الموقع

مسارات الانفجار: مآلات التحالف الدولي ضد داعش

نوح فسيفس*

مقدمة: في السابع من سبتمبر/أيلول الجاري أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”، وتوجهت إلى مجلس الأمن الدولي لاستصدار قرار تحت الفصل السابع يجيز لها التدخل في العراق وسوريا بتوجيه ضربات عسكرية لتنظيم داعش، جاءت هذه الخطوة القوية من الولايات المتحدة على خلفية قتل الصحفيين الأمريكيين “جيمس فولي” و “ستيفين سوتلوف”، مطلع الشهر الجاري على يد عناصر تابعة لتنظيم داعش بحسب تسجيلات مصورة بثها تنظيم داعش لإعدام الصحفيين ذبحاً، وهو الحادث الذي أثار غضبة الولايات المتحدة وبدورها وصفته واشنطن بالشنيع ولا يمكن معه السكوت أو حتى التردد. يعتبر التحالف الذي تعكف الولايات المتحدة الأمريكية على تشكيله لمواجهة تنظيم داعش؛ أكبر تحالف عسكري دولي منذ انتهاء حقبة الحروب العالمية – الأولى والثانية والباردة – خلال القرن الماضي؛ ولقد جاءت هذه الحرب العالمية الجديدة على تنظيم داعش في أعقاب تحولات كبيرة طرأت على منطقة المتوسط بأكملها، مما يجعل من ظروف هذه المواجهة الجديدة التي تقودها القوة الأعظم (أمريكا) تختلف كثيرا عن ظروف مواجهة التنظيمات الأخرى كالقاعدة على سبيل المثال.

شرارة الحرب
أقدم تنظيم داعش يوم الثلاثاء 19 أغسطس/آب الماضي على إعدام الصحفي الأمريكي “جيمس فولي” الذي كان مختطفا في سوريا منذ عام ونصف, وقام التنظيم بعرض إعدام هذا الصحفي أمام شاشات التلفاز في تسجيل مصور (1) كرسالة تهديد إلى الولايات المتحدة. حيث أكد قاتل فولي أن قتله جاء كرد فوري على الضربات الجوية الأمريكية لمواقع “الدولة الإسلامية” في العراق، كما هدد أمريكا بأنها الآن تقاتل دولة وجيش وخلافة، مهدداً الرئيس الأمريكي “باراك أوباما” بأن أي محاولة منه لمنع المسلمين من العيش في كنف “الخلافة الإسلامية” سيكون سبباً في سفك دماء الشعب الأمريكي (2).
لقد صعقت الولايات المتحدة من هذا الحادث بعدما تأكدت من صحة الشريط من خلال أجهزة استخباراتها، وقد ازدادت الفاجعة الأمريكية بإعلان تنظيم داعش إعدام الصحفي الثاني “ستيفين سوتلوف” في 2 سبتمبر/أيلول الجاري وهو الصحفي الذي ظهر في نهاية الشريط الأول مع فولي, وقد تم عرض مقتله في شريط مصور للمرة الثانية (3)، في تهديد صريح وواضح للإدارة الأمريكية. وهو ما دفع بواشنطن إلى التأهب لمحاسبة داعش حتى لو تطلب الأمر التدخل بالشكل الملموس في سوريا والعراق لملاحقة عناصره والقضاء عليه؛ وكشفت عن نيتها تأسيس تحالف دولي قوي في خطوة هي الأولى من نوعها في القرن الحادي والعشرين.

أمريكا .. زمام المبادرة
تصاعدت حسابات الانتقام لدى الولايات المتحدة من جراء الجرائم التي يرتكبها مقاتلو تنظيم داعش في المناطق الواقعة تحت سيطرتهم لا سيما في الموصل العراقية والرقة السورية، وعلاوة على ذلك حركات النزوح والإجلاءات لسكان المناطق المتنازع عليها بين عناصر داعش والقوات الحكومية السورية والعراقية والكردية، وهو ما دفع أطراف دولية عدة وعلى رأسها الولايات المتحدة للتحرك إزاء هذه الأحداث.
في مطلع شهر أغسطس/آب الماضي انطلقت الضربات الجوية الأمريكية على مواقع تابعة لتنظيم داعش في العراق؛ بعد شهر واحد فقط من إعلان تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” إقامة الخلافة الإسلامية في مدينة الموصل بعد تمكن التنظيم من السيطرة عليها بالكامل أواخر يونيو/حزيران الماضي؛ ومن ثم تنصيب زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي “ابراهيم البدري” منصب أمير المؤمنين. جاء هذا التدخل الأمريكي بعد دعوات متكررة أطلقتها الحكومة العراقية لواشنطن بضرورة التدخل لمواجهة خطر مقاتلي داعش، إلا أن ذلك لم يحدث إلا مع تكليف حيدر العبادي بتشكيل حكومة جديدة في العراق كمطلب أمريكي بالأساس لكي يتسنى لها العمل جنبا إلى جنب مع المجتمع الدولي في محاربة الإرهاب الذي يمثله تنظيم الدولة الإسلامية “داعش”.  
لقد أبلغ الرئيس الأمريكي باراك أوباما الكونجرس رسمياً بموافقته علي ضربات جوية مستهدفة في العراق، واسقاط معونات انسانية على بلدة آمرلي الشيعية العراقية التي يحاصر فيها مقاتلو الدولة الاسلامية السكان المدنيين، ما ساعد القوات العراقية في مهمتها (4).
وفي وقت سابق كانت الولايات المتحدة قد قررت تزويد بعثتها الدبلوماسية في العراق لتصل إلى 820 فردا بغرض توفير الحماية اللازمة للسفارة الأمريكية في العراق والمنشآت التابعة لها هناك.
وفي هذا الإطار قال البيت الأبيض : إن الرئيس الأمريكي باراك أوباما قد أصدر أوامره بإرسال 350 جنديا إضافيا إلى العراق بغرض حماية السفارة الأمريكية بالعاصمة العراقية، وقرر ارسال مسؤولين كبار الى الشرق الاوسط “لبناء شراكة اقليمية أكثر قوة” للتصدي لمتشددي تنظيم الدولة الاسلامية (5).
في غضون ذلك ألمح الرئيس أوباما إلى أنه بصدد إرسال ما يصل إلى 300 من الخبراء العسكريين إلى العراق، بهدف “تقييم ما يمكن أن نقوم به في تدريب، وتقديم المشورة، ودعم قوات الأمن العراقية.. في حربها ضد الإرهابيين الذين يهددون الشعب العراقي، والمنطقة ككل، وكذلك المصالح الأمريكية” (6).
تأتي كل تلك التحركات من جانب الإدارة الأمريكية في إطار استراتيجية عسكرية أعلنها الرئيس باراك أوباما مساء الأربعاء 10 سبتمبر/أيلول الجاري للقضاء على داعش؛ في خطاب وجهه أوباما للشعب الأمريكي قال فيه :”هدفنا واضح، سنحجم داعش لنقضي عليه نهائيا في نهاية المطاف وذلك من خلال استراتيجية مستدامة وشاملة لمكافحة الإرهاب” (7).
تضمنت استراتيجية أوباما التي كشف النقاب عن ملامحها في خطاب عشية الذكرى الثالثة عشر لأحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول، إنه لن يرسل قوات عسكرية إلى الشرق الأوسط لقتال داعش، متعهدا بتقديم الدعم للمعارضة السورية لمواجهة خطر تنظيم داعش. مضيفا أن استراتيجيته تعتمد على أربعة محاور هي : تنفيذ سلسلة من الهجمات الجوية ضد داعش، وإرسال 475 عنصرا إضافيا من القوات العسكرية الأمريكية لتدريب القوات العراقية، والعمل مع شركاء واشنطن لوقف تنقل المقاتلين المتطرفين من وإلى الشرق الأوسط، وتوسيع نطاق عملياتها الجوية ضد داعش في العراق (8). كما قرر أوباما إرسال 25 مليون دولار كمساعدات عسكرية إلى القوات العراقية والبيشمركة، والعمل بشكل فاعل مع المجتمع الدولي للتخلص من الإرهاب الذي يمثله تنظيم داعش في الشرق الأوسط.

نطاق الحرب
انطلقت الولايات المتحدة في إعلان حربها على داعش ليس في العراق فحسب؛ إنما في كل مكان يتواجد فيه عناصر التنظيم بما في ذلك الأراضي السورية، فقد أعلن الرئيس الأميركي باراك أوباما الخميس 11 سبتمبر/أيلول الجاري أنه مستعد لشن ضربات جوية في سوريا ضد “داعش”، حيث لن يسمح بأي “ملاذ آمن” للتنظيم، واعتبر أن أمريكا ستلاحق متشددي التنظيم أين ما كانوا (9).
وأوضح أوباما في خطته أن الحرب على داعش لا نهاية محددة لها قبل الخلاص منه وبشكل كامل لوقف القتل الذي يتعرض لها الشعب العراقي والسوري على أيدي عناصر تنظيم داعش في المناطق التي تقع تحت سيطرتهم، وهو ما أكده وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل في معرض كلمته في مؤتمر الأمن والسلامة بالعاصمة الفرنسية باريس؛ حيث قال إن الالتزام بحرب تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام أو ما يعرف ب “داعش” لا بد أن يمتد لعشرة سنوات؛ لافتا أن خطر التنظيم يعتبر عابرا للقارات؛ مضيفا أن التهديد الذي يمثله داعش تجاوز جغرافيا العراق والشام وبات يهددنا جميعا (10).
في الوقت ذاته فإن الولايات المتحدة الأمريكية تحرص بكل قوة على تجنب تكرار سيناريو غزو العراق 2003؛ وكذلك تسعى لتجميع أكبر عدد ممكن من الأصدقاء والحلفاء للاشتراك معها في محاربة داعش؛ لكي لا تتورط وحدها في حرب ربما تكون مجهولة المآلات والمديات الزمنية وحتى المكانية.   
من واشنطن إلى جدة .. ظهير عربي
اتجهت الولايات المتحدة إلى زعمها أنها ليست نائبة عن شركائها في الشرق الأوسط في حماية مناطقهم من الإرهاب، وهي تسعى جاهدة إلى إشراك دول المنطقة ولا سيما العربية في الحرب على تنظيم داعش الذي يهدد العالم أجمع ولا يمثل الدين الإسلامي؛ كما جاء على لسان الرئيس الأمريكي أوباما : “نوضح أن تنظيم «داعش» لا يمثل الإسلام ويشكل تهديا للعراق وسوريا والأمريكيين وإذا خرج عن السيطرة فسيكون هناك تهديد أكبر فهؤلاء المقاتلين قد يحاولون العودة ويهددون أوطاننا وسندمر قوات داعش على الأرض ونضرب إمداداتهم (11).
في هذا السياق أعلن الرئيس الامريكي باراك اوباما أن الولايات المتحدة ستنسق مع الدول العربية وبخاصه السنية منها، لمواجهه تنظيم “داعش” في العراق وسوريا (12)، وعلاوة على ذلك فقد أوفدت إدارة الرئيس أوباما وزير الخارجية جون كيري إلى المنطقة العربية للتباحث مع المسؤولين والزعماء بغرض إقناعهم للانضمام إلى التحالف الدولي الذي تتزعمه واشنطن للقضاء على داعش. حيث عقد كيري الأربعاء والخميس 9 – 10 سبتمبر/أيلول الجاري في جدة اجتماعاً مع عدة وزراء خارجية عرب؛ لبحث سبل التصدي لتنظيم “داعش”، وبناء تحالف دولي ضده (13).
يأتي هذا عشية اجتماع دعت له المملكة العربية السعودية بشأن مكافحة الإرهاب؛ حيث قالت وكالة الأنباء السعودية “واس” : أن السعودية ستستضيف الخميس اجتماعا اقليميا يضم دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية وكلا من مصر والأردن وتركيا وبمشاركة الولايات المتحدة الأمريكية، وسيبحث الاجتماع موضوع الإرهاب في المنطقة، والتنظيمات المتطرفة التي تقف وراءه وسبل مكافحته (14). وقد خرج المجتمعون من هذا الاجتماع بإعلان الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” في العراق وسوريا؛ وفق آليات محددة، تم التوافق عليها بين وزراء خارجية الدول العشر إضافة إلى تركيا؛ وذكر البيان الختامي للاجتماع أن 10 دول عربية وافقت على “الانضمام” لحملة عسكرية منسقة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” إذا اقتضت الحاجة (15).
يبدو أن الولايات المتحدة تعول كثيرا وبشكل أساس على الظهير العربي في حربها ضد داعش، وبالتالي هي ليست على استعداد أن تخوض حربا جديدة لوحدها خارج حدود بلادها. وهو ما أشار إليه الرئيس أوباما  في خطاب أمام جنود أميركيين في مقر القيادة الأميركية الوسطى في فلوريدا : المعركة ضد تنظيم الدولة الإسلامية تتطلب جهدا عالميا رغم محورية الدور الأميركي؛ مضيفا أن المعركة ضد تنظيم الدولة ليست معركة الولايات المتحدة وحدها، مشددا على أنه “إذا تركنا تنظيم الدولة دون رادع فإنه سوف يهدد بلدنا بشكل مباشر (16).

تحالف أربعيني .. وتزعم أمريكي
في إطار الحراك الذي تقوده الولايات المتحدة الأمريكية للحرب على تنظيم الدولة الإسلامية؛ عزمت إدارة باراك أوباما على تأسيس تحالف دولي موحد تتزعمه واشنطن للقضاء على تنظيم داعش؛ ورأت تركيز جهودها في إقناع أنصارها وحلفائها للانضمام إلى التحالف الجديد ولا سيما دول منطقة المتوسط، حيث قال الرئيس باراك أوباما : “إن أكثر من 40 دولة عرضت المساعدة في الحرب على داعش، مشيرا أن من ضمنها فرنسا وبريطانيا اللتان أعلنتا الحرب على داعش” (17).      
هذا؛ وقد شدد الرئيس الأميركي على أن القدرات الفريدة للولايات المتحدة تجعلها القائدة للتحالف الدولي ضد تنظيم الدولة والمساعد لدول المنطقة في جهدها (18).
وكما سلطت صحيفة “الجارديان” الضوء على الخطوات التي يسعى لتحقيقها وزير الخارجية الأمريكي جون كيري؛ تأتي لتكوين أكبر تحالف لمواجهة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، ومحاولة كيري ضم أكبر تحالف عربي غربي للقضاء على داعش (19)، حيث اعتبرت القوى العظمى أن تنظيم داعش هو أخطر التنظيمات الإرهابية التي شهدها التاريخ الحديث.
في سياق ذلك؛ تعهد المشاركون في المؤتمر الدولي حول أمن واستقرار العراق في باريس 17 سبتمبر/أيلول الجاري في بيانهم الختامي بدعم بغداد في حربها ضد داعش بكل الوسائل الضرورية وضمنها العسكرية. وأكد وزير الخارجية الفرنسي “لوران فابيوس” أن الهدف من المؤتمر هو حشد تحالف دولي قوي بهدف السلام والأمن في العراق (20).
مآلات التحالف الدولي
من المبكر جدا التكهن بما ستفصح عنه يوميات الحرب العالمية الجديدة على تنظيم داعش والتي تقودها الولايات المتحدة الأمريكية، ففي الوقت الذي تنفي فيه الإدارة الأمريكية إرسال قواتها البرية إلى العراق لمقاتلة عناصر التنظيم مع الاكتفاء بالطلعات الجوية فقط؛ أخذت صحف أمريكية بالتشكيك في هذا الأمر؛ لوجود تباين داخل الأوساط الأميركية بشأن الموقف من مقاتلة التنظيم برا، وأن أحد كبار المسؤولين صرح سهوا بأن بلاده ستقاتل التنظيم على الأرض (21).
كشفت صحيفة واشنطن بوست أن جوزيف بايدن نائب الرئيس الأمريكي فتح الباب البارحة أمام التكهن بإمكانية نشر قوات أميركية بالعراق لمقاتلة تنظيم الدولة، وأن ما سمته “زلة لسان بايدن” أثناء كلمة ألقاها الثلاثاء الماضي ربما تكون كشفت عن خفايا في إستراتيجية أوباما والبيت الأبيض بهذا الشأن (22).
بهذا الصدد فقد  أشار الكاتب “كون كوغلين” إلى أنه لا يمكن دحر تنظيم الدولة الإسلامية بدون وجود قوات على الأرض، وقال إن هذا ما أكده الآن رئيس هيئة الأركان المشتركة للقوات المسلحة الأميركية الجنرال مارتن ديمبسي بأن أي شخص لديه فهم معقول لما هو مطلوب لهزيمة تنظيم الدولة يعرف أن هناك حاجة لشكل ما من القوات البرية الغربية إذا ما أريد تدمير التنظيم نهائيا.
وختم كوغلين مقالته التي نشرها موقع صحيفة ديلي تلغراف بأنه ينبغي أن يكون هذا هو قالب التعامل مع تنظيم الدولة، بمعنى أن تقوم قوات برية أميركية وبريطانية وغربية أخرى بتقديم مساعدة عملية للجماعات العراقية مثل مقاتلي البيشمركة الأكراد بالإضافة إلى التأكد من إزالة تهديد التنظيم تماما (23).  
إذن؛ وبالرغم من التحالف الدولي الذي يتهيأ لمواجهة داعش، فإن الأمور لا يمكن لها أن تنتهي بالصورة التي تعلق في أذهان الكثيرين؛ لا من المشاركين في الحرب ولا حتى من اكتفى بمقام المتفرج، ولربما من الصعوبة بمكان التحدث بمنطق الحدود الزمانية والمكانية لهذه الحرب الدولية على تنظيم الدولة الإسلامية؛ إذ أن هذا التنظيم لا يعترف بحدود الجغرافيا التي تفصل بين الدول والشعوب، وثمة أوراق رابحة بيد تنظيم داعش تعطيه قدرة في المناورة والمراوغة، فالمساحات الواسعة التي يسيطر عليها التنظيم في العراق وسوريا ومصادر التمويل الهائلة الواقعة تحت تصرفه والأزمة السورية المستعصية عن الحل ومظالم أهل السنة في العراق التي يرفعها تنظيم داعش شعارا في حربه على المرتدين والمارقين؛ كل تلك الأوراق ستدخل ميدان الحرب بين داعش والتحالف الدولي وهو ما سيزيد من عمر الحرب إلى أبعد الحدود.
وربما يصح الحكم على مصير التحالف الدولي الجديد ضد داعش بالفشل المحقق، لأسباب متعددة : فالتحالف يستوجب مشاركة من بلدان المنطقة ككل في هذه الحملة الحاسمة لمواجهة تهديد الدولة الإسلامية، غير أن التباينات السياسية بين تلك الدول قد تُقهقر التحالف، إذا طالت به المُدَّة وتفرعت الأهداف، وما ستفضي إليه من نتائج. فداعش مليشيا مسلحة، تعتمد حرب العصابات، حتى لو كانت لها مراكز ثابتة، ما يعني صعوبة القضاء عليها، أو سيأخذ وقتا طويلا جدا يتجاوز تعداد السنوات في مفاهيم المواجهة المسلحة.
إن الصدام بين داعش والتحالف الدولي بقيادة أمريكا، أمر محتوم لا يمكن تفاديه، وهو ليس مرتبطًا بقتل مجموعة من الرهائن أو ذبح عدد من الصحفيين أو التأثير على مصالح غربية. وحرص الحكومات المحلية على مواجهة داعش، هو كذلك ليس مرتبطًا بعمالة للقوى الكبرى، بل حرص ذاتي مبرره مصادمة النظام العالمي كلّه؛ فدوائر صنع القرار في الولايات المتحدة الأمريكية قائدة التحالف ضد داعش؛ باتت تدرك خطرا حقيقيا يمثله تنظيم الدولة الإسلامية أصبح يصادم نفوذها العالمي ويهدد مصالحها الاستراتيجية في الشرق الأوسط.
تأتي هذه الحرب على داعش في ظل استمرار الأزمة السورية والتي باتت إحدى كوارث العصر الحديث، عجز المجتمع الدولي لثلاثة أعوام عن حلها بالطرق السياسية والمسارات الدبلوماسية، ودخول الحرب الدولية على داعش من شأنه إحراج الفصائل السورية الإسلامية كجبهة النصرة وأحرار الشام بضرورة مناصرة داعش في مواجهة النظام السوري إذا كانوا صادقين في محاربته وإسقاطه. هو النظام السوري نفسه الذي سمح لتنظيم داعش بالترعرع والتمدد على أراضيه السورية بغرض اللعب بورقة الإرهاب وجماعات التطرف والتكفير لتشويه الثورة السورية، هذا من شأنه تصويب الأنظار نحو سوريا وإدخالها في حسبان التحالف الجديد؛ ولعل تصريحات الرئيس الأمريكي باراك أوباما حول ملاحقة مقاتلي داعش وضربهم في العراق كما في سوريا تدور في هذا الإطار. فالحرب على داعش ستتمدد في رقعتها الأرضية وهو ما قد يدفع التحالف إلى التدخل في سوريا جويا وبريا لسحق التنظيم، ومن ثم دعم المعارضة السورية المعتدلة في حربها ضد النظام تمهيدا لإسقاطه وكذلك ضد تنظيم داعش الإرهابي؛ وهو ما يراد فعلا من استراتيجية أوباما للحرب المفتوحة ضد الإرهاب.  
إن الحرب على داعش لن تكون كالحرب على القاعدة في أفغانستان؛ صحيح أنها ستؤدي إلى تراجع داعش أو ربما إنهاء وجوده في مناطق محددة في سوريا أو العراق؛ لكن ذلك لن يؤدي إلى القضاء على التنظيم.
من هنا؛ لن تكتفي قوات التحالف الدولي بالضربات الجويّة على مواقع تنظيم داعش، فلا يمكن الحسم من خلالها مع عدو مثل تنظيم داعش، وجرت العادة أن الأهداف الجويّة المهمّة يتم استنزافها في الـ72 ساعة الأولى، ولذا قد يشعر بأنه مُلزم بحملة بريّة يستطيع من خلالها قياس نجاحه؛ وهو ما تم التكتم عليه في استراتيجية أوباما العسكرية للحرب على داعش ويترافق مع ذلك تصريحات لبعض القيادات العسكرية الأمريكية أن الضربات الجوية وحدها لن تكون ناجعة في إضعاف داعش؛ ومن هذا فإن نافلة القول: أن أمريكا قائدة التحالف الدولي ضد داعش ستجد نفسها مجبرة خلال هذه الحملة على تحريك قواتها البرية نحو العراق تمهيدا لإرسالها إلى سوريا لاحقا بدعوى ملاحقة مقاتلي داعش للقضاء عليهم لأنهم هددوا الولايات المتحدة فلن يكون لهم ملاذا آمنا بحسب تعهدات الرئيس أوباما، وعليه فإن الحرب على داعش ستطول وستتمدد وستؤثر في فرض تغيرات سياسية كبيرة على المنطقة، سترسخ واقعاً سياسياً جديداً في الشرق الأوسط وصولا إلى : “الشرق الأوسط الجديد” الذي تسعى لتأسيسه القوى العظمى.
هذا الواقع الجديد من شأنه إثبات قوى مركزية في المنطقة كإيران وإسرائيل والخليج، إضافة إلى احتمال تقسيم العراق وسورية دويلاتٍ، بناءً على الهويّة الطائفية والعرقيّة. فإن فكرة الاعتماد على القوة لن تقود إلا لتعميق الأزمات المزمنة، ولن تقضي على التطرف، ما دامت جذور وجوده قائمة، من ظلم وطائفية.

 

المصادر والهوامش:
(1)    تابع الفيديو من خلال الرابط :
http://www.youtube.com/watch?v=DTE1bUUMYdw&bpctr=1410293101

(2)    انظر الرابط : http://www.noonpost.net/content/3487
(3)    تابع الفيديو من خلال الرابط :
http://www.youtube.com/watch?v=JKTQX_CGJB0
(4)    انظر الخبر على الرابط :
http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN0GW2PT20140901?sp=true
(5)    انظر الخبر على الرابط :
http://ara.reuters.com/article/topNews/idARAKBN0GY03L20140903?sp=true
(6)    انظر الخبر على الرابط :
http://arabic.cnn.com/middleeast/2014/06/18/iraq-dempsey-urgent-1
(7)    انظر الخبر على الرابط :
http://www.radiosawa.com/content/obama-speech-isis-war/257692.html
(8)    انظر الخبر على الرابط :
http://www.ynewsiq.com/?iraq=&aa=news&id22=8850
(9)    انظر الخبر على الرابط :
http://www.alarabiya.net/ar/arab-and-world/2014/09/10/%D8%A3%D9%88%D8%A8%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D9%8A%D8%B9%D9%84%D9%86-%D8%B9%D9%86-%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B1%D8%A7%D8%AA%D9%8A%D8%AC%D9%8A%D8%AA%D9%87-%D8%B6%D8%AF-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4-.html

(10)    انظر الخبر على الرابط :
http://www.3ajlpost.com/2014/09/suadalfaisal.html
(11)    انظر الخبر على الرابط :
http://www.vetogate.com/1217457
(12)    انظر الخبر على الرابط :
http://www.akhbarak.net/news/2014/09/05/4948844/articles/16284035#
(13)    انظر التفاصيل على الرابط :
http://www.alarabiya.net/ar/saudi-today/2014/09/09/%D8%A7%D8%AC%D8%AA%D9%85%D8%A7%D8%B9-%D9%88%D8%B2%D8%A7%D8%B1%D9%8A-%D8%B9%D8%B1%D8%A8%D9%8A-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D9%81%D9%8A-%D8%AC%D8%AF%D8%A9-%D9%84%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%AC%D9%87%D8%A9-%D8%AF%D8%A7%D8%B9%D8%B4.html
(14)    المصدر السابق.
(15)    انظر التفاصيل على الرابط :
http://www.eremnews.com/?id=62437
(16)    انظر تفاصيل الخبر على الرابط :
http://www.aljazeera.net/news/international/2014/9/17/%D8%A3%D9%88%D8%A8%D8%A7%D9%85%D8%A7-%D9%8A%D9%86%D9%81%D9%8A-%D8%A3%D9%8A-%D8%AE%D8%B7%D8%B7-%D9%84%D8%AA%D8%AF%D8%AE%D9%84-%D8%A8%D8%B1%D9%8A-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B1%D8%A7%D9%82
(17)    انظر تفاصيل الخبر على الرابط :
http://www.albawabhnews.com/794674
(18)    الجزيرة نت، مصدر سابق.

(19)    انظر الخبر على الرابط :
http://www.alamatonline.net/l3.php?id=115575
(20)    انظر تفاصيل الخبر في الرابط :
http://www.alalam.ir/news/1632415
(21)    انظر التفاصيل على الرابط :
http://www.aljazeera.net/news/presstour/2014/9/18/%D8%AA%D8%A8%D8%A7%D9%8A%D9%86-%D8%A3%D9%85%D9%8A%D8%B1%D9%83%D9%8A-%D8%B1%D8%B3%D9%85%D9%8A-%D8%A8%D8%B4%D8%A3%D9%86-%D9%82%D8%AA%D8%A7%D9%84-%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D9%84%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9
(22)    المصدر السابق.
(23)    انظر الرابط التالي :
http://www.aljazeera.net/news/presstour/2014/9/18/%D8%AA%D9%84%D8%BA%D8%B1%D8%A7%D9%81-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D9%85%D9%83%D9%86-%D8%AF%D8%AD%D8%B1-%D8%AA%D9%86%D8%B8%D9%8A%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84%D8%A9-%D8%A8%D8%AF%D9%88%D9%86-%D9%82%D9%88%D8%A7%D8%AA-%D8%A8%D8%B1%D9%8A%D8%A9

*كاتب فلسطيني وباحث متخصص في الشؤون السياسية والدولية

الثقافة

المجلة الثقافية مجلة جزائرية، تسعى إلى خلق فضاء ثقافي وأدبي جاد، وفاعل، ترحب بكل الأقلام الجزائرية والمغاربية والعربية، فهي منكم وإليكم، لا تشترط المجلة من السادة الكتاب سوى النزاهة

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
إغلاق