميز سلوك الزوج ، بدأت تسمع ما يتلفظ به طفلها بوحي من الفقيه :” لا تقل إنك لا تراها ، تراها دون شك …” و هنا أصبح السمع بديلا عن البصر، والأذن عوضا عن العين ، فكان ما تسمعه تأكيدا لما كانت أو تتوهمه أو تظنه .
2- أن ترى / أن تعرف :
بعد أن سمعت المرأة ما أعلن عنه الفقيه من خلال الطفل، تيقنت المرأة من أن شكها كان في محله وأن توهمها كان صوابا وأصبح الآن حقيقة ويقينا . وذلك لما تعتقده من قدرة لدى الفقيه في الكشف والبيان و معرفة عوالم السحر. كما تيقنت من غريمتها وعرفتها فما كان لها إلا أن تشكر الفقيه على إنجازه : ” شكرا لك أيها الفقيه ، لقد عرفت غريمتي …”
شكر الفقيه بين التهمة و البراءة :
يحمل ملفوظ الشكر الوارد في النص دلالات مختلفة ، يمكن أن نقف عند بعضها :
أ- شكرا لك أيها الطفل أنت ولد طيب : يشكره على توسطه بين عالم الحضور و الغياب ، بين المرئي و اللامرئي، يشكره على تدليله على كون ما يدعيه الفقيه و يزعمه أن حقيقي و يقيني. الطفل هنا هو الشاهد والبينة لدى الفقيه ليجعل أوهام المرأة حقيقة وأن ما كان عندها ظنا وشكا هو يقين.
ب- أنت ولد طيب: طيبة الولد أو طيبوبته في براءته من جهة وفي خضوعه واستسلامه لتأثير الفقيه من جهة ثانية. كما أن طيبته تكمن أيضا في غفلته وعدم قدرته على تكذيب الفقيه ودحض ادعاءاته. وغفلة الطفل عما حدث بين الفقيه والام بعد أن تعطلت رؤيته وانقطع عن الوجود مدة من الزمن، تستحق الشكر من الفقيه لأنه لم يعرف نوع الجزاء الذي ناله الفقيه، لكيلا يكون شاهدا على جريمة الفقيه أو خيانة الأم.
ج- أنت ولد طيب: تعبير يتضمن غبطة الفقيه و انتشاءه بقضاء مآربه، ليس رضى عن عمله، لأن ما قام به ليست له حماية قانونية أو أنه مؤطر قانونيا وفق مساطر مضبوطة كما هو الشأن في مدونة الشغل أو المهن . فهل ما يقوم به الفقيه مشروع و مرخص له ؟ هل يؤدي ضرائب للخزينة مثل ما هو الشأن في باقي المهن ؟ هل يتحمل الفقيه أخطاء مهنته ؟ هل يجوز استغلال طفل لقضاء مآرب وغايات ؟

خاتمة:
إذا كانت للفقيه باعتباره إطارا اجتماعيا و ثقافيا و دينيا وظيفة بالغة الأثر في النسق الاجتماعي التقليدي، فإن ذلك لم يجعله بعيدا عن المساءلة والانتقاد و لو بطريقة غير مباشرة . والسبب في ذلك أنه قد ارتبطت بممارسات الفقيه في البيئات الاجتماعية بعض الأخطاء و الخروقات التي اعتبرت جنحا يعاقب عليها القانون مثل النصب و بيع الوهم و الاستغلال و الاغتصاب و الخيانة والقتل أحيانا …وتأتي قصة ” هو الذي رأى “في سياق الأدب الذي تناول هذه الظاهرة من خلال الآليات الفنية السردية و تبقى طبعا للقارئ حرية التأويل و تفكيك رموز القصة و تفكيك بنياتها من أجل بناء معاني و تشييد دلالات جديدة .

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق